من خاصرة القدس ولدت مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية لتضميد بعضٍ من جراحاتها

تاريخ الإضافة الأحد 25 أيار 2008 - 9:35 م    عدد الزيارات 3177    التعليقات 0     القسم

        



القدس هذه المدينة المنتصبة بكلّ معاني ومعالم الأنفة والشموخ تستقطر الدموع من جراحات أبنائها... هذي المدينة التي ظلّت عصية على الاقتلاع والتذويب والطمس تبدو اليوم كئيبة حزينة، يتحوّل صراخها إلى هذيان ومساجدها وبيوتها إلى أكوام من حجارة وأزقة وحارات يجول فيها الغرباء أيمّا تجوال، يصولون ويعربدون ويفتكون وينشرون كل خبيث فيها، كل ما يفتك بصلابة قاطنيها، يدمّرون معتقداته وقيمة وأخلاقياته، ينهشون كما الديدان أجسام شبابها وفتيتها بما يروجونه من سموم وآفات ووسائل قد تضاهي أشد وأقسى أشكال الأسلحة الفتاكة الحديثة كمحاولة خطيرة لتفريغ هذه المدينة من نسيجها المكاني والتاريخي والاجتماعي الديمغرافي.

 

غير أنها القدس، هذه الأم، والأخت والحبيبة، هذه الطاهرة، وحاضنة الرسالات، والأنبياء، ومهد الديانات وموحدة الضمائر، والتي فيها ولدت أولى الحقائق وبها تقوم بشائر الخلود والبقاء الأزلي، "ولاّدة"... وبعد مخاض عسير ومعايشة لآلام وكبائر تدور رحاها بين ضلوعها صرخ مولودها اليافع الواعد "المسجد الأقصى المبارك ترضعه من أثدائها الجافة العطشى، ومن شذرات الحنان الدافي المنبعث من صيحات الله أكبر وترانيم المسرة وتراتيل المحبة والسلام من باحات وأجراس كنيسة القيامة.

 

مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية بادر إلى احتضانها ثلة من رجالات الوطن ومؤسساته عامة، ومن أم الفحم خاصة، فكانت لها هيئة تأسيسية ومجلساً إدارياً وأمانة عامة، التقى فيها أصحاب السماحة والنيافة الشيخ والعابد ورجل الأعمال والكاتب والصحفي والباحث والسياسي والمستقل، ثلة من رجالات ومن نسوة وسيدات فلسطينيات ومقدسيات عربيات هن شقائق الرجال، كلٌّ من موقعه الوزير والوزيرة والنائب جنباً إلى جنب.

 

صرخت القدس، فهب هؤلاء جميعاً، كما المنتفضين لحمايتها من كلّ ردينة ورذيلة، لا يطلبون عطايا، ولا مراتب، ولا أوسمه أو وجهات.. وكان إنجازاً.. يكبر المولود يوماً بعد يوم. صار اسمه عنواناً, وصار عنوانه ملتقى وملاذاً لكل من وهنت إرادته وعزيمته يوماً, أو خارت قواه أمام نشوه أو نزوة عابرة تسللت إليه في غياب أسرة رشيدة واعية أو قدوة صالحة.. يتردد هؤلاء الفتية من كافة الأعمار والمنابت والطوائف والثقافات... ولا يغادروها إلا وقد امتلكوا من ناصية الإرادة والعزيمة والتوبة ما يؤهلهم لأن يصبحوا قادة اجتماعيين ورجالاً وشباباً صالحين..

 

 سنوات مضت، يتسع المكان... ويتسع فضاء المساحات التي تتزاحم في المبنى، وشيئاً فيشئاً تكبر أسرة مؤسسة الأقصى، ولما سأل أحدهم عن المستقبل، كان الجواب، من الناقورة شمالاً حتى النقب جنوباً ومن البحر غرباً حتى النهر شرقاً، وقاطعه ثانيةً: لا، حلمي من أقصى المحيط إلى أقصى الخليج، وقاطعه مرةً أخرى وأخرى حتى استقر إلى أنْ يبلغ برسالته كافة نواحي المعمورة.. محبة القدس ليس لها وطن ولا حدود وليس لها مكان ولا زمان ولا تفرق بين معتقدٍ وسواه.

 

ولهذا تهافتت المؤسسات المحلية والإنسانية والعربية والإسلامية لنصرة هذا السائر على طريق من نذروا أنفسهم قرابين لإنقاذ البشرية من واحده من أهم شرورها، "الاحتلال"، هذه المعركة القادمة الأخطر، طوفان يلتهم الأجيال ويلغي ذاكرتها وإبداعاتها ويفقدها القدرة على المشاركة في الوثبة الحضارية التي نعيش.

 

ولأنّ الأطفال هم رجال الغد، ومشاريع نخب الوطن القادمين، فقد اعتنت مؤسسة الأقصى بهم وخصّصت لهم البرامج والمشاريع.

 

"شيخ الأقصى رائد صلاح" تنظر إليه لتجده لا يزال مسكوناً بهموم القدس كلها وحتى في ساعات فرحه تلحظ في عينيه لمعاناً كانعكاس بقايا دموع ساخنة, ورغم طابع التفاؤل الذي يغلب عليه، إلا أنّه كثيراً ما ينقلب إلى إنسان آخر تراه عابس الوجه مقطّب الجبين زائغ  النظرات.. ولما سأله أحدهم مباغتاً عن هذا التبدّل في الرؤى والمزاج، أجابه: كيف لي أنْ أعبر لحظات فرح كامل دون أنْ ينغّصني أبناء شعبي وأنا أراهم من حولي هائمين على وجوههم وكأنهم في يوم الحشر... وتنقصني الحيلة والإمكانات لأمدّ يد العون لهم من خلال الأقصى ليستعيدوا قوامهم ويحثّوا الخطى ليدفعوا بإقدامهم إلى الحركة.. وأخاف أنْ يصلوا إلى مرحلةٍ تخذلهم فيها أقدامهم وتعصي أوامرهم لتبقى ملتصقة بهذا الواقع المرير لا تقوى على محاربته. وهم يعايشون مرحلةً من الإهمال والنسيان مما قد ينتهي الحال بموت زاحف نحو هذه المدينة الحبيبة وبتبعات المخاطر المحاقة التي يندد بها الاحتلال نحو المدينة وساكنيها. كيف لي أنْ أظلّ أمارس سعادتي كل الوقت وأنا أرى أخوةً لي في بيت حانون وخانيونس وجباليا والضفة الغربيّة يتحوّلون إلى أجساد خاوية بعد أنْ مورس عليهم هذا العدوان والحصار الجائر، وبرغم كلّ هذه الانتهاكات ومحاولة فصل أرواحهم عن أجسادهم إلا أنهم لا زالوا يتعلقون في سماء قطاعهم الحبيب ومدنهم التي انقلب حالها في ليالٍ ثلاث إلى جحيمٍ من النيران التهم أكثر من ثلاثين جسداً وشوّهت القذائف ملامح المئات من وجوه أشخاصهم وابتلع الرعب سكونهم، ليفرغ شبح الموت المدن والمخيمات والحارات من محتواها.

 

ولما عاوده السؤال عن واقع المدينة "القدس"، عاود شروده مجدّداً، غير أنّه تابع وكأنّه لم يسمعْ سؤاله: لم يكنْ سهلاً على أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة والأمتين العربية والإسلامية هجْر مدينة القدس عاصمة فلسطين أو الابتعاد عنها، فقد امتزج تاريخهم بتاريخها وارتبط ميلاد أجدادهم بميلادها، وامتدّتْ جذورهم إلى أعماق أديمها، وقباب مآذنها وكنائسها، وتكوّنت ملامحهم في رحمها ونضج نموّهم في أحضانها. ونشؤوا وترعرعوا وفرحوا ومرحوا في أحيائها إلا أنهم يتجرّعون مرارة الافتراق عنها مجبرين مغلوبين على أمرهم، فأما البقاء والموت وإمّا إخلاؤها، وآثروا  إنقاذ أنفسهم وأطفالهم من الهلاك الذي ظلّ يلاحقهم على الحواجز والجسور والموانئ والمطارات، فهل يعودون إلى حبيبتهم القدس لإحيائها وتعميرها من جديد؟!.

 

أما آن الأوان لأنْ يقفوا ويفكّروا بهذا السقوط القادم الذي تتعرّض له المدينة وقاطنيها ويتهدّدهم.. ويقاطعه جليسه بعد أنْ ظنّه قد أفرغ ما يعتري في خاطره وفؤاده: الله يسمع منك يا أخي, ويكون النصر, إلى جانب قدسنا وأمتنا.

 

ولكنه ليس بالأمر الهين, وشعبنا يلقي به الاحتلال كالفضلات خارج مداخلها ومعابرها، والعالم يتفرّج علينا ولا يحرّك ساكناً, ولا يعنيه سوى إرضائهم برغم إذلالنا... وظلّ يواصل حديثه والدمع يبلل لحيته التي تسلّل إليها البياض، وتختلط شهقاته المتحسّرة وتساؤلاته المتوسلة: من يدري؟ قد يداهمنا الاحتلال على حين غرّة كما داهمنا مرات ومرات ونكّل بنا واقتادنا إلى المسكوبيّة وهدّدنا, ولو نفّذ هذا القرار يوماً فكما هو الحال في تنفيذ قرار بإعدامي.. لا أريد شيئاً من هذه الدنيا سوى مواصلة حمل الرسالة التي قمت من أجلها وأنْ أُدفَن بالقدس مدينتي وعاصمتي وبلدي وفي جوف ترابها الحاني. "وللحديث بقيّة".

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

في يوم القدس

التالي

للبيع في العاصمة: حي فخم بسعر بخس..

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة

السبت 16 أيار 2020 - 4:07 م

أفكارٌ على طريق التحرير 4رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة عن عَبْد الله بْن عمر رَضِي الله عنهُمَا، قَالَ: سَمعْتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم يَقُول: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ ال… تتمة »

وليد الهودلي

أبو طير الصقر الأشمّ في سماء القدس

السبت 9 أيار 2020 - 8:35 م

 الشيخ محمد أبو طير يتجاوز خط الثلاثين سنة في السجون، يُعتقل من جديد ولا أدري كم عدد اعتقالاته من كثرتها، الذي أدركه تماما والذي رأيته بأم عيني أنه كالطود الشامخ لا تلين له قناة، يحلّق دائما في أعالي … تتمة »