القُدْس رؤية ورؤيا

تاريخ الإضافة الجمعة 5 أيار 2017 - 3:04 م    عدد الزيارات 6310    التعليقات 0     القسم مقالات

        


أ.د حسين جمعة

عضو مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية (سورية)

 

لم يستطع العدو الصهيوني قَتْل إرادة المقاومة في الشعب الفلسطيني؛ لما يملكه من إرث حضاري يحث على الصبر والدفاع عن الكينونة، والإرث الخالد، والأرض التي تشكل روح الانتماء، والهوية... وقَدْ جَسَّد الشعر المقاوم في القُدس هذه المواقف، والرؤى النضالية التي عبر عنها الجواهري في قوله[1]:

أأمَّ القُدْسِ والتاريخ دامٍ
 

ويَوْمُك مِثْلَ أمْسِكِ بالكفاح
 

ومَهْدك، وهو مهبط كل وحي
 

كنعشك وهو مُشْتجرُ الرماح
 

ووادي التيه إن لم يأوِ موسى
 

فقد آوى الصليب على الصلاح
 

وذكرى بَخْتَنُصَّر في الفيافي
 

يجددها ألِنْبي في الضواحي
 

فلا تتخبطي فاللَّيْلُ داجٍ
 

وإنْ لم يَبْقَ بدٌّ من صَبَاح
 

شددت عُرى نطاقك فاستمري
 

ولا يَثْقُل عليك فتستباحي
 

فالقُدس صورة للمقاومة الحرة التي تأبى الضيم والذل، وترفض أن تستباح أرضها وكرامتها، وأن تغدو سليبة بيد الغزاة الصهاينة. فهي المدينة التي تتصف بما لم نجده في غيرها كما يعرضه الشاعر، وتاريخها يشهد بذلك، وهي تملك الرؤية والرؤيا لمواجهة التوحش الصهيوني وفق ما عهدته من قبل... فكانت الملجأ والحصن الذي يلجأ إليه كل منكوب ومستغيث؛ ما يشي بأنها المعادل الموضوعي للصراع العربي-الصهيوني.

ومن ثم فهي الوجه الأبرز للمقاومة والدفاع المشروع عن الوجود الحر[2]، والمعبر الأرقى عن الذات الوطنية الخلاقة، وأصالتها الحضارية الممتدة في جذور التاريخ؛ فالقدس في الشعر العربي المقاوم تجسد حالة النقاء النوعي، والوعي الاجتماعي الراقي للمقاومة؛ سواء كانت بالقوة المادية، أم بالكلمة المبدعة...

ومَنْ يقرأِ التاريخ، يدركْ أنه ما من شعب حافظ على وجوده، وأمنه واستقراره بالعَبَرات والبكاء، والتبعية والرضا بالذل والهوان، واستصراخ ضمائر الغزاة والمستعمرين؛ فالشَّر لا يدفع بالسلام والاستسلام، وإنما يُدْفع بالقوة؛ ما يعني بأن المقاومة بكل أشكالها إنما هي تحرير الذات من القهر والعبودية والذل في السلم والحرب، وهو ما عبَّر عنه الشاعر الفلسطيني عبد اللطيف عقل[3]:

في زمن الجوعْ

لا يورق في القدس الزَّيْتونُ

ولا تنمو حباتُ القمحْ

تَسَّاقط أوراق التينِ

وليس يكفّ عن النزف الجُرْحْ

فهذه القصيدة تعبر عن صورة الانتماء اللاهب بالشّجن، ووعي وجع الذات في مواجهة العبودية، والخيانة والعمالة، والضغينة والغَدر. وهو ما تناوله الشاعر الكبير نزار قباني في إحدى قصائده التي وجهها إلى أولئك الذين يعيشون في غيابه الضلال والجاهلية؛ إلى أولئك الذين يقضون الليالي الحمراء في ملاهي الفُجر والرذيلة، ويبذرون الأموال الباهظة من أجلها، على حين ما زالت القدس تعاني مرارة الخيبة من حكام يشترون اللذات بالمال، ما زالت القدس تغوص بدمها المسفوح على حراب الصهاينة الأوغاد، ومما جاء في المقطع الأخير من قصيدته (الحب والبترول) على لسان امرأة تخاطب حاكماً عربياً[4]:

تَمَرَّغ يا أمير النفط... فوق وحول لذاتكْ

كممسحة... تمرّغ في ضلالاتكْ...

كهوف الليل في باريس... قَدْ قتلت مروءاتكْ

فبعت القُدْس؛ بعْتَ الله.... بِعْتَ رمادَ أمواتكْ

كأَنَّ حرابَ إسرائيل لم تُجْهِض شقيقاتكْ

ولم تَهْدم منازلنا.... ولم تُحرِق مصاحفنا

ولا راياتها ارتفعت على أشلاء راياتكْ

****

تغوص القدس في دمها

وأنت صريع شَهْواتكْ

تنام... كأنما المأساة ليست بعض مأساتك

متى تفهم؟

متى يستيقظ الإنسانُ في ذاتكْ

هكذا تصبح القدس في الشعر المقاوم ناراً تحرق النذالة والخسة والفجور، إنها ولادة الزمن الحر والسوي في القضاء على تكالب الأشرار على الأرزاق والبلاد والعباد، تحت عناوين زائفة وضالة، وفق ما عبر عنه الشاعر ياسر علي في قصيدته (يا قُدْس عودي) ومنها[5]:

مالي أطيل الصَّمْتَ حين أرى سماءك بالغيوم تَلبَّدَتْ

فأراه دمعاً في الشروق وفي الغروب دماً على شَفقِ يودّع آخر الأيام

في أَسْرٍ يُقيم ولا يروح...

يا قُدْس عودي

إن دَهْراً قد مضى، وتَفَتَّتت لفراقنا أحلامنا

بتفاعل البارود والنيران بالأشلاء والدم والتشتت واللجوء... وما انتهى؟!!

وتحكّم السّجَّان والمُحْتَلّ بالأطلال والجيل الطموح

فالقدس ليست فقط مكاناً فريداً ومتميزاً في طبيعته وتاريخه، وليست فقط تراثاً خالداً تمتع بخصوبة الوعي القادر على حل المشكلات المعقدة، وليست انتماءً يسهم في انتشال النفس من ربقة الانحراف والهروب إلى المجهول فحسب، وإنما هي تحرير للذات الوطنية من كل أنماط البؤس والشقاء، ويؤكده الشاعر ياسر علي في ختام قصيدته إذ يقول:

يا قُدْس عودي

عاد كُلُّ الناسِ إلاَّنا؛ وعَادَ لَكِ السُّنونو الأربعون

ولا نزالُ نُفَتّش الدنيا ونَبْحث عن وَسيلةِ عودةٍ

بالسَّيْفِ والبارودِ،

بالأَحْجارِ

بالجنسيّة الأُخرى

وبالتصريح كي نشفي القروحْ

وتحوَّلَت بوجُوهنا أسوارُ فَصْلٍ عُنْصري

يبتغي أن يحجبَ الأَحْلامَ عن شمسِ الحقيقة

كي تغيبَ القُدْسُ عن فَجْرٍ يلوحْ

لكنَّ فَجْرَكِ قادمٌ يا دُرَّة الأكوان

حينما تصبح القدس رمزاً وجودياً للتمسك بالعودة وقيم المقاومة الأصلية، تغدو رمزاً بهياً في المحافظة على الذات الجمعية (الهوية) التي تعبر عنها على الدوام، وتُسْهم في انتشال أبنائها من الضياع والتشتت، وتحرضهم على تحريرها من رجس الاستيطان الصهيوني... إنها رمز البقاء الحر.

 

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

الأسرى..صلابة أشد من القيد

التالي

ثوب صهيوني مزيّن بقبة الصخرة ... لماذا !

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

الإعلام والعمل| الانتقال من الترف إلى الواجب

الجمعة 3 تموز 2020 - 4:11 ص

أفكارٌ على طريق التحرير-6- الإعلام والعملالانتقال من الترف إلى الواجبومع مراكمة ما سبق من أفعالٍ وأفكار، وبث المفاهيم الريادية والقياديّة، وصناعة الرواحل الأشداء، لاستنهاض الأمة، وتكوين الفرسان القادر… تتمة »

علي ابراهيم

فرسان الميدان حشدٌ وتعبئة واستنهاض

الخميس 11 حزيران 2020 - 12:22 م

أفكارٌ على طريق التحرير -5- فرسان الميدانحشدٌ وتعبئة واستنهاض رواد التحرير ورواحل العمل هم فرسان ميادين العمل للقدس، على اختلافها وتنوعها، إذ تقع على كواهلهم مهام جسام، لتعبيد الطريق أمام السالكين للم… تتمة »