مؤسسة الأقصى حاضنة الرجال الأوفياء

تاريخ الإضافة الأحد 31 آب 2008 - 9:11 ص    عدد الزيارات 3565    التعليقات 0     القسم

        



الأقصى... هذا المسجد المنتصب بكل معاني ومعالم الأنفة والشموخ يستقطر الدموع من جراحات أبنائه... هذا المسجد الذي ظلّ عصيّاً على الاقتلاع والتذويب والطمس يبدو اليوم كئيباً حزيناً، يتحوّل صراخه إلى هذيان وإلى أكوام من حجارة وأزقة وحارات يجول فيها الغرباء أيمّا تجوال، يصولون ويعربدون ويفتكون وينشرون كل خبيث في ساحاته، يدمّرون معتقداته وقيمة وأخلاقياته، ويأتي إغلاق مؤسسة الأقصى كمحاولة خطيرة لتفريغ هذه المدينة من نسيجها المكاني والتاريخي والاجتماعي والديمغرافي.

 

غير أنها -مؤسسة الأقصى- هذه الأم، والأخت والحبيبة، هذه الطاهرة، وحاضنة الرجال الأوفياء، والتي فيها ولدت محبة الأقصى والقدس وبها تقوم بشائر الخير والبقاء ، "ولاّدة"... وبعد مخاض عسير لفلسطين ومعايشة لآلام وكبائر تدور رحاها بين ضلوعها صرخ مولودها اليافع الواعد "مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية" ترضعه من أثدائها الجافة العطشى، ومن شذرات الحنان الدافي المنبعث من صيحات الله أكبر.

 

ضمّت مؤسسة الأقصى نخبة من رجالات ومن نسوة فلسطينيات هن شقائق الرجال، كل من موقعه الشيخ والنائب جنباً إلى جنب مع القاضي ورجل الأعمال.

 

صرخت القدس، ونادى الأقصى فهبّ هؤلاء جميعاً، كما المنتفضين من كل ردينة ، لا يطلبون عطايا، ولا مراتب، ولا أوسمه أو وجهات.. وكان إنجازاً.. يكبر المولود يوماً بعد يوم. صار اسمه عنواناً, وصار عنوانه ملتقى وملاذاً لكلّ من وهنت إرادته وعزيمته يوماً, أو خارت قواه أمام نشوة أو نزوة عابرة تسللت إليه في غياب أسرة رشيدة واعية أو قدوة صالحة.. يتردّد هؤلاء الفتية من كافة الأعمار والمنابت والطوائف والثقافات... ولا يغادروها إلا وقد امتلكوا من ناصية الإرادة والعزيمة والتوبة ما يؤهّلهم لأنْ يصبحوا قادة اجتماعيين ورجالاً وشباباً صالحين..

 

ولهذا تهافتت المؤسسات المحلية والإنسانية والعربية والإسلامية لنصرة هذا السائر على طريق من نذروا أنفسهم قرابين لإنقاذ الأقصى وكل المقدسات في كلّ فلسطين من واحدة من أهم شرورها، "التهويد" هذه المعركة القادمة الأخطر، طوفان يلتهم الأمة ويلغي ذاكرتها وإبداعاتها ويفقدها القدرة على المشاركة في الوثبة الحضارية التي نعيش.

 

تنظر إلى شيخ الأقصى ورافع لواء الدفاع الشيخ رائد صلاح لتجده لا يزال مسكوناً بهموم القدس والأقصى والمقدسات كلّها وحتى في ساعات فرحه تلحظ في عينيه لمعاناً  كانعكاس بقايا دموع ساخنة, ورغم طابع التفاؤل الذي يغلب عليه، إلا أنّه كثيراً ما ينقلب إلى إنسان آخر تراه عابس الوجه مقطب الجبين زائغ  النظرات.. ولما سأله أحدهم مباغتاً عن هذا التبدل في الرؤى والمزاج، أجابه: "كيف لي أنْ أعبر لحظات فرحٍ كامل دون أنْ ينغصني أبناء شعبي وأنا أراهم من حولي هائمين على وجوههم وكأنهم في يوم الحشر وتنقصني الحيلة والإمكانات لأمدّ يد العون لهم ليستعيدوا قوامهم ويحثون الخطى ليدفعون بإقدامهم إلى الحركة.. وأخاف أنْ يصلوا إلى مرحلة تخذلهم فيها أقدامهم وتعصى أوامرهم لتبقى ملتصقة بهذا الواقع المرير لا تقوى على محاربته. وهم يعايشون مرحلة من الإهمال والنسيان مما قد ينتهي الحال بموت زاحف نحو القدس الحبيبة والأقصى الغالي وبتبعات المخاطر الماحقة التي يهدّد بها الاحتلال المدينة وساكنيها. كيف لي أنْ أظلّ أمارس سعادتي كل الوقت وأنا أرى أخوةً لي في قطاع غزة يتحوّلون إلى أجسادٍ خاوية بعد أنْ مورس عليهم هذا العدوان والحصار الجائر، وبرغم كلّ هذه الانتهاكات ومحاولة فصل أرواحهم عن أجسادهم إلا أنهم لا زالوا يتعلقون في سماء قطاعهم الحبيب ومدنهم التي انقلب حالها في ليالٍ ثلاث إلى جحيم من النيران وشوّهت القذائف ملامح المئات من وجوه أشخاصهم وابتلع الرعب سكونهم، ليفرغ شبح الموت المدن والمخيمات والحارات من محتواها".

 

ولما عاوده السؤال عن واقع المدينة "القدس" عاود شروده مجدّداً غير أنّه تابع وكأنّه لم يسمع سؤاله: "لم يكن سهلاً على أهالي الأراضي المحتلة عام 48 والضفة الغربية وقطاع غزّة والأمتين العربية والإسلامية هجر مدينه القدس عاصمة فلسطين أو الابتعاد عنها، فقد امتزج تاريخهم بتاريخها وارتبط ميلاد أجدادهم بميلادها، وامتدّت جذورهم إلى أعماق أديمها، وقباب مآذنها وكنائسها، وتكونت ملامحهم في رحمها ونضج نموهم في أحضانها. ونشؤوا وترعرعوا وفرحوا ومرحوا في أحيائها إلا أنهم يتجرّعون مرارة الافتراق عنها مجبرين مغلوبين على أمرهم، فإمّا البقاء والموت وإما إخلاؤها، وآثروا  إنقاذ أنفسهم وأطفالهم من الهلاك الذي ظلّ يلاحقهم على الحواجز والجسور والموانئ والمطارات، فهل يعودون إلى حبيبتهم لإحيائها وتعميرها من جديد؟ أما آن الأوان أنْ يقفوا ويفكّروا بهذا السقوط القادم الذي تتعرّض له المدينة ومقدساتها وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك؟".. ويقاطعه جليسه بعد أنْ ظنّه قد أفرغ ما يعتري في خاطره وفؤاده: "الله يسمع منك يا شيخ رائد, ويكون النصر, إلى جانب قدسنا وأمتنا".

 

"ولكنه ليس بالأمر الهيّن, وشعبنا يُلقي به الاحتلال كالفضلات خارج مداخلها ومعابرها، والعالم يتفرّج علينا ولا يحرك ساكناً, ولا يعنيه  سوى إرضائهم برغم إذلالنا"... وظلّ يواصل حديثه والدمع يبلّل لحيته التي تسلّل إليها البياض، وتختلط شهقاته المتحسّرة وتساؤلاته المتوسلة: "من يدري؟ قد يداهمنا الاحتلال على حين غرّة كما داهمنا مرات ومرات ونكّل بنا واقتادنا إلى المسكوبيّة وهدّدنا بإغلاق مؤسسة الأقصى, وها هي المؤسسة الإسرائيلية قد نفذّت هذا القرار, فكما هو الحال في تنفيذ قرارٍ بإعدامي.. لا أريد شيئاً من هذه الدنيا سوى مواصلة حمل الرسالة التي وهبت نفسي أنا والحركة الإسلامية ومؤسسة الأقصى وكلّ الشرفاء من أجلها ولن يكون هنالك تراجع ونحن من القدس مؤسسات وأفراداً وعائلات وأطفالاً ونساء وشيوخاً مع مؤسسة الأقصى وضد كلّ المشاريع المستهدفة تهويد القدس والأقصى، وسنبقى على العهد  ندافع عنها إلى أنْ يختارنا الله العليّ القدير إلى جواره معطّرين مزيّنين برائحة وعطر القدس مدينتنا وعاصمتنا وبلدنا وفي جوف ترابها الحاني".

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

إغلاق مؤسسة الأقصى... تغييب الشاهد

التالي

متى ستبحر سفننا نحو القدس؟!

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

عن أفئدة المغاربة التواقة للقدس

الخميس 28 أيار 2020 - 4:34 م

تعرفت خلال الأعوام القليلة الماضية إلى عددٍ كبير من الإخوة الأعزاء من المغرب العربي الكبير، ثلة من الأفاضل والدعاة والكتاب والعاملين، قلة قليلة منهم يسر الله لقاءهم مباشرة في غير ميدان ومدينة، أما الج… تتمة »

علي ابراهيم

رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة

السبت 16 أيار 2020 - 4:07 م

أفكارٌ على طريق التحرير 4رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة عن عَبْد الله بْن عمر رَضِي الله عنهُمَا، قَالَ: سَمعْتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم يَقُول: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ ال… تتمة »