كنوز المكتبة البديرية المخطوطة في القدس

تاريخ الإضافة السبت 20 تشرين الأول 2007 - 2:57 م    عدد الزيارات 12635    التعليقات 0     القسم

        



في مدينة القدس مكتبات أهلية, كان تأسيس معظمها بشكلٍ فرديّ عرفت واشتهرت عبر تاريخ القدس وذكرها المؤرخون في كتاباتهم ومؤلفاتهم، وكانت ظاهرة تكوين المكتبات بدأت خلال القرن الحادي عشر الهجري، وكان أول مكان تنشأ فيه المكتبات بيوت العلماء والمثقفين، ومن الملاحظ أنّ ما تبقّى من مخطوطات في مدينة القدس تعود لعائلات مقدسية قطنت القدس وظهر منها علماء وشيوخ كانوا نواة في معرفة العلوم الدينية والدنيوية، ومن تلك المكتبات المقدسية كانت مكتبة المرحوم الشيخ محمد بن بدير المتوفى بالقدس سنة 1220هـ, والمعروفة اليوم بالمكتبة البديرية التي عادت نبضات قلبها بالعطاء من جديد، وأضاء الوعيَ الثقافي عتبات محطة مهمة من محطات القدس الثقافية، وبدأ الباحثون وذوي الاهتمام بزيارة هذه المكتبة العريقة التي أحياها الأبناء بعد ركودها حقبة من الزمن نتيجة لحوادث ونكبات فلسطين.
موقع المكتبة:
 تقع المكتبة البديرية في الطابق الأرضي من الزاوية الوفائية الواقعة عند باب الناظر بالبلدة القديمة ومقابلة للمدرسة المنجكية (دائرة الأوقاف الإسلامية)، والتي تمتدّ مساحتها من شارع علاء الدين البصيري شمالاً وحتى وقف الشهابي جنوباً, ومن رواق الحرم القدسي شرقاً وحتى رباط الكرد غرباً, ومعظم مخطوطاتها حصيلة ما جمعه الشيخ محمد بن بدير بن محمد بن محمود بن حبيش الشافعي المقدسي الشهير بابن حبيش من مخطوطات حال حياته، حيث بلغ عدد مخطوطات هذه المكتبة ما يزيد عن ألف ومائتي مخطوطاً، ويعود أقدم مخطوط فيها إلى سنة 562هـ/1167م، وتُعَدّ المكتبة البديرية واحدة من أهمّ المكتبات العامرة في مدينة القدس في وقتنا الحاضر نظراً لكنوزها المخطوطة, ورغم ركودها و إغلاقها زمناً طويلاً تجاوز الثمانين عاماً, إلا أنها عادت لتقوم بأداء واجبها واستئناف دورها في إحياء الحركة العلمية والفكرية والثقافية اتجاه طلبة العلم والنخبة المثقفة، ويزورها اليوم عدد من طلبة رسالة الماجستير لنقل ما فيها من معلومات دينية وعلوم دنيوية وتاريخية.
محتوياتها المخطوطة:
مجموعة مخطوطات هذه المكتبة هي بقايا ما تركه الشيخ محمد بن بدير وما أضيف إليها لاحقاً من مخطوطات دخلت إلى المكتبة من خلال ورثته، وهناك مجموعات متفرقة من المخطوطات أغلبها اندثر أو نقل إلى أماكن أخرى خارج فلسطين، ويعود السبب في ذلك للأحداث المأساوية التي مرّت بها فلسطين خلال العقود الستة الأخيرة، إذ تشير الموسوعة الفلسطينية إلى أنّ المكتبة البديرية كانت تضمّ زهاء ألفٍ ومائتي مخطوط، وقد أوقف المرحوم الشيخ محمد بن بدير كتب (مخطوطات) المكتبة بموجب حجّة شرعية مؤرّخه في 19 ذي الحجة سنة 1205هـ/1790 م (س.ش 272 ص147، من سجلات محكمة القدس الشرعية)، وقد قام مركز الوثائق والمخطوطات في الجامعة الأردنية بتصوير معظم مخطوطاتها، وكانت المكتبة وما زالت تحت إشراف رجالات العائلة منذ تأسيسها، ومن الذين أشرفوا عليها واعتنوا بها: المرحوم الشيخ موسى البديري، والمرحوم توفيق البديري، والأستاذ عبد الله البديري.
حالة مخطوطاتها:
لم تلقَ مخطوطات المكتبة البديرية العناية الكافية أو المطلوبة, نتيجة حبسها على الرفوف وتخزينها في الصناديق عقوداً من الزمن داخل الأقبية المظلمة الغنية بالرطوبة والعفونة نتيجة العوامل الطبيعية ذات الدور الخطير في إتلاف تراث هذه المكتبة المخطوط, حيث عملت هذه العوامل على تهيئة الظروف الملائمة لوجود وانتشار الحشرات والأرضة ونمو الفطريات والبكتيريا وغيرها من أعداء المخطوطات، الأمر الذي كاد يعرّضها للتآكل الجزئي, وكان تأثير هذه العوامل واضحاً من خلال تآكل وخرم في بعض أجزائها وصفحات المخطوطات واهتراء أطرافها وذلك ما يعرضها للاندثار والضياع كلما مرت عليها السنين، حالها حال مخطوطات معظم المكتبات المقدسية، وكان لعوادي الزمن والعوامل المحيطة بالمخطوطات أدوارها التي من شأنها أنْ تساعد في القضاء على المخطوطات من خلال مركباتها العضوية، وحالات المخطوطات فيها متفاوتة ما بين جيدة ومتهرئة ومنحنية وبلا غلاف، إلا أنّ عدد المخطوطات الجيّدة فيها محدودة حسب أولويات الترميم، وهناك حاجة ماسة لترميمها وحفظها وتوفير مناخ ملائم يساعد هذا النوع من التراث على البقاء. كما وتحتوي مكتبة البديري على أعدادٍ هائلة من (الدشت) وهي مجموعة أوراق متفرقة ومبعثرة من المخطوطات حيث تبلغ نسبتها 50% من كمية المخطوطات، وبعد إدراك حجم الأضرار الناتجة عن سوء تخزين مخطوطات هذه المكتبة, يسعى مسؤولوها بمحاولاتهم الفردية إلى تحسين ظروف التخزين بمزيد من الاهتمام والعناية لتخليصها مما هي فيه من خلال النظافة الدورية وإمرار الهواء إلى غرفة المخطوطات.
فهرس مخطوطات المكتبة البديرية:
حتى سنة 1987م, لم يعدْ هناك فهرس للمكتبة البديرية إلى أنْ تقدّم الأستاذ خضر سلامة بوضع فهرس مخطوطات المكتبة البديرية –مكتبة الشيخ محمد بن حبيش– من قسمين, وهو يُعَدُّ المرجع الوحيد لمعرفة مخطوطات المكتبة, ويعتمد عليه الباحثون والدارسون ويقدم خدمة جليلة لطلبة العلم، حيث قام المفهرس بتفصيل موضوعات المخطوطات وتوزيعها حسب القرون الهجرية وتدور موضوعات المخطوطات حول علوم القرآن وتفسيره، الحديث ومصطلحات، أصول الدين، التصوف والآداب الشرعية، أصول الفقه، مدائح نبوية وصلوات محمدية، اللغة العربية، الأدب العربي، التاريخ، المنطق، الميقات، الحساب، الطب، وموضوعات متفرقة أخرى تقع في اثنسن وعشرين مخطوطاً، ويشير المفهرس سلامة إلى أنّ أكثر من خمسمائة مخطوط يتعلق بالموضوعات الدينية والعلوم اللسانية، وأنّ الموضوعات العلمية محدودة.
موجوداتها المطبوعة:
تحتوي المكتبة على عددٍ محدود من الكتب المطبوعة باللغتين العربية والتركية، والقسم الأكبر من هذه المطبوعات تعود إلى أواخر القرن التاسع وبداية القرن العشرين، وقد غلبت أعداد الكتب التركية على الكتب العربية، ويوحي ذلك إلى أنّ المكتبة توقّفت عن العطاء إبّان دخول الانتداب البريطاني على فلسطين وغياب الدولة العثمانية، ونضيف إلى هذه المجموعة القديمة من الكتب كتباً أخرى حديثة الطبع دخلت إليها عن طريق أبناء العائلة والإهداء، وتدور موضوعات هذه الكتب في التاريخ واللغة والسياسة، والكتب التركية تدور حول أنظمة الدولة العثمانية وقوانينها.
موجوداتها من الجرائد والدوريات:
يحتفظ في أرشيف المكتبة البديرية مجموعات مختلفة من الجرائد والمجلات وهي غير مفهرسة بعد، الجرائد المحفوظة متنوعة وتقع باللغتين العربية والتركية وهي الجرائد التي كانت تنشر في بعض المدن الفلسطينية، ومنها على سبيل الذكر لا للحصر جريدة فلسطين سنة 1921 التي كانت تصدر في يافا، وجريدة الحقيقة سنة 1923 وتطبع في بيروت، وجريدة البلاغ سنة 1914 ومصدرها بيروت، وجريدة اللفائف المصورة عدد من سنة 1916 كانت تصدر في القاهرة، وجريدة النصير التي كانت تصدر في بيروت والعدد الموجود في المكتبة مؤرخ 1913، وجريدة صباح تصدر باللغة التركية من الباب العالي (طبعه مخصوصة) والعدد الموجود سنة 1314هـ.
 وتحتوي المكتبة على أعدادٍ هائلة من الدوريات والمجلات التي لا حصْر لها في هذا الحيز المحدود، وهي عبارة عن مجموعات من المجلات العلمية والدوريات المحلية, عرفت وانتشرت في فلسطين مع دخول وانتشار المطابع فيها، وتقع هذه الدوريات وتلك باللغتين العربية والتركية.
إلا أنّ تاريخ المكتبة البديرية لم يتوقّفْ عند هذا الحدّ الثقافي، بل كشف حقائق تاريخية عن شخصيات وطنية انحدرت من هذه العائلة، ونخصّ هنا شخصية وطنية متميزة، إذ تحتفظ المكتبة بمجموعة مراسلات ورسائل مهمة تخصّ المرحوم محمد كامل البديري كشفت النقاب عن أعماله ونشاطاته السياسية وعلاقته مع المفتي الحاج أمين الحسيني.
إدارة المكتبة البديرية:
تقوم المكتبة على إدارةٍ متخصصة من أبناء عائلة البديري المقدسية، حيث تطوّعت السيدة شيماء البديري لتكون أمينة المكتبة ويلازمها في إدارة المكتبة كلّ من عادل وراغب البديري بصفتهم مديري وقف جدّهم المرحوم محمد بدير, حيث يقومون بخدمة وتطوير المكتبة وتنشيطها سعيا لنموها ولعدم ركودها حقبة أخرى من الزمن. 
ـــــــــــ
* مرمِّم كتب ومخطوطات  القدس.
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

المكتبة الخالدية في القدس... والمحنة الصهيونية العظيمة

التالي

مكتبة المسجد الأقصى المبارك (ماضيها وحاضرها)

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

عن أفئدة المغاربة التواقة للقدس

الخميس 28 أيار 2020 - 4:34 م

تعرفت خلال الأعوام القليلة الماضية إلى عددٍ كبير من الإخوة الأعزاء من المغرب العربي الكبير، ثلة من الأفاضل والدعاة والكتاب والعاملين، قلة قليلة منهم يسر الله لقاءهم مباشرة في غير ميدان ومدينة، أما الج… تتمة »

علي ابراهيم

رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة

السبت 16 أيار 2020 - 4:07 م

أفكارٌ على طريق التحرير 4رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة عن عَبْد الله بْن عمر رَضِي الله عنهُمَا، قَالَ: سَمعْتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم يَقُول: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ ال… تتمة »