موقف الدول العربيّة من صفقة القرن الأمريكيّة: الأفعال أصدق إنباءً!

تاريخ الإضافة الجمعة 7 شباط 2020 - 12:44 م    عدد الزيارات 916    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

في 2020/2/1 عقد اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، وخرج الاجتماع ببيان أكّد رفض المجتمعين "صفقة القرن الأمريكية-الإسرائيلية"، كونها "لا تلبّي الحد الأدنى من حقوق وطموحات الشعب الفلسطيني، وتخالف مرجعيات عملية السلام المستندة إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة"، وأكّد القرار "الدّعم الكامل لنضال الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية في مواجهة هذه الصفقة وأيّ صفقة تقوّض حقوق الشعب الفلسطيني".

 

هذا الموقف الذي لا يأتي بجديد، هو موقف صادر "بالجملة"؛ أما في المفرق، فيبدو أنّ ثمّة وقائع أخرى تُسجّل على الأرض وتقول خلافه. ففي المؤتمر الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 2020/1/28، للكشف عن بنود "صفقة القرن"، حضر سفراء ثلاث دول عربية هي الإمارات والبحرين وسلطنة عمان. وأبدى السفراء مواقف إيجابية حيال الطرح الأمريكي، فيما قال السفير الإماراتي لدى واشنطن، يوسف العتيبي، في بيان صدر بعد حضوره المؤتمر الصحفي في البيت الأبيض: "تشيد الإمارات العربية المتحدة بالجهود الأمريكية المتواصلة الرامية إلى التوصل لاتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين" وإنّ "الخطة التي تم إعلانها اليوم تعرض نقطة انطلاق مهمة للعودة إلى المفاوضات في الإطار الدولي بقيادة الولايات المتحدة". 

 

وأظهرت كلّ من مصر والسعودية موقفًا إيجابيًا حيال الطرح الأمريكي، فوفق الخارجية المصرية فإنّ القاهرة تنظر لأهمية المبادرة الأمريكية من حيث تسوية القضية الفلسطينية وفق الشرعية الدولية ومقرراتها، ولم يتضمّن بيان الخارجية إشارة إلى "دولة فلسطينية على الأراضي المحتلّة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقيّة"، وقدّر بيان الخارجية السعودية جهود ترامب، داعيًا إلى مفاوضات مباشرة ترعاها واشنطن، على أن تكون خطّة ترامب أساسًا لهذه المفاوضات. 

 

أمّا الأردن فحذر على لسان وزير الخارجية أيمن الصفدي من "التبعات الخطيرة لأي إجراءات أحادية إسرائيلية تستهدف فرض حقائق جديدة على الأرض"، وأكد التمسك بحل الدولتين على أساس حدود عام 1967، وفيما لم يرفض صراحة خطة ترامب فقد قال إنّ الأردن "يدعم كل جهد حقيقي يستهدف تحقيق السلام العادل والشامل الذي تقبله الشعوب، ويؤكد ضرورة إطلاق مفاوضات جادة ومباشرة تعالج جميع قضايا الوضع النهائي، في إطار حل شامل هو ضرورة لاستقرار المنطقة وأمنها، وفق المرجعيّات المعتمدة ومبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية". 

 

ولا تفوت هنا الإشارة إلى أنّ سبع دول عربية حضرت ورشة المنامة الاقتصادية، التي عقدت في حزيران/يوينو 2019، للإعلان عن الجانب الاقتصادي من صفقة القرن، وهذه الدول هي كلّ من الأردن، والإمارات، والسعودية، وقطر، ومصر، والمغرب، إضافة إلى البحرين التي استضافت الورشة. وهذه المشاركة العربية تعدّ من العوامل التي ساعدت ترامب على المضيّ في الإعلان عن صفقة القرن، وهي تشكّل أرضية عربية تستند إليها إدارة ترامب في سياق خطّتها لتصفية القضية الفلسطينية.  

 

لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فالأيام القليلة التي تلت الإعلان عن صفقة القرن كشفت عن تطوّرات فجّة على مستوى التّطبيع العربي الإسرائيلي، إذ أعلن أعلن مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في 2020/2/3، أنّه التقى برئيس المجلس السيادي في السودان عبد الفتاح البرهان في العاصمة الأوغندية عنتيبي، وأنّهما اتفقا على بدء الحوار بهدف "تطبيع العلاقات" بين البلدين. ولم يلبث البرهان أن أكّد اللقاء وبرّره بالقول إنّه جاء "من موقع مسؤوليتي بأهمية العمل الدؤوب لحفظ وصيانة الأمن الوطني السوداني وتحقيق المصالح العليا للشعب السوداني"! وهذا الموقف حصل على غطاء من رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، الذي رحّب ببيان البرهان حول لقائه بنتنياهو. ويُشار هنا إلى أنّ إشارة البرهان إلى "موقف السودان المبدئي من القضية الفلسطيني" قد لا تخرج عن إطار التصريحات المبتذلة التي تتمّ تحتها خيانة القضية الفلسطينية والتخلي عن حقوق الشعب الفلسطيني. 

 

وفي سياق غير بعيد من التطبيع الذي يقوده البرهان في السودان، كشفت القناة 13 العبرية في 2020/2/3، نقلاً عن ثلاثة مصادر أمريكية وإسرائيلية، عن مساعٍ يقودها نتنياهو لعقد صفقة ثلاثية تضمّ كلاً من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال والمغرب تحصل الأخيرة بموجبها على الاعتراف الأمريكي بسيادة الرّباط على الصحراء المغربية مقابل تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية. ورفض وزير الخارجية المغربي، في 2020/2/5، التعليق على التقارير الإسرائيلية حول المحادثات فيما شدّد على أنّ بلاده تدعم القضية الفلسطينية وترفض صفقة القرن. وكان المغرب استلم قبل أيام طائرات استطلاع إسرائيليّة بموجب صفقة عسكريّة مع دولة الاحتلال. 

 

هذا مجمل الموقف العربي من خطّة ترامب، ومن القضيّة الفلسطينية، وباستثناء بعض المواقف التي رفضت الخطّة صراحة، مثل لبنان، يمكن القول إنّ الأفعال على الأرض تقول الكثير عن حقيقة الموقف العربي الذي لا تكشفه بوضوح بيانات الجامعة العربية، وهي بيانات صارت أقرب إلى صيغ متشابهة تتكرّر في كلّ اجتماع من دون أن يكون ثمّة ما يصدقها على الأرض من تحرّكات وخطوات فعليّة في وقت تتعامل بعض الدول العربية بالكثير من الإيجابية مع الموقف الأمريكي على الرغم من وضوح انحيازه إلى جانب الاحتلال، واتّجاهه إلى تصفية القضية الفلسطينية، بالتوازي مع الانفتاح على دولة الاحتلال والاتّجاه إلى الدخول معها في محور واحد وتحالفات، ورعاية بعض الأنظمة المنخرطة في التطبيع لدخول مزيد من الأنظمة في المحور المهادن للاحتلال.  




 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

نفش العهن في الحديث عن صفقة القرن

التالي

هل يكفي "خطاب السلام" لاسترجاع الحقّ الفلسطيني؟

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة

السبت 16 أيار 2020 - 4:07 م

أفكارٌ على طريق التحرير 4رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة عن عَبْد الله بْن عمر رَضِي الله عنهُمَا، قَالَ: سَمعْتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم يَقُول: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ ال… تتمة »

وليد الهودلي

أبو طير الصقر الأشمّ في سماء القدس

السبت 9 أيار 2020 - 8:35 م

 الشيخ محمد أبو طير يتجاوز خط الثلاثين سنة في السجون، يُعتقل من جديد ولا أدري كم عدد اعتقالاته من كثرتها، الذي أدركه تماما والذي رأيته بأم عيني أنه كالطود الشامخ لا تلين له قناة، يحلّق دائما في أعالي … تتمة »