ديمة السمان تفتح أبواب الرواية العربية حول القدس

تاريخ الإضافة الأربعاء 18 حزيران 2008 - 11:29 ص    عدد الزيارات 5673    التعليقات 0     القسم

        



صدرت رواية برج اللقلق للأديبة الفلسطينية ديمة جمعة السمان عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة عام 2005، وتقع الرواية التي أخرجها فنياً عمر حماد علي في جزأيْن، الجزء الأول 206 صفحات من الحجم الكبير، والثاني 146 صفحة من الحجم الكبير أيضاً، غير أنّ الرواية لم تدخلْ إلى فلسطين إلاّ ببضع نسخٍ أحضرها أحد المسافرين إلى مصر للمؤلفة نفسها، والتي تكرّمت وأهدتنا نسخة منها. هذا وقد ولدت ديمة جمعة السمان في القدس الشريف وتلقّت تعليمها في مدرسة شميدت، وبعد الثانوية درست "علم اللغات" في جامعة بيرزيت. حاصلة على دبلوم عال في الإخراج التلفزيوني، واشتغلت في الصحافة حيث عملت في بعض الدوريات التي كانت تصدر في القدس... ومنها:

 

مجلة الأسبوع الجديد، مجلة مع الناس، صحيفة الصدى، صحيفة مرايا.. شغلت عضواً منتخباً في الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين. متزوجة من المحامي علي أبو هلال، وأنجبا ثلاثة أطفال: يارا، يزن، وراني. تعمل الآن مديراً عاماً في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية. كتبت القصة القصيرة، الخاطرة، المقالة، إضافةً إلى أعمالها الروائية وهي:

- القافلة، صدرت عن منشورات دار الهدى في كفر قرع عام 1992.

- الضلع المفقود، صدرت عن دار العودة للدراسات والنشر في القدس في كانون ثاني 1992.

- الأصابع الخفية: صدرت عن منشورات دار الكاتب في القدس عام 1992.

- جناح ضاقت به السماء، صدرت عن مؤسسة إبداع للنشر في أمّ الفحم عام 1995.

 

وبرج اللقلق التي نحن بصددها الآن، وبهذه الرواية تفتتح الأديبة ديمة السمان باب العمل الروائي الذي تدور أحداثه في القدس القديمة، ولم يسبقْها في ذلك سوى الأديب محمود شقير في رائعته "ظلّ آخر للمدينة" التي تعتبر وبحقّ يوميات لمدينة القدس، أو سيرة مدينة، إضافةً إلى جوانب من مذكّرات الكاتب نفسه وذكرياته في المدينة المقدسة، لكن الروائية ديمة السمان التي سبق وأنْ أدخلت القدس في روايتها الأولى "القافلة" تعود إلينا هذه المرة برواية من ألفِها إلى يائها عن مدينتها القدس، فأحداث هذه الرواية في القدس وأبطالها مقدسيّون من أسرة مقدسية واحدة، واسم الرواية يحمل "برج اللقلق" أحد المعالم التاريخية المشهورة في مدينة القدس وتحديداً في حارة باب حُطّة في القدس القديمة.

 

ويمتدّ زمن الرواية قرناً كاملاً تقريباً، أيْ من أواخر العهد العثماني حتى نهاية القرن العشرين، وديمة السمان التي تلتقط الأحداث بعينيْ صقرٍ والمستمعة لدبيب النمل كثيرة السؤال وكثيرة الاستماع إلى ما تجود به جعبة والديها وأجدادها وشيوخ وشيخات مدينتها عن تفاصيل التفاصيل عن الحياة التي عاشوها، وحتى التي نقلوها بالتواتر عن آبائهم وأمهاتهم فيما يتعلق بالمدينة المقدسة، كيف كانت، وكيف أصبحت، عدا عن قراءتها الدؤوبة لكل ما يكتب عن تاريخ المدينة المقدسة، وما كتبه عنها الرحالة الذين زاروها، عدا عن معاصرتها الشخصية للأحداث في العقود القليلة الماضية، فهي ابنة المدينة التي ولدت وترعرت ولا تزال وستبقى فيها، وإذا كانت القدس تشكّل أحد هموم كلّ عربي ومسلم ومؤمن، فإنّ هموم القدس تشكّل همّاً شخصياً لكاتبتنا، ومن هنا جاءت روايتها لتشكل إضاءة جميلة لسيرة هذه المدينة التي أرهقتها الاحتلالات والغزوات المتعاقبة عليها.

 

وقد اختارت الكاتبة أنْ يكون المكان الرئيس لأحداث روايتها "برج اللقلق" الذي يحمل اسم الرواية، وهو مكان تاريخي تصفه الكاتبة في السطر الأول من الرواية قائلة: "هناك في الطرف الشرقي الشمالي لسور مدينة القدس العظيم.. داخل عمق البلدة القديمة يقع بيت آل عبد الجبار.. في منطقة اسمها برج اللقلق من حارة باب حُطّة".

 

وبرج اللقلق منطقة مرتفعة تُشرف على المسجد الأقصى المبارك، ويشرف على جبال القدس، وعلى معالم المدينة الدينية والتاريخية، من مساجد وأديرة وكنائس ومدارس ومتاحف وبالتأكيد أنّ الأطماع الاستيطانية التي تستهدف المكان هي التي استفزت مشاعر الكاتبة، خصوصاً وأنّ عائلتها المقدسية تسكن هذا المكان منذ مئات السنين، فكان هذا البركان الذي انفجرت حممه بهذه الرواية.

 

وقد استهلت الروائية روايتها بوصف دقيق للمكان، ثم شرعت تتحدث عن الأوضاع الاقتصادية البائسة في أواخر العهد العثماني التي عاشتها الأسرة التي يتناوب أبناؤها البطولة الروائية جيلاً بعد جيل، إنّها أسرة "آل عبد الجبار" التي دفنت الجد الأول للأسرة في باحة البيت قرب شجرة "بطمة" عمرها مئات السنين. فكان قبره وسيرته منارة يهتدي بها أبناء وأحفاد العائلة، يعيشون على أمجاده ويسيرون على هديه، ويستمدون منه العزيمة والإرادة الصلبة.

 

ففي أواخر العهد العثماني، تمّ تدمير الاقتصاد، وازدادت الضرائب، وازداد نهب الأتراك لخيرات البلاد، وازداد الظلم والمظالم، ومع ذلك فإنّ أسرة عبد الجبار التي توارثت السيادة الاجتماعية لم تستسلم، فكان رأسها دائم البحث عن مصدر رزق جديد، فبعد أنْ أغلق حانوته لضيق ذات اليد عمل "عتالاً" في باب الخليل، وخاض صراعات مريرة مع معشر "العتالة"، الذين رأوا فيه منافساً عنيداً لمهنتهم ومصدر رزقهم، وبعد صراعات أدخلته السجن، عمل حطاباً، يحتطب من البراري، ويخزن حطبه في مغارة "الهيدمية" وهي كهف عظيم تزيد مساحته عن الدونم الواحد، لا يزال قائماً تحت مقبرة باب الساهرة ما بين باب العامود وباب الساهرة، وهنا توغل الكاتبة في وصف الأحوال المعيشية للمقدسيّين، كما تصف المدينة نفسها، حيث كانت تغلق أبواب القدس القديمة من ساعات الغروب وحتى شروق الشمس، لحماية المدينة من اللصوص والغزاة، ومن الذئاب المفترسة، حيث كانت الضباع تصل إليها، وكانت أزقة المدينة القديمة تضاء بمصابيح الزيت التي كانت توضع على مفارق الزقاق، ثم تتحدث عن مقاومة المقدسيّين بشكلٍ خاص والشعب الفلسطيني بشكلٍ عام للأتراك الذين طغوا وتجبّروا وعاثوا في الأرض فساداً، إلى أنْ جاء الانتداب البريطاني، حيث انفرجت الأوضاع الاقتصادية، وانتهى عصر المجاعة الذي صاحب أواخر العهد العثماني، لكن ذلك كان مصاحباً لفتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين تمهيداً لإقامة الدولة العبريّة على أرض فلسطين، مما دعا الفلسطينيين إلى المقاومة وكان لأسرة "آل عبد الجبار" وخصوصاً رأسها دور رئيس في المقاومة.


وتحصل النكبة الأولى في عام 1948 حيث هزمت الجيوش العربية التي بنى الفلسطينيّون عليها آمالاً كبيرة، وتعرج الكاتبة بعد ذلك إلى ثورة 23 يوليو 1952 في مصر والتي قادها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي توالت المؤامرات عليه لإضعافه وإسقاط حكمه، فكان العدوان الثلاثي على مصر في 29 تشرين أول 1956 لتتوالى الأحداث إلى أنْ تصل إلى حرب حزيران 1967 والتي احتلت فيها "إسرائيل" ما تبقّى من فلسطين التاريخية، إضافةً إلى صحراء سيناء المصرية، وهضبة الجولان السورية. وتتواصل المقاومة ويسقط الشهداء من آل عبد الجبار ومن غيرهم، ثم تأتي حرب تشرين عام 1973ويليها في العام 1977 زيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات لـ"إسرائيل"، واتفاقيات "كامب ديفيد" إلى أنْ انفجرت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في كانون أول 1987 وليشارك فيها الشعب الفلسطيني بمختلف أعمار أبنائه بدءاً من الأطفال ومروراً بالشباب وانتهاء بالشيوخ.

 

وتطرح الكاتبة في الرواية قضية العمالة للاحتلال من خلال "ليث" حفيد عبد الجبار من ابنته نفيسة الذي سقط في براثن العمالة من خلال الجنس والمخدرات فباع العقارات للمحتلين، ووشى بالمقاومين، وليقتل في أواخر الرواية على يد والدته بعد أنْ عاد إلى رشده دون علم والدته، واستعدّ للقيام بعملية استشهادية يكفّر فيها عن ماضيه الأسود، ولتنتهي الرواية بأنْ تفجّر والدته نفيسة "الحفيدة" نفسها بالحزام الذي كان معداً كي يفجّر ليث نفسه به.

 

الأسلوب:

استعملت الكاتبة في روايتها أسلوب السرد الروائي الذي يطغى عليه عنصر التشويق الذي يوقِع القارئ في حباله، ولا يتركه إلا وقد أتى على الرواية بجزأيها رغم طول صفحاتها، ويلاحظ أن الروائية قد أدخلت أسلوب الحكاية ولو بشكلٍ قليل في روايتها، وهي قضية لا تكاد تخلو منها أية رواية.

 

الخيال:

القارئ لأعمال الروائية ديمة السمان لا يحتاج إلى كثيرٍ من الذكاء ليقف على الخيال الجامح الذي تتحلّى به، وخيالها في هذه الرواية هو من باب الخيال الواقعي الذي يصهر القارئ في حيثيات العمل الروائي. ويبدو أنّ مضمون الرواية هو الذي سيطر على الكاتبة فدمجت الخيال بالواقع، وخرجت لنا برواية تشكل إضافة نوعية للرواية العربية، ومتميزة فيما يكتب عن المدينة المقدسة.

 

اللغة:

تكثر الكاتبة من الصور البلاغية والتشبيهات الجميلة في روايتها مما يدغدغ مشاعر القارئ الحاذق، لكن الرواية لا تخلو من الأخطاء المطبعية، والنحوية، ويبدو أنّ الناشر لم يهتمْ بالتصحيح اللغوي بعد صفّ الرواية على الحاسوب.

 

الأمثال الشعبية:

استعملت الكاتبة عشرات الأمثال والحكم والأقوال الشعبية لدعم مواقف شخوص روايتها، وقد استعملت هذه الأمثال في مواقعها الصحيحة، مما يشير إلى أنّ الروائية المقدسيّة تتحلّى بثقافة شعبية واسعة، وهذه قضية لصالحها ولصالح أعمالها الروائية.

 

ملاحظة:

تحرّكت في الرواية عشرات الشخصيات التي سيطرت عليها الكاتبة بشكلٍ قوي، لكن يؤخَذ عليها أنّ أسماء الأحفاد كانت مثل أسماء الأجداد، فمثلاً علي بن عبد الجبار بن علي بن عبد الجبار بن علي.. الخ ونفيسة هي حفيدة نفيسة، ومع أنّ هذه المعضلة في الأسماء موجودة في مجتمعنا بشكلٍ واسع، إلاّ أنّها تضع القارئ في حيرة من أمره في تحديد الفوارق بين شخصية الجد وشخصية الحفيد.


ملاحظة أخرى: كنا نتمنّى على دار النشر لو أنّها وضعت على الغلاف الأخير للرواية نبذة عن حياة المؤلفة، للتعريف بها في العالم العربي، خصوصاً وأنّ هذا هو العمل الأدبي الأول الذي ينشر لها في العالم العربي.

 

وماذا بعد:

قضية تثلج الصدور أنْ تصدر رواية للأديبة ديمة السمان عن الهيئة المصرية العامة للكتاب وهذا ليس غريباً عن أشقائنا في مصر، لكنْ هذه الرواية لم تصلْ إلى الأراضي المحتلة، فهل تقوم وزارة الثقافة الفلسطينية أو اتحاد الكتاب الفلسطينيين بإعادة نشرها في فلسطين، هذا ما نأمله وما ننتظره.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

الفرح والابتهاج وصية

التالي

لقاء مع النائب أحمد أبو حلبيّة رئيس مكتب مؤسسة القدس الدوليّة في غزة

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

عن أفئدة المغاربة التواقة للقدس

الخميس 28 أيار 2020 - 4:34 م

تعرفت خلال الأعوام القليلة الماضية إلى عددٍ كبير من الإخوة الأعزاء من المغرب العربي الكبير، ثلة من الأفاضل والدعاة والكتاب والعاملين، قلة قليلة منهم يسر الله لقاءهم مباشرة في غير ميدان ومدينة، أما الج… تتمة »

علي ابراهيم

رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة

السبت 16 أيار 2020 - 4:07 م

أفكارٌ على طريق التحرير 4رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة عن عَبْد الله بْن عمر رَضِي الله عنهُمَا، قَالَ: سَمعْتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم يَقُول: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ ال… تتمة »