فيلم "مملكة السماء".. المنطق الغربي في التعامل مع قضية القدس

تاريخ الإضافة الأحد 12 تشرين الأول 2008 - 10:12 م    عدد الزيارات 4873    التعليقات 0     القسم

        



 

بمناسبة إعلان القدس عاصمة للثقافة العربية لعام 2009 من قبل وزراء الثقافة العرب, وبدء الاحتفالات لتنفيذ هذا الإعلان, وهو الأمر الذي رفضته دولة العدو, انطلاقاً من رفض عروبة القدس, من الحري بنا أن ننتبه جيداً كيف يتم طرح قضية القدس بشكل مسموم عبر بعض القنوات الفضائية العربية.

 

وقد أعادت قناة MBC2 في شهر حزيران 2008 عرض فيلم "مملكة السماء" Kingdom of Heaven (صدر عام 2005), وهو فيلم اعتقد كثيرٌ من العرب والمسلمين أنه يعاملهم بشيء من العدالة, أو على الأقل بشكل أقل سوءاً من التشويه التقليدي للعرب والمسلمين في هوليوود. ويعبّر البعض عن هذا الرأي مع أنّ الفيلم يطرح الصراع على القدس, وفي الأراضي المقدسة, باعتباره صراعاً يسعر أواره "المتطرفون من الجهتين", باعتباره صراعاً دينياً عقائدياً فحسب, صراع قناعات فردية وذاتية متصلبة, لا أساس موضوعياً لها, بين المسلمين العرب والمسيحيين الأوروبيين (الصليبيون الذين كان العرب يسمونهم الفرنجة). وهذا الصراع في الفيلم صراع أهوج ومجنون لا يأخذ بالاعتبار قضية الاحتلال الاستيطاني الأوروبي للأرض العربية, أرض المسلمين والمسيحيين العرب, والمجازر التي حلّت بهم على يد الفرنجة, فمنطقه يتجاهل البعد القومي للصراع ليركز على البعد الديني فحسب, لتصبح رسالته بناءً عليه رسالة تعايش بين الأديان ونبذ للتطرف.... وليعامل الجلاد والضحية, والمحتل الأجنبي والعربي المطرود من أرضه, في النهاية على قدم المساواة!!!

 

وبما أنّ القدس هي جوهرة الصراع التي تكثف معانيه وتختزلها, فإن المعركة حول القدس تصبح محور الفيلم. والقدس تظهر وكأنها محاطة بالصحراء من كل جانب, كما تظهر الكرك بأنها صحراوية أتى الصليبي باليان لكي يعلم أهلها كيف يحفرون الآبار ليسقوا الزرع! وقد سبق أن كشف نقاد آخرون طريقة فيلم "مملكة السماء" في تمييع الصراع وتشويه طبيعته وفي إنكاره لعروبة القدس (أنظر مقالة أحمد الرمحي "أكاذيب مملكة الخلاص" الذي سبق أن نشر في (العرب اليوم) عند صدور الفيلم). لكن أخطر رسالة في الفيلم تبقى الطريقة التي يطرح فيها مفهوم الانتماء والهوية, وهي أساس تمييع الصراع. ويقول بطل الفيلم "باليان أبلين" (الممثل أورلندو بلوم) مخاطباً صليبيي القدس, وهو يقود ما يحاول أنْ يصوره الفيلم معركة دفاع عن المدنيين الفرنجة في القدس العربية المحتلة, في مواجهة القوات القادمة لتحريرها من بعيد, كأنها تغزو بلداً أجنبياً غريباً:

"لقد آل الأمر إلينا أن ندافع عن القدس, وقد هيأنا استعداداتنا على أفضل ما يمكن أن نهيئها. لم يأخذ أحدٌ منا هذه المدينة من المسلمين. ولم يكن مسلم في الجيش العظيم الآتي ضدنا قد ولد عندما فُقدت هذه المدينة. فنحن نقاتل بسبب إساءة لم نقترفها, ضد من لم يكونوا أحياء ليستاؤوا. ما هي القدس? إن أماكنكم المقدسة (يا صليبيين) مشيدة فوق المعبد اليهودي الذي هدمه الرومان. وأماكن عبادة المسلمين تقع فوق أماكن عبادتكم. فأيها أكثر قداسة?! الحائط (حائط المبكى)? أم المسجد (الأقصى)? أم الكنيسة (كنيسة القيامة)? من له حق الملكية? لا أحد! الجميع! ونحن ندافع عن هذه المدينة, ليس لحماية تلك الحجارة, بل لحماية الناس الذين يعيشون ضمن هذه الجدران".

 

وفي الحوار الذي يجري بعد معركة القدس بين بطل الفيلم "باليان أبلين" والناصر صلاح الدين حول شروط تسليمها تظل شخصية صلاح الدين في الفيلم, الممثل غسان مسعود, يقول لباليان قائد حامية القدس: "مدينتكم..." أو "مدينتكم كذا... مدينتكم Your city" حول القدس, وكأن صلاح الدين يمكن أن يقول مثل هذا القول عن القدس للفرنجة!! ولكنها جزء من الرسالة المسمومة نفسها التي تدخل لعقل المشاهد العربي والمسلم دون أن يعي.. ثم يسأل باليان صلاح الدين الأيوبي: "ما هي قيمة القدس?", فيجيب صلاح الدين: "لا شي!", وهو يسير مبتعداًً, ثم يضيف: "كل شيء!". وكأنه يؤكد ما سبق أن قاله القائد الصليبي باليان لحامية القدس قبل المعركة بأنها ليست سوى حجارة تكمن قيمتها فيما يمنحه الناس لها من قيمة, بينما الناس هم القيمة. ولعل ما يؤكد ذلك هو الحوار التالي بين باليان وصلاح الدين قبلها خلال المفاوضات بينهما:

- صلاح الدين لباليان: "هل ستسلمون المدينة?".
- باليان: قبل أن أخسرها, سأحرقها للأرض, أماكنكم المقدسة, أماكننا, حتى أخر شيء في القدس يدفع الرجال إلى حد الجنون!
- صلاح الدين: أعجب إن لم يكن من الأفضل أن تفعل ذلك..

 

معركة تحرير القدس في الفيلم تظهر مدى بسالة وشجاعة الحامية الصليبية الصغيرة المدافعة عنها في مواجهة جيش مسلم عرمرم. النصر الإسلامي يظهر في الفيلم وكأنه نتيجة عاملين: 1) قرار باليان بحقن الدماء بعد معركة مجيدة, مما أدى لتسليمها تسليماً, 2) غباوة القيادة العسكرية والسياسية للصليبيين الذين ذهبوا بجيشهم لملاقاة جيش صلاح الدين في حطين, بالرغم من احتجاجات باليان الذي أصر عليهم أن يبقوا الجيش في القدس للدفاع عنها بدلاً من إرساله للموت المؤكد. وهو الأمر الذي عنى تدمير القوة الأساسية للفرنجة في حطين, وبالتالي سقوط الجيش الإسلامي المنتصر برمته فوق رأس الحامية الصغيرة في القدس. بالرغم من ذلك, لم يتمكن المسلمون من تحرير القدس العربية المحتلة بالقتال, إلا عندما سلمها باليان لهم تسليماً. وبالمقابل, يشهد الفيلم للمسلمين بأنهم لم يجزروا الصليبيين كما فعلوا بالمسلمين والمسيحيين العرب عندما احتلوها قبل قرنٍ من ذلك التاريخ تقريباً. ولكن ذلك, حسب الفيلم, كان من شروط تسليم القدس التي وضعها باليان على صلاح الدين!!!

 

والأهم من هذه الرسائل الصغيرة, كما سبقت الإشارة, يبقى المنطق الذي يسربه الفيلم للمشاهد في التعامل مع قضية القدس. فالقدس, حسب الفيلم, ملك من ولدوا فيها, والجيش القادم لتحريرها لا شأن له بها لأنّ أحداً فيه لم يكنْ قد ولد عندما احتل الصليبيون القدس. وبالتالي فإنّ أهلها الفرنجة يتعرّضون للعدوان من المسلمين بسبب خطأ لم يرتكبوه, فهم مظلومون إذن! وعلى أية حال, لا يعني شيئاً القول إنّ المدينة كانت للعرب أو للمسلمين قبل أن يحتلها الأوروبيون, لأن المسلمين احتلوها من الرومان, والروم احتلوها من اليهود, فهي لليهود بالأساس لو أردنا أن نحاجج بأنّ المدينة كانت قبل الأوروبيين للعرب... والأفضل أن تكون الأراضي المقدسة, وجوهرتها القدس, ليست لأحد, بل للجميع, والأهم من الحجارة المقدسة هم الناس الذين ولدوا فيها... وهم الآن من الأوروبيين, أو اقرأ, من اليهود...

 

وهنا بيت القصيد, وهذا أخطر جزء من الفيلم في الواقع لأنه يمثل المنطق الغربي في التعامل مع قضية القدس, لأنه يمحو عروبتها وهويتها القومية والحضارية.

 

وبما أن هذه الرسالة تتكرر بوسائل الإعلام الغربية تكراراً, وبما أنها تمثل جوهر موقف الجناح الأكثر تنوراً في الغرب تجاه القدس, من غير المؤيدين بدون تحفظ للصهاينة, فمن الضروري أن ننتبه جيداً لها, وأن نفندها بقوة, لأنها في الواقع أخطر من الزعم بأن القدس يهودية بالكامل, وهو ما يبدو نوعاً من التعصب المرفوض. فهي رسالة تقول إنّ القدس يهودية بالأساس, ولكنها الآن لمن يعيش فيها من بشر, بغض النظر, ومن ولدوا فيها, وأماكنها المقدسة أقل أهمية من ذلك, وهي بلا تاريخ فعلياً إلا بالنسبة للبشر الموجودين فيها. وهذه الرسالة يتأثر بها عدد من الشباب العربي, خاصة ممن يتابعون الأفلام على القنوات المجانية, كما يتأثر بها الشارع الغربي.

 

في البداية, لا بد من الإشارة لمسألة منهجية, وهي أن العقل الغربي, خاصة في زمن العولمة, يعني بتهميش الروابط القومية والحضارية, وبالتالي فإن مرجعية الحكم على الأشياء تصبح فردية, وكأن الفرد يوجد في فراغ خارج التاريخ والذاكرة والوجدان القومي والحضاري, أي خارج الانتماء العربي والإسلامي في حالتنا.

 

كذلك لا تستطيع الشركات متعدية الحدود, المعنية باستباحة كل الكرة الأرضية, استثماراً وسوقاً, أن تحافظ على فكرة "ذاكرة المكان" أو أن تفهمها.. ليس فقط ذاكرة الشخص للمكان, ولكن هوية الأرض نفسها بغض النظر عن الفرد الذي يعيش فيها. فالصراع منذ البداية كان على تحديد هوية الأرض. والأرض لها هوية.. والصراع اليوم في فلسطين ما زال على هوية الأرض, فهي إما عربية أو يهودية. ولكن التاريخ يظهر أن فلسطين عربية منذ أقدم العصور, والكنعانيون الذين استوطنوها مع لبنان وسوريا في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد قدموا من شبه الجزيرة العربية, ولذلك كانت تسمى الأرض "أرض كنعان", واللغة الكنعانية بالمناسبة من جدات اللغة العربية.

 

والعبرانيون قدموا إلى فلسطين كمحتلين, وأقاموا فيها كغزاة محتلين ممالك لم تسيطرْ يوماً على كامل فلسطين, وقد كان الكنعانيون في فلسطين قبلهم وخلال وجودهم وبعدهم... أما الهيكل اليهودي المزعوم في القدس, فلم يتمكّن أحد من إثبات وجوده من عدمه, أو من إيجاد أي أثر له, ولو وجد يوماً ما, فإن ذلك لا يغيّر كون الكنعانيين وجدوا في فلسطين قبل ألفية ونصف على الأقل من العبرانيين, إذا أردنا العودة للجذور التاريخية, مع العلم أن العبرانيين ليست لهم أية علاقة وراثية باليهود الغربيين الذين انحدروا من ممالك الخزر في آسيا الوسطى, والذين لا يعتبرون من العرق السامي كالعرب, ولكن الذين يسيطرون على مفاصل الكيان الصهيوني اليوم بذريعة هيمنة العبرانيين يوماً على فلسطين كاحتلال.

 

ولكن بغض النظر عن كل هذا التاريخ, الذي لا نستطيع طبعاً أنْ نغض النظر عنه, فإنّ ثمة مشكلة فلسفية بطريقة الغربيين بالنظر لكل الأمور باعتبار الفرد -المقطوع من التاريخ- مرجعيتها الأساسية. أما الكتلة الاجتماعية (الأمة) التي ينتمي إليها الفرد, والامتداد الوجداني للفرد في الجماعة وللجماعة فيه (الثقافة المشتركة العربية-الإسلامية), فهي التي يتم تهميشها هنا وشطبها. والفرق ما بين فرد صيني وفرد فرنسي وفرد عربي مثلاً هو بالضبط اختلاف هذه الروابط القومية والحضارية التي بات ينظر لها بعين الريبة والتسخيف في زمن العولمة. و"الحجارة المقدسة" التي يتحدث عنها الفيلم ليست إلا تعبيراً عن تراث تلك الأمة وعن هوية الأرض. ففلسطين جزء من الوطن العربي كما يقول البند الأول من الميثاق الوطني الفلسطيني غير المعدل, وهذا يعني بالضرورة أن تحريرها مسؤولية كل عربي, والمسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين, وهذا يعني أن القدس مسؤولية كل مسلم أيضاً. وفقط عند تقطيع هذه الروابط القومية والحضارية يمكن أن يتحدث أحد عن القدس وكأنها بلا تاريخ وبلا هوية, فالفيصل هو الرابط القومي والحضاري, وبدونه يصبح من الطبيعي أن نتحدث عن الغزاة وكأنهم أهلها الأصليون, وعن جيش تحريرها وكأنهم هم الغزاة.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

المكتبة الخالدية

التالي

القدس وعكا... البداية

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة

السبت 16 أيار 2020 - 4:07 م

أفكارٌ على طريق التحرير 4رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة عن عَبْد الله بْن عمر رَضِي الله عنهُمَا، قَالَ: سَمعْتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم يَقُول: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ ال… تتمة »

وليد الهودلي

أبو طير الصقر الأشمّ في سماء القدس

السبت 9 أيار 2020 - 8:35 م

 الشيخ محمد أبو طير يتجاوز خط الثلاثين سنة في السجون، يُعتقل من جديد ولا أدري كم عدد اعتقالاته من كثرتها، الذي أدركه تماما والذي رأيته بأم عيني أنه كالطود الشامخ لا تلين له قناة، يحلّق دائما في أعالي … تتمة »