وضع القدس.. بائسٌ وعصيب

تاريخ الإضافة الثلاثاء 3 حزيران 2008 - 10:35 ص    عدد الزيارات 3716    التعليقات 0     القسم

        



"يوم القدس" يحيي "المعجزة" التي حدثت لنا في حرب حزيران، حيث انحرف الملك حسين في حينه عن حذَرِه المفرِط وهاجم "القدس الغربية". هو لم يقصدْ احتلالها وإنما لإرضاء المصريّين الذين ضغطوا عليه للخروج إلى الحرب.

 

حكومة "إسرائيل" تردّدت في البداية في استغلال هذه الفرصة المتاحة أمامها والتكفير عن خطئها بفقدان الحيّ اليهودي في الحرب السابقة. "لماذا نحتاج هذا الفاتيكان"، سأل وزير الدفاع موشيه دايان. أمّا زلمان شازار رئيس الدولة حينئذ فقد توقع أنّ سيطرتنا على الأماكن المقدسة للديانات السماوية الكبرى الثلاث ستدخلنا في حربٍ أبدية مع العالم الإسلامي.

 

هناك شكّ في أنّ المجابهة بين اليهود والعرب كانت ستقصر حتى لو أصغت الحكومة لتحذيرات وزرائها اليقظين، ولكنْ من الواضح أنّ مستقبل المدينة هو أحد اللبنات الأساسية والعقبات التي تقف في طريق تسوية علاقاتنا مع العالم العربي. لولا احتلالنا لها لبقيت هناك قيمة هامشية في خيال المسلمين للقضي- ولكن ما إنْ أصبح اليهود مسيطرين على المدينة كلها حتى تحوّلت "القدس" إلى لب الموقدة.

 

ليس لهذا السبب فقط تعتبر قضية القدس مثل الشوكة في جسمنا بينما أيضاً لأنّ ضم "القدس الشرقية" وبناتها قد أضعف المدينة ولم يعمّقْ من سيطرتنا عليها. "يوم القدس" هو إنتاجٌ وطنيّ عام وهدفه تقليص هذه الحقيقة العكرة، ولكنْ نصف الشعب فقط يقع في إغرائه.

 

وفقاً لكلّ المقاييس التي يمكن بواسطتها تقدير درجة السيطرة يتبيّن أنّ العاصمة تضعف باستمرار وبسرعة. أولاً التناسب الرقمي بين سكان المدينة اليهود والعرب يميل لصالح العرب. مع الاحتلال كانت نسبة العرب خُمس عدد السكان في القدس أمّا الآن فقد أصبحوا 40 في المائة تقريباً. إنْ قرّروا تجسيد حقّهم في الانتخاب المتاح لهم فلنْ تمرّ إلا سنوات حتى يكون رئيس البلدية عربي. وهكذا يفقد اليهود إبّان سيطرتهم على المدينة تحديداً تفوّقهم الديمغرافي الذي تمتعوا به بدءاً من نصف القرن التاسع عشر.

 

ثانياً: الضمّ شجّع بصورة غير مباشرة تغيّر العلاقة الرقمية بين اليهود العلمانيين والأصوليين من سكان المدينة لدرجة أنّه يتوقّع قريباً أنْ يصبح عدد الأوائل ربع السكان اليهود فقط. السبب الأساسي من وراء ذلك هو الفوارق في معدّلات التكاثر والتي يترافق معها رحيل العلمانيين الأثرياء وعزوفهم عن البقاء في المدينة ذات النفقات العالية والمداخيل المنخفضة.

 

هذه عملية تسرّع نفسها وتوصِل العاصمة إلى مستوى اقتصادي يماثل أفقر دول "إسرائيل". صورة المدينة تغطّي على فقرها، لأنها تبرز البناء الشعبي الفاخر ومشاريع المواصلات الضخمة وأماكن اللهو الباهظة جداً التي يقدِم عليها الأثرياء اليهود في "الشتات".

 

ثالثاً: الاحتكاك بين اليهود والعرب لن يتمخّض عن سيرة حياة مشتركة وإنما زاد العداء أواراً. التمييز الصارخ ضدّ المواطنين العرب ووسائل الدفاع العنيفة في مواجهة كراهيّتهم المتزايدة تحوّل مظاهر "المدينة التي استعادت لحمتها" و"مدينة السلام" إلى مهزلة.

 

الإلحاق واسع النطاق والتركيبة الديمغرافية لسكان المدينة وازدياد المجابهات في داخلها حدّة يتسبّب في تصاعد الأصوات في العالم الداعية إلى فرض تطبيق نظامٍ دولي عليها. الاعتراف الزاحف بسيادتنا على جزءٍ من المدينة تراجع بسبب النزعات التي دفعتنا إلى امتلاكها كلّها ومضاعفة مساحتها بثلاث مرات.

 

احتمالية تقسيم المدينة تقلّ، وثمن الافتراق يزيد غلواً، لأننا قمنا بدقّ إسفينٍ استيطانيّ في قلب الأحياء العربية. البرامج الدعائيّة من أجل القدس في التلفاز لم تنجحْ في إحداث تغيّرٍ في وضع العاصمة والنصيحة التي تتضمّنها ("إنْ كانت تشتعل في نفوسكم أيضا نار الخلود") لن تغيّر الحقائق الديمغرافية والاقتصادية والسياسية التي تبلور مستقبل عاصمة "إسرائيل" العصيب.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

ثلاثة توابيت باب الأقصى والمغاربة

التالي

للقدس معراج الفرح

علي ابراهيم

عن أفئدة المغاربة التواقة للقدس

الخميس 28 أيار 2020 - 4:34 م

تعرفت خلال الأعوام القليلة الماضية إلى عددٍ كبير من الإخوة الأعزاء من المغرب العربي الكبير، ثلة من الأفاضل والدعاة والكتاب والعاملين، قلة قليلة منهم يسر الله لقاءهم مباشرة في غير ميدان ومدينة، أما الج… تتمة »

علي ابراهيم

رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة

السبت 16 أيار 2020 - 4:07 م

أفكارٌ على طريق التحرير 4رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة عن عَبْد الله بْن عمر رَضِي الله عنهُمَا، قَالَ: سَمعْتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم يَقُول: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ ال… تتمة »