القدس في رمضان: بهجة خاصة في مدينة ما زالت تبحث عن سلام

تاريخ الإضافة الخميس 23 تشرين الأول 2008 - 3:12 م    عدد الزيارات 12074    التعليقات 0     القسم

        



تمثل القدس معياراً لقوة العرب والمسلمين, فكلما ازدادت قوتهم عاشت آمنة, وكلما انتابهم الضعف أصبحت أسيرة العجز والانهيار.

 

لرمضان.. في نفوس الشعب الفلسطيني -وكما للمسلمين جميعاً- عظيم المنزلة والقداسة, وكعادة المسلمين في كل مكان, كان أهل القدس يحرصون على الاستعداد لاستقبال الشهر المبارك من ليلة النصف من شهر شعبان, بتخزين السمن والسكر والدقيق و(قمر الدين) والمكسرات والفواكه المجففة, وتتنافس عائلات القدس في تجديد فرش المساجد والتكايا وتزويدها بالقناديل الجديدة, وكانت تصرف رواتب إضافية وكميات من السكر والياميش لأرباب الوظائف وطلبة العلم والأيتام والمجاورين والقراء بالتكايا والزوايا. وفي ليلة الرؤية, يجتمع مفتي القدس والقضاة والعلماء بالمسجد الأقصى, فإذا ثبتت رؤية الهلال, انطلق مدفع من العصر العثماني يربض عند باب (الساهرة), وتتألق المآذن بالأنوار, وتوقد القناديل في الأسواق وفي حارات وشوارع القدس العتيقة, وتتجسد البهجة على الوجوه, ويعلن البعض فرحتهم بألعاب الفروسية أو بإطلاق الألعاب النارية, وتتوافد الجموع إلى ساحة الحرم الشريف.

 

وتفيض روح رمضان على أسواق المدينة العامرة ببضاعة رمضان, ويسود جو من الصفاء الروحي بين المقدسيين, فيتحلون بآداب رمضان, وتجري الألسنة بذكر الله واستغفاره, وتتضمن نداءات الباعة تعبيرات مثل: (الصايم في البيت بركة), (الله وليك يا صايم), (الله وليك ومحمد نبيك) و(صلي على النبي تزيد نور).

 

على مائدة الإفطار

كانت (ست الدار) تبدع في إعداد مائدة الإفطار, ومن تقاليد رمضان التي اشتهر بها أهل الشام عموما, ما يسمى بـ (السكبة) أي تبادل إهداء الأطعمة المحببة بين الأهل والجيران.

 

وأكثر المقدسيين يفطرون على منقوع قمر الدين وبضع لقيمات ثم يتوجهون لصلاة المغرب جماعة في ساحة الحرم الشريف وفي مساجد المدينة, والبعض يصلي مع الأسرة جماعة في البيت, ثم يتناولون إفطارهم كاملاً, والحلويات الشامية التي طبقت شهرتها الآفاق تمثل طبقاً رئيسياً عقب الإفطار.

 

وكما كانت عائلات القدس الشهيرة, تقيم ولائم الإفطار للمفتي والعلماء وأرباب الوظائف وشيوخ الطرق الصوفية ونقيب الأشراف ولعامة الناس, كانت تقام أيضا ولائم الإفطار الجماعية, حيث يحضر كل رجل أطيب ما عنده, ليفطر جماعة مع رجال الحي, سواء في بيت أحدهم أو في إحدى (المضافات) أو الساحات.

 

وكان أطفال القدس, عقب صلاة العشاء يطوفون حاملين فوانيسهم في مواكب من الفرحة الملونة والمنورة, منشدين أغانيهم التراثية البسيطة وأهمها (الحواية) فيقولون: (يوحيا.. يوحيا.. حلو الكيس وأعطونا.. أعطونا حلوانا.. صحنين بقلاوة..) ثم يجتمعون بعد طوافهم ليقتسموا النقود والحلوى فيما بينهم!

 

وعقب الانتهاء من صلاة التراويح, كان البعض يتوجه إلى حلقات الذكر التي تقيمها الطرق الصوفية, ويتوجه البعض الآخر لقضاء (السهرة الرمضانية) عند الأهل أو الأصدقاء, بينما يتوجه أكثرهم إلى المقاهي للاستماع إلى (الحكواتي)!

 

وكان (الحكواتي) من أبرز مظاهر ليالي رمضان في القدس, وبلاد الشام عامة, حيث يتصدر المقاهي, وأحيانا (المضافات), مرتدياً زياً مميزاً: السروال الأبيض الواسع و(صديرية) حمراء ومعطفا (غترة) وكان يخصص له - أحيانا - مقعد عال يزدان برسومات من الخيال الشعبي, ويروي شفاهة -أو يقرأ من كتاب- بإيقاع منغم حكايات أبطال السير الشعبية: أبي زيد الهلالي, الظاهر بيبرس, عنترة بن شداد, الأميرة ذات الهمة, وحكايات من ألف ليلة وليلة.

 

وكان هناك أيضاً (الشيخ الطبانجي) الذي ينشد على أنغام الربابة - في المناسبات الدينية - قصائد وأغاني من التراث الشعبي الفلسطيني, وبتغير الأحوال والزمان وتوالي الكوارث, اختفى (الحكواتي) كما اختفى الشيخ (الطبانجي), وشاعر الربابة وخيال الظل وأشياء أخرى جميلة من حياتنا!

 

المسحراتي

كان لكل حي من أحياء القدس, مسحراتي خاص من أبناء الحي, يقوم بعمله كل ليلة حاملا (البازة) يضرب عليها بقطعة من الجلد, وقد يصحبه غلام يحمل فانوسا لينير له الطريق, وينشد المسحراتي بصوت شجي ابتهالات دينية ومدائح, منادياً أصحاب البيوت وأولادهم بأسمائهم (قوموا لسحوركم.. خلي النبي يزوركم)!.. (يا نايم إصحى.. وحد الله), وكان للمسحراتية بالقدس تقليد خاص في ليالي رمضان, حيث يجتمعون في إحدى المقاهي أو المضافات, فيتحلقون حول مائدة مضاءة بالشموع ومع كل مسحراتي (بازة) وفانوس وسلة فواكه ومكسرات, وبعد أن يباركهم (شيخ الطائفة) كانوا يتساجلون بالمدائح النبوية!

 

المساجد والتكايا والزوايا

القدس, مدينة التاريخ, منذ اليوم الذي سطر فيه التاريخ صحائفه الأولى, وحتى يومنا هذا, تحكي أحجار الكنائس والبيوت والمساجد والأسبلة والزوايا والتكايا قصة الإنسان. وهي (بيت الأنبياء) ومن آفاقها امتلأت سماء الدنيا بالإيمان, وبالإضافة إلى المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة, كانت مساجد ومدارس القدس مراكز للإشعاع العلمي والثقافي - كما أشار جميع الرحالة المسلمين والأجانب - حيث كانت تعقد بها مجالس العلم والإفتاء والمناظرات, وتشهد إقبالا رائعا من أعلام الفكر وطلاب العلم الوافدين من أرجاء العالم الإسلامي, خاصة في شهر رمضان, ومن هذه المساجد: المدرسة (الأشرفية) بجوار باب السلسلة (أحد أبواب الحرم الشريف) وبالقرب منها: المدرسة (التنكزية), والمدرسة (الأفضلية) بحارة المغاربة, والمدرسة (الجاولية) عند الزاوية الشمالية للحرم, والمدرسة (الخاتونية) في باب الحديد غربي الحرم, والمدرسة (الطشتمرية) عند ملتقى طريق باب السلسلة وطريق حارة الشرف, والمدرسة الناصرية على برج الرحمة من السور الشرقي للقدس.

 

وقد كان بالقدس وحدها, كما أشار الرحالة التركي (أوليا جلبي) في القرن السابع عشر الميلادي, تكايا لسبعين طريقة صوفية, من أشهرها: (التكية المولوية) بحارة السعدية, التي أنشأتها الدولة العثمانية لأتباع الطريقة (المولوية), و(تكية خاصكي سلطان) في عقبة المفتي, وكان نزلاء هذه التكايا يحظون بالرواتب والأطعمة والملابس, كما يعم الخير أيضاً فقراء الزوايا والأضرحة والملاجئ, فيتذوق المحرومون نعمة الخيرات ويتمتع الجميع بروح التآخي.

 

كما كانت مقامات وأضرحة الأولياء, تحظى بعناية خاصة - قبيل هذا الشهر الكريم - سواء بالإصلاح والترميم أو تقديم الهدايا كالسجاد والقناديل والشموع والبخور وإعداد الوجبات للفقراء وأبناء السبيل باسم (الولي) أو صاحب المقام تبركاً.

 

ومن أشهر هذه المقامات بالقدس: عبادة بن الصامت, سلمان الفارسي, شداد بن أوس, الشيخ ريحان, الشيخ جراح, الشيخ حيدر, شرف الدين موسى العلمي, محمود الأزبكي.

 

ومن الزوايا الشهيرة بالقدس: الزاوية (النصرية) بباب برج الرحمة بالسور الشرقي للحرم, الزاوية (الختنية) خارج السور الجنوبي للمسجد الأقصى, الزاوية (الوفائية) عند باب الناظر بسور الحرم, وزوايا (الدركاه), الشيخ بدر الدين شرفات, المغاربة, (النقشبندية, البسطامية, الرفاعية, الطواشية, اللؤلؤية, اليونسية, الهنود, الصمادية). هذه المساجد والزوايا والتكايا والمقامات, كانت تغص بالعابدين ما بين راكع وساجد, تتضوع منها روائح البخور الزكية, ولا تسمع إلا الدعاء وطلب المغفرة من قلوب سليمة وأرواح تفيض بالإيمان, ودروس الوعظ وحلقات علوم القرآن, وأصوات المقرئين وكأنها أصوات من السماء, في جو من الجلال يسري في النفوس ويهزها بذكر الله.

 

في رحاب الأقصى

كانت مدينة القدس وساحة الحرم الشريف - خلال شهر رمضان - خاصة في العشر الأواخر, تشهد توافد أعلام المسلمين وعامتهم من سائر الأقطار العربية والإسلامية.

 

ومن أجمل ما قرأت (خواطر) د.عبدالوهاب عزام عن زيارته للقدس الشريف في شهر رمضان 1362هـ/1943م, والدكتور عبدالوهاب عزام (1893 - 1959) هو أحد أعلام مصر والعروبة في القرن العشرين, وكان له أطيب الأثر وأجمل الذكر في مجالات السياسة والفكر والأدب, شغل منصب عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة خلال الفترة من 1945 إلى 1948, وعمل سفيرا لمصر في المملكة العربية السعودية وفي باكستان, ثم مديرا لجامعة الرياض.

 

يقول د.عبد الوهاب عزام: (شهدت صلاة العشاء في المسجد الأقصى في رمضان, فلا أنسى ما يستقبل من روعة التكبير ينبعث من جانب المحراب بعيداً كما ينبعث من عالم الغيب. وما أنسى القناديل الخافقة في أرجاء المسجد كأنما ترعد من جلال التكبير, ويأتلف تسبيح المصلين وخفقات الضوء كما تتآلف موسيقى من الأنغام والأشعة, وخرجت أمشي في الساحة الفسيحة الجليلة والرحاب الواسعة في صحن الصخرة وحوله وأشهد الأسوار والأبنية تحدث أخبارها والفكر طيار بين الماضي والحاضر, والبصر حائر في هذه المشاهد الكثيرة المهيبة, والقمر يرسل أشعته تترقرق على قبة الصخرة الجميلة وتنساب بين الجدران والأشجار, والظلال تفصل الضوء فتكتب سطراً من الجمال رائعا, أو تخط آية من آيات السجدة في هذا الحرم العظيم يقرؤها كل ذي قلب فتسجد جبهته أو يسجد قلبه.

 

تركت الحرم وملء نفسي هذا الجمال والجلال, وملء قلبي ذكر وعبر. ولما خرجت من باب العمود تأملت سور المدينة وقد علا البدر وراءه فتخللت شرفاته الأشعة وبدت كأنها فلول سيف قارع الحادثات طويلاً, وأبلى في الخطوب دهوراً.

 

عدت إلى المسجد مرة أخرى يتلفت طرفي وقلبي وأتأمل هذه المشاهد مرة بعد أخرى كما يحرص القارئ على حفظ آية تروعه أو بيت من الشعر يعجبه, ثم جلست في رفقة كرام خارج باب العمود أتأمل السور الضيق, والقمر من ورائه مرة أخرى. قلت لا بد من زيارة في ضوء النهار يحيط فيها البصر والفكر بهذه الساحة العظيمة وما يتقسمها من أبنية, فكم دخلت إلى هذا المكان فما استوعبه فكري ولا أحاط بأرجائه نظري.

 

هذا يوم الجمعة لستٍ بَقَيْنَ من رمضان عام اثنين وستين وثلاثمائة وألف وقد اقترب الظهر وأنا منحدر في شارع باب العمود. دخلت من باب العمود إلى الطريق المدرج ذي الدرجات الواسعة الوطيئة التي تهبط أو تصعد بالسابل يكاد لا يحس الانحدار والصعود, ومررت بهذه العقود الحانية على طريق التاريخ إلى البيت المقدس تحمل الأبنية العالية كأنها عقود السنين تنوء بما تحمل من أحداث وذكر. والسابلة ميمنة شطر المسجد يهتدي بسيرها من لا يهتدي طريقه. شهدت في الحرم جمعة قبل هذه فإذا عيد إسلامي يشترك فيه الرجال والنساء والأطفال, الآباء والأمهات في صلاة, والأطفال في رحاب الحرم يمرحون, ولكن اليوم يوم الجمعة اليتيمة وقد حرص على شهودها في المسجد الأقصى كثير من أهل بيت المقدس والبلاد القريبة, وهذه الوفود تتوالى في أزياء المدن والقرى, وقد تقسمت المصلين مصليات كثيرة في فناء الحرم رضي بها من أشفق من الزحام في المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

 

وكبر إمام المسجد فتوالى التكبير بعيداً فانتفضت هذه الجماعات قياما, وأحكمت صفوفها وتوالى تكبيرها. ما أعظم هذا مشهدا جميلا رائعاً! وقفت أتلفت إلى الجماعات المتفرقة في أرجاء المسجد ثم أحرمت فلم يمنعني خشوع الصلاة من أن أجيل الطرف أمامي: هذه قبة المسجد الأقصى وأبنية أخرى تتخللها أشجار باسقات, وأمامي على بعد جماعة من النساء اصطففن عند حجرتين عليهما قبتان, وإلى اليسار جماعة أخرى من النساء وقفن مع عمد جميلة تعلو بئراً من آبار الحرم, وبعدها ذات اليسار جماعة أخرى عند العقود المشرفة على الدرج المؤدي من باب القبة القبلي إلى باب المسجد الكبير وبعدها جماعة من الرجال.

 

ورأيت قبل الإحرام جماعة ذات اليمين في الفناء الأدنى, وأخرى خلفنا فوق صحن الصخرة المرتفع. فمازلت أراها بقلبي مع هذه الجماعات التي يدركها البصر أمامي. قلت لنفسي إنك في شغل عن الصلاة بهذه المشاهد. قالت: إني أشغل عن صلاة بصلاة, وأخرج من صلاتي المفردة إلى صلاة الجماعة. ودوى التكبير بعيدا فركعت هذه الجماعات وكدت أعجب لماذا لا تركع هذه الأشجار القائمة, وقد ركعت الصفوف كلها, وذكرت الآية {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه}.

 

وصلينا ركعتين هما عندي سجدة واحدة متصلة.

 

شرف الخطابة

ودخلنا الحجرة التي تواعدنا اللقاء بها فرأيت على بعد خطيب المسجد الأقصى يمر إلى حجرته وهو في حلة خضراء وعمامة صلاحية, وهو زي يتوارثه خطباء المسجد الأقصى من عهد صلاح الدين, وهم من بني جماعة الكنانيين توارثوا هذا المنصب منذ القرن السادس إلى يومنا هذا, وإنه لشرف عظيم.

 

كانت خطابة الجوامع الكبيرة منصبا مشرفا في تاريخ المسلمين, وكثير من علمائنا يلقبون بالخطيب. وكانت هذه المناصب متوارثة يخلف فيها الأبناء الآباء وتحرص الأسر على شرفها, كما كانت في تاريخنا بيوت تعرف بالقضاء وأخرى بالفقه وهكذا. ذهبت إلى حجرة الخطيب فزرته وتشرفت بمجالسته قليلا ثم رجعت إلى حجرة الموعد ووافانا في موعدنا من الزمان والمكان الأستاذ المخلص فسرنا نطوف في أرجاء الحرم. بدأنا بقبة الصخرة ننظر ما كستها الصناعة والتاريخ من حلي أحدثها الرخام المجزع الذي فرغ منه المهندسون المصريون منذ سنوات قليلة. ولست أستطيع أن أحدث عن تاريخ هذه القبة العظيمة منذ شيدها عبدالملك بن مروان إلى عصرنا هذا ولا أن أصف هندستها وجمالها وحلاها وأبهتها فقد ضمنت هذا كتب وصور كثيرة, ثم هبطنا إلى الساحة المحيطة بصحن القبة على أحد السلالم المحيطة به. ولهذه الدكة تسعة سلالم ذوات درج طويل على كل منها عمد تنتظمه عقود فوقه, ومشينا ذات اليمين نساير السور الغربي من أسوار الحرم وقد توالت بجانبه أبنية تنميها عصور مختلفة, وتخلد عليها ذكرى كثير من سلاطين المسلمين.

 

وحول أسوار الحرم من الداخل والخارج أبنية كثيرة كانت مدارس عمرت بالأستاذين والطلاب زمنا طويلا, ودرّت على المعلمين والمتعلمين بها خيرات كثيرة. وما أحراها اليوم أن تكون مأوى لعلماء من المسلمين يؤمونها من أقطار الأرض فيتداولون الإقامة بها والتدريس بالحرم حينا! ما أجدر هذا التاريخ بأن يحفظ, وما أخلق هذه الذكريات بأن توعى! وكم اتصلت بهذه المدارس من تواريخ العلماء والأدباء.

 

ورأينا فيما رأينا هناك المدرسة الأشرفية التي شادها السلطان الصالح المعمر الذي تشهد له اليوم آثاره في بيت المقدس ومكة والمدينة ومواضع كثيرة في القاهرة ذلكم السلطان أبو النصر قايتباي رحمه الله. وقد عجبت إذ قرأت فيما قرأت من ألقاب السلطان المنقوشة على البناء لقب (الإمام الأعظم) وما عرفته قبل اليوم لأحد من السلاطين. وقد صعدنا منارة المدرسة فأشرفنا على مرأى جليل من الجبال والأبنية القديمة والحديثة وكأنما أشرفنا على عصور من التاريخ. وعلى مقربة من المدرسة سبيل جميل للأشرف برسباي من سلاطين المماليك. وقد جدده السلطان قايتباي سنة ثمان وسبعين وثمانمائة, ثم السلطان عبد الحميد العثماني وقد سمي في الكتابة التي على السبيل بالخليفة الأعظم. وفي ساحة الحرم كثير من السبل والآبار الجميلة وانتهى بنا السير مع هذه الآثار والذكر إلى التكية البخارية وهي التي اتخذت متحفاً إسلامياً, بعد أن ضم إليها قسم من مسجد النساء.

 

لبثت في المتحف الإسلامي حتى سمعنا النداء فخرجنا لنشهد صلاة العصر في المسجد. فلما قضيت الصلاة طوفنا في المسجد, فرأيناه في جلاله ورونقه. والمسجد اليوم سبعة أروقة تمتد مع طوله من الشمال إلى القبلة أوسطها الرواق الأعلى الذي ينتهي إلى قبة المحراب العالية الرائعة. وكان طول المسجد, فيما سمعت, من الشرق إلى الغرب, وكان امتداده من القبلة, إلى الشمال أقل مما هو اليوم.

 

وإذا أدخلنا في مساحة المسجد مصلى النساء ومسجد عمر كان طوله كما كان من قبل ممتداً بين الشرق والغرب. والمسجد يشبه جامع بني أمية العظيم الذي في دمشق, ولكن جامع دمشق أضخم بناء وأعلى عمداً وأحكم صنعة, وعرض مصلاه قليل وطوله مفرط. ورحم الله بني أمية لقد بقي على الدهر بناؤهم, وثبتت على رجفات الزمان آثارهم فلا تزال دمشق وبيت القدس وقرطبة تشهد لهم بما شيدوا وما عمروا.

 

ووقفت عند المنبر الجميل الذي صنعه, وجمل شكله, وأخرجه صانعان من حلب طرفة من الصناعة ليس فيها مسمار, ولكن دقائق من الخشب متماسكة ومتعاشقة. وقرأنا عليه اسم الملك الصالح نور الدين محمود وابنه.

 

وقد حدث التاريخ أن هذا المنبر صنع والمسجد في أيدي الصليبيين ليوضع فيه بعد الفتح. وما كان الفتح ليستعصي على هذه العزيمة وهذا الإيمان. ثم وضعه في موضعه الذي هو فيه اليوم الملك الناصر صلاح الدين.

 

قال الإخوان: اصعد فتأمل أعلى المنبر فصعدت وكأنما احتشدت أمامي الجموع التي شهدتها هنا القرون, والحادثات التي داولتها العصور. قلت: ما أخطب هذا المقام وما أخطب هذا المنبر! قال أحد الرفاق: وإنك لجدير به, قلت: يوم نظفر بما ينبغي لهذا المسجد وأهله من سلام وعزة, يوم تكون أقدامنا جديرة بمكانها من هذا المنبر (منبر التاريخ)!

 

وإلى جانبي المسجد من جهة القبلة مصليان متصلان به يمتدان من جدار القبلة إلى الشرق والغرب ولا يتسعان إلى الشمال بل عرضهما يقارب عرض رواق واحد من المسجد, وهما يبدوان كأنهما جناحان لهذا المسجد المبارك الذي يصعد بالأرواح كل حين, فالذي إلى يمين المصلى مسجد النداء, ويصلي فيه النساء كل يوم. وقلّ أن يخلو المسجد الأقصى من مصليات قانتات يذهبن جماعات إلى الصلاة ومعهن أطفالهن أحياناً. وهي سنة إسلامية حميدة شهدتها في جوامع الشام واسطنبول أيضاً.

 

وأما المصلى المبارك الذي إلى يسار القبلة شرقي المسجد فيحمل الاسم العظيم والذكرى الخالدة, اسم أمير المؤمنين عمر فاتح بيت المقدس رضي الله عنه وأرضاه. ويقال إنه المصلى الذي أمر عمر باتخاذه حينما دخل المسجد الأقصى.

 

إفطار مع العاكفين

وضيفت الشمس للغروب فذهبت إلى حجرة الموعد معتكف الوزير التقي (السيد المجددي) للإفطار مع العاكفين. وصلينا المغرب في قبة الصخرة وعدنا فبسطت سفرة وضعت عليها ألوان من الأطعمة الشهية, وأحاطت بالمائدة وجوه مشرقة تتجلى فيها الطهارة الإسلامية طهارة الجسد والروح والظاهر والباطن. قعدت بين هؤلاء الإخوان البررة الذين صفت قلوبهم ووجوههم واجتمعوا على البر والأخوة في هذه البقعة المطهرة, فخلت هذه المائدة صفا للصلاة, وهذا الأكل الشهي أسلوباً من العبادة!

 

وقد تمنيت أني معتكف مع المعتكفين ووددت أن أظفر بهذه السكينة في حجرة من هذه الحجرات في رمضان من العام المقبل).

 

وإذا كان د.عبدالوهاب عزام قد طوى تلك الساعات القليلة وتلك الآثار الجليلة في فكره وقلبه! على حد تعبيره, فإنني أطوي القلب حزناً على ما يحدث اليوم في زمن العجز والتردي العربي تجاه إرهاب دولة الاحتلال, وفلسطين المغتصــبة تستصــــرخ (المعتصم) فلا تجد غير الصدى!

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

خطبة تحرير بيت المقدس

التالي

في الدعوات للمشاركة في الانتخابات لبلدية القدس

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة

السبت 16 أيار 2020 - 4:07 م

أفكارٌ على طريق التحرير 4رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة عن عَبْد الله بْن عمر رَضِي الله عنهُمَا، قَالَ: سَمعْتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم يَقُول: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ ال… تتمة »

وليد الهودلي

أبو طير الصقر الأشمّ في سماء القدس

السبت 9 أيار 2020 - 8:35 م

 الشيخ محمد أبو طير يتجاوز خط الثلاثين سنة في السجون، يُعتقل من جديد ولا أدري كم عدد اعتقالاته من كثرتها، الذي أدركه تماما والذي رأيته بأم عيني أنه كالطود الشامخ لا تلين له قناة، يحلّق دائما في أعالي … تتمة »