مكتبة المسجد الأقصى المبارك (ماضيها وحاضرها)

تاريخ الإضافة السبت 20 تشرين الأول 2007 - 9:36 م    عدد الزيارات 28378    التعليقات 0     القسم

        



تمهيد:
 الحمد لله رب العالمين، على جليل فضله وكريم نعمه، الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الإسراء والمعراج، ورحمة الله للعالمين... وبعد:
فإنّ لمدينة القدس مكانة فريدة تتميّز بها عن مدن الأرض، فهي المدينة التي تستأثر بتقديس نحو ثلثيْ سكان المعمورة من أتباع الديانات السماوية، وهي الأرض التي بارك الله تعالى حولها، وقد أشار القرآن الكريم إليها في أكثر من آية، وذكر مسجدها الأقصى الذي أُسرِيَ إليه برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه كان عروجه إلى السماوات العلى، قال تعالى في أول سورة الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، كذلك أكّدت الأحاديث النبوية على مكانة القدس في الإسلام، فجاء في الحديث الشريف "لا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"، والأقصى الشريف هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومن هنا استمدّت المدينة قدسيتها ومكانتها الدينية والحضارية.
بيْد أنّه من قدَرِ مدينة القدس أن تكون في معظم حقب تاريخها ميداناً للنزاعات والحروب والصراعات، فأصبح تاريخها شديد التعقيد كثير التداخل، ولا غرابة في ذلك فموقعها الإستراتيجي ومكانتها الدينية جعلها مطمعاً لكثير من الأمم منذ العصور القديمة حتى عصرنا الحالي، فقد تداعت عليها الأمم من كل حدب وصوب منذ أسسها الكنعانيون في نحو الألف الثالث قبل الميلاد حتى اغتصبتها "إسرائيل" عنوة عام 1967م.
 وتواجه مدينة القدس معركة حضارية من أضخم ما عرفت في أيّ وقت من تاريخها، ألا وهي التصفية الحضارية والتفريغ الثقافي وعمليات التهويد، لقد عمل الاحتلال اليهودي ولا يزال يعمل بكل صفاقة على محو الحضارة العربية الإسلامية وطمس معالمها في مدينة القدس.
وبعد هذه الهجمة الصهيونية الشرسة على القدس زهرة المدائن، ومدينة السلام، ومهبط الإسراء، وموضع المعراج، وثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين، ألا تستحقّ منا العمل الدؤوب في سبيلها بالدراسة والبحث من أجل رد الظلم عنها، وإحقاق الحق لها، وبيان دورها في بناء الحضارة الإنسانية.
ومناحي الدراسة في مجال الحضارة العلمية والفكرية في القدس كثيرة، متشعبة الجوانب، ومتعددة المرامي، وبحكم التخصص، فقد وقع الاختيار على موضوع "مكتبة المسجد الأقصى الشريف" لدراسته باستفاضة واستجلاء جوانبه وبيان دور هذه المكتبة في بناء النهضة العلمية والحضارة الإنسانية، باعتبارها مؤسسة من المؤسسات الثقافية المهمة في القدس على مر العصور، كل ذلك يتم دراسته بقدر ما تسمح به المصادر وما تتوسل إليه الاستنتاجات.
أهمية الدراسة:
 إنّ التأريخ لنشأة المكتبات الإسلامية ودراسة أوضاعها هو تاريخ للفكر الإسلامي والحضارة الإنسانية طوال الحقب التاريخية المختلفة، حيث قامت هذه المكتبات بدور رئيسي في بناء هذه الحضارة.
 لقد قامت هذه المكتبات في بلاد العالم الإسلامي ومنها القدس، بنشر الثقافة والعلوم الإسلامية، وبناء المجتمع العلميّ في هذه البلاد، وتوحيد الصلات العلمية بين أفراد هذا المجتمع من ناحية، وبينهم وبين شعوب الغرب من ناحية أخرى، حيث امتدّت إشعاعات المكتبات الإسلامية لتبدّد دياجير الجهل الذي ران على عقول أهل الغرب وقلوبهم أزماناً طويلة، وخاصة في العصور الوسطى، مما كان له أكبر الأثر في بناء الحضارة الغربية التي ينعم بها العالم اليوم.
وهذا الدور المشرف للمكتبات الإسلامية لا ينكره إلا أعداء الأمة العربية والإسلامية وعلى رأسهم الصهيونية والإمبريالية العالمية ومن يسيرون في ركابهم من المستغربين، لقد أصبحت الغزوة الحضارية التي تتعرض لها أمتنا العربية والإسلامية لا تشمل حاضرها وحده، ولا تهدّد مستقبلها فحسب، بل هي بالدرجة الأولى تتناول ماضيها، بهدف تشويه هذا الماضي والفصل بين الجيل الحاضر وتراثه الفكري والعلمي وماضيه الزاهي التليد، لكي تقتله من جذوره، لأن غزاة الفكر –أعداء الأمة العربية– يعرفون أنّ أمة بلاد ماضي هي أمة بلا مستقبل.
 وهنا يجب التأكيد على أنّ العودة لدراسة التراث الفكري والعلمي للأمة العربية الإسلامية لا تعني رفض التجديد والتغنّي بأمجاد الماضي، بل العكس هو الصحيح، فكلّ حركة بعثٍ أو تجديد حقيقية تبدأ بالعودة لهذا التراث لتستلهم قيمه وتستخرج جوهره، ومن ثم يمكن القول إن كل فكر قادر على التغيير هو فكر يبدأ بقراءة معاصرة للتراث، فدراسة التراث هي دراسة للماضي لبناء الحاضر واستشراف المستقبل، وعلى هذا يتوجب علينا الاهتمام بدراسة تراثنا المكتبي وتأصيله، كي نعرف ماضينا الذي نهتدي من خلاله لمستقبلنا.
 إن أعداء الأمة العربية الإسلامية يدركون جيداً أهمية ذلك التراث ويدركون أيضاً أنه لا يمكن أنْ توجَد أمة بلا تاريخ وبلا تراث، وأنّه لا مستقبل لمنْ لا ماضِيَ لهم، فالصهيونية تفتعل تاريخاً مزيفاً ليس له أيّ دليل عقلي أو واقعي، لتشويه تراث بقعة غالية على نفوسنا ألا وهي مدينة القدس. ومن ثم تبرز قيمة مكتبة المسجد الأقصى التي تقتني تراثاً عريقاً، ولكنّه مهدد بالضياع نتيجة التحدي الحضاري الذي يواجه هذه الأمة في هذه البقعة الحساسة من الوطن العربي، وهذا التراث التليد في حاجة إلى من يحافظ عليه ويعتني به من أفراد ومؤسسات.
من هذا المنطلق تبرز أهمية دراسة موضوع "مكتبة المسجد الأقصى" للتعرّف إلى تاريخها ونشأتها وتطورها وإلقاء الضوء على حاضرها، باعتبارها دعامة من دعامات الحضارة العربية الإسلامية في جانبها المعرفي، ومنبراً من منابر التنوير الثقافي، ومصدراً لنشر العلوم والمعارف، ودراسة هذه المكتبة تعني في تراثنا الشيء الكبير، وتعني في حضارتنا الشموخ، وتعني في واقعنا الامتداد والأصالة.
 فالمكتبات لدى أية أمة، تعتبر مرآة تحاول أنْ تنظر من خلالها لترى حقيقتها الثقافية والعلمية، والمتتبع لمسيرة تاريخ الحضارة العربية الإسلامية لا يجد مفراً من التسليم بقضية جوهرية، وهي أنّ ازدهار هذه الحضارة قد واكبتها ودعمتها مكتبات أجيد بناؤها فنياً وإدارياً، وأعدت مقتنياتها للبحث والتنقيب العلمي.
 ولا أريد الاسترسال في بيان أهمية هذه الدراسة، بل تكفي الإشارة إلى أنّ الدراسة والأبحاث في تاريخ المكتبات المقدسية قليلة العدد والعدة، وتكاد تكون نادرة، بل لا نغالي إذا قلنا إنّ كثيراً من الباحثين والدارسين يتجنبون مشقة البحث في هذه الموضوعات والتصدي لدراستها، لا لصعوبتها فقط بل لقلة مصادرها وتبعثر معلوماتها أيضاً.
هدف الدراسة:
 تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن جانب من جوانب إشراقات الماضي، وامتداد الحاضر، وهي "مكتبة المسجد الأقصى المبارك". وعلى ذلك يمكن بلورة مجموعة الأهداف التفصيلية على النحو التالي:
1- التعرف إلى نشأة المكتبات وانتشارها من خلال ما تنبئ به دراسة الحياة العلمية والثقافية في القدس.
2- التعرف إلى نشأة مكتبة المسجد الأقصى وتطوّرها خلال العصور المختلفة.
3- بيان الوضع الراهن لمكتبة المسجد الأقصى من حيث: الموقع، المجموعات، التنظيم، العاملون ومؤهلاتهم، الخدمات التي تقدمها المكتبة، المعوقات والمشكلات التي تعاني منها المكتبة.
4- اقتراح بعض الحلول المفيدة لمعالجة المشكلات التي تعاني منها المكتبة، على هيئة مجموعة من التوصيات.
منهج الدراسة:
 لدراسة هذه الموضوع، اعتمد الباحث على أساليب منهجية تتناسب مع القضية أو العنصر المدروس منها:
* المنهج التاريخي الذي يستند إلى استرداد الماضي لفحص أحداثه تبعاً لما تركه من آثار فكرية للاعتماد عليها في تكوين حقائق جديدة، وقد تم استخدامه في دراسة النشأة التاريخية للمكتبات المسجدية بما فيها مكتبة المسجد الأقصى في جانبها التاريخي.
* منهج دراسة الحالة الذي يتميز بالتعمق أكثر مما يتميز بالشمول أو اتساع المجال، ويُعَد هذا المنهج منهجاً تحليلياً واستكشافياً للعوامل المتشابكة ذات الأثر في كيان المكتبة ومقوماتها المختلفة، وقد تم استخدامه في دراسة الوضع الراهن لمكتبة المسجد الأقصى.
ومن الأدوات التي تم استخدامها في جمع المادة العلمية عن الموضوع:
* الزيارات الميدانية: حيث تمت زيارة مكتبة المسجد الأقصى ورؤيتها على الطبيعة ومقابلة المسؤولين عنها.
* قائمة المراجعة: وتحتوي على (46) سؤالاً تحيط بكل عناصر المكتبة ومقوماتها، تمّ استيفاؤها من خلال مقابلة المسؤولين عن المكتبة. وتوجَد منها نسخة في آخر هذه الدراسة.
* الملاحظة: حيث لاحظ الباحث المجموعات على الرفوف.
* هذا فضلاً عن التقارير والمطبوعات عن المكتبة.
وقد حاول الباحث –جهد الطاقة– التقصّي المنظم للحقائق العلمية والتاريخية المرتبطة بالموضوع، لاستنباط ما قد يندّ عنها من معلومات وأفكار تخدم أهداف الدراسة وتحقق أغراضها.
نطاق الدراسة وحدودها:
 تمتد هذه الدراسة لتغطي مكتبة المسجد الأقصى وكل ما يتعلق بها، ابتداء من تاريخها ونشأتها وتطورها عبر العصور وحتى وضعها الراهن وكل مكوناتها المادية والبشرية، وقد اقتضى الأمر للتعرف إلى هذه النواحي، توسيع نطاق الدراسة لتشمل التاريخ لظهور ونشأة المكتبات في القدس مع التركيز على مكتبات المساجد باعتبار أن مكتبة المسجد الأقصى –مجال الاهتمام في هذه الدراسة– تمثل مرفقاً رئيسياً للمعلومات في منظومة المكتبات المقدسية.
وتغطي الدراسة من الناحية المكانية مدينة القدس بحدودها الجغرافية والسياسية المعروفة، أما من الناحية الزمنية فتمتدّ منذ الفتح الإسلامي للقدس سنة (17) هجرية حتى الآن وهي فترة مليئة بالمتغيرات السياسية والثقافية والعلمية التي انعكست بدورها على حركة المكتبات في القدس وخاصة مكتبة المسجد الأقصى المبارك.
 وحاول الباحث –في نطاق الحدود السابقة– تقديم أكمل صورة ممكنة للمكتبات المقدسية بصفة عامة ومكتبة المسجد الأقصى بصفة خاصة، ولا أدّعي الكمال لهذه الدراسة، أو أنّ البحث قد جمع فأوعى، ولكنها محاولة متواضعة وجهد المقل في هذا الصدد، فما كل ما يتمنى المرء يدركه، فقد عجزت مصادر الدراسة في بعض الأحيان عن تحقيق مثل هذا الكمال المنشود.
المصادر والدراسات السابقة:
 من بين المشكلات التي تعوق الباحث، في دراسة تاريخ المكتبات في العصور المختلفة، ندرة المصادر وقلة المراجع التي تمكنه من كشف النقاب عن هذا التاريخ، والوقوف على الأوضاع العلمية والفكرية التي كانت سائدة وقتئذ.
 وهذا الأمر –في تقديري– هو الذي يفسر إحجام كثير من الباحثين عن الخوض في دراسة مثل هذه الموضوعات، بيْد أنّ هذا الوضع لا يحلّ المشكل بقدر تحديثه واقتحامه بحثاً ودراسة وتنقيباً.
وكان على الباحث ليقتحم هذه العقبة، قراءة ومراجعة كمٍّ هائل من الكتب التراثية التي تمثل مصادر أولية أصلية لاستخراج المعلومات من بطونها التي تفيد الدراسة وتشبع عناصرها بالمعلومات، وتحسن الإشارة إلى نماذج منها مثل: مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام لابن سرور المقدسي، والأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل لمجير الدين الحنبلي، والفتح القسي في الفتح القدسي للعماد الأصفهاني، وغيرها كثير، كذلك تم الرجوع إلى أبحاث المؤتمر الثالث لتاريخ بلاد الشام (1980م) وخاصة المجلد الثالث وهو عن القدس يضاف إلى ذلك مؤلفات ابن القدس المرحوم كامل العسلي وخاصة مؤلفه القيم "معاهد العلم في بيت المقدس" وتحسن الإشارة في هذا المقام إلى أنه تم الرجوع إلى كتاب يوسف العش الموسوم بـ"دور الكتب العربية العامة وشبه العامة لبلاد العراق والشام ومصر في العصر الوسيط".
 والمعلومات التي تذكرها هذه المصادر –أو غيرها مما يماثلها– تتميز بعموميتها وتتسم بندرتها، فضلاً عن أنها غير مباشرة أو كاملة أو حتى وافية عن حركة الكتب والمكتبات في القدس، ومع هذا فقد استفاد الباحث من هذه المصادر في بحثه هذا وأشار إلى ذلك في حينه.
 ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام إلى أنّ الباحث قد عثر -أثناء فحصه المصادر المختلفة– على بعض الوثائق التي تتعلق بالكتب والمكتبات في القدس منها وثيقة عن وظيفة أمين مكتبة المسجد الأقصى، وقد استفاد منها الباحث وحللها وعلق عليها.
والعقبة الأخرى الكأداء التي واجهت الباحث -في دراسة موضوعه- هي كيفية الوصول إلى موقع المكتبة مجال الدراسة الميدانية، أقصد مكتبة المسجد الأقصى المبارك، في ظل الظروف القاسية التي تعيشها مدن فلسطين بصفة عامة، ومدينة القدس بصفة خاصة، ولكن بفضل الله وحده، تم اقتحام هذه العقبة أيضاً، حيث أتيح للباحث فرصة ذهبية -أثناء عمله بكلية التربية الحكومية بقطاع غزة أستاذاً زائرًا في الفترة من أكتوبر-ديسمبر 1998م- زيارة مدينة القدس والصلاة في المسجد الأقصى والوصول إلى مكتبته العامرة، وكان ذلك بتاريخ 29/12/1998م، وكأنّ الطريق كان ممهداً للحصول على ما تيسر من معلومات ميدانية عن مكتبة المسجد الأقصى، من خلال المقابلات الشخصية التي تمت مع مدير المكتبة ونائبه، والحصول على معلومات منشورة عنها مثل فهارس مخطوطات مكتبة المسجد الأقصى، فضلاً عن الاطّلاع على نشرات وتقارير غير منشورة عن المكتبة وهي مخطوطة في أرشيف المكتبة لدى مديرها.
 والحقّ يُقال فقد قدّم لي مدير المكتبة -إبراهيم سلامة- مشكوراً كلّ المساعدة في توفير المعلومات اللازمة للبحث، وكذلك فعل توفيق أحمد الشيخ نائب مدير المكتبة، فقد أتاحا لي الاطلاع على السجلات والمراسلات والمكاتبات الداخلية والخارجية للمكتبة، وتقديم المعلومات الشفهية من خلال المقابلات معهما وقدّما الإجابة عن أسئلة قائمة المراجعة، وكل ذلك سجلته في متن البحث وهوامشه.
 أما عن الدراسات السابقة في الموضوع، فبعد البحث والفحص والتقصي لم يعثرْ الباحث على دراسة مباشرة لموضوعه، والأعمال التي حصل عليها القريبة منها والمماثلة لها قليلة العدد، وهي في مجموعها لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة، أسجلها هنا للأمانة العلمية، ولبيان موقع البحث الحالي منها، على النحو التالي:
1- علي السيد علي. مكتبات القدس في عصر سلاطين المماليك، دراسة نشرت في مجلة المكتبات والمعلومات العربية، السنة الرابعة، العدد الرابع (أكتوبر 1984م) وشغلت الصفحات (5-24)، والدراسة عبارة عن سرد لعصر المماليك في القدس معتمداً في ذلك على المصادر التاريخية–بحكم تخصصه، وأشار إلى خزانة الكتب في المسجد الأقصى في صفحة واحدة (صفحة 9).
2- فيرا كوسا وفاليري روك. مكتبات الأدْيِرة في منطقتيْ القدس وبيت لحم: دراسة حالة، دراسة نشرت في مجلة "رسالة المكتبة" المجلد التاسع والعشرون، العدد الثالث (أيلول 1994م) . وشغلت الصفحات (65-93).
3- يوسف العش. دور الكتب العربية العامة وشبه العامة لبلاد العراق والشام ومصر في العصر الوسيط، ترجمه عن الفرنسية نزار أباظة ومحمد صباغ، ونشرته دار الفكر المعاصر في بيروت عام 1991م. ويقع في 437 صفحة. وهذا العمل كان في الأصل رسالة دكتوراه للمؤلف، حصل عليها عام 1949م من جامعة السوربون (فرنسا) والبحث –كما هو واضح من عنوانه– يمثّل موسوعة في موضوعه، اختصّ مكتبات القدس في الصفحات من 151-153، 276-277. ويعتبر ما ذكره عن مكتبات القدس في هذه الصفحات مصدرًا لا غنى عنه لأي دارس للموضوع.
 هذه أقرب الدراسات لموضوع دراستنا –على حدّ علميّ– وهي على العموم لم تُعالج موضوعنا في مجملها بصورة مباشرة، ومع ذلك فقد استفاد الباحث منها وأشار إليها في حينه.
عناصر الدراسة ومباحثها:
اشتملت الدراسة على مقدّمة وثلاثة مباحث وخاتمة فضلاً عن النتائج والتوصيات وقائمة المراجع.
تناولت المقدّمة تمهيداً يبيّن موضوع الدراسة وطبيعتها، ثم أهمية الدراسة وهدفها، والمنهج المتبع في دراسة الموضوع، ثم نطاق الدراسة وحدودها، يلي ذلك المصادر والدراسات السابقة، وأخيراً تفريد لعناصر الدراسة ومباحثها.
وعالج المبحث الأول الحركة العلمية والثقافية في القدس على اعتبار أنّ هذه الحركة تُعَدّ مدخلاً منطقياً لدراسة الموضوع، أما المبحث الثاني فعالج مكتبة المسجد الأقصى في شقّها التاريخي منذ الفتح الإسلامي حتى عصرنا الحالي، في حين عالج المبحث الثالث الأخير مكتبة المسجد الأقصى في وضعها الراهن. وهذه المباحث الثلاثة تكاد تمثل وحدة متكاملة في دراسة الموضوع. كذلك تم استنتاج مجموعة من النتائج، وعلى أساسها تم رصد وتسجيل مجموعة من التوصيات.
وإنْ أرضى عملنا هذا الباحث والمهتمين والأساتذة الأفاضل، فذلك بتوفيق الله وفضله، وإن قصّرنا فمن عند أنفسنا، وهو جهد المقلّ، ونسأل الله العون والسداد والرشاد، إنه نعم المولى ونعم المجيب.
المبحث الأول: الحركة العلمية والثقافية في القدس:
 1/0 تمهيد:
 يعالج هذا المبحث بصورة مختصرة– الحركة العلمية والثقافية في القدس التي كانت سائدة في البلاد، وبيان مدى نضوجها وعوامل ازدهارها، وأهمّ نتاجها الفكري المتمثل في الكتب، على اعتبار أنّ هذه الحركة تُعَدّ مدخلاً منطقياً لدراسة موضوع "مكتبة المسجد الأقصى" -وهو بيت القصيد كما يقولون- حيث ارتبطت نشأة المكتبات وتطورها بمدى نمو وتطور الحركة العلمية والثقافية في البلاد.
 وكان من الضروري في بداية هذا المبحث الإلماع بلمحة يسيرة عن تاريخ وجغرافية القدس للوقوف على الأوضاع السائدة المتعلقة بمكانية الموضوع محل الدراسة.
 1/1 لمحة جغرافية وتاريخية عن القدس:
 القدس هي إحدى عواصم المسلمين الروحية وعاصمة فلسطين السياسية، وستظل إن شاء الله ما دامت السماوات والأرض، فالقدس عربية المنشأ والهوية، أسسها اليبوسيون العرب –وهم بطن من الكنعانيين– وأطلقوا عليها "يورسالم" أو "يبوس" على اسم اليبوسيين بناة القدس الأولين، وكان ذلك سنة 3000 ق.م(1). ومنذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا لم تعرفْ بقعة في العالم تصالحت عليها المحن واختلف عليها الغزاة والطامعون من كل حدب وصوب كأرض فلسطين وخاصة مدينة القدس.
 وتُعدّ مدينة القدس ظاهرة حضارية فذة تنفرد بها دون سواها من مدن العالم، ويحار من الباحثين كل من يحاول استشفاف أسباب نشأة هذه المدينة المقدسة والتعرف إلى الخصائص الجغرافية والتاريخية والحضارية الفريدة التي يتمتع بها كل من الموقع والموضع.
 والقدس ليست مجرد مدينة من المدن أو عاصمة من العواصم، وإنما هي مركز إشعاع يتفجر بمعان تاريخية ودينية وحضارية قلّما توافرت في مدينة أخرى، فمدينة القدس تحتل مكانة بارزة في وعي الإنسان في كل مكان وزمان، حيث تميزت تاريخياً بأنها مدينة ترفض الاستسلام طوعاً لأحد من الغزاة، وهي تتجمّل بالصبر على محاولات اغتصابهم لها وفرض سطوتهم عليها بالقوة.
ولا يلخص هذا الوصف واقع مدينة القدس التاريخي تماماً، أو كما حدث بالتفصيل، ولا يكشف عن واقعها المرير الآن، ولكنه يكشف عن حضورها التاريخي ويؤكد شخصيتها المتميزة المتمردة على كل ظلم وظالم.
والقراءة المتأنية لتاريخ المدينة تكشف عن مراحل تألقت فيها القدس، فاحتلت خلالها مراكز مرموقة ومكانة حضارية رفيعة، مما جعلها دوماً في قلب الحدث التاريخي، كذلك تميزت المدينة بالمحافظة على مركزيتها وأهميتها الإستراتيجية.
وللجغرافيا أيضاً إسقاطاتها المختلفة على القدس، ودون التطرق إلى التفاصيل، يمكن القول إنّ المدينة قد وقعت في أهم منطقة في العالم: منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتشكل هذه المنطقة نقطة تجمع للممرات الدولية الهامة، كمضيق جبل طارق والدردنيل ومنطقة الخليج عبر مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس.
 وموضوع القدس مثير للدارس والباحث كما هو مثير للسياسي والمتعبد، فهو موضوع يحفل بالحقائق الموضوعية وبالوقائع التاريخية، والعواطف والمعتقدات الدينية، كل هذا أكسب مدينة القدس أهمية وتميزًا وتفردًا لا يشاركها فيها أحد، حتى غدت أهم مدينة في العالم بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وسوف أبحث تحت هذا العنصر في تجوال سريع عبر ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة الموقع الجغرافي لمدينة القدس والمراحل التاريخية المتعددة لهذه المدينة، فضلاً عن الإشارة إلى مكانتها الدينية والحضارية ولكنني بطبيعة الحال لست معنياً بالدخول في تفاصيل هذه الموضوعات، فإنّ المهتم يستطيع الرجوع إليها في مصادر متخصصة أشرنا إليها جملة في متن هذا البحث، ولكن هذا العرض السريع يهدف إلى إلقاء نظرة هنا وأخرى هناك تقودنا إلى التعرف إلى طبيعة هذه المدينة من حيث النشأة والتطور وعبقرية المكان والتحضر، ولمدينة القدس شخصيتها ولها تمايزاتها، وليس من السهل على الإنسان تجاهل خصوصيات المدن، أو إخضاعها لمعايير ثابتة وكأنها تصنع صناعة مثلها في ذلك مثل أي إنتاج آخر من صناعة الإنسان.
وتحتل جغرافية القدس حيزاً فسيحاً في صفحات التاريخ سواء القديم أو الحديث، فتقع مدينة القدس في قلب فلسطين فوق تل صخري على بعد نحو خمسين كيلومتراً من مدينة "يافا"، على خط العرض (31.52ْ) شمالاً، وخط الطول (35.13ْ) شرقي جرينتش، وقد بنيت المدينة على مرتفعات أربعة تحيط بها مجموعة وديان، وهذه المرتفعات هي: جبل مورُيّا القائم عليه الحرم القدسي الشريف، وجبل أكرا حيث توجد كنيسة القيامة، وجبل بزيتا بالقرب من باب الساهرة، وجبل صهيون الواقع عليه مسجد النبي داوود، وتحيط بالمدينة جبال منها: جبل رأس أبو عمار، وجبل الزيتون، وترتفع المدينة (892) متراً عن سطح البحر(2)، كما تحيط بالمدينة عدة تلال وأودية، وهذه الأودية هي "وادي قدرون من الغرب، ووادي هنوم من الشرق، ويبدأ الواديان من الطرف الشمالي الغربي، ويلتقيان في جنوب المدينة، وبذلك يحيطان بالمدينة من الشرق والغرب والجنوب"(3).
وكان من الطبيعي أنْ يقع اختيار سكانها الأصليين وهم اليبوسيون (بطن من الكنعانيين العرب) على هذا الموقع بالذات لبناء مدينة القدس التي أطلقوا عليها اسم "يبوس" منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وذلك لما يتميز به هذا الموقع من حصانة طبيعية في وجه الغزاة، فضلاً عن توفر المياه به، فعلى مقربة من "حصن يبوس" يوجد ماء غزير في وادي قدرون.
ويعتبر "حصن يبوس" أقدم أبنية المدينة، وقد شيده اليبوسيون على القسم الجنوبي من الهضبة الشرقية، وشيدوا في طرف الحصن برجاً عالياً للسيطرة على المنطقة، وأحاطوا الحصن بسور(4).
وهكذا قامت مدينة القدس في موقع متميز من أرض فلسطين جعل منها "صورة الوطن المقدس وملتقى أقطاره"(5)، الأمر الذي حدا ببعض العلماء الأقدمين إلى اعتبارها مركز الكوكب الذي نعيش على سطحه، ويدور في فلك القدس عدد من المدن والقرى، ولموقعها هذا أهمية إستراتيجية وأهمية دينية وأهمية حضارية.
 وتنقسم مدينة القدس إلى قسمين:
1- المدينة القديمة (القدس الشرقية) وهي زاخرة بآثارها الدينية، وتضم معظم الأماكن المقدسة، وأهم هذه الأماكن "المسجد الأقصى"، وهو الحرم المقدس للمسلمين، الذي تهفو إليه قلوب الملايين من بني البشر. وقد احتلت "إسرائيل" هذا القسم من مدينة القدس عام 1967م.
2- المدينة الجديدة (القدس الغربية): وهي حافلة بالمباني والطرق الحديثة، وقد اغتصبت "إسرائيل" هذا القسم من مدينة القدس اغتصاباً واستولت عليه عنوة عام 1948م.
وتشكيل المدينة هو انعكاس جدلي للموقع الجغرافي الذي تنمو فيه ولمناخها الطبيعي ولطبيعة الناس الذين ينتمون إليها، وخلال تاريخها الطويل تعرّضت القدس لمؤثرات خارجية متعددة كانت متعارضة الأسلوب والهدف في معظم الأحيان، فتركت بصمات واضحة على واقعها التنظيمي وطابعها المعماري.
ولما كانت القدس أكثر المدن فرادة في العالم –حيث تتميز بشخصية واضحة المعالم– فقد كيفت نفسها مع هذه المؤثرات الخارجية ومزجت بينها وبين طبيعة موقعها وحاجات إنسانها المادية والأمنية والروحية، وفضلاً عن كونها مدينة فريدة، فهي مدينة شرق أوسطية، حملت بعض سمات نظيراتها في المنطقة، هذه المدن نشأت كمحطات على الطرق الواصلة بين مصادر الحضارات في مراحل تاريخية متعددة(6).
وهكذا يمكن القول إنّ القدس غدت مصبًا للحضارات الوافدة، وبوتقة للتفاعل بينها، تتمثل القيم في رحمها فتلدها حضارة متميزة، وكذلك يمكن القول إنّه لوقوع القدس على خطوط المواصلات، فقد أدّى ذلك إلى تلاقح الحضارات على أرضها وظهور ملامح خاصة حفلت بها، ومن أهم هذه الملامح تبلور ثقافة مقدسية متميزة تتعايش في بيئة عربية إسلامية وتحتضن تعددية دينية وثقافية تعايشت في سلام ووئام فيما بينها. وليس غربياً والحالة هذه أن تغدو القدس مصدر إلهام لكثير من المبدعين من العلماء والأدباء، وأن يصبح موقعها بل ودورها عاملين فاعلين في تخطيطها وفي تشكيلها المعماري وبنائها الحضاري المتميز.
أما الحديث عن تاريخ القدس فهو حديث طويل موغل في القدم، قادم من أعماق التاريخ السحيق، فهو لا يقف في مداه عند بدء عصر الكتابة في القدس أوائل الألف الثالث قبل الميلاد، بل يتجاوزه إلى عصور ما قبل التاريخ التي شهدت ظهور الإنسان العاقل في القدس، وهذا التاريخ هو ثمرة تفاعل الإنسان في القدس مع بعدي الزمان والمكان.
وننظر في بعد الزمان فنجد أنّ تاريخ القدس هو تاريخ متصل على مدى العصور حافل بأحداث كثيرة، ويمكننا أن نقسم هذا التاريخ إلى مرحلتين رئيسيتين:
المرحلة الأولى: تاريخ القدس قبل الفتح الإسلامي.
المرحلة الثانية: تاريخ القدس بعد الفتح الإسلامي.
وهذا التقسيم له ما يبرره فالانطلاقة العربية الإسلامية في القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) كان لها تأثيرها على القدس خاصة والمنطقة العربية عموماً، بحيث يمكن أنْ نميّز بين ما قبل هذه الانطلاقة وما بعدها، وقد مرّ تاريخ القدس في كل من هاتين المرحلتين بعدة أدوار، وكان بصفة عامة تاريخاً متنوعاً، محافظاً على وحدته وعلى مدى القرون التي مضت على نشأة وبناء مدينة القدس، يمكننا ونحن نستحضر تاريخها أنْ نقف عند أهم الحقائق البارزة فيها، فنذكرها بإيجاز دون تفصيل، وننظم منها عقدًا يبرز وحدة هذا التاريخ.
المرحلة الأولى: تاريخ القدس قبل الفتح الإسلامي:
اجتمعت كلمة المؤرخين على أنّ العرب هم مؤسسو هذه المدينة، حيث أسّسها اليبوسون وهم فرع من الكنعانيين العرب وأطلقوا عليها اسماً بلغتهم هو يورسالم، وتعني في اعتقادهم مدينة الإله، وكان أهل هذه المدينة يعتقدون بوحدانية الإله"(7).
وكان بناء هذه المدينة في حوالي الألف الثالثة قبل الميلاد، وذلك لخدمة غرض دفاعي وآخر ديني، لذا فقد بنوا هيكلاً لمعبودهم الأعلى "يورسالم" أو "سالم" –كما تذكره بعض المصادر(8) - وكان ملك القدس هو الإله الأعلى، ومن هنا اكتسبت المدينة قدسيتها التي استمرت بعد ذلك لأسباب أخرى.
عُرفت القدس أوّل ما عرفت باسم "سالم" الجد المؤسس أو الإله الأعلى، وقد كونت "مملكة مدينة" كغيرها من المدن الكنعانية وعرف من أسماء ملوكها "قدوم سالم" و"ملكي صادق" و"أدوني صادق" وأول ذكرٍ لها ورد في نصوص الظهارة المصرية في القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، بصورة "يوروشاليم" ومعناه على الأرجح "مدينة سالم" كما ورد ذكرها في رسائل تل العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد باسم "يورو–سالم" وفي النقوش الأشورية باسم "أوروسليموا" وأقدم اسمٍ لها في العهد القديم هو "شاليم"(9) . وأطلقت أسماء كثيرة على مدينة القدس عبر العصور.
ويتضح مما سبق أنّ الشعب الكنعاني العربي هو الذي أسس المدينة في زمان بعيد في الماضي وهو الذي أطلق عليها اسمها، وأقام فيها بيتاً للعبادة يذكر فيه اسم الإله فأصبحت قبلة وحجاً، واستمرّت هذه صفة المدينة مع تتالي الرسالات السماوية وانتقال أهل القدس من الديانة الكنعانية إلى اعتناق الأديان السماوية الثلاث: اليهودية فالنصرانية فالإسلام.
ازدهرت الحضارة الكنعانية في مدينة القدس والبلاد التي حولها، وبلغت المساحة التي كانت تشغلها المدينة خلال الألف الثاني قبل الميلاد حوالي أربعين دونماً(*)، وقد أحاط اليبوسيون مدينتهم بسور، وحين مرّ إبراهيم (عليه السلام) حوالي سنة 1900 ق.م كانت القدس مدينة متكاملة ذات قاعدة ملكية وهياكل دينية ومركز مقدس.
وفي سنة 1049ق.م بعد انتقال موسى (عليه السلام) إلى جوار ربه، وعلى إثر انقضاء (40) سنة في صحراء التيه، تولى قيادة بني إسرائيل "يوشع بن نون" الذي عبر نهر الأردن واحتل مدينة "أريحا" ولكنه لم يفلحْ في الاستيلاء على يبوس "القدس"(10).
 ولم تسقطْ القدس في يد بني إسرائيل إلا بعد ظهور النبي داوود (عليه السلام) ملكاً عليهم سنة 1020ق.م– الذي كان قد وحد قبائل إسرائيل في ذلك الزمن تقريباً، حيث زحف بجيش يضم نحو ثلاثين ألف مقاتل(11).
احتل داوود المدينة التي كانت تعرف آنذاك باسم "يبوس" في القرن الحادي عشر ق.م. وقد وفّق في اختياره لها عاصمةً لملكه لأنها حصينة ويسهل الدفاع عنها، كما أنها تتحكم في الطرق الرئيسية، وأطلق عليها اسم "أورشليم" وبنى قصره الملكي فيها، ولداوود نسبت "المزامير"(12).
ثم ورث سليمان (عليه السلام) الملك من بعد أبيه "داوود" وحكم أربعين سنة ما بين 963-923ق.م، وبنى هيكلاً وتحصينات وثكنات، وقد دمر هذا الهيكل عدة مرات في التاريخ ولا وجود له في الوقت الحاضر، رغم كل المحاولات التي قام بها بنو صهيون للعثور على بقاياه، وهكذا لم تدمْ دولة اليهود سوى فترة قصيرة، امتدت من سنة 1020ق.م إلى سنة 923ق.م أي أقل من قرن من الزمان(13).
وبعد سليمان انقسمت البلاد في عهد خلفه إلى مملكتين، وهو أمرٌ متوقع ومنتظر من اليهود الذين لا يجتمعون على نبي ولا ملك –على حد تعبير أحد العلماء(14)– هما مملكتا إسرائيل ويهوذا:
* مملكة إسرائيل: كانت توجد في الشمال واتخذت السامرة (نابلس) عاصمة لها، وعاشت في الفترة من سنة 927ق.م إلى سنة 921ق.م، حيث قضى عليها الملك الأشوري "سرجون الثاني".
* مملكة يهوذا: كانت توجد في الجنوب واتخذت أورشليم عاصمة لها، وعاشت في الفترة من سنة 923ق.م إلى سنة 586ق.م، حيث قضى عليها ملك بابل "نبوخذ نصر".
 وهكذا لم تُعمّر المملكتان طويلاً، بل تلاشتا إلى الأبد، وسُبِي اليهود على يد ملكي أشور وبابل، ونُقِل من بقِيَ منهم إلى بلادهما (أشور وبابل). وظلّ العرب اليبوسيون يعيشون في مدينتهم المقدسة محافظين على طابعهم السياسي وعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية.
وشهدت القدس منذ القرن العاشر قبل الميلاد وحتى الفتح الإسلامي تتابع حكم دول وإمبراطوريات تداولت الأيام بينها فيها، فقد حكمها المصريون في عهد شنشيق لفترة قصيرة(15)، والأشوريون فالكلدانيون فالفرس فالإغريق فالرومان، وحبلت هذه العهود بأحداث وأحداث، تجلّت من خلالها قدرة شعب القدس على التكيف مع هذه الأحداث، وعمل على الجمع بين الأصالة والتجديد بالحفاظ على هويته وبالتفاعل مع التجارب الحضارية الأخرى وتبادل التأثير معها.
وقد شهدت القدس إبّان حكم الفرس (538-332ق.م) رجوع بعض يهود السبي من بابل إليها، الذين أعادوا بناء الهيكل مرة أخرى بعد صعوبات كثيرة(16)، ولم يهدأ حال اليهود في القدس أو يتوقف عند هذا الحد، بل أخذوا يحاربون أهل القدس من الفلسطينيين ويقاتلونهم لامتلاك البلاد، الأمر الذي جعلهم يذوقون الهوان والذل أثناء الحكم الفارسيّ على فلسطين، وكذلك الحكم الروماني، حيث تعرّضوا في كل الدولة الرومانية إلى محْقٍ وخاصة في الفترة من سنة 131-135م، وذلك في عهد الإمبراطور هدريان الذي قضى على اليهود وهدم الهيكل والقدس، وأعاد بناء القدس مرة أخرى وأطلق عليها اسم "إيلياء كابيتوليا" وسمّى البلاد فلسطين السورية(17).
ومنذ ذلك التاريخ لم يقمْ في فلسطين أو القدس كيان يهودي يذكر حتى سنة 1948م، وإنْ بقِيَ يهود قليلون يقطنون البلاد بعد سنة 135م، وكان عددهم يتراوح ما بين الزيادة والنقصان تبعاً لما أبداه حكام البلاد اللاحقون من تسامحٍ أو تعنت(18).
وقد أورد القس "تشارلزت بردجمان" في كتابه إلى رئيس مجلس الوصايا بتاريخ 12/1/1980م الفترات التاريخية التي مرت بها مدينة القدس حتى الفتح الإسلامي على النحو التالي(19):

 

م الشعوب البيان التاريخ الفترة الزمنية بالسنة 1 الإسرائيليون من مملكة داوود إلى سقوط أورشليم 1020-586ق.م 434 2 البابليون من سقوط أورشليم إلى سقوط بابل 586-538ق.م 50 3 الفرس من سيروس إلى الغزو المقدوني الفارسي 538-332ق.م 206 4 الإغريق من غزو الإسكندر للقدس إلى تحرير المكابيين 332-166ق.م 166 5 اليهود الدول المكابية 166ق.م-63م 93 6 الرومان من الغزو الروماني للقدس إلى الفتح الفارسي 63-614م 677   الفرس فترة حكم الفرس 614-628م 14 8 الرومان إعادة فتح القدس على يد البيزنطيين 628-637م 11

 من هذا البيان يتضح لنا أنّ اليهود لم يمكثوا في القدس كحكام لها إلا في عهد مملكة داوود نحو (434) سنة وفي عهد الدولة المكابية نحو (93) سنة.
من هذا العرض لتاريخ الوقائع المتعلقة بالقدس قبل الفتح الإسلامي –والذي عرضناه بإيجاز أعلاه– يمكن استخلاص بعض الحقائق التي نوجزها في النقاط التالية:
1- أن الحقائق التاريخية تؤكد أن مدينة القدس عربية منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا.
2- أنّ الموقع الإستراتيجي والمكانة الدينية والحضارية لمدينة القدس جعلاها مطمعاً لجميع الأمم وخاصة اليهود الذين يزعمون ويدّعون أنها أرض الميعاد.
3- أنّ اليهود لم يكونوا أصلاً من أهل القدس وإنما هم وافدون عليها وبها سكان أصليون يتألفون من الكنعانيين والفلسطينيين، لهم فيها قدم وعيش وحضارة وثقافة قائمة.
المرحلة الثانية: تاريخ القدس بعد الفتح الإسلامي:
نشأت العلاقة بين القدس والإسلام منذ أُسْرِيَ برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إليها، ومنها عرج إلى السماوات العلى، وأصبح الإيمان بهذا الإسراء جزءاً من العقيدة الإسلامية، وأصبحت القدس قبلة المسلمين وهم في مكة والكعبة المشرفة بين أيديهم، وبقيت قبلة المسلمين مدة تتجاوز الأحد عشر عاماً، مع أنّ الكثيرين كانوا يعتقدون أنها كانت قبلةً لمدة سنة ونصف السنة فحسب بعد الهجرة، إلى أنْ أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتحويل القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية من الهجرة، فقد "ظلّت القدس قبلةً ابتداءً من سنة 612 للميلاد، السنة التي فرضت فيها الصلاة، وانتهاء بسنة 623 للميلاد السنة التي حوّلت فيها القبلة إلى مكة(20)". وعلى هذا يعتبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الفاتح لبيت المقدس وواضع حجر الأساس للوجود الإسلامي في تلك البقعة المباركة.
في سنة 17هـ الموافق 638م فتحت مدينة القدس على يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وتسلّم مفاتيحها من "صفرونيوس" بطريرك القدس، وأعلن عهده المشهور –المسمى العهدة العمرية– لأهل إيلياء (القدس) وفي هذا العهد أعطى الأمن والأمان لأهل القدس من المسيحيين، في أنفسهم وأموالهم وكنائسهم... الخ(21).
وبدأت القدس منذ الفتح العربي الإسلامي مرحلة جديدة في تاريخها، بقِيَت خلالها فلسطينية عربية، واستمرت مركزاً روحياً في ظلّ الحكم الإسلامي لها، واتصل تاريخها على مدى القرون الثلاثة عشر التالية، وإنْ تعرّضت خلال قرنٍ واحد منها لحكم الصليبيين.
ففي سنة 1099م استولى الصليبيون على مدينة القدس، وأنشؤوا ما يسمّى بـ"مملكة ما وراء البحار" وحكموها من القدس(22)، ولبثت تلك المملكة المسيحية حتى سنة 1187م حينما حرّر السلطان صلاح الدين الأيوبي القدس من قهر الصليبيين وانتصر عليهم في موقعة حطين في 3 يوليو 1187م، وعادت القدس إلى الحكم الإسلامي.
أمر صلاح الدين بإعادة أبنية القدس إلى حالها القديم، وطهّر المسجد والصخرة من أقذار الصليبيين، وصلى فيهما، ونصب منبراً في المسجد كان نور الدين محمود قد أمر بصنعه، وعمل صلاح الدين على توسيع المسجد الأقصى، وتدقيق نقوشه، وزوده بالمصاحف والكتب، فعاد إليه رونقه وبهاؤه وجلاله(23).
ويصوّر العماد الأصفهاني اهتمام صلاح الدين بالمقدسات الإسلامية، وخاصة المسجد الأقصى والصخرة المباركة، بقوله: "وحمل إليها (أي إلى الصخرة) وإلى محراب المسجد الأقصى، مصاحف وختمات وربعات معظمات، لا تزال بين أيدي الزائرين على كراسيها مرفوعة، وعلى أسرتها موضوعة"(24).
واستمرت عناية الأيوبيين بالأقصى والصخرة، كما اهتم من تلاهم من حكام المماليك بعمارة القدس، فجدد الظاهر "بيبرس" ما تداعى من قبة الصخرة وقبة السلسلة وزخرفهما، وبنى خلفاؤه عددًا من الآثار البديعة في المدينة، ومن مظاهر هذه العناية ما فعله بعض سلاطين المماليك في مجال القراءات "ففي عهد الملك الأشرف برسباي، وضع مصحفًا شريفًا تجاه المحراب –وهو مصحف كبير عظيم أهدي إليه بدمشق– ووقف عليه وقفًا، وعين الشيخ شمس الدين محمد بن قطْلُوبُغا الرملي المقرئ للقراءة فيه، وكان قارئاً مشهوراً في الحفظ وحسن الصوت، ثم حلّ ابنه زين الدين عبد القادر في وظيفة والده بعد وفاته"(25).
ولا شكّ أنّ هذا الصنيع يعكس عاملاً من عوامل تقدّم الحركة الفكرية في بيت المقدس، وكانت بيت المقدس مشهورة بعلمائها في العصر المملوكي، وعندما زار ابن بطوطة بيت المقدس في العصر المملوكي سنة 726هـ وصفها بأنها كانت عامرة بالعلماء(26).
 واستولى العثمانيون بزعامة السلطان سليم الأول على فلسطين بما فيها القدس سنة 1516م، وأصبحت القدس جزءاً من ولاية دمشق إبان الحكم العثماني، واهتمّ السلطان سليم القانوني (1520-1566م) بعمارة القدس فجدد السور ورمم قبة الصخرة وجدران الحرم وأبوابه.
 ولم تلبثْ المدينة أنْ عانت خلال القرنيْن التالييْن من الضعف الذي أصاب الدولة العثمانية، واستمرّ الحكم العثماني لمدينة القدس حتى سنة 1917م.
وفي خريف سنة 1917م دخلت فلسطين قوات مسلحة بريطانية واستولت على مدينة القدس، وأصبحت تحت الإدارة العسكرية البريطانية، وفي العام نفسه أصدر وزير خارجية بريطانيا آنذاك المستر بلفور ما يسمى بـ"وعد بلفور" الخاص بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وفرضت بريطانيا الانتداب البريطاني على البلاد منذ سنة 1922م حتى سنة 1948م.
وخلال هذه الفترة، وتحديداً سنة 1947م وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية، وأنْ تبقى مدينة القدس تحت إشراف مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة بوصفها كياناً مستقلاً.
وفي سنة 1948م أعلنت سلطة الانتداب البريطاني عزمها على الانسحاب من فلسطين، وانسحبت فعلاً في 14 مايو 1948م. وفي 15 مايو 1948م أعلن المجلس القومي اليهودي المؤقت في "تل أبيب" قيام دولة "إسرائيل"، وتلا ذلك فوراً قتالٌ بين القوات المسلحة اليهودية والقوات المسلحة العربية، وبعد انتهاء شتى مراحل القتال كانت القدس الغربية تحت سيطرة اليهود، والقدس الشرقية تحت حماية الأردن، وبقِيَت المدينة مقسمة على هذا النحو حتى سنة 1967م حين استولت "إسرائيل" على باقيها.
ومنذ سنة 1967م حتى يومنا هذا بدأت مدينة القدس عهداً من المعاناة وعهداً من المقاومة للاحتلال "الإسرائيلي"، ولم تكتفِ حكومة "إسرائيل" بكلّ ما فعلته في مدينة القدس من تخريب وتدمير وتشريد أهلها، بل استصدرت سنة 1980م قراراً من الكنيست "الإسرائيلي" بأنّ مدينة القدس الموحدة هي عاصمة "إسرائيل" الأبدية.
وابتداءً من سنة 1990م حتى يومنا هذا بدأت المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني و"الإسرائيلي" في ضوء الحل النهائي للقضية الفلسطينية بما فيها مدينة القدس التي تعتبر لبّ الصراع العربي "الإسرائيلي"، فالقدس كانت دوماً مفتاح الحرب والسلام في المنطقة، إذا استتبّ الأمن والسلام فيها نعمت المنطقة كلها بالأمن والسلام والاستقرار، وعكس ذلك صحيح.
وتعمل "إسرائيل" بكلّ ما أوتيت من غطرسة القوة على إخضاع الشعب الفلسطيني عن طريق تدميره بكل الوسائل: سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، ونفسياً، وتعليمياً، ولكن التاريخ –وهو معلم الشعوب– أثبت قبل أكثر من ثمانمائة سنة في ظروف متشابهة من حيث تمزق الصف العربي والاحتلال الصليبي للقدس وفلسطين، أنّ صلاح الدين الأيوبي الذي عقد العزم وبالإرادة والتنظيم والولاء لله والجهاد في سبيله استطاع تحرير القدس، مما يحدونا أنْ نأخذ العبرة والاستفادة من دروس الماضي.
1/2 الحياة العلمية والثقافية في القدس:
القدس اسمٌ سجّله الإسلام في صفحة مشرقة من صفحات التاريخ، وهو رمز للطهر والنقاء، ولنشر السلام والوئام، وقد وضع المسلمون الدعائم الراسخة لهذه البقعة المباركة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، وحاطوها بالرعاية والتقدير واحترام شعائر الدين ومقدساته التي تشد إليها الرحال من جميع الأقطار ابتغاء مرضاة الله.
ولقد أصاب أحد الباحثين حينما ذهب إلى أنّ "ارتباط القدس بالحياة الإسلامية الأولى، قد جعل منها ومن الأرض المباركة حولها أكثر من مجرد تراب يعيش الإنسان المسلم فوقه، بل قاعدة أرضية مقدسة من قواعد الإسلام، لا تقوم مقامها الدنيا بأسرها"(27).
فارتباط المدينة المقدسة بالحياة الإسلامية أمرٌ بدهيّ لا جدال فيه، فقد شرفها الله بالإسراء، ومنها كان معراج رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى السماوات العلى، وفي القرآن الكريم والأحاديث النبوية نصوص كثيرة، تخصّ هذه المدينة وتبيّن مكانتها المقدسة، فهي بقعة مقدسة تهفو إليها نفوس المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، حتى غدت قداستها لدى المسلمين وارتباطهم بها جزءاً لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية.
وإنّ البلاد والبقاع كالأشخاص لها ملامح ومعالم تميزها، وصفات وخصائص تربطها بالقلوب وتصلها بالمشاعر والأحاسيس، وإنّ لبيت المقدس من هذه الصلات والروابط ما يجعل له مكانة عظيمة في نفوس المسلمين وذكرى خالدة على مر العصور والدهور.
والتاريخ العلميّ لهذه المدينة ينطوي على حقبةٍ طويلة من أمجاد الإسلام والمسلمين، تهزّ المشاعر ذكرياتها وتحفز النفوس أحداثها، وإنّ في استعراض شطرٍ من لمحات هذا التاريخ وتعرف حقائقه، ليظهر لنا بجلاء المكانة العلمية لهذه البقعة المباركة ويبين لنا مدى ما وصل إليه المسلمون من رقيّ حضاري وتقدم علمي.
ولعل تاريخ الحياة العلمية والثقافية لهذه المدينة المقدسة يبدأ منذ الفتح الإسلامي لها وحتى عصرنا الحالي، ونظراً لطول هذه الفترة، فقد تم تقسيمها إلى مراحل وفترات متميزة المعالم، تناول الباحث في كل منها لمحة تاريخية موجزة عن الحركة العلمية والتعليمية فيها واتجاهاتها العامة، ومراكزها الرئيسية ومؤسساتها وأبرز علمائها وأهم مصنفاتهم.
 ويجب ألا يغيب عن البال –في هذا المقام– أنّ عملية تقسيم التاريخ العلمي إلى فترات ما هو إلا تقسيم اصطناعي بالدرجة الأولى من أجل الدراسة فقط، ذلك أنّ التاريخ العلمي للقدس ما هو إلا حلقات زمنية متصلة ومتداخلة ومتراكمة من الصعب فصلها عن بعضها، ومع ذلك لا ينكر الباحث أنّ هناك بعض الأحداث ذات سمات بارزة قد تترك آثارًا خاصة يحسن أخذها بعين الاعتبار، وقد تصبح مرشدًا عمليًا لتحديد الفترة الزمنية، وقد تبلغ من الأهمية أنْ تسمى الفترة الزمنية بها.
1/2/1 الفترة الأولى: منذ الفتح الإسلامي وحتى نهاية العصر الفاطمي (17-492ه/638-1099م):
حضّ الإسلام بقوة على طلب العلم، وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة، وكرّم العلماء وجعلهم ورثة الأنبياء، وذلك ظاهر بجلاء في آيات كثيرة من القرآن الكريم وفي كثير من أحاديث الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم الذي كان معلماً، وكذا كان الصحابة من بعده.
وكان من التوجيهات الأولى لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعد فتح القدس الأمر ببناء المساجد التي كانت مراكز عبادة ومراكز علمية وتعليمية في الوقت نفسه، وقد قام عمر نفسه بإنشاء مسجدٍ في القدس(28). ومنذ ذلك الحين فقد شهدت مدينة القدس حركة علمية نشطة بفضل مكانتها الدينية، قال يعلى بن شداد بن أوس: وشهدت مع معاوية ببيت المقدس فجمع بنا، فإذا جُلُّ مَن في المسجد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم(29).
واهتم خلفاء بني أمية اهتماماً خاصاً ببيت المقدس، وكان أعظم مآثرهم فيها بالطبع بناء قبة الصخرة سنة 72هـ/691م، ثم بناء المسجد الأقصى بعد ذلك بسنوات، وفي ظلّهم استمرّ العطاء العلمي للتابعين وأتباع التابعين في القدس(30).
وقد حفل المسجد الأقصى في العهد الأموي بقُرّاء القرآن الكريم والمُحدّْثين والمفسرين والفقهاء، من أمثال أبي عمر سليمان بن عبد الله الأنصاري الفلسطيني، والوليد بن عبد الرحمن الجرشي، ومقاتل بن سليمان(31).
وفي دراسة حديثة تشير إلى أنّ عدد علماء القدس وقتئذ بلغ (30) عالماً(32). وهناك عدد غفير من الصحابة الذي علّموا ببيت المقدس ومنهم من توفوا فيها.
ومن المعلوم تاريخياً أنّ حكم بني أمية انتهى سنة 132هـ، وقد كان لهم قصب السبق في وضع أسس التعليم وتنشيط الحركة العلمية، وقد تمثل ذلك في الاهتمام بإقراء القرآن، وبدء تدوين الحديث الشريف، والسيرة النبوية، واتخاذ اللغة العربية لغة رسمية في الإدارة والمعاملات، كما ظهرت أساليب متميزة في الكتابة النثرية وجمع التراث العربي في الشعر والأدب.
ومع بداية العصر العباسي حدثت بعض التغيرات في نشاط المراكز العلمية في مدينة القدس، ففي القرن الثاني الهجري شهد بيت المقدس حركة علمية نشيطة تمثلت في(33):
1- زيارة عددٍ كبير من العلماء والأئمة من مختلف البلدان إلى المسجد الأقصى كالأوزاعي والليث بن سعد والإمام الشافعي.
2- ازدهرت القراءة في المسجد الأقصى ازدهاراً شديداً وخاصة من أهل فلسطين.
3- صار المسجد الأقصى قبلة طلاب العلم من بلاد الشام وخارجها.
ولكن هذا النشاط العلمي والتعليمي في المسجد الأقصى لم يلبثْ طويلاً، حيث تراجع بعض الشيء، وخاصة في القرنيْن الثالث والرابع الهجريين، وعلى سبيل المثال فإنّ مجير الدين الحنبلي لا يذكر من علماء بيت المقدس سوى واحد في القرن الثالث وواحد في القرن الرابع(34)، وأغلب الظن أنّه يقصد علماء الدين, وزاد هذا الانحسار العلمي في أواسط القرن الرابع الهجري بصورة ملفتة للنظر –إبان الحكم الفاطمي– حيث يصف "المقدسي" القدس بأنها قليلة العلماء(35).
وربما ترجع ظاهرة قلة علماء القدس في القرنين الثالث والرابع الهجريين إلى العوامل الآتية:
1- هجرة بعض علماء فلسطين إلى الأقطار الأخرى كالقاهرة ذات الثقل العلمي وموئل المراكز العلمية الكبرى، وبغداد ودمشق حيث كانتا أكثر اجتذاباً للعلماء.
2- ضعف الحركة العلمية في البلاد نتيجة للحروب التي نشبت بين الفاطميين والقرامطة.
وكانت العلوم الشرعية هي السائدة –بطبيعة الحال– طوال هذه الفترة في الدراسة والتعليم بالمسجد الأقصى، وتشير إحدى الدراسات الحديثة إلى أنّ حوالي 95% من علماء الشام وفلسطين (القدس) في القرون الثلاثة الأولى للهجرة كانوا يُعلّمون الدين وعلومه والأدب واللغة والتاريخ، أما مدرسو العلوم الطبيعية والتجريبية فلم يتجاوزْ عددهم 5% في أحسن الحالات(36).
ومما يلفت النظر أنّه في القرن الرابع الهجري حدث انحسارٌ نسبي للدراسات الدينية، في مقابل تطور في الدراسات التطبيقية، ويذكر ابن أبي أصيبعة وجود عددٍ كبير من أطباء القدس، منهم على سبيل المثال: محمد بن أحمد بن سعيد التميمي الذي درس الطب على يد الراهب زخريا بن ثوابة، وأبو محمد بن أبي النعيم أبو علي... الخ(37). وهذا حقّ حيث اهتم الفاطميون بإنشاء بيمارستانات في القدس(38)، والتي كانت بمثابة معاهد علمية لتدريس العلوم الطبية.
وكذلك زادت حركة التأليف في العلوم الجغرافية في هذا القرن (القرن الرابع الهجري)، ولعل كتاب "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" الذي ألفه الرحالة الجغرافي محمد المقدسي البشاري يعتبر من أفضل الكتب التي وضعها الجغرافيون العرب القدامى.
وشهد القرن الخامس الهجري انتعاشًا كبيرًا في العلوم الدينية، ولا سيما في بيت المقدس، حيث غدا المسجد الأقصى –من جديد– مركزًا لحياة علمية نشطة، ضمّت علماء كثيرين من فلسطين ومن خارجها، منهم الشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي(39)، وأمّ البيت وعلّم فيه عددًا غفيرًا من العلماء من كل حدب وصوب، من الأندلس وفارس والحجاز، من أمثال الإمام الطرطوشي الأندلسي، والإمام أبو حامد الغزالي، والإمام الشيرازي، وغيرهم كثيرون(40).
كما شهد القرن الخامس الهجري أيضاً نشاطاً في ميدان الأدب من شعر ونثر، ويؤيّد ذلك ما ذكره ابن العربي "لقيت بها بحر أدب يعب عبابه، ويغيب ميزابه، فأقمت بها لأرتوي منه نحواً من ستة أشهر"(41).
أمّا عن مؤسسات التعليم في مدينة القدس –خلال تلك الفترة– فيمكن تحديدها في مؤسستين –شأنها شأن سائر البلدان الإسلامية– هاتان المؤسستان هما:
1- الكُتّاب: حيث أخذ على عاتقه مهمة تعليم القراءة والكتابة للأطفال والصبيان ومحو أميتهم، فضلاً عن تعليمهم مبادئ الدين الإسلامي، وشيئًا من النحو والحساب والحكم والأمثال، لتأهيلهم لمواصلة تعليمهم في المؤسسة الثانية (المسجد).
2- المسجد: وكان مركز التعليم الأساسي آنذاك في البلدان الإسلامية، فقد بدأ بناء المساجد في القدس من زمن بعيد، ومن المساجد الأولى في القدس المسجد الذي بناه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الحرم الشريف، ثم جدد الأمويون بناء المسجد الأقصى، وبنوا مسجد قبة الصخرة.
لقد كان المسجد الأقصى موئلاً للعلم في مدينة القدس، وكان عماد الحركة الفكرية فيها، وقد قام بدورٍ كبير في دفع هذه الحركة وتطورها، لقد كان المسجد الأقصى جامعة إسلامية، إذا جاز لنا أنْ نطلق اسم جامعة على المسجد التعليمي، وكانت له رسالة علمية، وقد قام بها خير قيام وأداها حقاً على ما يرام، ولا غرو في ذلك، فقد كان الأقصى يمثّل مظهراً حضارياً وفكرياً، ومظهراً من مظاهر التمدن الإسلامي، ويقوم بدوره في دراسة التراث الإسلامي والحفاظ عليه، وبهذا كان له أثر كبير في خدمة الثقافة الإسلامية ورعايتها وتنشيط الحركة العلمية وصيانتها.
ويضاف إلى هاتين المؤسستين الخوانق التي أقامها محمد بن كرام (المتوفى سنة 255هـ/869م) وأتباعه الكرامية في القدس للعبادة والذكر والتعليم(42). ويضيف البعض(43) إلى ذلك "دار العلم" التي أنشأها الفاطميون بالقدس على غرار دور العلم التي أنشؤوها في القاهرة وطرابلس لنشر المذهب الشيعي.
أما بالنسبة للكتب التي كانت متداولة في القدس –وفي بقية البلدان الإسلامية– بمعناها المعروف، فقد بدأت في الظهور في القرن الثاني الهجري، ثم زادت في القرون التي تلته، وكان معظمها يتصل بتعليم الشيوخ الثلاثة: الزهري (ت 124هـ) الأوزاعي (ت157هـ) الوليد بن مسلة (ت 195هـ). ثم بدأ يظهر من الكتب ما يعرف بالمسند وهي الكتب التي تجمع أحاديث كل صحابي على حدة، ثم ظهرت الكتب التي تعرف بالمجاميع وقد رتبت فيها الأحاديث حسب الأبواب، ثم ظهرت كتب الطبقات التي رتب فيها الرجال في طبقات(44).
1/2/2 الفترة الثانية: وتشمل العصرين الأيوبي والمملوكي (583-922هـ/1187-1516م):
يعَدّ دخول صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس -بعد انتصاره على الصليبيين سنة 583هـ/1187م- بداية جديدة للحياة العلمية التي عمت ديار الشام عامة وفلسطين خاصة والقدس على وجه الخصوص.
ولم تمنعْ صلاح الدين مشاغله الحربية وهمومه السياسية من الاهتمام بالعلم وأهله، فأعاد بناء ما خرّبه الصليبيون من دور علمٍ وما أحرقوه ودمروه من خزائن كتب، وما هدموه من مدارس ومساجد ومنشآت حضارية تمثل الوجه المشرق للحضارة الإسلامية.
واستهل صلاح الدين عهده في فلسطين بعمليْن جليلين هما(45):
1- إنشاء المدارس.
2- العمل على تزويد المسجد الأقصى بالكتب الدينية والعلمية.
فقد عَمَد إلى تحويل الدار التي بناها فرسان المنظمة الصليبية العسكرية المسماة "الاستبارية" إلى مدرسة كبرى هي "المدرسة الصلاحية" لتدريس الفقه الشافعي بها، ويسجّل هذه الواقعة العماد الأصفهاني بقوله: فاوض السلطان (يقصد صلاح الدين) جلساءه من العلماء الأبرار والأتقياء الأخبار في مدرسة للفقهاء الشافعية ورباط للعلماء الصوفية، فعين للمدرسة الكنيسة المعروفة بصند حنّة(*) عند باب الأسباط، وعين دار البطرك للرباط ووقف عليهما وقوفاً(46).
ويشير مجير الدين الحنبلي إلى حرص صلاح الدين على تزويد هذه المؤسسات التعليمية بالكتب: إن السلطان صلاح الدين أمر بهدم البناء الذي أقامه الصليبيون في الصخرة، وأعادها كما كانت, ورتّب لها إماماً حسن القراءة ووقف عليها داراً وأرضاً وحمل إليها وإلى محراب المسجد الأقصى مصاحف وختمات وربعات شريفة(47).
واشتهر سلاطين بني أيوب بحبهم للعلم والعلماء –وعلى رأسهم صلاح الدين– الذي جمع حوله رجال العلم وكان يحضر مجالسهم ويستمع إليهم ويشاركهم في أبحاثهم(48).
ومن النصوص السابقة يتبيّن بوضوح التطورات التي حصلت في القدس في العصر الأيوبي، والتي تمثلت -بداية- في عناية صلاح الدين بإعادة الحياة العلمية والدينية إلى المسجد الأقصى ومدّه بالمصاحف الشريفة، وأوقف عليه الأوقاف الكثيرة للإنفاق عليه، كما أنشأ كثيراً من مؤسسات التعليم الأخرى وعلى رأسها المدارس، فأنشأ المدرسة الصلاحية والخانقاه الصلاحية، ومكتباً لتعليم الأطفال.
وقد سار الأيوبيون على سُنّة صلاح الدين في تأسيس المعاهد العلمية وتزويدها بالمدرسين والكتب المخطوطة، فكانوا محبين للعلم وأهله، فالعزيز عثمان الذي خلف أباه صلاح الدين في السلطنة، يقول عنه ابن خلكان "إنه سمع الحديث من الحافظ السلفي، والفقيه أبي طاهر بن عوف الزهري، وسمع بمصر من العلامة أبي محمد بن بري النحوي وغيرهم"(49). وقد جدد الملك المعظم عيسى بن أحمد بن أيوب بناء المدرسة الناصرية وجعلها زاوية لقراءة القرآن والاشتغال بالنحو، ووقف عليها كتباً في جملتها إصلاح المنطق لابن السكيت بخط الإمام النحوي ابن الخشاب(50).
ومثل هذا يُقال عن بقية سلاطين بني أيوب وخاصة السلطان الكامل الذي قال عنه المقريزي "كان يحب أهل العلم، ويؤثر مجالستهم، وعنده شغف بسماع الحديث النبوي، وكان يناظر العلماء، وعنده مسائل غريبة من فقه ونحو يمتحن بها، فمن أجاب عنها قدمه وحظي عنده"(51).
لذا لا عجب إذا اشتهر من بني أيوب أنفسهم أعلام في شتى ضروب المعرفة، فمنهم المؤرخ المشهور أبو الفدا، وهو عماد الدين إسماعيل بن الملك الأفضل نور الدين علي بن جمال الدين محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب (ت 732هـ/1331م) وهو صاحب كتاب "المختصر في أخبار البشر".
وقد حاكى سلاطين المماليك سلاطين الأيوبيين في بناء المدارس، وكان المماليك –رغم كونهم من أصول غير عربية متعددة– أصحاب فضلٍ في ازدهار النشاط العلمي في بلدان العالم الإسلامي، حيث اتّسم عصرهم بالأمن والاستقرار، وهما الدعامتان الأساسيتان لأي نشاط علمي وحضاري. "وخير ما يدلّ على ازدهار الحياة العلمية على عصر سلاطين المماليك، عظم الثروة العلمية التي وصلتنا من ذلك العصر بالذات، وما زالت دور الكتب في أنحاء العالم كافة مشحونة بمئات المخطوطات التي ترجع إلى ذلك العصر، والتي تناولت معظم ألوان المعرفة: الأدب والتاريخ والجغرافيا والعلوم الدينية والطب والفلاحة والمعارف العامة وغيرها(52).
وكانت هذه المؤلفات تدرس في المدارس التي أنشأها سلاطين المماليك، وخاصة العلوم الدينية، التي قصد الحكام بإقامتها التقرب إلى الله وكسب الثواب.
وجملة القول إنّ أبرز التطوّرات في مجال الحركة العلمية والثقافية في هذه الفترة تمثلت في الاهتمام بالمساجد وخاصة المسجد الأقصى، وإنشاء المدارس، ففي هذه الفترة أخذ المسجد الأقصى يغصّ من جديدٍ بالعلماء من جميع أنحاء العالم الإسلامي، وقد أورد مجير الدين الحنبلي في الجزء الثاني من كتابه الأنس الجليل سيراً مختصرة لحوالي (440) عالماً وخطيباً وقاضياً ومؤلفاً ممن عاشوا وعلّموا في بيت المقدس منذ الفتح الصلاحي حتى سنة 900ه/1494م(53). والمدارس تطوّر جديد في العالم الإسلامي حدث بعد الأربعمائة من سني الهجرة –على حدّ قول المقريزي(54)– حيث بدأت المدارس في الظهور وقاسمت المسجد الأقصى عملية التدريس والتعليم.
وكان الهدف من إنشاء المدارس وكثرتها –خلال تلك الفترة– هو تدعيم المذهب السني ضد المذهب الشيعي، وكان صلاح الدين شافعياً متحمّساً لمذهبه، لذا يرجع له الفضل في إنشاء أول مدرسة في القدس لتدريس هذا المذهب، وهي المدرسة الصلاحية سنة 588هـ. ومهما يقال عن أهداف صلاح الدين من إنشاء المدارس، فإنّ التوسع في إقامة هذا النوع من المؤسسات جاء في حدّ ذاته مظهراً قوياً لرقي الحياة الفكرية في عصر الأيوبي(55).
وكانت المدارس في هذه الفترة تعادل في مستواها جامعات اليوم، فهي كليات ومعاهد للتعليم العالي، وكان لكل مدرسةٍ مذهبها الذي تتبعه، وكان بعضها يشتمل على أربع كليات للمذاهب الأربعة، حيث كانت مدارس دينية بالدرجة الأولى، فانصبّ جُلّ اهتمامها على تدريس العلوم الدينية من فقه وحديث وتفسير وغيرها، ولكن هذا الوضع لم يلبثْ أنْ تطوّر حتى غدت المدارس مراكز لتعليم وتدريس النحو والفلسفة والعلوم الطبيعية كعلوم الحساب والجبر والميقات، فضلاً عن العلوم الدينية.
كذلك شهدت الفترة نشاطاً ملحوظاً في علوم اللغة العربية وخاصة النحو والصرف، واشتهر من علماء اللغة في ذلك العصر أبو محمد بن بري المتوفى سنة581هـ/1185م، وأبو الفتح البلطي المتوفى سنة596هـ/1200م، وابن عبد المعطي الزاوي المتوفى سنة 628هـ/1231م، وابن الحاجب المتوفى سنة 646هـ/1248م(56).
ويفيدنا البلوي في كتابه "تاج المفرق" بمعلومات قيمة عن العلوم والكتب التي كانت تدرس في هذه الفترة، وهي كتب الحديث والطب والتصوّف(57). وكذلك أخذ موضوع "فضائل بيت المقدس" يحتلّ مكاناً مرموقاً في مجالس التدريس، وخاصةً بعد الفتح الصلاحي لبيت المقدس، حيث ألقى تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين سنة 583هـ/1187م مسؤولية كبيرة على علماء العالم الإسلامي من فقهاء ومحدثين ومؤرخين وغيرهم، ذلك أنّ عروبة الأرض المقدسة وإسلاميتها أصبحتا مسألة يعوزها التجذير بعد تسعين سنة من الاحتلال الصليبي الذي عمل على تقليص الوجود العربي والإسلامي ومحوه من الأرض المقدسة، ولما كنا نرصد تاريخ الحركة العلمية في القدس فتجدر الإشارة إلى الدور الكبير الذي قام به علماء المسلمين وفقهاؤهم في وضع المصنفات التي تدعو إلى الجهاد وتحث عليه, واستثاروا مشاعر الناس وهممهم ووجهوها نحو الأرض المقدسة لاستنقاذها وتحريرها، وإمعاناً في ترغيب الأمة بالثواب من الله، صنفوا في فضائل المدن وعلى الأخص مدينتي القدس والخليل لما لهما من مكانة مقدسة عند المسلمين، وهكذا وضع هؤلاء العلماء والفقهاء سواء كانوا من بيت المقدس أو من خارجها سلسلة من الكتب سميت بـ"كتب الفضائل" وافتتح التأليف في هذا الفن محمد بن أحمد بن محمد الواسطي المقدسي (410هـ/1019م) خطيب المسجد الأقصى، بكتابه الموسوم "فضائل القدس" وهو أقدم كتاب مستقل عن فضائل القدس، تحدث فيه عن الأماكن المقدسة وفضلها، وفضل القدس والصلاة فيها وخاصة المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة. وكانت كتب الفضائل تدرس في المسجد الأقصى وفي المدارس، ومن أشهر هذه الكتب(58).
1- باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس، لبرهان الدين الفزاري المتوفى سنة 729هـ/1328م.
2- مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام، لأحمد بن محمد بن هلال المقدسي المتوفى سنة 745هـ/1344م.
3- فضائل القدس، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المتوفى سنة 597هـ/1201م.
4- إتحاف الأخِصّا بفضائل المسجد الأقصى لشمس الدين محمد بن أحمد المنهاجي السيوطي المتوفى سنة 880هـ/1475م.
5- روضة الأنس في فضائل الخليل والقدس لعارف الشريف المتوفى سنة 1383هـ.
وقد كثرت الكتب التي كانت تُدرّس في هذه الفترة، وزادت زيادة كبيرة، ويضيق المجال هنا عن حصرها؛ وتكفي الإحالة إليها(59).
وقصارى القول: يعتبر العصران الأيوبي والمملوكي قمّة التطوّر في النشاط العلمي في فلسطين بصفة عامة، وفي القدس بصفة خاصة، فأُنشِئَت فيهما مؤسسات التعليم على اختلافها، وأخذ المسجد الأقصى مكانته المرموقة جامعة إسلامية، وزاد عدد العلماء زيادة كبيرة لم تبلغها أية فترة أخرى، وزاد عدد المؤلفات والمصنفات، وهذا كله كان له كبير الأثر في تطور الحركة العلمية والتعليمية والثقافية في مدينة القدس.
1/2/3 الفترة الثالثة: العصر العثماني (922-1335هـ/1516-1917م):
استولى العثمانيون على بلاد الشام بما فيها فلسطين سنة 922هـ/1516م، واستمرّ حكمهم فيها أربعة قرون، كان القرن الأول من هذه القرون الأربعة قمة الازدهار للحركة العلمية والثقافية في بيت المقدس، حيث اهتم السلطان سليمان القانوني (926-974هـ/1520-1566م) بالقدس فأنشأ بها كثيراً من المنشآت التعليمية وبنى سور القدس وعمر المسجد الأقصى وظلّت الحركة العلمية نشطة في المسجد الأقصى طوال هذا القرن، وفي عهد سليم الثاني (1566-1574م) ومراد الثالث (1574-1595م) استمرّت هذه المنشآت والنشاطات العلمية.
ومن المنشآت المهمة التي أنشأتها "روكسلانة" زوجة السلطان سليمان القانوني "تكية خاصكي سلطان" التي كانت تحوي من ضمن ما تحويه مدرسة(60).
ومن نهاية القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي بدأ الضعف يدب في أوصال الدولة العثمانية، حيث أخذت الدولة في التقهقر على إثر وفاة سليمان القانوني (1566م)، فقد أصيبت بأول انكسارٍ حربي عندما هُزِم الأسطول الإسباني الأسطول التركي في معركة لببانتو البحرية عام 1571، وتوالت الهزائم عليها في حروبها مع فرنسا والمجر وروسيا منذ مطلع القرن الثامن عشر الميلادي حتى أوائل القرن العشرين، وأخذ الضعف السياسي والتدهور الاقتصادي يسريان في جسم الدولة خلال تلك الفترة، حتى أطلق عليها اسم "رجل أوروبا المريض"، وكانت أكبر هزيمةٍ لها في الحرب العالمية الأولى وانهارت أمام ضربات الجيش البريطاني في هذه الحرب، وانتهى الأمر بتمزيق أوصال الدولة العثمانية، وورثت كل من بريطانيا وفرنسا معظم أملاك الدولة العثمانية، وكانت فلسطين من نصيب بريطانيا.
وقد انعكست الأوضاع الاقتصادية على كلّ أقطار الدولة العثمانية ومنها فلسطين، مما كان له تأثيراته السلبية على أوضاع التعليم والحركة العلمية في فلسطين، وبدأ الاضمحلال التدريجي للأوقاف التي وقفت على المدارس وغيرها من دور العلم حتى توقف كثير من المدارس عن العمل، وأصبح التعليم في القدس يعتمد أساساً على المساجد، وعلى عددٍ قليلٍ من العلماء الذين حاولوا أن يبقوا شعلة العلم مضيئة في هذه البلاد.
وفي القرْنيْن الحادي عشر والثاني عشر الهجريين/السابع عشر والثامن عشر الميلاديين بدأت الحركة العلمية في فلسطين –بما فيها القدس– تسير في خطّ متراجع، وأصبح العلم والتعليم في تقهقر، وقلّ عدد العلماء في فلسطين وخاصة في القدس، فقد أورد صاحب كتاب "تراجم أهل القدس في القرن الثاني عشر" الشيخ حسن بن عبد اللطيف الحسيني –مفتي القدس (ت 1224هـ/1809م)– تراجم ثمانية وثلاثين عالماً من علماء القدس في ذلك القرن(61). وهو عدد قليل إذا ما قورن بعددهم في القرون السابقة.
أمّا عن المدارس التي أنشِئت في القدس في العصر العثماني فكانت قليلة العدد، وهذه المدارس هي: القرقشندية، الدقمرية، المرمرية، المنصورية، الصافنية، الحجرحية، الماوردية، الأحمدية، مدرسة مراد باشا، مدرسة الخانقاه الأسعدية(62).
ولكن تجدر الإشارة هنا في هذا المقام إلى أنّ المسجد الأقصى احتفظ بمكانته كنقطة جذب للعلماء المسلمين من بلاد العالم الإسلامي المختلفة، ومن أبرز العلماء الذين زاروا المسجد الأقصى في القرن الحادي عشر الهجري، أحمد بن محمد المقري صاحب كتاب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" وألقى عدة دروس بالمسجد الأقصى والصخرة المشرفة(63).
وفي القرن الثاني عشر الهجري زار القدس كلٌّ من إمام الصوفية عبد الغني النابلسي (1101هـ) والسيد مصطفى البكري (1162هـ) الدمشقيان، كما زارها مصطفى أسعد اللقيمي الدمياطي (1143هـ)(64).
وهكذا ظل المسجد الأقصى قطب الرحى في الحركة العلمية في هذه الفترة وكان يؤمّه العلماء من مختلف البلدان، ويلقون دروساً فيه، وممن أمّ المسجد الأقصى للتدريس فيه خلال هذه الفترة سنة 1303هـ-1885م الإمام الشيخ محمد عبده(65). واستمرّت هذه الحركة بلا انقطاع خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، ومن أشهر علمائه في هذه الفترة: أسعد الإمام، وعبد الرزاق العفيفي، ويعقوب البديري، وعبد القادر أبو السعود(66).
وكانت موضوعات التدريس في العصر العثماني في القدس تدور حول العلوم الدينية بفروعها المختلفة، وخاصة علم الفقه الذي احتل المقام الأول سواء في التدريس أو التأليف، وكذلك التصوّف الذي حظي بإقبال كبير على تدريسه أو ممارسته، "فكبار الشيوخ والفقهاء كان أغلبهم صوفيين، من أمثال العلمي، الدجاني، الجوهري، الخليلي، البديري"(67).
ويلاحظ بصفة عامة أنّ المؤلفات التي وضعت خلال هذه الفترة تنقصها روح الابتكار والأصالة، وأنّ العلماء والمثقفين ظلوا يعتمدون –إلى حدّ كبير– على كتب الأسلاف، يشرحونها ويختصرونها ويضعون حواشي وذيولاً لها، كذلك يلاحظ على الموضوعات التي طرقها المؤلفون خلال هذه الفترة أنها لم تكنْ جديدة، ولكنّها كانت مكررة لموضوعات العصور السابقة، وهذا يشير إليه فهرس مخطوطات مكتبة المسجد الأقصى الذي يضم حصيلة المخطوطات المتوارثة من العصر العثماني أساساً(68).
1/2/3/4 الفترة الرابعة: القرن العشرون (1917–1998م):
شهد هذا القرن أحداثاً جساماً أثرت على المنطقة العربية بأسرها وخاصةً فلسطين ومدينة القدس على وجه الخصوص، فبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م وإعلان الدولة العثمانية وقوفها إلى جانب ألمانيا أخذت دول الحلفاء تتّفق فيما بينها لتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية، وبدأت بريطانيا بالتفكير في السيطرة على فلسطين.
وقد تمكن الجيش البريطاني بقيادة الجنرال "إدموند ألنبي" من احتلال كافة الأراضي الفلسطينية خلال الفترة الممتدة من تشرين الأول (أكتوبر 1917م) حتى (تشرين الأول (أكتوبر 1918م)(69)، وهكذا انتهى الحكم العثماني لفلسطين بعد أنْ امتدّ نحو أربعمائة سنة.
وبنهاية عام 1918م, وبانتهاء الحكم العثماني لفلسطين أصبحت البلاد تُدار بإدارة عسكرية بريطانية اتخذت من مدينة القدس مقرًا لها. وفي مؤتمر سان ريمو عام 1920م قرر المجلس الأعلى للحلفاء منح بريطانيا حق الانتداب على فلسطين، وبناء على ذلك عينت الحكومة البريطانية السير "هربرت صموئيل Herbert Samuel الصهيوني البريطاني مندوباً سامياً على فلسطين وحوّلت الإدارة العسكرية إلى إدارة مدنية(70).
واستمر الانتداب البريطاني على فلسطين حتى مايو 1948م، وخلال تلك الفترة تغيّرت الأوضاع والأحوال السياسية والاقتصادية والعسكرية والتعليمية في كل أنحاء فلسطين، وما يهمنا هنا هو التعرف إلى معالم الأوضاع التعليمية والعلمية في مدينة القدس.
حققت بريطانيا باحتلالها لمدينة القدس في 9 كانون الأول (ديسمبر) 1917م، أهداف الأوروبيين المتمثلة في التحكم في مسار الحياة العلمية والتعليمية في المدينة، وجاء تفويض "عصبة الأمم" لبريطانيا بإدارة المدينة بمثابة مدخل لتحقيق هذه الأهداف.
وقبل بيان الحالة العلمية والتعليمية في القدس خلال فترة الانتداب البريطاني، تجدر الإشارة ابتداءً إلى بيان هذه الحالة قبل مجيء هذا الانتداب، فتفيد إحدى الدراسات الحديثة أنه في عام 1910م كانت في متصرفية القدس (528) مدرسة رسمية وخاصة، وفي إحصائية أخرى تذكر هذه الدراسة أنّ عدد المدارس عام 1914م كان على النحو التالي: (95) مدرسة ابتدائية رسمية، ثلاث مدارس ثانوية، وفي أثناء الحرب العالمية الأولى افتتحت مدرسة ثانوية في القدس كتنازل أمام الشعور القومي العربي وإرضاء له، أما المدارس الخاصة فبلغ عددها في العام نسفه (369) مدرسة إسلامية، كان معظم هذه المدارس عبارة عن كتاتيب في المساجد أو في بنايات عامة(71).
وظل نظام التعليم التركيّ معمولاً به في مدارس القدس حتى عام 1920م، وكان هذا النظام يتلخّص في ثلاث مراحل على النحو التالي(72).
1- ابتدائي ومدته ست سنوات.
2- إعدادي ومدته ثلاث سنوات.
 3- سلطانيّ ومدته ثلاث سنوات وبه يختتم التعليم الثانوي ويبدأ التعليم الجامعي.
والجدير بالذكر أنّ هذا النظام مأخوذ عن نظام التعليم في فرنسا. ثم قامت حكومة الانتداب البريطاني بأول عمل مهم من أجل التعليم في القدس، وهو تأسيس دار للمعلمين سنة 1920م تتولى تدريب المعلمين للمدارس الابتدائية في جميع أنحاء فلسطين، ثم قامت بعد ذلك بوضع نظام جديد للتعليم يتلخّص في خمس مراحل على النحو التالي(73):
1- مدارس الحضانة وبساتين الأطفال حتى السادسة من العمر.
2- التعليم الابتدائي الأول ومدته خمس سنوات.
3- التعليم الابتدائي الثاني ومدته سنتان.
4- التعليم الثانوي الأول ومدته سنتان.
5- التعليم الثانوي الثاني ومدته سنتان.
وبانتهاء التعليم الثانوي يتقدم الطلاب لاجتياز امتحان التعليم العالي، وقد تأسّس عام 1923م "مجلس التعليم العالي الفلسطيني" ليشرف على هذا الامتحان(74). وكان الطلاب الناجحون في هذا الامتحان يلتحقون بالتعليم الجامعي –وقتئذ– في جامعات الدول المجاورة لفلسطين مثل لبنان وسوريا ومصر، إذ لم يكنْ يوجَد تعليمٌ جامعي في فلسطين في القرن العشرين إلا ابتداءً من عقد السبعينات فيه.
وكانت أهداف التعليم في فلسطين خلال فترة الانتداب تتلخص في(75):
1- تعليم شامل لإزالة الأمية إزالة دائمة.
2- التعليم من أجل كسب العيش.
3- إعداد المواطن الفلسطيني الصالح.
وكان الاحتلال البريطاني يرمي من وراء الهدف الأخير إلى إعداد المواطن الفلسطيني القانع، الذي لا يتورط ولا يهتم بمشاكل وطنه، كي يتقبل الوطن القومي لليهود في فلسطين.
واستمرت الحالة التعليمية في القدس على هذا النحو، بل كانت تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، حتى تقلص عدد المدارس الحكومية في المدينة ليصبح تسع مدارس حكومية في العام الدراسي 1937/1938م، واستمر عدد المدارس الحكومية في القدس حتى عام 1945م كما هو(76). أما المدارس الخاصة فبلغ عددها (7) مدارس إسلامية، و(40) مدرسة مسيحية(77).
من خلال العرض السابق الموجز للحالة التعليمية والعلمية في مدينة القدس، يتبيّن لنا بوضوحٍ مدى ما وصلت إليه هذه الحالة من سوء واندثار في ظلّ الظروف التي عاشتها المدينة، مما كان له الأثر السلبي المباشر على وضعية المكتبات في القدس فيما بعد.
بقِيَ من المسيرة العلمية والتعليمية في القدس خلال القرن العشرين مرحلتان: مرحلة الوحدة حينما شكلت الضفة الغربية بما فيها القدس جزءاً من الأردن، ومرحلة الاحتلال "الإسرائيلي" الذي بدأ منذ عام 1967م ومازال جاثمًا على صدرها (القدس) حتى يومنا هذا.
ولست في سبيل عرض ومناقشة ما قدّمه الأردن من خدمات علمية وتعليمية للقدس، أو ما تسبّب به الاحتلال من أضرار، فإنّ هذا وتلك يحتاجان إلى بحثٍ كامل، لذا أشير إشارةً يسيرة إلى بعض ما حدث من قضايا علمية وتعليمية في هاتين المرحلتين، كانت لها أثرها المباشر على وضعية المكتبات في القدس فيما بعد.
في 14 مايو 1948م أعلنت بريطانيا إلغاء انتدابها على فلسطين، وفي 15 مايو من العام نفسه تم إعلان قيام "إسرائيل"، وتم الاعتراف بها كدولةٍ من قِبَل كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وفي 12 مايو 1949م تم قبول عضوية "إسرائيل" في الأمم المتحدة(78).
ولا بدّ من القول هنا إنّ قيام "إسرائيل" يعود بالدرجة الأولى للجهود التي بذلتها الحكومة البريطانية طوال فترة انتدابها على فلسطين، فقد سَخَّرت معظم القوانين والأنظمة التي أصدرتها في فلسطين لصالح اليهود حتى تمكنهم من السيطرة على الأراضي الفلسطينية والتحكم في الموارد الاقتصادية للبلاد، وقد غدَتْ هذه السياسة مبدأً أساسياً التزمت به حكومة الانتداب.
واغتصبت "إسرائيل" القدس الغربية تماماً وضمّتها إليها منذ عام 1948م، أما القدس الشرقية –وبها المقدسات الدينية– فوضعت تحت إشراف الأردن، وحافظت الأردن على القدس، فقامت بإعمار المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية الأخرى، وترميم الآثار الإسلامية، وإنشاء المدارس والمعاهد في القدس، وتصاعدت الصحوة الإسلامية، وانتعشت الحياة العلمية والتعليمية نتيجة دعم الأردن للمؤسسات التعليمية والثقافية بالقدس.
وفي عام 1967م حدثت النكسة أو الهزيمة العربية الكبرى، حيث شنّت "إسرائيل" الحرب على الدول العربية، وقامت باحتلال سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
ومنذ هذا التاريخ تمارس السلطات "الإسرائيلية" كافة أشكال القمع والتمييز العنصري ضدّ المواطنين الفلسطينيين، ومسّت هذه الممارسات كافة جوانب الحياة ومنها الجانب التعليمي.
وتتعرض مدينة القدس منذ عام 1967م حتى يومنا هذا لأنواع شتى من الانتهاكات، في محاولة تهويد المدينة المقدسة –بما تمثله من قيم ورموز دينية وتاريخية وحضارية لملايين المسلمين في أنحاء العالم– وتغيير معالمها الفردية وطابعها المقدس، فقد قامت السلطات "الإسرائيلية" باتخاذ عدة قرارات متعلقة بشؤون التعليم، منها إلغاء جميع البرامج التعليمية الأردنية المطبقة في مدارس مدينة القدس واستبدالها بتزييف الحقائق التاريخية وطمس العقيدة الإسلامية وتشويهها. ولكن تأييد مواطني القدس للمناهج العربية والأردنية ودفاعهم عن نوعية التربية التي يجب أنْ تقدّم لأبنائهم، جعل السلطات "الإسرائيلية" تتراجع عن قرارها وتعيد المناهج الأردنية في المدارس، غير أنّ هذه السلطات أصرّتْ على أنْ يدرس الطلاب اللغة العبرية ومساقاً آخر حول المجتمع "الإسرائيلي" إلى جانب المناهج الأردنية(79).
ومنذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في 9 ديسمبر (كانون الأول) عام 1987م، والسلطات "الإسرائيلية" تحاول عرقلة التعليم في فلسطين بشكلٍ عامٍ والقدس بشكلٍ خاص، بأقصى الوسائل وأشدها وذلك عن طريق الإغلاق القسري للمدارس والجامعات واستخدامها كثكنات عسكرية ومحاصرتها واقتحامها.
أمّا عن الحالة التعليمية والعلمية في القدس منذ التسعينات –مرحلة السلام– وخاصة بعد اتفاقية أوسلو عام 1993م، فتميزت باشتداد الهجمة "الإسرائيلية" على مؤسسات التعليم والمؤسسات الأخرى العاملة في مدينة القدس الصامدة.
وتبذل سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" جهوداً مكثفة ومتواصلة لخلق أوضاع قانونية ونفسية في القدس العربية وما حولها، تجعل من الصعب إنْ لم يكن من المستحيل على الفلسطينيين أنْ يحافظوا على وجهها العربي والإسلامي، من هذه الجهود محاولة تهويد المدينة ومصادرة الأراضي وتطويقها بمجموعة من المستوطنات الكبيرة، حتى زاد عدد اليهود القاطنين في القدس الشرقية (المدينة العربية) عن مائة وخمسين ألف نسمة(80).
أمّا عن التعليم العالي في القدس فتوجد مؤسستان هما: جامعة القدس وجامعة القدس المفتوحة، بالإضافة إلى كلية الحقوق الفلسطينية، وفيها ثلاث مؤسسات للتعليم العالي المتوسط (سنتان بعد التوجيهي) كلية الإبراهيمية وكلية الأمة وكلية العلوم الإسلامية، وهذه المؤسسات جميعها تقدّم خدماتها العلمية والتعليمية لحوالي (4000) طالب وطالبة(81).
أمّا بالنسبة للمؤسسات الدينية في مدينة القدس –في هذه الفترة كلها- وخاصة المسجد الأقصى فحدّث ولا حرج، حيث تقوم السلطات "الإسرائيلية" بتهديد المقدسات الإسلامية الموجودة في المدينة بالزوال والطمس والهدم، عن طريق الحفريات التي تقوم بعثتان "إسرائيليتان" بحفرها بحثاً عن الهيكل المزعوم تحت مباني الحرم القدسي الشريف وخاصةً المسجد الأقصى، والاعتداءات على الحرم القدسي الشريف كثيرة ومستمرة، سواءً عن طريق محاولات المتطرفين اليهود بالدخول إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه، أو عن طريق الحفريات التي تنهش أساساته وقواعده، والمسلسل طويل وكبير ومستمر، ولا تزال تعشّش في ذاكرتنا أحداث حريق المسجد الأقصى المبارك عام 1969م الذي أتى على القبة ومنبر صلاح الدين فيه، وما تبع ذلك من مجازر خلال أعوام 1982م، 1984م، 1990م، وآخرها الزيارة المشؤومة التي قام بها السفاح شارون في 28 سبتمبر 2000م، حيث سقط فوق ساحة المسجد الأقصى عشرات الشهداء ومئات الجرحى، وكانت سبباً في قيام الانتفاضة الفلسطينية الثانية -انتفاضة الأقصى– التي لا زالت قائمة ضدّ الاحتلال "الإسرائيلي" إلى يومنا هذا.
هذه صورة مبسّطة وموجزة لما كانت عليه الأوضاع العلمية والتعليمية في مدينة القدس خلال القرن العشرين، وهي صورة مأساوية تعرّضت لها المدينة المقدسة من مؤامرات التهدّم الحضاري والعلمي لطابعها وتراثها الفكري المميز.
وخلاصة القول إنّ القدس احتلت منذ بداية التاريخ الإسلامي مكانة مميزة في قلوب المسلمين، فهي مدينة الأنبياء الذي جاء الإسلام مصدقاً لرسالتهم، وهي من الأرض التي باركها الله تعالى، وهي فوق هذا وذاك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وإليها أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلّم ومنها عرج به إلى السموات العلا. وإزاء هذا الوضع كان من الطبيعي أنْ تلقى المدينة الرعاية والعناية من قِبَل الخلفاء والأمراء والحكام المسلمين على مر العصور.
وتؤكد كلّ الشواهد أنّ المسيرة العلمية والثقافية في مدينة القدس بدأت منذ الفتح الإسلامي لها واستمرت حتى يومنا هذا، ولكن تدلّ المؤشرات الكثيرة على أنّ هذه المسيرة لم تمضِ على وتيرة واحدة من الازدهار والرقي والنضوج الفكري والثقافي، بل تعرّضت إلى هزات عنيفة ارتبطت بالأجواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية التي مرت بها مدينة القدس في حقب تاريخها الطويل، فكانت تزدهر أحياناً وتخبو أحياناً أخرى، ولكن سراجها العلمي وإشعاعها الديني لم ينطفِئا أبداً على مرّ الأيام والسنين، بل كانا وراء نشر الثقافة الدينية والعلمية في طول البلاد وعرضها، وعصب التماسك الفكري والحضاري بين أبناء العالم الإسلامي عامة وفلسطين خاصة والقدس على وجه الخصوص، وإنْ تغيّر الزمان وتباين المكان، وكانا أخيرًا مصدر بناء قوي لأهم دعامة من دعائم الحضارة الإسلامية ألا وهي المكتبات.

المبحث الثاني: مكتبة المسجد الأقصى.. النشأة والتطور:
2/0 تمهيد:
يحاول هذا المبحث بالدراسة والتحليل تقصّي نشأة مكتبة المسجد الأقصى وتتبعها، مع إعطاء صورةٍ عن تطورها خلال مسيرتها التاريخية التي بدأت مع الفتح الإسلامي للقدس حتى عصرنا الحالي، من أجل الكشف عن التاريخ المكتبي الذي كانت تمثله هذه المكتبة في سيرتها الأولى، والذي بلغ درجة عالية من النضج، قلّ أنْ يبلغه كثير من المكتبات القائمة في أيامنا هذه. ولما كانت مكتبة المسجد الأقصى –وهي بؤرة الاهتمام هنا– تصنّف مكتبة نوعية تحت مكتبات المساجد، فقد اقتضى الأمر إعطاء صورة ولو موجزة –في بداية هذا المبحث- عن نشأة مكتبات المساجد في فلسطين بصفة عامة.
2/1 نشأة مكتبات المساجد:
كان وأصبح وسيظلّ للكتاب مكانة أثيرة في الحضارة العربية الإسلامية، فالكتاب كما قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلّم هو "قيد العلم"، وقد كان إقبال المسلمون على العلم في عصور حضارتهم إقبالاً عظيماً، فلا غرْوَ أنْ أحلّوا الكتاب المنزلة الرفعية وأغدقوا عليه فيضاً من المحبة والاحترام.
وقد كان وأصبح وسيظل للمكتبات دور عظيم في الحضارات الإسلامية في مختلف الأقطار والأمصار، وكانت من مفاخر هذه الحضارة، باعتبارها إحدى دعاماتها والأساس الأول في بنائها، فالمكتبات هي الموئل الأول الذي تؤول إليه الكتب، يحتضنها وتسكن في جنباته.
وحضارة فلسطين جزء من الحضارة العربية والإسلامية، فقد ساهمت بنصيب وافر في بناء هذه الحضارة، بما قدمته من مؤلفات ومصنفات لعلمائها ورجالاتها في جميع مجالات المعرفة الإنسانية.
ويرتبط تاريخ المكتبات في الحضارة العربية الإسلامية ارتباطاً وثيقاً بالإسلام، حيث أوْلت هذه الحضارة اهتماماً كبيراً بالعلم والحض عليه وتكريم أهله من العلماء والأدباء والمفكرين، فمنذ فجر الإسلام اتخذ المسلمون المسجد مكاناً للدراسة والتعليم "ودور المسجد في التثقيف العلمي من الأدوار المخصبة في حياة الأمة والإسلامية"، ويبدو أن العلماء والمشرعين لم يجدوا أمناً ولا طمأنينة في تفهم كتاب الله وسنة نبيه إلا في ظلال المساجد(82). ولما كانت الكتب ركناً أساسياً من أركان العملية التعليمية، فقد احتفظت المساجد بمجموعة من هذه الكتب، وكانت المصاحف أول الكتب التي توضع في المساجد.
فقد جرت العادة ولا تزال أنْ يودِع بعض وجهاء الناس وعلية القوم في المساجد عدداً من نسخ القرآن الكريم وعدداً آخر من الكتب الدينية، لفائدة المطالعين والمصلين من رواد هذه المساجد.
"ومن الواضح أنّ مكتبة المسجد ظهرت للوجود منذ اتخذ المسلمون المسجد مكاناً للدراسة، ذلك لأنّه لا دراسة بدون كتب، وإذا علمنا أن الدراسة على مختلف مراحلها وبأغلب فروعها كانت تتم في المسجد والجامع، وذلك حتى زمن قريب من عهدنا الحاضر أمكننا أن ندرك أهمية المكتبة الملحقة بالمساجد، وأن أغلب المساجد وخاصة الهامة منها كانت ولا تزال تمتلك مكتبة خاصة، وهذه المكتبة لا تحتوي كتبًا دينية فقط وإنما بالإضافة إليها كتباً فلسفية وعلمية"(83). ومن ثم يمكن القول إنّ هذا النوع من المكتبات يعتبر أول المكتبات نشوءاً في الإسلام، ويهدف إلى خدمة مجتمع المسجد من المصلين فضلاً عن نشر الثقافة بين أفراد المجتمع المحلي.
وهذا الوضع نجده في المساجد الكبرى في الحجاز والعراق وفلسطين ومصر وتونس والأندلس، والتي غدت معاهد دينية وجامعات علمية في أوسع معانيها، لها طابعها ونظمها وثقافتها وتقاليدها العلمية الراسخة، ولكل منها مكتبة ضخمة تضم أمهات الكتب ونفائس المخطوطات.
وبدأ ظهور مكتبات المساجد في فلسطين مع إنشاء المساجد بها، وبدأ إنشاء المساجد بها عقب الفتح الإسلامي للبلاد مباشرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، فكان كلما فتح مدينة من مدن فلسطين مثل نابلس ويافا وغزة والقدس... الخ، أقام بها مسجداً، وهكذا كثر عدد المساجد في فلسطين، وقامت هذه المساجد بتأدية خدمات كثيرة، أهمها حفظ اللغة العربية ونشر الثقافة الإسلامية في أرجاء فلسطين.
والمتتبع لتاريخ النهضة المكتبية في فلسطين سيجد أنّ مكتبات المساجد هي المكتبات الأولى التي عرفتها فلسطين الإسلامية، وتقف على قمة هذه المكتبات خزائن المسجد الأقصى في مدينة القدس، وقبل الحديث عن تاريخ هذه الخزائن، لزم الأمر إعطاء لمحة يسيرة عن مكتبات بعض المساجد الكبرى في فلسطين، كالمكتبة الأحمدية في عكا، ومكتبة الحرم الإبراهيمي في الخليل، ومكتبة جامع يافا الكبير، ومكتبة مسجد الحاج نمر النابلسي في نابلس، وهذه المكتبات من أشهر مكتبات المساجد في فلسطين وأعرقها والتي كان لها الدور الثقافي المميز في تاريخ فلسطين وحضارتها.
1- المكتبة الأحمدية في عكا:
أنشأ أحمد باشا الجزار والي عكا مسجداً فخماً سنة (1196هـ/ 1781م)، ويعتبر هذا المسجد من أجمل المساجد في فلسطين عامة، وبه يتجلّى الفن الإسلامي في أبدع مظاهره، وفيه ألحق الجزار بهذا المسجد مدرسة دينية ومكتبة وهي التي تسمّى الآن "المكتبة الأحمدية" وكانت مجموعة المكتبة تتألف من الكثير من الكتب النفيسة والمخطوطات التي انتزعها الجزار في أثناء ولايته من خزانة خير الدين الرملي مفتي الرملة (84). وقد جردت محتويات هذه المكتبة وصنفت كتبها فبلغ عددها (1199) كتاباً، منها (488) في التفسير والحديث والقصص النبوية و(69) كتاباً في اللغة والتصوف والآداب، والكتب الباقية في التاريخ والجغرافيا وغيرهما من العلوم(85). بالإضافة إلى (500) مخطوطة من أنفس المخطوطات(86). ولكن الجرْد الأخير للمكتبة سنة 1983م، أظهر أنّه لم يعُدْ فيها سوى ثماني مخطوطات فقط(87).
2- مكتبة الحرم الإبراهيمي في الخليل:
يقع المسجد الإبراهيمي جنوبي شرق مدينة الخليل في فلسطين المحتلة، وهذا المسجد من المساجد القديمة في ديار الإسلام، وقد حوى مكتبة كبيرة منذ زمن صلاح الدين الأيوبي، وتضم المكتبة نحو (1269) كتاباً معظمها في علوم الدين: القرآن وعلومه، والحديث النبوي الشريف، والفقه وأصوله، والتوحيد والتصوّف، بالإضافة إلى موضوعات النحو والصرف والمنطق. كما تضم (140) مخطوطة في علوم الدين الإسلامي من قرآن وتفسير وفقه وتوحيد، وفيها مجموعة من المصاحف الأثرية(88). في عام 1976م قام اليهود أثناء وجودهم في المسجد الإبراهيمي بعد أن دخلوه عنوة، وفرضوا منع التجوال، قاموا بأعمال تخريبية مختلفة منها سرقة عدة مصاحف أثرية ومخطوطات(89).
3- مكتبة جامع يافا الكبير:
أسس جامع يافا الكبير الشيخ محمد بيبي سنة 1158ه/1745م, وعمّره حاكم يافا مير محمد آغا سحور المعروف بأبي نبوت سنة 1810م، وقد ألحق محمد آغا أبو نبوت بالجامع مكتبة ضخمة تبلغ نحو ألف مجلد من الكتب والمخطوطات النفيسة، أكثرها في العلوم الدينية واللغة العربية، ومعظم مخطوطاتها –كغيرها من مخطوطات المكتبات القديمة– تعرّضت إلى الضياع والتبديد، وما تبقّى منها إلا (339) مخطوطة معظمها في الفقه وأصوله والتوحيد والتفسير(90).
4- مكتبة مسجد الحاج نمر النابلسي بنابلس:
أنشأ الحاج نمر بن حسن النابلسي هذا المسجد سنة 1357هـ/1938م، ويعتبر هذا المسجد من أشهر مساجد المدينة وأكبرها، وله مكتبة ضخمة، بلغ عدد مجلداتها عام 1944م نحو (1600) مجلّد بين مطبوع ومخطوط في علوم الدين الإسلامي واللغة العربية والتاريخ(91).
هذه اللمحة التاريخية الموجزة لمكتبات المساجد في فلسطين أردت بها بيان الماضي العريق والدور الثقافي الكبير الذي أدته تلك المكتبات كجزءٍ من منظومة المكتبات الفلسطينية، ويلاحظ في الوقت الحاضر أنّ هذه المكتبات المسجدية –كغيرها من المكتبات الفلسطينية– تعاني واقعاً مريراً حيث إنّ الكثير من مقتنياتها تعرّض للسرقة والضياع والتلف نتيجة عوامل الجوّ والزمن، فضلاً عن معاناة البلاد بما فيها المكتبات، من الحصار "الإسرائيلي" والتدمير الصهيوني المتعمد لكل رموز وهوية الثقافة الإسلامية في فلسطين. لذا فالمطلوب هو المزيد من الدعم والاهتمام بإحياء مجد تلك المكتبات العريقة، عن طريق رصد الميزانيات المناسبة لشراء مصادر المعلومات، وتجهيز هذه المكتبات بالأجهزة اللازمة للحفاظ على مخطوطاتها، وأخيراً الإشراف عليها من قبل أشخاص مؤهلين.
وأخيراً تقف على قمة مكتبات المساجد مكتبة المسجد الأقصى عبر تاريخها الطويل، ذات الشهرة العريقة والتاريخ التليد، واكبت المد الحضاري الإسلامي وعكست صورته بكل الشموخ في كل أنحاء العالم الإسلامي، وهذا هو موضوع العنصر التالي.
2/2 نشأة مكتبة المسجد الأقصى:
اتّضح مما سبق أن مكتبات المساجد هي المكتبات الأولى التي عرفتها مدن فلسطين بما فيها مدينة القدس، وكان أهم مكتبات المساجد في القدس هي "خزائن المسجد الأقصى"، فقد كان المسجد الأقصى كغيره من المساجد الكبيرة في الأقطار الإسلامية مركزاً للحياة الفكرية ومدرسة لتدريس العلوم، سواءً علوم دينية أو علوم دنيوية، ولا يمكن أن تنتعش الحياة العلمية والفكرية في رحاب المسجد دون وجود مكتبة تضم الكتب الأمهات ونفائس المخطوطات، ومن هنا بدأت البواكير الأولى لمكتبة المسجد الأقصى، وتطوّرت على مرّ العصور ابتداء من الفتح الإسلامي للقدس حتى يومنا هذا، وقبل أنْ نمضي في سرد تاريخ هذه المكتبة خلال فترات تاريخها الطويل، تجدر الإشارة إلى الأسماء والمصطلحات التي سميت بها على مدى هذا التاريخ، وهذه الأسماء والمصطلحات كانت تطلق على المكتبات العربية في حقب التاريخ المختلفة– وقد حصر البعض(92) هذه الأسماء في الكلمات التالية:
1- بيت الحكمة.
2- خزانة الحكمة.
3- دار الحكمة.
4- دار العلم.
5- دار الكتب.
6- خزانة الكتب.
7- بيت الكتب.
وفي هذه التعبيرات السبع توجد ست كلمات مختلفة هي: بيت– خزانة– دار– حكمة– علم– كتب، وتشير الثلاث الأولى منها إلى أنواع أمكنة، بينما تدلّ الكلمات الثلاث الأخرى على موضوع هذه الأمكنة، وتصلح لوصفها، ولكل واحدة من هذه الكلمات قيمتها الخاصة، وأنها تحدد مجتمعة اثنتين اثنتين طابع المكتبات المختلفة.
وقد سميت مكتبة المسجد الأقصى –على مدى تاريخها الطويل– بالأسماء التالية: خزانة الكتب، دار الكتب، مكتبة، فالأولى تدلّ على مدى الحرص على الكتب، والثانية تدلّ على ضخامة الكتب المقتناة، والثالثة تدل على الاستعمال العصري، وفي الفقرات التالية عرض مبسط للمراحل والفترات الزمنية التي مرت بها مكتبة المسجد الأقصى على اختلاف مسمياتها.
2/2/1 الفترة الأولى: من الفتح الإسلامي حتى نهاية العصر الفاطمي:
تعود نشأة خزانة المسجد الأقصى إلى القرنيْن الثالث والرابع الهجريين على التوالي، وهذا ما أشارت إليه بعض النصوص التاريخية التي تتعلق بمكتبة المسجد الأقصى.
وأول هذه النصوص ما ذكره ابن الفقيه في كتابه البلدان الذي ألفه سنة 290هـ/902م، أنّه كان في المسجد الأقصى في زمنه "ستة عشر تابوتاً (أي صندوقاً) للمصاحف المسبَّلة، وفيها مصاحف لا يستقلَّها الرجل"(93).
وثمة نصّ آخر ذكره ابن عبد ربه المتوفى سنة 328هـ/939م في كتابه العقد الفريد "وفيه (أي في المسجد الأقصى) سبعون مصحفاً، وفيه من الكبار التي في الورقة منها جلد ستة مصاحف على كراس تجعل فيها"(94).
ومن خلال تحليل هذين النصين يمكن أنْ نستخلص بعض الحقائق على النحو التالي:
1- تمثّلت البواكير الأولى لمكتبة المسجد الأقصى في وجود توابيت (صناديق) خصصت لحفظ المقتنيات فيها.
2- أهمّ ما كانت تضمّه هذه التوابيت (المكتبة) من مقتنيات كانت نسخ القرآن الكريم، التي كانت توضع في المسجد أو توقف عليه أو تُهدى إليه.
3- كانت المصاحف النواة الأولى لخزائن المسجد الأقصى.
وهناك نصّ آخر يتعلق بالمسجد الأقصى وبه إشارة إلى خزائنه من المصاحف، وقد أورد هذا النص محمد علي بن ميّسر المتوفى سنة 677ه/1278م. وذكره فيليب دي طرازي في كتابه الموسوم "خزائن الكتب العربية في الخافقين" يقول ابن ميّسر: "إنّ الإفرنج حاصروا بيت المقدس في رجب سنة 492هـ/1099م، وكانوا قد ملكوا الرملة، فخرج إليهم الأفضل في عساكره، فلما بلغ الفرنج خروجه، جدّوا في حصار بيت المقدس حتى ملكوه، فهدّموا المساجد وقبر الخليل وقتلوا أهل البلد جميعهم إلا اليسير وانحازت طائفة إلى محراب داوود عليه السلام، وأحرقوا المصاحف وأخذوا من الصخرة ما لا ينحصر من قناديل الفضة والذهب والآلات"(95).
من خلال تحليل هذا النصّ يمكن رصد المؤشرين التاليين:
1- وجود مصاحف في المسجد الأقصى كنواة لخزانة المسجد ولم يحدّدْ النص عددها، وإنْ كان يشتمّ منه أنها كثيرة.
2- أنّ أكبر كارثة حلّت ببيت المقدس هي ما قام به الإفرنج (الصليبيون) من قتْل الناس وتدمير كلّ شيء في بيت المقدس ومنها حرق المصاحف الموجودة بالمسجد الأقصى.
هذه بعض الإشارات التاريخية القليلة –نتيجة شح المصادر عن هذه الفترة– والتي تؤكّد على وجود مكتبة بشكل ما في المسجد الأقصى سواءً أكانت على شكل تابوت أو خزانة، وأنها تمثل البواكير الأولى لمكتبة المسجد الأقصى أو مرحلة البدايات، حيث تطورت فيما بعد على مر العصور.
ويجب أنْ نذكر هنا في خلال الفترة، أنّ الفاطميين أنشؤوا دار علم في القدس الشريف أيضاً، هدفها الظاهري علمي مثل نظيرتها في القاهرة، وكان مقرّ هذه الدار كنيسة القديسة حنّة(*) التي حوّلها صلاح الدين الأيوبي فيما بعد إلى مدرسة للشافعية، وأغلب الظن أنّ هذه الدار كانت تضمّ مكتبة لزوم الدراسة بها، ولما ملك الفرنجة القدس سنة 492هـ/1099م أعادوها كنيسة وطردوا الفاطميين منها(96).
وعلى أيّ حال فقد حاولنا في الفقرات السابقة تلمس البواكير الأولى لمرحلة النشأة لمكتبة المسجد الأقصى خلال تلك الفترة، التي غشاها عدم وضوح رؤية –آنذاك– لمفهوم خزانة الكتب، فلم يتبلور هذا المفهوم أو يتحدد معناه مثل ما نجده فيما بعد من فترات.
2/2/2 الفترة الثانية: وتشمل العصرين الأيوبي والمملوكي:
قبل رصْد تاريخ مكتبة المسجد الأقصى في هذه الفترة، تجدر الإشارة إلى أنّه كان يطلق عليها وقتئذ اسم "خزانة أو خزائن" كما يطلق على سائر مكتبات العالم الإسلامي. وذلك أنّ الكتب الموضوعة في خزائن كانت هي المكتبة، وأمّا قاعات المطالعة المخصصة لرواد المكتبة من القراء والباحثين فلم تكنْ معروفة بشكلٍ واضحٍ كما هي معروفة الآن، ففي مكتبات المساجد –والتي تقف على قمتها مكتبة المسجد الأقصى بكل شموخ وفخر– كانت الكتب تخرج من الخزانة لتُقْرأ في أية ناحية من أنحاء المسجد، ثم تعاد إلى الخزانة مرة أخرى تحت إشراف الخازن، وهو يقوم مقام أمين المكتبة في أيامنا هذه. لذا سادت كلمة "خزانة الكتب" أو "خزائن الكتب" لتدلّ على المكتبة في هذه الفترة.
وتعتبر هذه الفترة من أخصب الفترات التي مرت بها "خزانة المسجد الأقصى"، فابتداءً من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي أخذت تتبلور ملامح جديدة للحركة المكتبية في فلسطين عامة وفي مدينة القدس خاصة، حيث شهد عصر الأيوبيين والمماليك نهضة علمية كبيرة وحركة فكرية موازية تمثلت هذه وتلك في مظاهر متعددة، منها البدء في إنشاء المدارس وكثرة المساجد وتعميرها في مختلف أنحاء البلاد، واستقطاب عددٍ كبير من العلماء سواء من فلسطين أو من خارجها للتدريس في المسجد الأقصى، كانوا أساتذة زائرين لو جاز لنا استخدام مصطلحات العصر، كذلك نشطت حركة التأليف وراجت الكتب وازداد عددها كماً وتباينت موضوعاتها نوعاً. كل هذا النشاط الفكري أدى إلى إغناء المكتبات، والعناية بها والاهتمام بأمورها، في هذه الأجواء نشطت الحركة المكتبية نشاطاً ملحوظاً وتطورت تطوراً مشهوداً في القدس، ومن الملامح البارزة لهذا التطور نمو ملحوظ في مكتبات المساجد وخاصة مكتبة المسجد الأقصى.
 وكان المسجد الأقصى، ولا يزال، مركزاً للحياة الفكرية وجامعة إسلامية لتدريس العلوم ولا سيما العلوم الإسلامية، ولا يمكن أنْ تنتعش الحياة الفكرية وتنشط وتؤتي ثمارها –التي كان مركزها المسجد الأقصى– دون وجود مجموعاتٍ مناسبة كماً ونوعاً من الكتب والمخطوطات، وفي طليعتها القرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير والفقه.
وهكذا "تطوّرت خزائن المسجد الأقصى بمرور الوقت، فأصبحت تضمّ آلاف الكتب التي تبحث، فضلاً عن العلوم الدينية الأساسية، في علوم العربية والتاريخ والأنساب والميقات والمنطق، ومنها مؤلفات المدرسين الذين عملوا في المسجد الأقصى على مدى العصور"(97).
من خلال تحليل هذا النص نستنتج ما يلي:
1- ضخامة مقتنيات مكتبة المسجد في هذه الفترة.
2- كانت موضوعات هذه المقتنيات تتحوصل حول العلوم الشرعية بفروعها واللغة العربية بعلومها، هذا بالإضافة إلى التاريخ والحساب والفلك والمنطق.
3- كان الإبداع –في هذه الفترة المبكرة– يمثّل أحد مصادر بناء مجموعة المكتبة، وهو حصيلة ما أودعه المدرسون من مؤلفاتهم في المكتبة.
ومن أهمّ المؤلفات التي أودعها هؤلاء المدرسون كتب فضائل بيت المقدس، ومنها كتب كثيرة كتبت في القدس، وكانت من جملة الدروس التي أمليت في المسجد الأقصى.
وقد ذكر السيوطي في مقدمة كتابه "إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى" الكتب التي ألفت عن المسجد الأقصى في العصور الغابرة، وسمّى الكتب التي نقل عنها بقوله "مما كان في خزائن المسجد الأقصى" ككتاب "مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام" للمقدسي (ت 765هـ) وكتاب "باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس" لابن إسحق الفزازي المعروف بابن الفركاح (ت 729هـ) وكتاب "الجامع المستقصى في فضائل المسجد الأقصى" لابن عساكر (ت 600هـ) وغيرها كثير(98).
وكانت ظاهرة وقف الكتب والمصاحف الشريفة منتشرة في بيت المقدس، بل أمراً شائعاً في معظم بلدان العالم الإسلامي بصورة تدعو إلى الفخر والرصد، حيث كانت تمثّل مصدراً من أكبر المصادر في بناء مجموعات خزائن الكتب في هذه الفترة، وخاصة خزائن المسجد الأقصى.
فقد مرّ من قبْل أنّ صلاح الدين الأيوبي عندما فتح بيت المقدس أعاد حال الصخرة كما كانت وعيّن لها إماماً حسن القراءة ووقف عليها داراً وأرضاً وحمل إلى محراب المسجد الأقصى مصاحف وختمات وربعات شريفة(99).
ومما وقف على المسجد الأقصى من مصاحف، المصحف الذي كتبه السلطان أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف المريني ملك المغرب بخط يده وأرسله إلى المسجد الأقصى سنة 745هـ/1344م(100).
وكان من عادة سلاطين المماليك أنْ يضعوا المصاحف في المسجد الأقصى ويقفوا أوقافاً على قارئ يتولى قراءتها، ومن هؤلاء الملك الأشرف برسباي الذي وضع مصحفاً كبيراً في المسجد الأقصى ووقف عليه جهة للقارئ والخادم وشرط النظر لمن يكون شيخ الصلاحية وقرر في القراءة فيه الشيخ شمس الدين الرملي المقرئ(101).
ويفيد الحنبلي أنّ الشيء ذاته بعد برسباي فعله كل من: الملك الظاهر جقمق فوضع مصحفاً في الصخرة المشرفة وجعل له قارئاً، والملك الأشرف إينال الذي وضع مصحفاً بالمسجد الأقصى ورتب له قارئاً ووقف عليه جهة، وكذلك الملك الظاهر خشقدم(102).
وإذا تركنا عملية الوقف كمصدرٍ من مصادر بناء مجموعات خزائن المسجد الأقصى، نجد مصدرًا آخر لا يقل أهمية عن الوقف، ألا وهو الإهداء، حيث حرص كثير من العلماء والفقهاء خلال هذه الفترة على أن يرسلوا نسخة من مصنفاتهم كهدية إلى المسجد الأقصى لتحفظ في خزائنه.
من هؤلاء –على سبيل المثال – الإمام موفق الدين أحمد بن يوسف الموصلي الكواشي المفسّر (ت 680هـ/1281م) الذي أرسل نسخةً من كلا مصنّفيه الكبير والصغر إلى القدس(103). وكانت هذه النسخ تسمى باسم "نسخ القدس".
ويشتم من النصوص السابقة والإشارات التاريخية السالفة أن خزائن الكتب في الحرم القدسي الشريف كانت موزعة بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وخزائن المسجد الأقصى هي الخزانة المركزية الرئيسية، أما خزانة قبة الصخرة فكانت بمثابة الخزانة الفرعية، كما نذكر في أيامنا هذه "المكتبة الرئيسية أو المكتبة المركزية" و"المكتبة الفرعية". وكان لكل من الخزانتين بالمسجد الأقصى وقبة الصخرة خزنة أو أمناء خاصون، فيذكر السخاوي أن شمس الدين محمد بن أحمد بن حبيب الغانمي المقدسي كان خازن الكتب في المسجد الأٌقصى في أواسط القرن التاسع للهجرة(104).
وممن تولى أمانة الكتب في الصخرة المشرفة في القرن الحادي عشر الهجري الشيخ بشير الخليلي، وتشير إحدى الوثائق إلى وجود وظيفة بمسمى "أمانة الكتب في الصخرة المشرفة"، وهذه الوثيقة مؤرخة بتاريخ 5 صفر سنة 1060هـ. وبعد وفاة الشيخ بشير الخليلي تولى هذه الوظيفة –كما نصت الوثيقة– ولداه الشيخ إبراهيم، والشيخ عبد الرحمن سوية بينهما(105).
هذه صورة مبسطة لما كانت عليه خزائن المسجد الأقصى، عكست باقتدار مدى التقدم الحضاري والنهضة العلمية التي كانت عليها مدينة القدس خلال العصرين الأيوبي والمملوكي.
2/2/3 الفترة الثالثة: العصر العثماني:
بدأت في أوائل العصر العثماني نهضة علمية واسعة النطاق في البلاد التي فتحها العثمانيون، وكوّنوا منها ما يسمى "الإمبراطورية العثمانية"، وكانت فلسطين منها بما فيها مدينة القدس، واهتمّ سلاطين العثمانيين الأوائل بالعلم والعمل على نشره في أرجاء هذه الإمبراطورية.
وكان من مظاهر هذا الاهتمام تزويد مكتبة المسجد الأقصى بالكتب والمصاحف، وكانت ظاهرة الوقف منتشرة خلال القرن الأول من حكم العثمانيين للقدس، وهذا يتجلّى بوضوح لدى السلطان سليمان القانوني الذي وقف مصحفاً على المسجد الأقصى وعين له قارئاً ومعلوماً قدره عثمانيان في اليوم. كما وقف المصاحف على المسجد الأقصى أيضاً الوزير العثماني سنان باشا في القرن الحادي عشر الهجري، وكذلك فعل ناظر الحربية العثماني أنور باشا سنة 1335هـ(106).
وهكذا ظلّ المسجد الأقصى موضع اهتمام الحكام العثمانيين، وأصبح من أكبر المساجد الفلسطينية التي اشتهرت بحلقات التدريس في العصر العثماني، وكان يؤمّه العلماء من مختلف البلدان ويلقون دروساً فيه.
وعندما بدأ الضعف في أوصال الإمبراطورية العثمانية نتيجة للحروب التي خاضتها ضدّ أعدائها، وزاد هذا الضعف استفحالاً عندما بدأ الغزو الاستعماري الأوربي السياسي والاقتصادي لها، كلّ هذه الأوضاع انعكست بالسلب على أقطار الدولة العثمانية ومنها فلسطين بما فيها القدس.
وقد أدّى ذلك إلى تخلّف الوضع العلمي والتعليمي في القدس، وانسحب هذا بدوره على خزائن الكتب الموجودة في المؤسسات التعليمية وخاصة المساجد ومنها خزائن المسجد الأقصى.
ويذكر العسلي أنّ هذه الخزائن نهبت ودمر بعضها، وأنّ ما بقِيَ من الكتب والمخطوطات التي كانت في خزائن المسجد الأقصى وما حوله من مدارس هو نزر يسير مما كان في مرحلة الازدهار التي شهدتها هذه المؤسسات في العصور السابقة، ويستطرد قائلاً: إن قصة هذه الكتب والمخطوطات قصة محزنة مثيرة للأسى العميق فقد ضاع قسم كبير منها وتلف قسم كبير آخر وسرق أيضًا قسم كبير أو بيع بأبخس الأثمان(107).
وثمة مجموعة من العوامل التي تضافرت في صنع هذه المأساة، يمكن رصدها على النحو التالي:
1- إنّ مدينة القدس كانت على مدى تاريخها الطويل من أكثر المدن معاناة وتعرضاً للنكبات.
2- الجهل الذي ساد في القرون المظلمة وران على قلوب كثير من الناس.
3- ما نهبه الغرب وما أخذه من كتب ومخطوطات في وقتٍ لم يكنْ فيه أهل البلاد يعرفون قيمتها.
وعلى هذا النحو تسرّب كثير من كتب التراث إلى أوروبا وأمريكا ويؤكد البعض هذه الحقيقة بقوله: إن هناك صناديق مليئة بالمخطوطات في جامعة هيدلبرج في ألمانيا عليها ختم المسجد الأقصى(108).
2/2/4 الفترة الرابعة: القرن العشرون:
سيختصر الحديث عن هذه الفترة، لأنها تدخل ضمن الفترة الراهنة إلى حدّ ما، وقد تم التعرض لها بالتفصيل في المبحث الثالث، لذا سيرصد هنا فقط الملامح العامة لهذه الفترة.
فعندما أنشئ المجلس الإسلامي الأعلى في مدينة القدس سنة 1921م، أوْلى عناية كبيرة للكتب القديمة في القدس، فجمع كثيراً منها ومن المخطوطات الباقية في خزائن المسجد الأقصى، وأنشأ مكتبة في المسجد الأقصى ووضع فيها ما أمكن جمعه من الكتب والمخطوطات التي نجت من الإهمال وسوء التصرف، أطلق عليها "دار كتب المسجد الأقصى".
وافتتحت هذه الدار عام 1922م في القبة النحوية التي كانت مدرسة للنحو والأدب، أنشأها الملك المعظم ثم نقلت فيما بعد إلى المكتبة الأسعردية بعد أنْ رمّمها المجلس الأعلى في عهد الحاج أمين الحسيني، وقد نقلت الدار بعد ذلك حوالي عام 1929م إلى المتحف الإسلامي، وبقِيَت مغلقة (مخزونة) لمدة خمسة عقود تقريباً، وكان كثير من كتب هذه الدار في حالة رثة، وظلّ الوضع هكذا حتى عام 1976م عندما ارتأت دائرة الأوقاف والمقدسات الإسلامية في القدس إحياء هذه المكتبة من جديد، لذا عملت جهدها في جمع الكتب المخزونة في المتحف الإسلامي باسم "دار كتب المسجد الأقصى"، وأضافت إليها مكتبات بعض الأُسَر التي تبرع بها أصحابها، وجمعت ذلك كله في مبنى المدرسة الأشرفية التي بنيت في عهد السلطان قايتباي سنة 886هـ/1481م، ونقلت هذه المقتنيات في هذا المقر الجديد تحت اسم "مكتبة المسجد الأقصى"، وهذه المكتبة هي التي درست دراسة مستفيضة لوضعها الراهن في المبحث الثالث.

المبحث الثالث: مكتبة المسجد الأقصى: دراسة للوضع الراهن:
3/0 تمهيد:
يعالج هذا المبحث بالدراسة والعرض والتحليل الوضع الراهن لمكتبة المسجد الأقصى من حيث مقوّماتها المادية والبشرية، فيتناول الموقع والمبنى والتجهيزات، ثم مجموعات المقتنيات من الكتب والدوريات والمخطوطات، يلي ذلك الموظفون بالمكتبة، على أساس أنّ هذه العناصر الثلاثة تمثّل الركائز الأساسية أو المقومات الرئيسية لأية مكتبة تسعى إلى تقديم خدمة مكتبية ومعلوماتية ذات مستوى مناسب لروادها من القراء والباحثين، وقد تمّ معالجة هذه العناصر في نطاق المعلومات والبيانات المتاحة، حيث تعيش كل المدن الفلسطينية وعلى رأسها مدينة القدس وضعاً عسيراً وظروفاً صعبة أثرت بصورة مباشرة على كل مناشط الحياة في هذه المدينة الصامدة.
3/1 الموقع والمبنى والتجهيزات:
تقلبت على مكتبة المسجد الأقصى عوامل متعددة تبعثرت خلالها كتبها وتغيرت أماكنها على مر العصور.
3/1/1 الموقع:
وقبل الحديث عن مبنى المكتبة ومكانه، لزم الأمر إعطاء صورة مبسطة عن موقع الحرم القدسي الشريف الذي يضمّ مكان المكتبة ومبناها.
تضمّ مدينة القدس أماكن مقدّسة كثيرة بالنسبة للمسلمين، ومن أهمّ هذه الأماكن منطقة الحرم القدسي الشريف، وتبلغ مساحة هذه المنطقة نحو (143) دونمًا (أي حوالي 60 فداناً)(109) وهذه المنطقة محاطة بسور من الحجر بارتفاع نحو خمسة أمتار وعرض نحو متر، وتشتمل هذه المنطقة على مبان كثيرة أهمها:
1- المسجد الأقصى: وهو الجامع الكبير الواقع في الجهة القبلية من مساحة الحرم القدسي الشريف، وتبلغ مساحته نحو (4557) متراً مربعاً شاملة المسجد الأقصى ذاته، وجامع النساء وجامع عمر ومقام سيدنا زكريا.
2- مسجد قبة الصخرة: وهو مقام فوق الصخرة، وهو المكان الذي صلى فيه الخليفة عمر بن الخطاب، وحظِيَ باهتمام الحكام المسلمين على مر العصور، ويبعد عن المسجد الأقصى بنحو (200) متر، وتبلغ مساحة مسجد قبة الصخرة (750) متراً مربعاً وهو على شكل مثمّن، يبلغ طول ضلعه الخارجي (20) متراً وارتفاعه (12) متراً، أمّا ارتفاع المبنى حتى أعلى الهلال فيبلغ (36) متراً هو مغطى بالقيشاني والخزف المتعدد الألوان والزخارف.
3- حائط البراق الشريف: ويسمّيه اليهود حائط المبكى، ويدّعون أنّه البقية الباقية من الهيكل القديم، والحقيقة التي لا مِراء فيها أنّه أثر إسلامي.
4- قبة السلسلة: وتقع على بُعدٍ قريب شرقي قبة الصخرة.
5- القباب الصغيرة: وتوجد في ساحة الحرم ثلاث قباب أقيمت لتسجيل ليلة الإسراء والمعراج: قبة الرسول، قبة جبريل، قبة المعراج.
بالإضافة إلى مبانٍ أخرى موجودة داخل سور الحرم الشريف منها: المتحف الإسلامي، المدارس والمعاهد الدينية التي أقيمت على مر العصور، الأروقة، المنائر، المقاصير، المصاطب، الأبواب، وغيرها.
ومن أهمّ هذه المدارس المدرسة الأشرفية التي أصبحت فيما بعد مقراً لمكتبة المسجد الأقصى، وهي تبعد عنه بنحو 150 متراً, وإنّ ساحة الحرم الشريف بما فيها المساجد المشار إليها تسع نحو 250 ألف مصلٍّ وخاصة يوم الجمعة.
وتأسيساً على ما سبق عرضه يمكن القول إنّ مكتبة المسجد الأقصى هي مكتبةٌ لكلّ هذه الأماكن المقدسة التي يدور السور حولها بما فيها المسجد الأقصى ذاته من باب تسمية الكل باسم الجزء، ويقع المقرّ الحالي لهذه المكتبة في مبنى المدرسة الأشرفية، وقد أذِنَ الله –سبحانه وتعالى– للباحث أنْ يزور الحرم القدسي الشريف ويرى كلّ هذه الأبنية على الطبيعة رأي العين، ولا ينسى الباحث تقديم أسمى آيات الشكر إلى توفيق أحمد الشيخ نائب مدير المكتبة الذي اصطحب الباحث خلال هذه الجولة وقدم له كل المعلومات عن هذه الأماكن، والتقط معه صورة فوتوغرافية أمام مبنى المكتبة للذكرى الحية على مر الأيام.
3/1/2 المبنى:
بادئ ذي بدء يجب التنويه بأنّ مبنى مكتبة المسجد الأقصى تغيّر أكثر من مرة، حيث شغلت مباني متعددة خلال القرن العشرين، ففي عام 1340هـ/1920م تمّ إنشاء "المجلس الإسلامي الأعلى" في مدينة القدس، وكان من باكورة أعمال هذا المجلس إنشاء "دار كتب المسجد الأقصى" وافتتحت الدار في 2 أكتوبر 1922م/12 ربيع أول 1341هـ، وكان مقرّها القبة النحوية –التي كانت مدرسة للنحو والأدب– الواقعة على الطرف الجنوبي لسطح الصخرة المشرفة، والتي بناها –أيْ القبة– الملك المعظم سنة 604هـ/1207م.
وقد حقّقت دار كتب المسجد الأقصى في حينه المهمة التي أنشئت من أجلها، والمتمثّلة في جمع واقتناء الكتب الدينية واللغوية سواءً كان ذلك عن طريق الشراء أو الوقف أو الإهداء، وجمع واقتناء كثيرٍ من المخطوطات عن طريق الوقف، ومما وُجِد في المسجدين (المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة) والمدارس الموجودة داخل الحرم القدسي الشريف، هذا بالإضافة إلى توفير مجموعات من الدوريات المحلية والعربية التي كانت تصدر آنذاك عن طريق الإهداء أو الاشتراك، وكانت كل هذه المقتنيات النواة التي تشكلت منها مجموعات الدار، وتطوّرت الدار حتى أصبح لها سمعة علمية كبيرة، ولكن الظروف التي أحاطت بالمنطقة كانت عائقاً في سبيل استمرار الدار في أداء رسالتها، فتم نقلها –بعد عدة سنوات قليلة– إلى مكانٍ آخر وفُقِد بعض كتبها خلال ذلك.
انتقلت كتب الدار وبقية مقتنياتها إلى مبنى المدرسة الأسعردية -التي بنيت سنة 770ه/1358م- في شمال منطقة الحرم، ما بين باب فيصل وباب الغوانمة، بعد أنْ رممها المجلس الإسلامي الأعلى في عهد الحاج أمين الحسيني، واستمرت دار الكتب في هذا المبنى عدة سنوات ثم نقلت إلى مكان آخر.
في عام 1929م نقلت محتويات الدار في خزائن مغلقة إلى مبنى المتحف الإسلامي، وبقيت هذه المحتويات محنطة –على حدّ تعبير مديرها الحالي– في خزائنها حتى عام 1976م أي نحو خمسة عقود.
وفي منتصف عام 1976م, ارتأت دائرة الأوقاف والمقدسات الإسلامية في القدس إحياء هذا التراث الخالد وتجديده كرافد من روافد العلم والثقافة، فقامت بافتتاح الدار تحت اسم "مكتبة المسجد الأقصى" في مقرّها الحالي وهو مبنى المدرسة الأشرفية بعد أن قام المهندس المقيم بلجنة أعمار المسجد الأقصى "بترميم المبنى الذي تم اختياره للمكتبة –المدرسة الأشرفية- والتي بنيت في عهد السلطان الأشرف قايتباي سنة 886هـ/1481م، ونقلت محتويات المكتبة إلى هذا المبنى الجديد وما زالت فيه حتى يومنا هذا، وقام الباحث بزيارة هذا المبنى لإجراء الدراسة الميدانية لهذه المكتبة عام 1998م.
ومبنى المكتبة –الحالي– عبارة عن دوْرٍ واحدٍ مرتفع البنيان، مثل كل المباني الأثرية القديمة، ومكوّن من حجرة صغيرة لمدير المكتبة يشاركه فيها نائبه، وقاعة متوسطة تتم بها العمليات الفنية والإدارية للمقتنيات، وقاعة اطلاع كبيرة.
ويلاحظ على مبنى المكتبة أنّه لم يؤسّس ليكون مكتبة من حيث التقسيم الوظيفي كمبنى مكتبة، كما يعيب المبنى أيضاً الرطوبة وقلة الضوء الطبيعي وسوء التهوية وعدم قدرته على التوسع المستقبلي سواء كان أفقياً أو رأسياً، وهذه عوامل تؤثّر بالسلب على أداء المكتبة لرسالتها المتمثلة أساساً في تقديم الخدمات المكتبية لروادها من القراء والباحثين.
3/1/3 الأثاث والتجهيزات:
يؤدّي الأثاث المكتبي وتجهيزاته دوراً مهماً في إنجاح وظائف المكتبة وتحقيق أهدافها، فعنْ طريق هذه التجهيزات وذلك الأثاث تتمكّن المكتبة من تطوير وتحسين وتسهيل أداء خدماتها، فضلاً عن تهيئة المناخ الملائم الذي يستهوي القارئ ويستدرجه للقراءة.
وتشتمل تجهيزات المكتبة على فئات من الأثاث مثل وحدات رفوف الكتب ووحدات الفهارس، والمناضد بأنواعها، ودواليب ورفوف عرض الكتب والدوريات، والمقاعد وعربات الكتب ورفوف الملفات... الخ، كما تشتمل أيضاً على فئات من الأجهزة مثل الآلات الكاتبة، وأجهزة الاستنساخ والتصوير، والحاسبات الآلية وأجهزة المصغرات الفيلمية... الخ.
وعلى الرغم من أهمية توافر هذه الفئات بشقيها في المكتبات، إلا أنّ تعدّدها يختلف من مكتبة إلى أخرى، تبعاً لاختلاف سعة المكتبة من جهة، والإمكانات المادية المتاحة لها من جهة أخرى.
وبدراسة هذه العنصر في مكتبة المسجد الأقصى وجد الباحث أنّ أثاث المكتبة وتجهيزاتها يتسم بالتواضع، فالأثاث الموجود عبارة عن:
‌أ- 60 وحدة من الرفوف لوضع الكتب والدوريات عليها بارتفاع 1,5م.
‌ب- 9 مناضد كبيرة للاطّلاع الداخلي.
‌ج- ثلاث مناضد متوسطة لإجراء العمليات الكتابية والفنية.
‌د- 45 مقعداً للقراء وللعاملين بالمكتبة.
‌ه- وحدة فهارس بها بطاقات قديمة مكتوبة بخط اليد تتضمن بيانات عن الكتب، ويلاحظ عليها أنها لا تمثل الواقع.
‌و- ثلاثة مكاتب قديمة للعاملين بالمكتبة.
وهذا الأثاث المتواضع مصنوع من الخشب ويتسم بالشكل التراثي القديم، فضلاً عن أنه غير كافٍ، حيث يوجد كثيرٌ من الكتب محفوظة في صناديق وغير مفهرسة.
أمّا بالنسبة للأجهزة الموجودة في المكتبة فلا يوجد منها إلا جهاز ميكروفيلم لتصوير الوثائق والمستندات والمخطوطات وحفظها عن طريق تصويرها على أفلام. ويقلّل من فعالية هذا الجهاز النقص في بعض أجهزته التكميلية مثل:
‌أ- الناسخ القارئReader Printer .
‌ب- آلة استخراج الأفلام المطابقة Duplicator.
‌ج- آلة نسخ عادية Photo Copy machine.
‌د- آلة ترميم للمخطوطات Vinyector IV.
ولا توجد أية أنواع أخرى من الأجهزة، وخاصة جهاز الحاسب الآلي الذي يجب أنْ يوجد في أية مكتبة لحفظ المعلومات واسترجاعها، حيث أصبح وجوده ضرورة ملحة للتعامل مع هذا الكم من أوعية المعلومات حفظًا واسترجاعًا.
3/2 المقتنيات:
يتفق المتخصّصون في مجال دراسات المكتبات والمعلومات على أنّ مصطلح "المقتنيات" أو مصادر المعلومات أو أوعية المعلومات يعني المواد المكتبية كافة في أوسع فئاتها شكلاً ونوعاً ومضموناً.
وتعتبر المقتنيات في نطاق هذا المفهوم أحد العوامل الرئيسية في تقديم خدمة مكتبية فعالة إذا ما تم تكوينها وبناؤها بطريقة علمية سليمة وفق سياسة مكتوبة، بحيث تغطي الاهتمامات الموضوعية للجهة المشرفة على المكتبة من جهة، وتلبي المتطلبات البحثية والقرائية للمستفيدين من المكتبة من جهة أخرى.
ومن خلال دراسة فئات المقتنيات المتوافرة في المكتبة محل الدراسة الميدانية، نجدها تشتمل على ثلاث فئات متميزة هي: الكتب، الدوريات، المخطوطات. وأهم ما يميز هذه الفئات أنها تراثية تحتوي على الأمهات في كل فئة. وفي الفقرات التالية دراسة تحليلية لكل فئة على حدة.
3/2/1 الكتب:
ومصادر مقتنيات المكتبة من الكتب هي:
* بقايا دار كتب المسجد الأقصى: ويبلغ عددها من واقع السجلات (4000) أربعة آلاف كتاب.
* مكتبة الشيخ خليل الخالدي: وهو علامة ورحالة زار المغرب والأندلس وتركيا وبلاد الشام، وجمع الكثير من الكتب والمخطوطات، وشغل منصب رئيس محكمة الاستئناف الشرعية في القدس، توفي في القاهرة ودفن فيها سنة 1360هـ/1941م. وقد نقلت مكتبته إلى مكتبة المسجد الأقصى في منتصف سنة 1978م من داره الكائنة في الزاوية الشمالية الغربية من الحرم القدسي الشريف. ويبلغ عددها من واقع السجلات (5000) خمسة آلاف كتاب.
* مكتبة الشيخ صبري عابدين: ولد في القدس وعمل في عدة وظائف مختلفة بعد تخرجه من الأزهر الشريف وتوفي في القاهرة سنة 1962م، وتم نقل مكتبته إلى مكتبة الحرم الأقصى من مكانها في "ثانوية الأقصى الشرعية للبنين" ويبلغ عددها من واقع السجلات (350) ثلاثمائة وخمسين كتاباً.
* مكتبة الشيخ محمد الخليلي: والشيخ هو محمد بن محمد بن شرف الدين، الخليلي المولد، المقدسي الإقامة، توفي سنة 1147هـ/1734م. وتم نقل مكتبته إلى مكتبة المسجد الأقصى من مكانها في "المتحف الإسلامي"، ويبلغ عددها من واقع السجلات (7000) سبعة آلاف كتاب.
* الكتب المشتراة: حيث قامت دائرة الأوقاف الإسلامية –وهي الجهة التابعة لها المكتبة– بشراء (4000) أربعة آلاف كتاب منذ عام 1976م حتى عام 1998م.
وتحصيلاً لما سبق فإنّ عدد مقتنيات المكتبة من الكتب العربية يبلغ (20350) كتاباً، وذلك من خلال السجلات عند إجراء الدراسة الميدانية عام 1998م، ولكن مدير المكتبة أشار إلى فقد نسبة قليلة من هذه الكتب عند نقلها من أماكنها المختلفة إلى مكتبة المسجد الأقصى، وعلى ذلك فإنّ المكتبة تقوم بإعداد سجلات جديدة تسجل فيها المقتنيات من الكتب العربية من واقع الرفوف.
أما الكتب الأجنبية المقتناة في مكتبة المسجد الأقصى فهي قليلة وهي على النحو التالي:
* اللغة الإنجليزية: وتقدّر مجموعتها بـ(400) أربعمائة كتاب في موضوعات مختلفة، وترجع طباعة بعضها إلى سنة 1820م.
* اللغة الفرنسية: وتقدّر مجموعتها بـ(500) خمسمائة كتاب، وترجع طباعة بعضها إلى أوائل القرن التاسع عشر، وهي تحتوي على مجموعة قيمة من كتب الآثار الإسلامية، ومجموعة أخرى عن القاشاني والأخشاب والحجر والرخام والمصابيح والقناني الزجاجية والنحاسيات التي صنعت في العصر الأيوبي.
* اللغة التركية: وتقدّر مجموعتها بـ(1000) ألف كتاب وهي مطبوعة بالحروف العربية ويلاحظ أنّ جميع الكتب الأجنبية في المكتبة غير مفهرسة أو مصنفة، وغير مسجلة في سجلات حديثة لعدم توفر الأيدي العاملة المدربة.
3/2/1/1 التوزيع الموضوعي للكتب:
لا يوجد إحصاء موضوعي نطمئن إليه ونستند عليه للكتب المقتناة في المكتبة وذلك لسببين: أولهما: أنّ المكتبة كانت –وقت إجراء الدراسة الميدانية– في حالة إعادة تسجيل الكتب من واقع الرفوف في سجلات جديدة، وثانيهما: أنّ معظم الكتب غير مصنفة بطريقة موضوعية سليمة حسب خطة تصنيف ديوي التي تسير عليها المكتبة، الأمر الذي يصعب معه تحديد عدد كتب كل موضوع تحديداً دقيقاً، ومع ذلك –ومن خلال الفحص العام للكتب المقتناة والموجودة على الرفوف– فإنّ موضوعات هذه الكتب تدور حول الدين الإسلامي وعلومه واللغة العربية والأدب العربي والتاريخ مع التركيز على كتب الآثار الإسلامية.
3/2/1/2 التوزيع اللغوي للكتبس:
يبين الجدول رقم (1) إجمالي مقتنيات المكتبة من الكتب موزعًا وفق اللغات.
الجدول رقم (1) التوزيع اللغوي للكتب

 

م اللغة عدد الكتب النسبة% 1 العربية 20350 91.46 2 التركية 1000 4.49 3 الفرنسية 500 2.24 4 الإنكليزية 400 1.79 العدد الإجمالي 22250 99.98

 

ومن خلال تحليل بيانات هذا الجدول يمكن استنتاج ورصد مجموعة المؤشرات الإحصائية التالية: 
1- ارتفاع نسبة الكتب باللغة العربية، حيث بلغت 91.46% من العدد الإجمالي للكتب، وهذا حقٌّ فالمكتبة تراثية تكونت مجموعاتها –عبر فترة طويلة من الزمن– من مصادر عدة كان أصحابها من كبار علماء الإسلام المبدعين باللغة العربية مما أثر ذلك على الطبيعة اللغوية لمقتنياتهم، فضلاً عن ذلك أن معظم رواد المكتبة هم من العرب.
2- جاءت الكتب باللغة التركية في المرتبة الثانية بعد اللغة العربية، حيث بلغت نسبتها 4.49% من العدد الإجمالي للكتب، ربما يرجع ذلك إلى الظروف السياسية للبلاد حيث كانت فلسطين إحدى ولايات الدولة العثمانية منذ عام 1517م حينما وقعت في قبضة السلطان العثماني سليم الأول، واستمر هذه الوضع حتى الحرب العالمية الأولى.
3- جاءت الكتب باللغة الفرنسية في المرتبة الثالثة بعد اللغة التركية، وهذه اللغة كانت منتشرة في فلسطين زمن العصر الأيوبي حيث كانت الحروب الصليبية التي قادتها فرنسا أساسًا مع بعض الدول الأوروبية. واستمرت فيها نحو قرنٍ من الزمان.
4- وأخيراً جاءت الكتب باللغة الإنجليزية في المرتبة الأخيرة بعد اللغة الفرنسية، حيث فرضت بريطانيا على فلسطين –بما فيها القدس– سلطانها فيما يعرف بالانتداب البريطاني– منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى 14 مايو 1948م.
3/2/2 الدوريات:
تعتبر الدوريات مصدراً متميزاً من مصادر المعلومات، فهي سجل للأحداث التاريخية أولاً بأول، وتمتاز مجموعة مكتبة المسجد الأقصى من الدوريات بقِدَمها، حيث ترجع بعض تواريخ الدوريات المقتناة بها إلى أوائل القرن العشرين.
وتحتوي مكتبة المسجد الأقصى على مجموعةٍ قيّمة من الصحف وأخرى من المجلات، التي كانت تصدر في فلسطين منذ أواخر العصر العثماني إلى نهاية الانتداب البريطاني، وقد بلغ عدد هذه الصحف المقتناة في المكتبة (22) صحيفة، يرجع تاريخ بعضها إلى عام 1923م وهي صحيفة فلسطين لصاحبها عيسى داوود وكانت تصدر في "يافا" وتمتلك المكتبة منها مجموعة كاملة ابتداء من العدد الأول الصادر في شباط (فبراير) 1923م حتى العدد الأخير الصادر في آذار (مارس) 1937م.
أمّا بالنسبة للمجلات فقد أفاد مدير المكتبة أنّ عددها غير معلومٍ على وجه اليقين ولكنّه يدور حول (50) مجلة، كلّها مجلات تراثية, إسلامية وأدبية، وكانت مجموعة الدوريات في حالة فرز وتنظيم وإعادة تسجيل. كما أفاد مدير المكتبة بأنّ المكتبة كانت مشتركة منذ عام 1976م حتى عام 1988م في الدوريات (الصحف والمجلات) التي تصدر في فلسطين، ومنذ عام 1988م اقتصر الاشتراك على صحيفة "القدس" فقط لعدم وجود ميزانية مخصصة للدوريات.
ويلاحظ على مجموعة الدوريات المقتناة في المكتبة أنّ حالتها المادية تتفاوت ما بين الجيد في حالته والسيئ، حيث تآكلت أطراف بعض الصحف، وهذا ناتج عن خزنها في أماكن مظلمة لا تدخلها الشمس وغير جيدة التهوية وتعاني من الرطوبة مما أثر على حالتها، فضلاً عن عدم العناية بهذه المجموعة سابقًا –حيث انتقلت من أكثر من مكان– وعدم تجليد معظمها.
3/2/3 المخطوطات:
تعتبر المخطوطات ثروة إنسانية بشكلٍ عام، وثروة إسلامية عربية بشكلٍ خاص، وهي ثروة لا يمكن أنْ تُقدّر بثمن. والمخطوط –كما هو معلوم– مشتقّ من الفعل خط، والخط ما كتب وخط باليد وذلك قبل عصر الطباعة.
وللمخطوط أشكال وأنواع مختلفة ومتطورة مع التطور البشري منذ أقدم العصور، فمنها ما هو مكتوب على الآجر، أو ورق البردي، أو الكاغد... الخ. والمخطوطات ما هي إلا تسجيل لمدنية الشعوب عبر العصور، تناولت عادات هذه الشعوب وتقاليدها وأخلاقها وآدابها وديانتها.
ومخطوطات مكتبة المسجد الأقصى جميعها مكتوبة على الكاغد، وتتناول موضوعات شتى، ومصادر مقتنيات المكتبة من المخطوطات هي:
1- مخطوطات دار كتب المسجد الأقصى: وهي محدودة في عددها، حيث يبلغ عددها (74) أربعة وسبعين مخطوطاً، وهي بشكلٍ عام جيدة، ويبدو أنها جلّدت حديثاً، ومن خلال قيام الباحث بفحص السجلات المسجلة بها هذه المخطوطات، تبيّن له أنّ عددها (267) مخطوطاً، ومن هنا نلاحظ فقدان (193) مخطوطًا وهذا ما أكده مدير المكتبة.
2- مخطوطات الشيخ محمد الخليلي: وقد نقلت مكتبته بما فيها المخطوطات إلى مكتبة المسجد الأقصى صيف سنة 1978م، ويُقدّر عدد المخطوطات فيها بـ(350) ثلاثمائة وخمسين مخطوطاً. ويلاحظ على هذه المجموعة أنها تعاني من التآكل من الأرضة ومن الرطوبة، مما يلزم تداركها بالصيانة.
3- مخطوطات الشيخ خليل الخالدي: وقد نقلت مكتبته إلى مكتبة المسجد الأقصى في منتصف سنة 1978م، ويبلغ عدد المخطوطات بها (100) مخطوط، ويلاحظ أن حالتها المادية جيدة بشكل عام.
وليس هذا هو كل مخطوطات مكتبة المسجد الأقصى، ولكن توجَد مخطوطات أخرى مهداة إلى المكتبة من بعض مكتبات الأسر المقدسية وغيرها من المكتبات الخاصة الموجودة في القدس، كما أفاد بذلك مدير مكتبة المسجد الأقصى، وقد قدّرها بنحو ألف مخطوط في خزائن على شكل صناديق خشبية غير مسجلة في سجلات وبالتالي فهي غير منظمة أو مفهرسة.
وقبل دراسة وتحليل مقتنيات مكتبة المسجد الأقصى من المخطوطات لا بدّ من التنويه إلى أنّ هذه المخطوطات الموجودة في المكتبة تعاني في وضعها الراهن من جملة مشكلات تتمثل في:
1- تُقصف أوراق بعض المخطوطات وتفككها واختلاطها بعضها مع بعض، وهذه يلزمها أيد عاملة فنية ومثقفة لتجميعها لأنها لا تخضع لطريقة التخزين الصحيحة.
2- وجود قسمٍ كبيرٍ من أوراق المخطوطات وتحلّلها بسبب تعرضها للرطوبة في أبنية مظلمة لا تخضع لطريقة التخزين الصحيحة.
3- وأخيراً تعاني المخطوطات من آثار الأرضة وتتفاوت هذه الآثار بين مخطوطة وأخرى.
ومن الجهود الجديرة بالذكر هنا بالنسبة للمخطوطات ما قام به مدير المكتبة/ خضر إبراهيم سلامة من إعداد فهرس لهذه المخطوطات نشر في جزأَيْن بعنوان "فهرس مخطوطات مكتبة المسجد الأقصى". ولأهمية المخطوطات بالنسبة لمكتبة المسجد الأقصى –باعتبارها مكتبة مسجدية تراثية– لزم الأمر دراسة تحليلية لهذا الفهرس لبيان قيمة هذه الكنوز التي لا تقدر بثمن وتقتنيها المكتبة.
3/2/3/1 وصف عامّ للفهرس:
يقع الفهرس في جزأين، صدر الجزء الأول في طبعته الأولى سنة 1980م، وفي طبعته الثانية سنة 1983م عن دائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس، وجاء في 230 صفحة ويضمّ وصْفاً مفصّلاً لعدد من المخطوطات المقتناة بالمكتبة بلغت (213) مخطوطاً. أمّا الجزء الثاني فصدر عام 1983م عن المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية التابع لمؤسسة آل البيت بالأردن، وجاء في 276 صفحة، ويضم وصفاً مفصلاً لعدد من المخطوطات المقتناة بالمكتبة بلغت (221) مخطوطاً، وعلى ذلك يضمّ الفهرس في جزأيْه (434) مخطوطاً محفوظة ومقتناة في مكتبة المسجد الأقصى.
وجاءت القواعد العامة لوصف كلّ مخطوطٍ مدوّن في الفهرس على النحو التالي:
1- الرقم المسلسل.
2- ذكر موضوع المخطوط.
3- عنوان المخطوط.
4- المؤلف: اسمه كاملاً وتاريخ مولده ووفاته.
5- الموضوع الفرعي.
6- تاريخ النسخ واسم الناسخ.
7- عدد الأوراق وقياساتها.
8- أول المخطوط وخاتمته.
9- ملاحظات: مثل بيان الحالة المادية [جيدة أو يحتاج إلى ترميم] وذكر نوع الخط وما يتميز به من رسومات أو هوامش.
بالإضافة إلى إثبات علامات التملك والإجازات كما وردت في النسخ المخطوطة، وتُشكّل هذه العلامة أهمية كبرى بالنسبة للمؤرخين المهتمين بتاريخ القدس، كما أنها تلقي مزيداً من الضوء على أعلام القدس ومعاهد العلم فيها خلال العصرين المملوكي والعثماني.
وقد ألحق بكلّ جزءٍ مجموعة من الفهارس تمثلت في:
1- فهرس المؤلفين.
2- فهرس عناوين المخطوطات.
3- فهرس بأسماء النُسّاخ.
4- فهرس الأعلام.
5- فهرس دور العلم والمكتبات.
3/2/3/2 دراسة تحليلية لمحتويات الفهرس:
بلغ عدد المخطوطات المدونة في الفهرس (434) مخطوطاً، هذه المخطوطات كتبت في عصور مختلفة، وتحتوي على موضوعات مختلفة، وفي الفقرات التالية دراسة تحليلية لهذه الموضوعات وتلك العصور.
أولاً: التوزيع الزمني للمخطوطات:
يوضح الجدول رقم (2) توزيع المخطوطات زمنيًا وفق القرون الهجرية:
الجدول رقم (2) توزيع المخطوطات زمنيًا

 

م القرن الهجري عدد المخطوطات النسبة% 1 السادس 1 0.23 2 السابع 6 1.38 3 الثامن 24 6.22 4 التاسع 43 9.90 5 العاشر 50 11.52 6 الحادي عشر 63 14.51 7 الثاني عشر 127 29.26 8 الثالث عشر 84 19.35 9 الرابع عشر 33 7.60 العدد الإجمالي 434 99.97 (*) * توجد كسور طفيفة بها تكمل المائة.

 

 

ومن خلال تحليل بيانات هذا الجدول يمكن رصد وتسجيل المؤشرات التالية:
1- يرجع تاريخ أقدم مخطوط تقتنيه المكتبة إلى القرن السادس الهجري، ويحمل الرقم المسلسل (197) بالجزء الأول من الفهرس، وعنوان هذا المخطوط هو "تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن نوادر التصحيف والوهم" لمؤلفه الخطيب البغدادي (أبو بكر أحمد بن علي ثابت) المتوفى سنة 463هـ/1071م, وقد تمّ نسخ المخطوط في شوال سنة 577هـ/1181م بخطّ أبي الرضا أحمد بن أبي محمد بن أبي القاسم النجاد المولى، أيْ بعد وفاة المؤلف بأكثر من قرنٍ من الزمن. ويُستدَلّ من علامة التملّك التي في أوّله أنّ المخطوط كان مُلْكاً لأحد المدرّسين في المدرسة السلمية في دمشق، وأنّه نقل عن نسخة المؤلف، والمخطوط بحالة جيدة، كما أشارت بياناته في الفهرس.
2- يرجع تاريخ كتابة أحدث مخطوط إلى القرن الرابع عشر الهجري، وتحديداً سنة 1341هـ، ويحمل الرقم المسلسل (186) بالجزء الأول من الفهرس، وعنوان هذا المخطوط هو "في أصول الخط" لمؤلفه عبد السلام بن عمر بن عبد السلام الحسيني المتوفى سنة 1333هـ/1914م، وقد تم نسخ المخطوط بعد ثماني سنوات من وفاة المؤلف، بخطّ محمد أمين بن محمد الدنف الأنصاري، والمخطوط بحالة جيدة جداً، كما أشارت بياناته في الفهرس.
3- كان أكثر القرون نسخاً للمخطوطات المقتناة في مكتبة المسجد الأقصى هي على الترتيب: القرن الثاني عشر (127 مخطوطًا بنسبة 29.26%)، القرن الثالث عشر (84 مخطوطًا بنسبة 19.35%)، القرن الحادي عشر (63 مخطوطًا بنسبة 14.51%). وربما يرجع ذلك إلى وجود حركة علمية نشطة خلال هذه القرون، حيث تشير دراسة حديثة إلى وجود (240) عالماً من علماء فلسطين في القرون الخمسة الأخيرة (من القرن العاشر الهجري حتى القرن الرابع عشر) تحمّلوا عبْءَ هذه الحركة العلمية، والتصدّي للتدريس في المسجد الأقصى وألّفوا كثيراً من الكتب (110)، فضلاً عن ذلك أنّ بعض أصحاب مصادر هذه المخطوطات عاشوا خلاله تلك القرون، مما كان حافزاً لهم لاقتناء ما نُسخ فيها من مخطوطات، فقد عاش الشيخ محمد الخليلي –التي تعتبر مكتبته أحد هذه المصادر– في أواخر القرن الحادي عشر الهجري وتوفي في حوالي منتصف القرن الثاني عشر الهجري (ت 1147هـ)، كذلك فإنّ ما يضمّه الفهرس من مخطوطات هو حصيلة المخطوطات المتوارثة من العصر العثماني أساساً.
4- وأخيراً يُلاحَظ أنّ أقل القرون نسخًا للمخطوطات المقتناة في مكتبة المسجد الأقصى هي على الترتيب: القرن السادس (مخطوطة واحدة بنسبة 0.23%)– القرن السابع (ستة مخطوطات بنسبة 1.38%) وهذا يدلّ على التأثير النسبي للبُعد الزمني على عملية اقتناء المخطوطات.
 ثانياً: التوزيع الموضوعي للمخطوطات:
يوضح الجدول رقم (3) توزيع المخطوطات المقتناة في مكتبة المسجد الأقصى والمشمولة في فهرس المخطوطات بجزأيه حسب موضوعاتها.
الجدول رقم (3) التوزيع الموضوعي للمخطوطات

 

م الموضوع (*) عدد المخطوطات النسبة 1 علوم القرآن 85 19.58 2 التفسير 14 3.22 3 الحديث ومصطلحه 49 11.29 4 أصول الدين 33 7.60 5 التصوف والآداب الشرعية 40 9.21 6 أصول فقه 32 7.37 7 فقه 76 17.51 8 الميقات (حساب– فلك) 7 1.61 9 اللغة العربية 50 11.52 10 الأدب العربي 10 2.30 11 تاريخ وتراجم (يشمل السيرة النبوية) 31 7.14 12 متفرقات (المنطق– ردود...) 7 1.61 العدد الإجمالي 434 99.96(**) *رتب الموضوعات في الجدول حسب ترتيبها في الفهرس. ** توجد كسور طفيفة بها تكمل المائة.

 

 ومن خلال تحليل بيانات هذا الجدول يمكن رصد وتسجيل مجموعة الاستنتاجات التالية:
1- كان أكثر موضوعات المخطوطات شيوعاً هو "علوم القرآن الكريم" حيث بلغ عددها (85) مخطوطاً بنسبة 19.58% من العدد الإجمالي للمخطوطات، وهي نسبة مرتفعة إنْ دلّت على شيء فإنما تدلّ على مدى الاهتمام بعلوم القرآن الكريم على مر العصور من قراءات وتجويد وإعجاز... الخ، فالقرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي.
2- جاءت مخطوطات الفقه الإسلامي في المرتبة الثانية، حيث بلغ عددها (76) مخطوطاً بنسبة 17.51% من العدد الإجمالي للمخطوطات، وهي نسبة مرتفعة أيضاً، تدلّ على أنّ الفقه كان يحظى باهتمامٍ خاصّ ويحتلّ مقاماً مرموقاً سواء في التدريس أو التأليف، وذلك لارتباطه الوثيق بقضايا المسلمين من توحيد وعبادات ومعاملات.
3- احتلت مخطوطات اللغة العربية المرتبة الثالثة، حيث بلغ عددها (50) مخطوطاً بنسبة 11.52% من العدد الإجمالي للمخطوطات، وهي نسبة معقولة حيث تكون علوم اللغة العربية –عادة– في خدمة النص القرآني.
4- جاءت مخطوطات الحديث ومصطلحه في المرتبة الرابعة، حيث بلغ عددها (49) مخطوطًا بنسبة 11.29% من العدد الإجمالي للمخطوطات، وهي أيضاً نسبة معقولة، حيث يعتبر الحديث الشريف (السنة النبوية) المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم.
5- كان أقلّ موضوعات المخطوطات هي على الترتيب: علم الميقات وعلم المنطق حيث بلغ عدد مخطوطات كل منهما (7) مخطوطات بنسبة 1.61% من العدد الإجمالي للمخطوطات، وهي نسبة قليلة تدل على ضعف التأليف والتصنيف في هذين الموضوعين.
6- يلاحظ أنّ أكثر موضوعات المخطوطات المتداولة في القدس كانت شائعة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وهذا مؤشر على وحدة ثقافية وتبادل ثقافي واسع، ولكن انتشار المخطوطات عينها في أزمنة متطاولة تمتد عدة قرون يدلّ على اعتماد متزايد على الماضي، أي الاعتماد على مؤلفات العصور السابقة.
وجملة القول, إنّ عدد المخطوطات في كلّ موضوعٍ من الموضوعات السابقة، يعكس ما كان شائعاً أكثر من غيره من هذه العلوم، حيث نظر العلماء في ترتيب العلوم حسب أقدارها وشرفها، فرتبوها علومًا دينية وعلومًا أخرى تخدمها، ومن هنا كثرت التآليف والتصانيف حول العلوم الدينية وكل ما يندرج تحتها من علوم فرعية، كعلوم القرآن والحديث والفقه وأصوله... الخ.
3/3 التنظيم الإداري والعاملون بالمكتبة:
تتبع المكتبة إدارياً ومالياً وإشرافياً دائرة الأوقاف والمقدسات الإسلامية في القدس، وتتنوع أنشطة هذه الدائرة في مجالات كثيرة منها إعمار المسجد الأقصى، وصيانة المتحف الإسلامي، وبناء مدرسة الأيتام الإسلامية، وترميم المساجد وإنشاء مساجد جديدة، وفتح مدارس فرعية في الضفة الغربية، وتأسيس معهدين شرعيين في القدس وقلقيلية، وتأسيس كلية الدعوة في القدس، وبناء دور للقرآن الكريم في مختلف أنحاء الضفة الغربية، وإنشاء المؤسسات الثقافية ودعمها، ولعل أبرز الأنشطة الثقافية للدائرة هو افتتاح مكتبة المسجد الأقصى عام 1976م بعد ترميم مبناها الأثري الذي توجد فيه حاليًا، وتزويدها بالمطبوعات الحديثة والأثاث.
والهيكل التنظيمي للمكتبة يتكون من مدير المكتبة ونائبه ومجموعة الموظفين، ويقوم الجميع بكافة الأعمال الفنية والكتابية اللازمة للعمل في المكتبة، حيث لا يوجد تقسيم إداري بمفهومه الدقيق في المكتبة والذي يضمّ مجموعات الأنشطة مقسمة على إدارات أو أقسام أو غير ذلك من الوحدات التنظيمية، ويشرف مدير المكتبة على أمور المكتبة ويلبي احتياجاتها في نطاق الإمكانات المادية المتاحة والتي تخصصها دائرة الأوقاف الإسلامية للمكتبة سنوياً، وهذه المخصصات متغيرة من سنة لأخرى، وعلى العموم فهي قليلة لا تفي بالحد الأدنى من احتياجات المكتبة كما أفاد مديرها.
أمّا عن القوى العاملة في المكتبة، فهي تُعتبر من العناصر الرئيسية لمقومات العمل المكتبي، وأهم مكونات التنظيم الإداري بها، حيث تقع على كاهل هؤلاء العاملين ترجمة خطط المكتبة وبرامجها إلى أعمال ملموسة وأفعال محسوسة، وتظهر مساهمتهم الفعالة في تحقيق أهداف المكتبة.
وتنقسم القوى العاملة في أية مكتبة إلى فئتين, فئة المؤهلين الحاصلين على درجة جامعية عالية، وفئة غير المؤهلين وهم الكَتَبة والمساعدون، ويشترط أنْ يكونوا حاصلين على شهادة متوسطة أو فوق المتوسطة، ويقومون بأعمال السكرتارية والأعمال المكتبية المساعدة.
ويبلغ عدد العاملين في مكتبة المسجد الأقصى –وقت إجراء الدراسة الميدانية– ستة أفراد، موزّعين على فئتين: المؤهلين وغير المؤهلين على النحو التالي:
1- مدير المكتبة (أمين المكتبة) ويحمل مؤهّلاً عالياً، وقد أرسلته المكتبة إلى لندن عام 1982م للتدرّب على حفظ المخطوطات وصيانتها.
2- نائب مدير المكتبة (نائب أمين المكتبة) ويحمل مؤهلاً عالياً، ويقوم بالأعمال الفنية.
3- كاتبان اثنان: ويحملان مؤهلين فوق المتوسط، ويقومان بالأعمال الكتابية والتسجيل، وقد لاحظ الباحث أنهما يقومان أيضاً ببعض الأعمال الفنية كالفهرسة والتصنيف.
4- مراسلان اثنان: ويحمِلان مؤهّلاً متوسطاً، يقومان بتوصيل المكاتبات والمراسلات من وإلى المكتبة والجهات التي تتعامل معها المكتبة، وقد لاحظ الباحث أنهما يقومان أيضاً ببعض الأعمال الكتابية والتسجيل.
ولا شك أنّ هذا العدد غير كافٍ، وخاصة في مرحلة إعادة تنظيم وتسجيل مقتنيات المكتبة، والتي بدأتها المكتبة عام 1998م، حيث تحتاج الأعمال في المكتبة ضعف هذه الأعداد وخاصة من المؤهلين في مجال المكتبات للقيام بالأعمال الفنية كالفهرسة والتصنيف، وهذا ما أشار إليه مدير المكتبة.
3/4 الأعمال الفنية في المكتبة:
يقصد بها هنا عمليتا الفهرسة والتصنيف، حيث تتبع المكتبة نظام تصنيف ديوي العشري، الطبعة العربية المعدلة التي قام بتعديلها السيد محمود الشنيطي وأحمد كابش، ويشير ذلك مدير المكتبة بقوله إنه في عام 1976م تسلمت المكتبة أكواماً من الكتب دون تسجيل أو تصنيف، فقام بفرزها وتصنيفها وفهرستها، وأنشأ فهرساً قاموسياً، ولم تكتملْ طباعة بطاقات هذا الفهرس، حيث يوجد بعضها بخط اليد. وكان يساعده في ذلك نائب مدير المكتبة.
ولكن لاحظ الباحث أنّ هناك كتباً ليست قليلة أضيفت إلى المكتبة خلال هذه السنوات غير مفهرسة أو مصنفة وخاصة الكتب الأجنبية، وهنا أفاد مدير المكتبة بأن المكتبة في سبيل إعادة فهرسة وتصنيف وتسجيل مجموعاتها من الكتب العربية والأجنبية بطريقة حديثة وبأسلوب تسجيل حديثٍ في سجلات جديدة لأنّ السجلات القديمة لا تمثل الواقع بصورة صحيحة 100%.
أمّا قواعد الفهرسة التي تتبعها المكتبة فهي القواعد التي قام بإعدادها السيد محمود الشنيطي ومحمد المهدي، ولا توجد قائمة رؤوس موضوعات مقننة تتبعها المكتبة في صياغة رؤوس الموضوعات، ولكن تتم هذه العملية بطريقة اجتهادية غير مقننة.
3/5 الخدمة المكتبية والمستفيدون من المكتبة:
إنّ الغاية المباشرة التي تنشأ من أجلها المكتبات، هي أنْ تقدّم للمستفيدين ما يحتاجون إليه من معلومات، فالمستفيد هو قطب الرحى، به تبتدئ دورة المعلومات وإليه تنتهي. وانطلاقاً من هذا المفهوم أخذت المكتبات على عاتقها مهمة تلبية احتياجات المستفيدين من المعلومات، ويعتبر تقديم هذه الخدمة من الوظائف الحيوية والأساسية لأية مكتبة، وتتوقف فاعليتها على مدى نجاح المكتبة في تلبية احتياجات المستفيدين.
والخدمات المكتبية وإنْ تنوعت عددًا وتباينت شكلاً، إلا أنها تندرج تحت فئتين رئيسيتين هما الخدمات التقليدية وتعتمد على الأدوات والطرق اليدوية في البحث عن المعلومات وتقديمها للمستفيدين، والخدمات غير التقليدية وتعتمد على النظم الآلية في البحث عن هذه المعلومات وتقديمها للمستفيدين.
والمستفيدون كذلك وإنْ زادوا عدداً وتباينت اهتماماتهم نوعًا، إلا أنهم ينضوون تحت فئتين متميزتين هما المستفيد العام الذي يبحث عن المعلومات للاستزادة منها وتوسيع دائرة معارفه، والمستفيد المتخصص الدارس الباحث عن المعلومات ليشبع عناصر موضوع بحثه.
ومن خلال الدراسة الميدانية –لهذا العنصر بشقيه المستفيدين والخدمات– في مكتبة المسجد الأقصى تبيّن أنّ المكتبة تخدم المجتمع المحلي في الأرض المحتلة وخاصة في مدينة القدس، وكلّ المهتمين والمتخصصين في الدراسات الإسلامية بجميع فروعها الموضوعية، بالإضافة إلى طلبة المدارس والجامعات.
وقد بلغ متوسط عدد المترددين على المكتبة (246) مستفيداً في الشهر الواحد بحسب سجل زوار المكتبة، الذي لم يحدّد نوعية كلّ مستفيد وغرضه، مما يلغي فكرة دراسة فئاتهم وتحليلها، وهذا العدد قد يزيد أو ينقص حسب الظروف والقوانين التي تفرضها قوات الاحتلال "الإسرائيلي" على تقييد حركة أفراد الشعب الفلسطيني في مدينة القدس من حيث إغلاق المناطق المحتلة أو السماح بدخولها.
أمّا عن الخدمات التي تقدمها المكتبة لهؤلاء المستفيدين فتتحوصل حول الخدمات التقليدية فقط، وتتمثّل في خدمتَيْن منها هما خدمة الاطلاع الداخلي حيث لا يوجد بالمكتبة نظام استعارة خارجية، فلا يُسمَح بإخراج الكتب خارج المكتبة لندرتها من جهة والخوف عليها من الضياع والتلف من جهة أخرى، لذا يُسمَح باستعمال الكتب فقط داخل المكتبة، ويقدّم المسؤولون بالمكتبة كافة التوجيهات الإرشادات القرائية وخدمة الاطلاع الداخلي في حدود الإمكانات المتاحة بالمكتبة، والخدمة التقليدية الأخرى التي تقدمها المكتبة لروادها هي "الخدمة المرجعية" ويقوم بها مدير المكتبة أو نائبه لمن يحتاج إليها من المستفيدين، حيث يوجّهونهم إلى المراجع التي بها الإجابة عن أسئلتهم واستفساراتهم.
أما عن ساعات دوام المكتبة فتبدأ من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر في الوقت الحالي (أثناء إجراء الدراسة الميدانية) حيث الظروف القاسية التي تمر بها مدينة القدس، وكانت المكتبة –قبل هذه الظروف– تفتح أبوابها للمستفيدين من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الساعة السادسة مساءً.
هذه صورة تكاد تكون شاملة –بما سمحت به المعلومات والبيانات– عن مكتبة المسجد الأقصى، استهدفت استبصار الوضع الراهن للمكتبة، في محاولة تشخيص المشكلات التي تعاني منها سواء أكانت مادية أو بشرية، من أجل العمل على حلّها، باستثارة اهتمام المسؤولين عنها في دائرة الأوقاف والمقدسات الإسلامية وهي الهيئة الإدارية التابعة لها المكتبة، كل ذلك في سبيل المحافظة على هذه المنارة التليدة ذات الإشعاع العلمي، والتي كانت وستظل مرآة عاكسة لشموخ الحضارة الإسلامية وعظمتها في هذه البقعة المباركة طوال مسيرتها وسيرورتها.

الخاتمة:
الحضارة العربية الإسلامية المتنوعة والمليئة بمختلف التيارات الفكرية والخصبة بظواهرها التي امتدّتْ في عالم واسع جداً كانت إحدى الحضارات الإنسانية التي سادت خلال قرون عديدة من الزمن.
 هذه الحضارة التي تعدّدت أصول نشأتها وتكاثرت مصادرها، اعتبرت الكتاب هادياً لها وكنزاً ثميناً، فاعتمدت عليه واهتمت به شكلاً ومضموناً وحفظاً، بشكلٍ فاق كلّ الحضارات السابقة، وكان من مظاهر هذا الاهتمام إنشاء المكتبات –بكل أنواعها– باعتبارها الموئل الأوّل الذي تؤول إليه الكتب وتسكن في جنباته.
ولقد تعدّدت عواصم الحضارة الإسلامية ومراكزها، وكانت مدينة القدس طليعة هذه العواصم ومن أهمّ مراكزها، على مدى عصور متطاولة، منذ انبلاج نور الإسلام فيها حتى نهايات العهد العثماني، تعاقب عليها العلماء والفقهاء والمدرّسون من كلّ حدْبٍ وصوْب، وتقاطروا إليها من شرق وغرب، ابتداء من عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومن تلاهم من كبار التابعين حتى عصرنا هذا.
وكان المسجد الأقصى الذي بارك الله تعالى حوله موئلاً للعلم وأول معهد في بيت المقدس تجمّع فيه العلماء من المدرسين، والمتعلمون من تلامذتهم، في حلقات لدراسة الفقه والتفسير والحديث واللغة والشعر وغيرها من علوم الدين والدنيا، ومن ثَّم كان المسجد الأقصى جامعة إسلامية –إذا جاز لنا أنْ نطلق اسم جامعة على المسجد التعليمي– فقد كان عماد الحركة الفكرية آنذاك، وكانت له رسالة علمية، قام بها وأداها حقًا على خير وجه، ولا غرْوَ في ذلك فقد كان الأقصى يمثل مظهراً حضارياً وفكرياً، ويمثّل -في الوقت نفسه- مظهراً من مظاهر التمدن والإسلامي، ويقوم بدوره في دراسة التراث الإسلامي والحفاظ عليه وبهذا كان له أثر كبير في خدمة الثقافة الإسلامية ورعايتها.
وكان قميناً بأنْ يكون لهذا المعهد العلمي وتلك الجامعة الإسلامية مكتبة يرجع إليها المدرسون من العلماء، ويعتمد عليها الدارسون من الطلاب في التحصيل، والاستزادة من المعلومات، وعلى مدى الحقب المتعاقبة، ضمت مكتبة المسجد الأقصى أعدادًا ضخمة من أمهات الكتب ونفائس المخطوطات في مختلف فروع المعرفة.
من هذا المنطلق كانت هذه الدراسة التي اتخذت من مكتبة المسجد الأقصى المبارك موضوعًا لها، سواء في نشأتها الأولى (ماضيها) أو في وضعها الراهن في عصرنا الحالي.
وعالجت الدراسة بصورة مركزة ثلاثة مباحث أساسية تمثّل أركان البحث كله، وفي الوقت ذاته تنسجم هذه المباحث الثلاثة مع الأهداف الموضوعة سلفًا، كما أنّها تمثّل كلاً متكاملاً لا تنفصم عُراه، وعلى ذلك جاء المبحث الأول بعنوان "الحركة العلمية والثقافية في القدس" ليمثّل مدخلاً لدراسة الموضوع، لذا تتضمّن عنصرين رئيسيين أولهما لمحة جغرافية وتاريخية عن القدس لبيان مكانية الموضوع وتاريخه، وثانيهما الحياة العلمية والثقافية في القدس باعتبار هذه الحياة هي الأرضية التي تنشأ عليها ولها وبسببها المكتبات، تتغذى بإنتاجها وتتفاعل معها وتتأثر بها وتؤثّر فيها وتشب على أكتافها. وعالج المبحث الثاني النشأة والتطور التاريخي لمكتبة المسجد الأقصى، موضوع الدراسة وبؤرة الاهتمام، محاولاً تلمس النشأة الأولى لهذه المكتبة في عمقها التاريخي البعيد، ومسايراً مراحل تطوّرها حتى عصرنا الحالي وأخيراً تعرض المبحث الثالث بالدراسة والتحليل للوضع الراهن لمكتبة المسجد الأقصى، محاولاً إعطاء صورة واقعية لهذه المكتبة، وكاشفاً عما تئنّ منه في ظرفها الراهن.
وحاولت واجتهدت في دراسة الموضوع لاستيفاء حقّه من الدراسة والبحث، وإشباع عناصره بالبيانات والمعلومات، في ظلّ الظروف القاسية التي تمرّ بها المكتبة مما أثّر على شحّ المصادر ونُدرة المعلومات عنها، ولكني بذلت ما أطقت، فإنْ أصبت في تحقيق الأهداف التي ترمي إليها الدراسة فهذا من توفيق الله وعونه وفضله، وإنْ كانت الأخرى فهو جهد المقلّ، لذا أرجو من القراء أنْ ينبّهوني إلى ما في هذا البحث من قصور حتى أعالجه فيما بعد بإذن الله، والله ولي التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
نتائج الدراسة وتوصياتها:
أسفرت دراسة الموضوع عن مجموعة من النتائج وأخرى من التوصيات أسجلهما على النحو التالي:
أولاً- النتائج:
1- أثبتت الدراسة عروبة القدس تاريخياً منذ نشأتها منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وإسلاميّتها منذ نحو أربعة عشر قرناً.
2- رصدت الدراسة أوضاع الحياة العلمية والثقافية في القدس، ومدى ازدهارها في فترات، وخبوها في فترات أخرى، وارتباط هذه الظاهرة بالأوضاع السياسية والاقتصادية التي تعاقبت على القدس خلال تاريخها الطويل.
3- كشفت الدراسة عن مدى عراقة مكتبة المسجد الأقصى حيث ترجع البواكير الأولى لنشأتها منذ نحو أربعة عشر قرناً تقريباً.
4- رصدت الدراسة مدى تأثير الأوضاع العلمية والثقافية في القدس على مكتبة المسجد الأقصى خلال الفترات التاريخية المتعاقبة.
5- كشفت الدراسة عن مدى اهتمام الحكام المسلمين –وخاصة في العصرين الأيوبي والمملوكي– بالمكتبة وإمدادها بالمصاحف والكتب ووقف الأوقاف عليها.
6- رصدت الدراسة مدى المعاناة التي تعانيها المكتبة في وضعها الراهن والتي تمثّلت في:
‌أ- عدم ملاءمة المبنى الحالي للمكتبة من حيث الأثاث والتجهيزات والإضاءة والتهوية.
‌ب- القصور الواضح في تسجيل مقتنيات المكتبة في سجلات حديثة.
‌ج- عدم العناية بمجموعات المقتنيات من الكتب والدوريات والمخطوطات، بالرغم من تراثية هذه المجموعات التي تحتاج إلى تجليد وتصوير وترميم.
‌د- ضعف الأعمال الفنية في المكتبة وخاصة عمليتي الفهرسة والتصنيف.
‌ه- نقص عدد الموظفين المؤهلين في المكتبة.
‌و- عدم وجود ميزانية مخصصة للمكتبة.
ثانيًا– التوصيات:
في ضوء النتائج السابقة توصي الدراسة بما يلي:
1- حثّ المسؤولين عن المكتبة على إيجاد مبنى آخر للمكتبة أو على أقلّ تقديرٍ تجديد مبناها الحالي.
2- ضرورة الاهتمام بأثاث المكتبة وتجديده وفق المواصفات الدولية، لمواكبة التطورات الحديثة وتهيئة الجوّ المناسب للرواد.
3- نظرًا لأهمية الكتب المقتناة في المكتبة -وتميّزها بالندرة والتراثية– كمصدرٍ أساسيّ ورئيسي من مصادر المعلومات، وحتى يمكن الحفاظ عليها توصي الدراسة بالنسبة لها بما يلي:
‌أ- الاهتمام بتجليد مجموعات هذه الكتب وترميم ما يحتاج منها إلى ترميم.
‌ب- سرعة تسجيل هذه المجموعات في سجلات حديثة.
‌ج- العمل على فهرسة وتصنيف هذه المجموعات وإنشاء الفهارس اللازمة لها.
‌د- العمل على تزويد المكتبة بالكتب الجديدة أولاً بأول من السوق المحلي والخارجي, لتنمية مجموعات المكتبة وذلك وفق سياسة مكتوبة.
‌ه- العمل على شراء المكتبات القديمة وخاصة مكتبات الأفراد بالقدس وضمها إلى المكتبة.
4- نظرًا لأهمية الدوريات (الصحف والمجلات) كمصدر من مصادر المعلومات المتميزة، وحتى يمكن الحفاظ عليها توصي الدراسة بالنسبة لها بما يلي:
‌أ- تجليد مجموعات الدوريات بصورة فنية.
‌ب- تكملة الأعداد الناقصة منها سواء عن طريق شرائها أو تصويرها.
‌ج- حفظها في مكان مناسب تتم فيه مقاومة الرطوبة عن طريق توفير الأجهزة المساعدة لذلك.
‌د- إيجاد أرفف خاصة للدوريات.
‌ه- تسجيلها في سجلات حديثة.
5- نظراً لأهمية المخطوطات باعتبارها مصدراً نادراً لا يقدّر بثمن، وحتى يمكن الحفاظ عليها توصي الدراسة بالنسبة لها بما يلي:
‌أ- شراء الأجهزة الضرورية لترميم هذه المخطوطات وتصويرها وصيانتها.
‌ب- استخدام أجهزة التكييف والتبخير لحفظ هذه المخطوطات في جو مناسب ولتخفيف عاديات الزمن وآثار الجو عليها.
‌ج- العمل على تكملة إصدار فهارس للمخطوطات الموجودة بالمكتبة للتعريف بها والإعلام عنها بطريقة علمية سليمة.
6- العمل على زيادة عدد الموظفين بالمكتبة وذلك بتعيين الأشخاص المؤهلين والمتخصصين في مجال المكتبات للقيام بالأعمال الفنية في المكتبة (في حدود خمسة أفراد على الأقل).
7- تخصيص ميزانية سنوية مناسبة للمكتبة لاستخدامها كأداة لتسيير دولاب العمل بها.

هوامش الدراسة ومصادرها
1- للاستزادة راجع:
‌أ- مجمع البحوث الإسلامية. بيت المقدس في الإسلام؛ تقديم عبد الحليم محمود. القاهرة: المجمع، 1969م. ص49-51.
‌ب- القدس في التاريخ. تحرير وترجمة كامل جميل العسلي. عمّان (الأردن): الجامعة الأردنية، 1992م. ص25-33.
‌ج- عارف العارف. المفصّل في تاريخ القدس. القدس: مكتبة الأندلس، 1961م. ص11-14.
2- عفيف عبد الرحمن. القدس ومكانتها لدى المسلمين وانعكاس ذلك من خلال كتب التراث، بحثٌ قدِّم إلى المؤتمر الدولي الثالث لتاريخ بلاد الشام وفلسطين، في الفترة ما بين 19-24 نيسان (أبريل) 1980م. عمّان: الجامعة الأردنية، 1980م. ص225.
3- أحمد سوسة. العرب واليهود في التاريخ. ط2. دمشق: مطبعة الاعتدال، 1978م، ص394.
4- نشأت الخطيب. القدس بين الدين والتاريخ. بيروت: دار الأنيس، 1978م، ص26-27.
5- موسى الحسيني. عروبة بيت المقدس. بيروت: مركز الأبحاث، 1985م، ص18.
6- إبراهيم الدقاق. القدس: المدينة والمعاش، بحث قُدِّم إلى الندوة الثالثة "يوم القدس"، 10-13 تشرين الأول (أكتوبر) 1992م. عمّان (الأردن): لجنة يوم القدس، 1993م، ص181-182.
7- حول تاريخ القدس القديم راجع:
‌أ- مجير الدين الحنبلي، أبو اليمن. الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل. عمّان (الأردن): مكتبة المحتسب، 1973م. ج2، ص7-10.
‌ب- محمد عزة دروزة. تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم. القاهرة: مطابع شركة الإعلانات الشرقية، د.ت، ج2، ص200-203.
‌ج- رؤوف شلبي. عودة القدس الشريف. قطر: جامعة قطر، 1985م . ص53-56 (محاضرة ألقيت في الموسم الثقافي العاشر 1985م).
8- موسى الحسيني. مرجع سابق، ص22.
9- أحمد صدقي الدجاني. القدس وفلسطين في التاريخ، في كتاب: القدس الأمس واليوم. الدوحة: سفارة دولة فلسطين في قطر، 1996م، ص34.
10- "القدس مدينة السلام" مجلة الفيصل، س2، ع21 (ربيع الأول 1399هـ/ فبراير 1979م) ص40.
11- الحسن بن طلال. القدس: دراسة قانونية. عمّان (الأردن): لونغمان، 1980م، ص8.
12- أحمد صدقي الدجاني. مرجع سابق، ص36.
(ينسب إلى داوود سفر المزامير، وفيه مائة وخمسون مزموراً، وهي أناشيد استغاثة واستغفار وتمجيد وتقديس وتسبيح رائعة الأسلوب والمعنى، تدلّ على ما كان يعتمل في نفس داوود من إخلاصٍ واتجاه نحو ربّه وشعور بعظمته وربوبيته وسمو صفاته وفضائله)، انظر: محمد عزة دروزة. مرجع سابق، ص202-203.
13- "القدس مدينة السلام" مرجع سابق، ص41-43.
14- رؤوف شلبي. مرجع سابق، ص63.
15- أحمد صدقي الدجاني. مرجع سابق، ص37.
16- فيليب حتّي. تاريخ سوريا وفلسطين ولبنان. بيروت: دار الثقافة، 1958م، ج1، ص250 وما بعدها.
17- رؤوف شلبي. مرجع سابق، ص68.
18- الحسن بن طلال. مرجع سابق، ص8-9.
19- نقلاً عن كتن، هنري. فلسطين في ضوء الحق والعدل. عمّان (الأردن): 1973م. ص5.
20- كامل العسلي. القدس في تراثنا، بحث قدم في الندوة الثالثة "يوم الخميس"، 10-13 تشرين الأول (أكتوبر) 1992م. عمّان (الأردن): لجنة يوم القدس، 1993م. ص125.
21- للمزيد عن الفتح الإسلامي للقدس راجع:
‌أ- مجير الدين الحنبلي، أبو اليمن. مرجع سابق، ج1، ص193-195.
‌ب- ابن الأثير. الكامل في التاريخ. بيروت: دار صادر، 1979م.
‌ج- محمد أديب العامري. عروبة فلسطين في التاريخ. بيروت: المكتبة العصرية، 1972م.
22- الحسن بن طلال، مرجع سابق، ص9.
23- أحمد صدقي الدجاني. مرجع سابق، ص40.
24- العماد الأصفهاني. الفتح القسي في الفتح القدسي. القاهرة: د.ن، 1965م، ص141-142.
25- مجير الدين الحنبلي، أبو اليمن. مرجع سابق، ج1، ص96-97.
26- ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي. الرحلة. بيروت: دار صادر، 1964م، ص55.
27- عفيف عبد الرحمن. مرجع سابق، ص255.
28- البلاذري، أحمد بن يحيى. فتوح البلدان؛ تحقيق رضوان محمد رضوان. بيروت: دار الكتب العلمية، 1977م. ص147.
29- المقدسي. شهاب الدين أحمد بن محمد. مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام؛ دراسة وتحقيق أحمد الخطيمي. بيروت: جامعة القديس يوسف، 1985م، ص381.
30- بنى قبة الصخرة سنة 691م عبد الملك بن مروان، هي بناءٌ من الحجر مثمّن الشكل، وتعتبر قبة الصخرة نموذجاً رائعاً للعمارة الإسلامية، أمّا المسجد الأقصى فبني بعد المسجد الحرام بأربعين سنة كما جاء في الحديث الشريف، وقد جُدّد أكثر من مرة، وممّن جدّدوه عبد الملك بن مروان (انظر: الموسوعة العربية الميسرة/ إشراف محمد شفيق غربال. القاهرة: دار القلم مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1964م الصفحات 1367-13698-1696).
31- لمعرفة المزيد انظر:
أ‌- العسقلاني، أحمد بن حجر. تهذيب التهذيب؛ تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. بيروت: دار المعرفة، 1975م، ج12، ص184.
ب‌- ابن عساكر، علي بن الحسن. تاريخ دمشق الكبير؛ تحقيق صلاح الدين المنجد. دمشق: المجمع العلمي العربي، 1951-1954، ج2، ص50.
32- ملكة أبيض. التربية والثقافة العربية في الشام والجزيرة. بيروت: دار العلم للملايين، 1980م، ص82.
33- مجير الدين الحنبلي، أبو اليمن. مصدر سابق، ج1، ص296-297.
34- المرجع السابق نفسه.
35- المقدسي، محمد بن أحمد البشاري. أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. ليدن. دار بريل، 1906م، ص167.
36- ملكة أبيض. مرجع سابق، ص439.
37- ابن أبي أصبيعة، أحمد بن القاسم. عيون الأنباء في طبقات الأطباء. مصر: المطبعة الوهبية، 1882م. ج2، ص87.
38- ناصر خسرو. سفرنامة؛ ترجمة يحيى الخشاب. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1945م، ص21.
39- ابن العماد، عبد الحي الحنبلي. شذرات الذهب في أخبار من ذهب. القاهرة: مكتبة القدس، 1350-1351هـ، ج3، ص83.
40- كامل جميل العسلي. معاهد العلم في بيت المقدس. عمّان: مطبعة جمعية عمال المطابع التعاونية، 1981م، ص29-30.
41- ابن العربي، أبو بكر. قانون التأويل؛ تحقيق إحسان عباس، مجلة الأبحاث، مج21، ع2،3 (كانون أول/ديسمبر 1968م) ص84.
42- أبو الفدا، إسماعيل بن علي الأيوبي. المختصر في أخبار البشر. القاهرة: المطبعة الحسينية، 1325هـ، ج3، ص83.
43- يوسف العش. دور الكتب العربية العامة وشبه العامة لبلاد العراق والشام ومصر في العصر الوسيط، ترجمة عن الفرنسية نزار أباظة ومحمد صباغ. ط1. بيروت: دار الفكر المعاصر، 1991م، ص152.
44- للاستزادة راجع:
- ملكة أبيض. مرجع سابق، ص293-296.
45- مجير الدين الحنبلي، أبو اليمن. مرجع سابق، ج1، ص339.
• حنة هي أم مريم بنت عمران.
46- العماد الأصفهاني. مرجع سابق، ص86.
47- مجير الجين الحنبلي، أبو اليمن. مصدر سابق، ج1، ص70.
48- السبكي، عبد الوهاب بن علي. طبقات الشافعية الكبرى. القاهرة، 1323هـ. ج4، ص329.
49- ابن خلكان، أحمد بن محمد. وفيات الأعيان؛ تحقيق إحسان عباس. القاهرة: المطبعة الأميرية، 1275هـ. ج3، ص251.
50- مجير الدين الحنبلي، أبو اليمن. مرجع سابق، ج1، ص70.
51- المقريزي، تقيّ الدين أحمد بن علي. السلوك لمعرفة دول الملوك؛ تحقيق محمد مصطفى زيادة. القاهرة: مطبعة بولاق، 1375هـ. ج1، ص258.
52- سعيد عبد الفتاح عاشور. الأيوبيون والمماليك في مصر والشام. طبعة جديدة مزيدة ومعدلة. القاهرة: دار النهضة العربية، 1998م، ص322.
53- مجير الدين الحنبلي، أبو اليمن. مرجع سابق، الجزء الثاني.
54- المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار. القاهرة: مطبعة بولاق، 1270هـ، ج3، ص314.
55- سعيد عبد الفتاح عاشور. مرجع سابق، ص141.
56- جورجي زيدان. تاريخ آداب اللغة العربية. مصر: دار الهلال، د.ت. ج3، ص55-56.
57- البلوي، خالد بن عيسى. تاج المفرق في تحلية علماء المشرق؛ تحقيق الحسن السائح. المغرب: اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي، د.ت. ج1، ص256-270.
58- جمع كامل جميل العسلي هذه الكتب وبلغ عددها نحو (50) كتاباً في كتابه الموسوم "مخطوطات فضائل بيت المقدس" ونشرته في عمّان بالأردن دار البشير عام 1981م وصدرت منه الطبعة الثانية عام 1984م في 142 صفحة. وانظر أيضاً: البحث المتميز الذي أعده محمود إبراهيم بعنوان: فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة (دراسة تحليلية ونصوص مختارة محققة) ونشرها معهد المخطوطات العربية بالكويت طبعته الثانية عام 1985م، فقد جرّد كتب الفضائل وحرّرها من الإسرائيليات.
59- انظر التفصيلات الوافية عن الكتب التي كانت تدرس في هذه الفترة في: عبد الجليل عبد المهدي. المدارس في بيت المقدس. عمّان (الأردن) : مكتبة الأقصى، 1981م، ص12-111.
60- كامل جميل العسلي. من آثارنا في بيت المقدس. عمّان (الأردن): مطبعة جمعية عمّال المطابع التعاونية، 1982م. ص37، وأيضاً:
- محمد ابشيرلي. ترميم آثار القدس في الفترة العثمانية، بحث قدم في الندوة الرابعة "يوم القدس" 2-5 تشرين الأول (أكتوبر) 1993م. عمّان (الأردن): لجنة يوم القدس، 1994م. ص77.
61- حسن بن عبد اللطيف الحسيني. تراجم أهل القدس في القرن الثاني عشر؛ تحقيق سلامة صالح النعمات. عمّان (الأردن) 1985م.
62- كامل جميل العسلي. معاهد العلم في بيت المقدس، مرجع سابق، ص286-293.
63- المقري، أحمد بن محمد. نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. القاهرة: المطبعة الأميرية، 1279هـ، ج1، ص33.
64- أحمد سامح الخالدي. مدارس بيت المقدس ومعاهدها، مجلة الأديب، عدد أبريل 1949م، ص34.
65- كامل جميل العسلي. معاهد العلم في بيت المقدس. مرجع سابق، ص43.
66- المرجع السابق نفسه.
67- المرجع السابق، ص184.
68- انظر الدراسة التحليلية لهذا الفهرس تحت المبحث الثالث من هذه الدراسة (مقتنيات مكتبة المسجد الأقصى).
69- محسن محمد صالح. التيار الإسلامي في فلسطين وأثره في حركة الجهاد 1917-1948م. الكويت: مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، 1989م، ص89.
70- إبراهيم رضوان الجندي. سياسة الانتداب البريطاني الاقتصادية في فلسطين. عمّان (الأردن): منشورات دار الكرمل، 1986م، ص21.
71- عدوية العلمي. تعليم البنات في القدس، بحث قدم إلى الندوة الخامسة "يوم القدس" 9-12 تشرين الأول (أكتوبر) 1994م. عمّان (الأردن): لجنة يوم القدس، 1995م. ص39-46.
72- حسن الكومي. التعليم في فلسطين، بحث قُدِّم إلى الندوة الخامسة "يوم القدس" 9-12 تشرين الأول (أكتوبر) 1994م. عمّان (الأردن): لجنة يوم القدس، 1995م، ص31.
72- المرجع السابق، ص32.
73- عدوية العلمي. مرجع سابق، ص39.
74- عبد القادر يوسف. تعليم الفلسطينيين: ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. عمّان (الأردن): دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، 1989م، ص44-45.
75- عدوية العلمي. مرجع سابق، ص47.
76- عارف العارف. مرجع سابق، ص444-446.
77- كمال الخالدي. الأرض في الفكر الاجتماعي الصهيوني. دمشق: الاتحاد العام للكُتّاب والصحفيين الفلسطينيين، 1982م، ص86.
78- سفيان كمال. الوضع التعليمي في مدينة القدس. عمّان (الأردن): منشورات وزارة الإعلام، 1996م، ص80.
79- سفيان كمال وسليم الزعبي. احتياجات القدس عام 2000م في مجال التربية والتعليم. عمّان (الأردن): منشورات وزارة الإعلام، 1996م. ص26-27.
80- سفيان كمال. الوضع التعليمي في مدينة القدس، مرجع سابق، ص82.
81- محمد الشاذلي الخولي. دور المساجد التاريخي في التثقيف العلمي. القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، 1961م، ص7.
82- دي بور، د.ت. تاريخ الفلسفة في الإسلام؛ تعريب محمد عبد الهادي أبو ريدة. ط4. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1957م. ص417.
83- فيليب دي طرازي. خزائن الكتب العربية في الخافقين، بيروت: د.ت. مج1، ص295.
84- مصطفى الدباغ. بلادنا فلسطين. بيروت: دار الطليعة، 1976م، ج7، القسم الثاني، ص248.
85- فيليب دي طرازي. مرجع سابق، مج1، ص296.
86- محمود علي عطا الله. فهرس مخطوطات المكتبة الأحمدية في عكا. عمّان (الأردن): مجمع اللغة العربية الأردني، 1983م، المقدمة.
87- صلاح الدين موسى التميمي. المسجد الإبراهيمي: دراسة وثائقية مصورة. القدس: إدارة الأوقاف والشئون والمقدسات الإسلامية، 1983م، ص113.
88- محمود علي عطا الله. فهرس مخطوطات مكتبة الحرم الإبراهيمي. عمّان (الأردن): مجمع اللغة العربية الأردني، 1983م، المقدمة.
89- محمود علي عطا الله. فهرس مخطوطات المكتبة الإسلامية بيافا. عمّان (الأردن): مجمع اللغة العربي الأردني، 1984م، ص3-4.
90- محمود علي عطا الله. فهرس مخطوطات مكتبة مسجد الحاج نمر النابلسي. عمّان (الأردن): مجمع اللغة العربية الأردني، 1983م، ص7. وأيضاً مصطفى الدباغ. مرجع سابق، ج2، القسم الثاني، ص214-225.
91- يوسف العش. مرجع سابق، ص33-36.
92- ابن الفقيه، أحمد بن إبراهيم الهمذاني. كتاب البلدان. ليدن: دار بريل، 1885م، ص100-101.
93- ابن عبد ربه، أحمد. العقد الفريد. القاهرة: المطبعة الشرقية، 1899م، ج3، ص61.
94- فيليب دي طرازي. مرجع سابق، ج3، ص103.
95- يوسف العش. مرجع سابق، ص152-153.
• القديسة حنة هي أم مريم بنت عمران.
96- كامل جميل العسلي. معاهد العلم في بيت المقدس، مرجع سابق، ص370-371.
97- كامل جميل العسلي. مخطوطات فضائل بيت المقدس، مرجع سابق، ص95-96.
98- مجير الدين الحنبلي، أبو اليمن. مصدر سابق، ج1، ص339.
99- عبد الله مخلص. المصحف الشريف. مجلة الفتح، ع237 (يونيه 1931م)، ص590.
100- يذكر كامل العسلي أنّ هذا المصحف لا يزال محفوظاً في المتحف الإسلامي المجاور للمسجد الأقصى (انظر: كامل جميل العسلي. معاهد العلم في بيت المقدس... مرجع سابق، ص371).
101- مجير الدين الحنبلي، أبو اليمن. مصدر سابق، ج2، ص96.
102- عبد الجليل عبد المهدي. الحركة الفكرية في ظل المسجد الأقصى في العصرين الأيوبي والمملوكي. عمّان (الأردن) مكتبة الأقصى، 1980م، ص270.
103- السخاوي، شمس الدين محمد. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع– القاهرة: مكتبة القدسي، 1353هـ، ج6، ص301. وأيضًا.
104- علي السيد علي محمود. مكتبات القدس في عصر سلاطين المماليك . مجلة المكتبات والمعلومات العربية، س4، ع4 (أكتوبر 1984م) ص14-15.
105- كامل جميل العسلي. وثائق مقدسية تاريخية. عمّان: منشورات الجامعة الأردنية، 1989م، مج3، ص86.
106- كامل جميل العسلي. معاهد العلم في بيت المقدس. مرجع سابق، الصفحات 337-398.
107- المرجع السابق، ص373.
108- المرجع السابق، ص374.
109- تمّ الاعتماد في كتابة هذا المبحث الثالث على عدة مصادر، أذكرها هنا جملة مرة واحدة منعاً للتكرار:
‌أ- إجابات أسئلة قائمة المراجعة.
‌ب- أحاديث الباحث مع مدير المكتبة ونائبه والتي تمت بتاريخ 29/12/1998م.
‌ج- زيارة الباحث الميدانية للمكتبة وملاحظاته العمل بالمكتبة على الطبيعة بتاريخ 29/12/1998م.
‌د- المنشورات والمكاتبات والتقارير الخاصة بالمكتبة والمحفوظة بأرشيف المكتبة.
‌ه- سجلات المقتنيات (كتب– دوريات– مخطوطات).
‌و- فهرس مخطوطات مكتبة المسجد الأقصى والذي أعده خضر إبراهيم سلامة مدير المكتبة ونشر في جزأين (1983م).
110- Kupfer- Schmidt, "Connections of the Palestinian Ulama with Egypt" in: A. Cohen and G. baer (eds). Egypt and Palestine. New york: Martin's press, 1984. p. 176.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

كنوز المكتبة البديرية المخطوطة في القدس

التالي

نقاط وفواصل: معركة الأقصى

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

الإعلام والعمل| الانتقال من الترف إلى الواجب

الجمعة 3 تموز 2020 - 4:11 ص

أفكارٌ على طريق التحرير-6- الإعلام والعملالانتقال من الترف إلى الواجبومع مراكمة ما سبق من أفعالٍ وأفكار، وبث المفاهيم الريادية والقياديّة، وصناعة الرواحل الأشداء، لاستنهاض الأمة، وتكوين الفرسان القادر… تتمة »

علي ابراهيم

فرسان الميدان حشدٌ وتعبئة واستنهاض

الخميس 11 حزيران 2020 - 12:22 م

أفكارٌ على طريق التحرير -5- فرسان الميدانحشدٌ وتعبئة واستنهاض رواد التحرير ورواحل العمل هم فرسان ميادين العمل للقدس، على اختلافها وتنوعها، إذ تقع على كواهلهم مهام جسام، لتعبيد الطريق أمام السالكين للم… تتمة »