المشهد المقدسي حزيران/ يونيو 2016


تاريخ الإضافة الخميس 2 حزيران 2016 - 2:55 م    عدد الزيارات 8065    التحميلات 1000    القسم المشهد المقدسي

        


 


إعداد
قسم الأبحاث والمعلومات
مؤسسة القدس الدولية
2/6/2016


المقدّمة:
على الرغم من الصّورة القاتمة التي يرسمها الاحتلال في القدس عبر مشروعه التهويدي المستمر منذ احتلال عام 1948 إلا أنّ انتفاضة القدس التي لا تزال مستمرة للشهر الثامن على التوالي خرقت المشهد المقدسي الذي يحاول الاحتلال أن يأخذه إلى ميناء استسلام لسياساته التهويدية الساعية إلى انتزاع القدس، على المستويين الدّيني والدّيموغرافي، من تاريخها العربي والإسلامي ليجعلها يهودية صرفة وليوجد نقطة تقاطع بين الادّعاءات بأنّ "القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل" من جهة وبين مجموعة من الحقائق يحاول أن يفرضها على الأرض من جهة أخرى لتوافق تلك الادّعاءات.


وكان من أهمّ ثمرات الانتفاضة إيصال رسالة للاحتلال بأنّ معادلة الأمن تحت الاحتلال لا يمكن أن تستقيم، كما أنّها أكّدت مركزية الأقصى في الوعي الفلسطيني حيث شكّل المسجد وما يتعرض له من تهويد مستعر الحافز الأول للمشاركين في الانتفاضة. وعلاوة على ذلك، فإنّ الانتفاضة التي انطلقت من القدس تجاوزت حدودها لينخرط فيها الفلسطينيون من أراضي الضفة المحتلة، ومن غزة، ومن الأراضي المحتلة عام 1948، أي من "العمق الإسرائيلي"، ليؤكّدوا بذلك أنّ مطلب إنهاء الاحتلال هو مطلب كل فلسطيني لا يزال يرى أنّ الحدود والقيود لا تُزال ولا تُكسر إلا بعزيمة وثبات ومقاومة.


ولكنّ الانتفاضة، بما يفترض أن تشكّله من عنصر قوّة وحصانة للموقف الفلسطيني بشكل عام، أظهرت ضعف السلطة الفلسطينية الغارقة في التنسيق الأمني مع الاحتلال فيما الدول العربية والإسلامية، التي وجدت في الثورات العربية شمّاعة تعلّق عليها كل انشغالها عن القضية الفلسطينية، لم تغضّ طرفها عن دعم انتفاضة القدس وحسب، بل إنّ بعضها تبرّع لإنهاء الحراك ولإنقاذ الاحتلال وإخراجه من هذه الورطة.
على المستوى الإسرائيلي، وفيما تستمر أعمال التهويد ومحاولات إخماد الانتفاضة رسم اتّفاق رئيس الحكومة الإسرائيلي مع زعيم "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان على تسليم الأخير حقيبة الدفاع ملامح هجمة جديدة على الأقصى. فالاتفاق الذي دفع وزير الدفاع الحالي موشيه يعلون (وهو من "الليكود") إلى الاستقالة من الحكومة ومن "الكنيست" على حد سواء سيُحلّ مكانه الحاخام المتطرف يهودا غليك الذي قال إنّ الله يعتقد أن ثمة أمورًا ينبغي أن يقوم بها في "الكنيست"، مع إعلانه التزام الحظر على منع دخول السياسيين الإسرائيليين إلى المسجد الأقصى.
وعلى المستوى الدولي، تجهد فرنسا للدفع بمبادرتها القائمة بشكل أساسي على إعادة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إلى طاولة المفاوضات. وفيما وافقت السلطة على المبادرة فإن نتنياهو أعلن رفضه لها عارضًا لقاء عبّاس في باريس.

 

أولاً: مشروع التّهويد في القدس
تعمل "إسرائيل" منذ احتلال فلسطين في ما عنى القدس ضمن خطّين: الأول هو تصدير الفكرة القائمة على مقولة إن "القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي" لفرضها على المستوى الدّولي، فيما الآخر يرتكز إلى ترسيخ هذه الفكرة داخليًا عبر السياسة والتشريع وغير ذلك من الطرق التي تخدم ادعاءات الاحتلال. ويحرص الاحتلال على تكريس ذلك بشكل خاص من خلال احتفاله باستكمال احتلال القدس، أي بما يسميه ذكرى توحيد القدس الذي كرسه عيدًا وطنيًا عبر قانون أقرّه "الكنيست" عام 1998. وبينما تتقلب احتفالات الاحتلال من عام إلى عام بهذا "العيد الوطني" الذي يتصل بقتل الفلسطينيين وتهجيرهم وهدم قراهم ومنازلهم، يستمرّ مسلسل التّهويد ليطال البشر والحجر والمقدّس، سعيًا لمصادرة الهوية والتاريخ والجغرافيا والثقافة.
تمكنت "إسرائيل" عام 1948 من السيطرة على الشطر الغربي من القدس بعدما دمّرت قرى بكاملها وهجرت أهلها أو قتلتهم، لا سيّما قرى دير ياسين وعين كارم والقسطل والمالحة، لتقيم على أراضيها التي سلبتها مستوطنات لاستيعاب اليهود الذين استجلبتهم إلى فلسطين من شتى أنحاء العالم. ثم أنشأت "إسرائيل" في غرب القدس أهم المؤسسات الرسمية وتشمل "الكنيست"، ومقرّي رئيسي الدّولة والحكومة، والمحكمة العليا. في عام 1967، احتلت "إسرائيل" القسم الشرقي من القدس واعتبرته جزءًا لا يتجزّأ منها. وعلى الرغم من الرفض الدولي للاعتراف بهذا الضمّ، إلا أنّ البرلمان الإسرائيلي أقرّ في 31/7/1980 "قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل"، الذي جعل إعلان القدس، بالحدود التي رسمتها الحكومة الإسرائيلية عام 1967، مبدأً دستوريًا في القانون الإسرائيلي. ومذّاك، تعمل دولة الاحتلال على تهويد الجزء الشرقي من القدس عبر تعزيز الوجود اليهودي فيه على حساب الوجود العربي-الفلسطيني، كما تمتدّ محاولات التهويد إلى المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحيّة كافّة.

1. تطوّرات مشروع التّهويد:
يحاول الاحتلال تقليص الوجود الفلسطيني في شرق القدس إلى أقصى درجة ممكنة بالتوازي مع رفع عدد اليهود في المستوطنات وفي الأحياء ذات الأكثرية العربية لتشعيب وجود المستوطنين وشرذمة الوجود المقدسي، كما شهدنا مؤخرًا وبوتيرة مرتفعة في حي سلوان وفي البلدة القديمة، بالتعاون مع جمعيتي "العاد" و"عطيرت كوهنيم" الاستيطانيتين. ويشكّل المقدسيون وفق دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية 37% من مجموع السكان في القدس بشطريها، ويحاول الاحتلال أن يقلص نسبتهم إلى 30% بعدما تبين له تعذّر الوصول إلى نسبة 20% وفق مخطط القدس 2020. ويعتمد الاحتلال في معركة التهويد الديموغرافي وسائل متعدّدة تصبّ في نهاية الأمر باتجاه تحقيق سطوة يهودية على الميزان الدّيموغرافي. ويمكن تلخيص أهمّ وسائل التهويد وأبرز تطوّراتها ضمن النّقاط الآتية:

أ‌. الاستيطان: كشفت منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية المناهضة للاستيطان (تقرير 14/2/2016) عن تكثيف عمليات البناء في 2534 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية والقدس المحتلتين خلال عام 2015. ولاحقًا، قالت المنظمة في بيان أصدرته في 12/4/2016 إنّ البناء الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة تضاعف بنسبة 250% في الربع الأول من عام 2016 مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2015. وبيّنت المنظمة أنّه ما بين كانون ثان/يناير وآذار/مارس 2016، قدّمت الحكومة الإسرائيلية خططًا لبناء 674 وحدة استيطانية مقارنة بـ194 وحدة في الثلث الأول من عام 2015. وكان التقرير السنوي للمنظمة (شباط/فبراير 2016) بيّن أنه على الرغم من ادعاءات تجميد الاستيطان إلا أن عام 2015 شهد البدء في بناء 1143 وحدة استيطانية جديدة، 560 منها في الضفة الغربية و583 في شرق القدس.
ولا يتوقف الأمر عند بناء وحدات في داخل المستوطنات، بل إنّ سلطات الاحتلال تسهّل تغلغل المستوطنين في الأحياء ذات الأغلبية العربية، وتصادر منازل المقدسيّين وأراضيهم لهذه الغاية. وقد كشفت هآرتس (9/5/2016) عن بدء تشييد مبنى كبير على أرض في حي الشيخ جراح صادرتها سلطات الاحتلال من عائلة أبو طاعة وسلمتها لشركة "أمانا" التي تعنى بإنشاء وتوسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية في الأراضي المحتلة. وفي 9/5/2016، استولى مستوطنون على عقار من 3 طبقات في حارة السعدية في البلدة القديمة بدعوى ملكيته، كما أن عامي 2014 و2015 شهدا استيلاء جمعيتي "العاد" و"عطيرت كوهنيم" الاستيطانيتين على عدد من الشقق في سلوان.

ب‌. حرمان المقدسيين من رخص البناء وهدم المنازل بذريعة غياب الترخيص: يعتبر حصول المقدسي على رخصة بناء من المهمّات المعقدة التي أحيطت بشروط تجعل الحصول عليها أمرًا صعبًا، أو قل مستحيلاً. فملكية الأراضي في القدس ليست منظمة (أوقاف إسلامية أو مسيحية أو أملاك خاصة غير منظّمة) وتثير تنازعًا في الملكية ما ينعكس سلبًا على فرص البناء حيث يشترط للحصول على رخصة بناء التسجيل في الطابو عبر إثبات الملكية، وهو أمر صعب، وفق خبراء مقدسيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ غياب المخططات للأحياء الفلسطينية يجعل الحصول على الرخصة أمرًا غير ممكن، كما أنّ كلفة استصدار رخصة تتجاوز 60 ألف دولار فيما الإمكانات المادية للمقدسيين لا تسمح بالبناء. ويبلغ عدد المنازل غير المرخصة وفق معايير الاحتلال حوالي 20 ألف منزل بينما تهدم سلطات الاحتلال سنويًا ما معدله 100 بيت بداعي عدم الترخيص. ويطال الهدم كذلك التجمعات البدوية في شرق القدس، ومنها مؤخرًا هدم 7 منازل في جبل البابا بالعيزرية في 16/5/2016 حيث أدت عملية الهدم إلى تشريد 9 عائلات تضم 49 فردًا من بينهم 22 طفلاً، مع العلم أن الاحتلال يسعى إلى توسعة مستوطنة "معاليه أدوميم" عبر مصادرة منطقة جبل البابا، مع ما يترتب على ذلك من النقل القسري للسكان. ووفق أرقام مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (أوتشا)، فقد هدمت "إسرائيل" 79 منشأة في القدس عام 2015 ما أدى إلى تشريد 114 شخصًا.

ت‌. سحب الهويات المقدسية (بطاقات الإقامة الدائمة): عمدت سلطات الاحتلال منذ عام 1967 إلى سحب بطاقات الإقامة من المقدسيين بذريعة انتقالهم إلى العيش خارج القدس (سواء في باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة أو في الخارج)، على اعتبار أنّ القدس لم تعد مركز الحياة بالنسبة إليهم. وفي عام 2006، ابتكرت وزارة الأمن/الداخلية الإسرائيلية سببًا جديدًا لسحب الإقامة وهو "عدم الولاء لإسرائيل"، فاستندت إليه لسحب الإقامة من نواب القدس في المجلس التشريعي الفلسطيني (أحمد عطون، ومحمد طوطح، ومحمد أبو طير) ووزيرها السابق (خالد أبو عرفة)، ولا تزال القضية معلقة بانتظار قرار المحكمة العليا. وفي 14/10/2015، صادق المجلس الوزاري المصغر على جملة من الإجراءات لمواجهة الانتفاضة وكان من بينها "سحب بطاقات الإقامة من الإرهابيين"، وبعد ذلك بأسبوع أبلغت وزارة الداخلية أربعة مقدسيين (وليد أطرش ومحمد أبو كف وعبد دويات وبلال أبو غانم) بأنّ وزير الداخلية قد يستعمل السلطة الممنوحة له ويلغي إقاماتهم على خلفية خرق الولاء، وهو ما حدث فعلاً في كانون ثانٍ/يناير 2016. وقد سحبت "إسرائيل" منذ عام 1967 ما يزيد على 14 ألف بطاقة إقامة، وهي مستمرة في سياستها هذه من دون رادع.

ث‌. سياسات الاحتلال والضرائب والفقر: يعيش حوالي 80% من المقدسيين تحت خط الفقر فيما تصل النسبة إلى 85% بين الأطفال. وترتبط أرقام الفقر في القدس بشكل خاص بعدد من العوامل من أبرزها الجدار الفاصل الذي عزل القدس عن امتدادها في الضفة الغربية، ونظام البوابات والحواجز والتصاريح حتى بات الدخول إلى القدس أمرًا صعبًا بالنسبة إلى التجار والسياح، ما انعكس سلبًا على الاقتصاد المقدسي بقطاعاته المختلفة. وفي البلدة القديمة، فإن سياسة التضييق على التّجار والضرائب المرتفعة التي تفرضها سلطات الاحتلال، لا سيما الأرنونا (ضريبة المسقّفات) وضريبة الدخل والتأمين الوطني وفواتير الماء والكهرباء، والحواجز التي يزرعها الاحتلال على مداخل البلدة وغير ذلك من العوامل، كلها أدّت إلى إغلاق حوالي 35% من المحال في البلدة القديمة بسبب تراكم الديون المترتبة عليهم لسلطات الاحتلال والخسائر المتلاحقة وتكاليف الحياة الباهظة التي لا تغطيها الحركة اليومية في هذه المحال.

ج‌. استهداف المسيحيّين والمقدّسات المسيحية: مع بداية عام 2016 أقدم متطرفون يهود على كتابة شعارات معادية للمسيح والمسيحية على جدران وأبواب كنيسة "رقاد السيدة العذراء" شرق القدس، وكان مخرّبون أضرموا النار بقرب الكنيسة عام 2015، كما كتب متطرفون شعارات معادية للمسيحية على جدارن الكنيسة عامي 2012 و2013. أما في نيسان/أبريل 2016، وضمن مشهد بات يتكرر سنويًا في عيد الفصح لدى الطوائف المسيحية فقد حول الاحتلال البلدة القديمة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية مع نشر قوات وحواجز عسكرية في أزقة البلدة القديمة وتطويق كل مداخل البلدة التي لا يسمح بدخولها أو الوصول إلى كنيسة القيامة إلا لحملة التصاريح الخاصة. ولم يتمكن الآلاف من أهل الضفة وغزة من الوصول إلى القدس بسبب إجراءات الاحتلال وقيوده.

 

2. تصاعد استهداف الأقصى وتضييق الخناق على الرّباط في المسجد:
صعّدت سلطات الاحتلال منذ منتصف عام 2015، وبشكل مجدّد، استهداف الأقصى بعد فترة "الهدوء" التي التزم بها نتنياهو بنتيجة الاتفاق الثلاثي في عمان في تشرين ثان/نوفمبر 2014 لاحتواء هبّة الشهيد محمد أبو خضير. ففي حزيران/يونيو 2015، عقدت لجنة الداخلية والبيئة بـ "الكنيست" جلسة لمناقشة سبل "تعزيز الوجود اليهودي" في الأقصى. ولكن بمجرّد بدء النّقاش حول تغيير الوضع القائم في المسجد تفجر السّجال بين أعضاء اللجنة بعد معارضة النواب العرب الذين قالوا إنّ أيّ تغيير في الأقصى سيؤدي إلى "إراقة الدماء". وحمّل عضو "الكنيست" ينون ماجال من حزب "البيت اليهودي" المرابطين مسؤولية استفزاز المصلين اليهود ومخالفة النظام العام، ودعا الشرطة إلى تطبيق النظام في الموقع وإزالة المرابطين فورًا؛ وهو الأمر الذي سيتكثف بشكل ملحوظ بدءًا من آب/أغسطس 2015.
في تموز/يوليو، وبالتزامن مع "ذكرى خراب المعبد" شرّع الاحتلال الأقصى أمام موجة متصاعدة من الاقتحامات، وكان من بين المقتحمين عضو "الكنيست" والوزير أوري أرئيل الذي عاد واقتحم المسجد عشية رأس السنة العبرية في أيلول/سبتمبر، بعد توقّف الاقتحامات السياسية منذ أواخر 2014 نتيجة الاتفاق الثلاثي المشار إليه أعلاه بين الملك الأردني ورئيس الحكومة الإسرائيلي. وفي 8/10/2015، أي بعد اندلاع انتفاضة القدس، أمر نتنياهو الشرطة الإسرائيلية بمنع أعضاء "الكنيست" اليهود من دخول الأقصى، ثم قال إنّ المنع يشمل النواب العرب أيضًا بعد اعتراض نواب يهود وتهديدهم بالانسحاب من الائتلاف الحكومي. وبين تقرير لمجموعة الأزمات الدولية صادر في 7/4/2015 أنّ المفاوضات المباشرة وغير المباشرة التي جرت في تشرين أول/أكتوبر 2015 بين عبد الله ونتنياهو برعاية أميركية نتج عنها ثلاثة تعهدات من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلي من بينها منع الاقتحامات السياسية، وهو الأمر الذي لا يزال ساريًا حتى تاريخ إعداد هذه المادّة.


ولم يلبث الاحتلال أن بدأ باستهداف المرابطين والمرابطات بما يتعدى التضييق عليهم عبر التفتيش ومصادرة الهويات وغيرها إلى حد إقصائهم عن المسجد. فأصدرت الشرطة الإسرائيلية في آب/أغسطس قائمة تضم أسماء عدد من المرابطات اللواتي سيُمنعن من دخول الأقصى بالتزامن مع اقتحامات المستوطنين، كما عاد الاحتلال ووسع القائمة حتى باتت تضم أكثر من 70 اسمًا لمرابطات من القدس وأراضي الـ48 المحتلة لا يزلن ممنوعات من دخول المسجد، ومنهنّ من اعتقلتهن الشرطة وأخريات صدرت بحقّهن أحكام بالإبعاد عن الأقصى أو البلدة القديمة أو القدس حتى مدّة ستّة أشهر.
وتوّج الاحتلال استهداف الرباط بقرار صدر عن وزير الجيش حينها موشيه يعلون في 8/9/2015 باعتبار المرابطين والمرابطات تنظيمًا محظورًا، وفي تشرين ثانٍ/نوفمبر وقّع يعلون على قرار إعلان الحركة الإسلامية-الجناح الشمالي "تنظيمًا محظورًا" يعتبر الانتساب إليه والتعامل معه أو دعمه أمرًا مخالفًا للقانون ويستوجب الملاحقة. وفي هذا السياق، على سبيل المثال، قدّمت النيابة الإسرائيلية في 18/4/2016 لائحة اتهام في المحكمة المركزية بالقدس، بحق ثلاثة فلسطينيين من الداخل المحتل ومن القدس (محمد جبارين من أم الفحم، ونجيب قواسمة وخليل عباسي من حي سلوان بالقدس) بتهمة الانتماء إلى "تنظيم محظور أخرجته السلطات الإسرائيلية عن القانون".
وكان "عيد الفصح العبري" (22-29/4/2016) مناسبة جديدة لتصعيد الاقتحامات حيث بلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا الأقصى خلال العيد حوالي 800، كما حاول بعض المستوطنين تقديم قرابين الفصح عند أبواب المسجد فيما أدى بعضٌ آخر صلوات ورقصات تلمودية في الأقصى. وكان "معهد المعبد" أعلن في 12/4/2016 عن عقد قران سري لمستوطنين في الأقصى، وقال المعهد على صفحته على موقع "فيسبوك" إنّ عقد القران اليهودي في الأقصى هو "إنجاز مهم في ظل التمييز الذي تمارسه الأوقاف والشرطة الإسرائيلية ضد اليهود، ومنع أيّ مظاهر يهودية في هذا المكان المقدّس".
ولكنّ الاقتحامات واستهداف الرباط ليسا الاعتداء الوحيد على الأقصى، فقد صوتت الحكومة الإسرائيلية في كانون ثانٍ/يناير2016 لمصلحة إقامة مساحة للصلاة المشتركة لليهود عند حائط البراق في منطقة القصور الأموية إلى الجنوب من مساحة الصلاة الحالية. وقد زفّ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو هذا القرار باعتباره الحل لمشكلة مطروحة منذ سنوات، من دون الالتفات إلى ما أثاره القرار من ردات فعل عربية وإسلامية. فتمسك نتنياهو بتنفيذ المشروع إلى أن أعلن في أواخر آذار/مارس أن المشروع تعترضه بعض الصعوبات، في إشارة إلى معارضة من الوزراء الحريديم في الائتلاف الحكومي، ولذلك يجمد تنفيذه بانتظار التوصل إلى تسوية. ولا تزال المفاوضات في الحكومة حول الموضوع جارية حيث أعلن وزراء "شاس" أنهم سيقبلون بالمساحة المشتركة إذا لم يُعتمَد مدخل مشترك للنّساء والرّجال.

ثانيًا: انتفاضة القدس
تطوّر العمليّات:

على الرغم من تراجع وتيرة العمليات في الأشهر الأولى من عام 2016 مقارنة بالأشهر الأولى لانتفاضة القدس منذ تشرين أول/أكتوبر 2015، إلا أنه كان واضحًا أنّ محاولة تنفيذ عمليات لم تتوقف، وهو ما بيّنته أجهزة مخابرات الاحتلال وكذلك السلطة الفلسطينية، من خلال الإعلان عن كشف أشخاص أو شبكات كانت تخطّط لتنفيذ عمليات. وتميّزت الانتفاضة في عام 2016 بمحاولات نقلها إلى مرحلة جديدة يميّزها الطّابع العسكري، وكان أبرز هذه العمليّات:


• 31/1/2016: عملية إطلاق نار على حاجز مستوطنة "بيت إيل" شمال رام الله أدت إلى إصابة 3 من جنود الاحتلال، ونفذ العملية أمجد السكري وهو من جهاز الأمن الفلسطيني.
• 3/2/2016: عملية طعن وإطلاق نار نفذها 3 شبّان من قباطية على حاجز للاحتلال عند باب العمود في البلدة القديمة بالقدس أدّت إلى إصابة عنصرين من حرس الحدود ووفاة أحدهما في وقت لاحق، وقالت الشرطة إنها عثرت بحوزة الشباب على أسلحة ومتفجرات وسكاكين.
• 11/3/2016: إطلاق نار على حاجز عسكري على طريق رقم 443 قرب مستوطنة "بيت حورون" بالضفة أصيب نتيجتها جنديان من جيش الاحتلال.
• 19/4/2016: انفجار عبوة ناسفة ضمن عملية فدائية استهدفت باص 12 جنوب القدس وأدت إلى إصابة 21 مستوطنًا بجروح متفاوتة.
• 10/5/2016: انفجار عبوة ناسفة لدى مرور دورية للاحتلال في حزما أدت إلى إصابة ضابط وأحد عناصر الدورية، وقد عثرت قوات الاحتلال على 5 عبوات أخرى في المكان وتقول إنها أحبطت عملية "إرهابية" كبيرة.


وبالإضافة إلى هذه العمليات، سُجّل خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2016 عدد من عمليات الطعن مع استمرار عمليّات رشق القطار الخفيف بالحجارة، والمواجهات في أحياء مختلفة من القدس، لا سيّما العيسوية وجبل المكبر ومخيّم شعفاط.
استمرار محاولات الاحتلال للقضاء على الانتفاضة:
مع اقتراب انتهاء الشهر الثامن لانتفاضة القدس التي اندلعت في تشرين أول/أكتوبر 2015 فإن الاحتلال لا يزال يبحث عن الوسائل التي يمكن من خلالها القضاء على أيّ عمل مقاوم بشكل تام. وفي هذا السياق، تتجه سلطات الاحتلال إلى تشديد "الإجراءات" بحقّ سائقي السيارات العمومية من الفلسطينيين الذين ينقلون بمركباتهم "منفذي العمليات" من مدن الضفة باتجاه الحواجز ونقاط الاحتكاك أو الى داخل القدس المحتلة وأراضي الـ48 المحتلة. وتطلب أجهزة الأمن إلى السلطات القضائية مصادقتها على مصادرة سيارات الأجرة التابعة لسائقين يشتبه فيهم بنقل "الإرهابيين"، حيث سيعتبر أيّ سائق نقل هؤلاء ضالعًا في نشاطات "إرهابية" بشكل تلقائي. وقد قدمت النيابة العامة لائحة اتهام ضد خميس سلايمة، سائق الأجرة الذي نقل بمركبته 3 شبان من قباطية بالضفة الغربية نفذوا عملية استهدفت عناصر من حرس الحدود في القدس بتاريخ 3/2/2016. كما سيتم إعادة تقديم مشروع قانون الإعدام أمام "الكنيست" بعد موافقة أفيغدرو ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، على اقتصار تطبيق عقوبات الإعدام في المحاكم العسكرية دون المحاكم المدنية حيث تصدر الأولى الأحكام ضد الفلسطينيين المتهمين بالإرهاب، الأمر الذي يعني أن أحكام الإعدام لن تطال اليهود الذين يحاكمون حصرًا أمام المحاكم المدنيّة، مع الإشارة إلى أن ليبرمان يطالب منذ اندلاع انتفاضة القدس بتطبيق أحكام الإعدام على منفذي العمليات الفلسطينيين.


وكان من أبرز القرارات والتدابير والاقتراحات الإسرائيلية لمواجهة الانتفاضة منذ اندلاعها في تشرين أول/أكتوبر 2015:
 تخويل الشرطة الإسرائيلية إغلاق نقاط الاحتكاك في القدس وفق الاعتبارات الأمنية.
 هدم منازل منفذي العمليات، ومنع بناء منزل مكان البيت المهدّم.
 مصادرة أملاك منفذي العمليات.
 سحب بطاقات الإقامة الدائمة (الهوية المقدسية) من منفذي العمليات المقدسيين.
 تعزيز قوّات الشرطة المتمركزة في القدس.
 توظيف 300 حراس أمني إضافي للمواصلات العامة بتكلفة 80 مليون شيكل.
 منع تسليم جثامين منفذي العمليات في حال استشهادهم.
 السماح للشرطة بالتفتيش الجسماني لأي فلسطيني حتى من دون وجود شبهة مسبقة في حيازته سلاحًا.
 توجيه نتنياهو تعليماتٍ إلى المستشار القضائي للحكومة أفيحاي مندلبليت بفحص قانونية فكرة إبعاد العائلات الفلسطينية التي يثبت أنها حرضت أبناءها على تنفيذ عمليات إلى قطاع غزة.
 نصب لوائح أسمنتية نقّالة (جدار) لعزل مستوطنة "أرنون هنتسيف" عن جبل المكبر جنوب شرق القدس لمنع إلقاء الزجاجات الحارقة على المستوطنة. ولم تلبث الشرطة أن أوقفت العمل بالجدار بعد إيعاز من نتنياهو الذي أشار إلى أنه سيتم اتّخاذ إجراءات أخرى بديلة؛ كما بدأ الاحتلال نصب جدار أسمنتي حول بلدة حزما بعد انفجار عبوة على طريق حزما والعثور على عبوات أخرى.
 نصب حواجز ومكعبات أسمنتية على مداخل العديد من أحياء القدس.
 مصادقة "الكنيست" (2/11/2015) على قانون مؤقت يجعل عقوبة راشقي الزّجاجات الحارقة والحجارة السجن 3 سنوات كحدّ أدنى، وحرمانه المدان من الاستفادة من التأمين الوطني.


وفي إطار احتجاز جثامين شهداء الانتفاضة، عقدت المحكمة العليا الإسرائيلية جلسة في 5/5/2016 للبت في التماس بشأن إعادة الجثامين، وقد نوّه ممثلو الحكومة والقضاة إلى أخذ شهر رمضان بعين الاعتبار ومحاولة تحرير الجثامين قبل بدايته، واستعجال تحرير جثامين الشهداء التي لم تُحرَّر رغم توقيع الاتفاقيّات مع العائلات سابقًا، من دون أن تفرض المحكمة على الحكومة أيّ جدول زمني أو تلزمها بشروط أخرى.
وسمحت سلطات الاحتلال إلى الآن بتسليم 5 جثامين مشترطة عدم مشاركة أكثر من 40 شخصًا في التشييع وإيداع 20 ألف شيكل لضمان عدم الإخلال بالشروط. لكنّ وزير الأمن الداخلي أعلن في 24/5/2016 عن تأجيل إعادة باقي جثامين الشهداء بعد ما اعتبره تحريضًا في جنازة الشهيد علاء أبو جمل، حيث قالت "يديعوت أحرنوت" إن حوالي 200 شخص هتفوا خارج المقبرة "بالروح بالدم نفديك يا شهيد".
ثالثًا: المشهد الإسرائيلي
خطف التّوصل إلى اتفاق بين نتنياهو وليبرمان على تسليم الأخير حقيبة "الدفاع" الأضواء على الساحة السياسية في "إسرائيل"، لا سيما في أوساط أصحاب نظريات اليمين واليسار والتطرف والاعتدال الإسرائيلي، خصوصًا أن الاتفاق أغلق الباب على دخول زعيم "المعسكر الصهيوني" إلى الائتلاف الحكومي، في ظل محاولات تظهير اليسار على أنه مفتاح الحلّ مع الفلسطينيين. إلا أنه بمعزل عن هذا الجدل، وعن صوابية مضمونه أو عدم دقّته، فإنّ الاتجاه إلى إعادة توزيع الحقائب الوزارية أدى بالدرجة الأولى إلى استقالة وزير الجيش الحالي موشيه يعلون من منصبه ومن "الكنيست" حتى قبل أن يتم تعيين ليبرمان بشكل رسمي. ونتيجة خروج يعلون من "الكنيست" فُتح الباب أمام الحاخام يهودا غليك لاحتلال المقعد الشاغر. وغليك، الذي تعرض لمحاولة اغتيال في 29/10/2014 على خلفية استفزازاته في الأقصى، يرأس منظمة "هليبا" التي تنظم اقتحامات المستوطنين للأقصى وتنادي بتأمين "حق" اليهود بالصلاة في الأقصى، وكان قال في حديث صحفي منشور في 27/10/2015 إنه في حال دخوله "الكنيست" فهو سيبذل أفضل ما بوسعه "لتغيير الوضع في جبل المعبد"، كما أكد أنه إلى جانب اهتمامه بملفات اجتماعية فهو سيكون منشغلاً بشكل خاص بحقوق الإنسان، لا سيما "حق اليهود بالصلاة في جبل المعبد". وإذا كانت هذه تصريحاته قبل دخول "الكنيست" وبعيد انطلاق انتفاضة القدس فقد صرّح في 22/5/2016، أي بعد أن أصبح قاب أيام أو أدنى من أداء القسم في "الكنيست"، بما يمكن اعتباره أساس خطّة عمله خلال ولايته التشريعية. وجاء في تصريحات غليك الأخيرة قوله "إنّ جبل المعبد تحت السيادة الإسرائيلية ولكنّه يدار من قبل الأوقاف الإسلامية بنتيجة اتفاق أعقب حرب عام 1967. ويتمتع المسلمون غالبًا بإمكانية الدخول إلى المكان بشكل كامل وبالحق الحصري بالصلاة هناك بينما لا يمكن اليهود دخول المكان في أوقات محددة وهم ممنوعون من أي مظهر يشبه طقوس العبادة". وأضاف: "إن التمييز في جبل المعبد أمر واضح، وقد أضحى المكان مركزًا للتحريض بدلاً من أن يكون مركزًا للسلام". غليك الذي سيسعى، من داخل "الكنيست" وبالوسائل السياسية لتحقيق رؤيته، اقتحم الأقصى في 23/5/2016 وأعلن أنه سيلتزم بقرار منع أعضاء "الكنيست" من دخول المسجد فيما وبّخه نتنياهو على خلفية هذا الاقتحام من باب إرسال رسالة توحي بالتزامه عدم الإخلال بتعهّداته في هذا الصّدد.


وفي سياق الإعداد للاحتفال بالذّكرى الـ49 لاستكمال احتلال القدس، تحت مسمى "توحيد القدس". صادقت بلدية الاحتلال في القدس على مضاعفة ميزانية "مسيرة الأعلام" 3 أضعاف (من 100 إلى 300 ألف شيكل). ويشارك في المسيرة التي تصادف عشية بدء شهر رمضان هذا العام، الآلاف من الشبان اليهود، خاصة المتدينين والمستوطنين، وهي تمر عبر الحي الإسلامي في البلدية القديمة بالقدس. وتترافق بمطالبة أصحاب المحال التجارية من المقدسيين بإغلاق أبوابها لعدة ساعات، فيما يمتنع السكان عن الخروج من بيوتهم، بسبب اعتداءات المستوطنين واستفزازاتهم. كما أطلقت وزارة التعليم الإسرائيلية في 1/6/2016 أسبوع تهويد القدس في المدارس بمراحلها كافّة ما بين 1 و8/6/2016 فيما عقد "الكنيست" جلسة خاصة في اليوم ذاته عشية الاحتفال باستكمال احتلال القدس حيث صرّح نتنياهو بالقول إنّ "القدس كانت لنا وستظلّ لنا، فيما علاقتنا بجبل المعبد لا تحتاج إلى تبريرات". كما أعلن نتنياهو في جلسة للحكومة في 2/6/2016 عن تخصيص 850 مليون شيكل لتطوير القدس ولمشاريع تكنولوجية واجتماعية في المدينة. وكانت حكومة الاحتلال صادقت في احتفال عام 2015 على مجموعة من القرارات "لتعزيز مكانة القدس والإعداد للاحتفال بالذكرى الخمسين لتوحيدها"، وشملت:
- إعداد خطة للتنمية الاقتصادية في القدس تمتد بين 2016 و2020، وسيتمّ تمويلها ابتداءً من عام 2016.
- تشكيل فريق تحضيري للإعداد لاحتفالات عام 2017 التي ستشمل فعاليات مختلفة في مجالات التعليم والسياحة والثقافة والرياضة.
- خطة خمسية 2016-2020 لتعزيز البنية التحتية وتشجيع الزيارات إلى حائط البراق بما في ذلك التطوير المستمر لساحة وأنفاق حائط البراق، والمحافظة على الموجودات الأثرية، وتطوير البنية التحتية للمواصلات، وأنشطة تعليمية للطلاب والجنود.
وفي 22/2/2016، أعلن وزير التعليم نفتالي بينت ("البيت اليهودي") أنّ العام الأكاديمي 2016-2017 سيكون تحت عنوان "عام القدس الموحدة". وبموجب هذا القرار، سيتم تضمين موضوع القدس في مواد مختلفة كالتاريخ واللغات والجغرافيا والتربية المدنية والآداب وغيرها. كما ستنظَّم رحلات مدرسية إلى القدس والبلدة القديمة و"الكنيست" والمحكمة العليا، ومواقع تذكاريّة.


رابعًا: الموقف العربي والإسلامي
لم تغيّر الهجمة الإسرائيلية على القدس والأقصى من ضعف الموقف العربي والإسلامي الرسمي حيال القضية الفلسطينية، ولم تعد فلسطين والقدس خارج خارطة الاهتمام العربي والإسلامي الرسمي وحسب بل إنّ التطبيع والدعوات إلى السلام مع الاحتلال أصبحت تقدّم على أنّها السّياق الطبيعي لإنهاء القضيّة الفلسطينية، وإن كان ذلك على حساب مصلحة الشعب الفلسطيني وحقوقه. وتتبنى معظم الأنظمة الرسمية موقف السلطة الفلسطينية التي لم تعد تحظى بثقة غالبية الشعب الفلسطيني كجهة قادرة على تحقيق تطلعاته وحقوقه.


1. السلطة الفلسطينية: كان ثمن ولادة السّلطة الفلسطينية في اتفاق أسلو إخراجها من القدس قبل أن تبصر النور، وهي ارتضت اليوم أن يكون ثمن استمرارها وبقائها هو التّنسيق الأمني مع الاحتلال والتّصدي للشعب الفلسطيني في مقاومته للاحتلال والتمسّك بمسار المفاوضات، وإن كان ذلك لن يتيح عودتها إلى القدس. فعلاوة على أن القدس لدى السلطة هي بعضُ مدينة –في مقابل تمسك الإسرائيلي بالقدس كاملة كعاصمة لدولته- فهي تستحضرها في خطابها من باب كونها عاصمةً لبعض دولة ليست قادرة على انتزاعها من الاحتلال. وعلى الرّغم من أنّ جولات المفاوضات التي خاضتها السلطة مع الاحتلال انتهت إلى مزيد من إقصائها عن القدس، وإلى تثبيت الاحتلال المزيد من الحقائق على الأرض إلا أنّها لا تزال متمسكة بهذا المسار على الرغم من فشله، ومن فشلها في إدارته أو تعزيزه بأوراق القوة التي يملكها الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها المقاومة بكل أوجهها. ويلاحظ هذا مؤخرًا بشكل خاص في تعاطي السلطة مع انتفاضة القدس حيث تسعى إلى القضاء عليها، وهي لم تتوقف عن التنسيق الأمني مع الاحتلال فيما أعلن مسؤولوها، على المستوى السياسي والأمني والمخابراتي، الكشف عن شبكات تخطّط لعمليات ضدّ الاحتلال، ومصادرة سكاكين من طلاب المدارس، واعتقال العديد من الفلسطينيّين على خلفيّة المشاركة في التّحركات الشّعبيّة.


2. الدّول العربية والإسلاميّة: اتّسم الموقف العربي والإسلامي الرسمي مؤخرًا بالانفتاح على "إسرائيل" بشكل علني ولافت. وكان بارزًا في هذا السياق عودة الاهتمام المصري مؤخرًا بحلّ القضية الفلسطينية من باب التمهيد لتطوير العلاقة مع "إسرائيل" حيث قال الرّئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 17/5/2016 إنّ حلّ القضية الفلسطينية سيمهّد لسلام دافئ بين القاهرة و"تل أبيب". ووفق الإعلام العبري، فإنّ إطلاق المبادرة كان بعد تنسيق وتوافق بين مسؤول "الرباعية" السابق طوني بلير والسيسي ونتنياهو، وبعلم وموافقة وزير الخارجيّة الأميركي جون كيري والملكين السّعودي والأردني. وتحدثت "يديعوت أحرونوت" عن جهود مصرية لعقد لقاء ثلاثي في القاهرة يضم كلاً من السيسي وعباس ونتنياهو. وقد شارك الرئيس الفلسطيني في 28/5/2016 في الاجتماع غير العادي للجامعة العربية المنعقد في القاهرة على مستوى وزراء الخارجية لتحديد الموقف العربي الذي سيتم طرحه أمام مؤتمر باريس الدولي المطروح عقده في 3/6/2016 ضمن المبادرة الفرنسية للسلام. وقال عباس، الذي التقى السيسي قبل الاجتماع، إنّ مرجعية المؤتمر ستكون القرارات الدولية والمبادرة العربية للسلام وخطّة خارطة الطريق والاتفاقات الموقعة سابقًا بين الجانبين، كما أضاف أنّ "القدس الشرقية التي احتلّت عام 1967 بكاملها هي عاصمة دولة فلسطين"، وأكّد البيان الصادر عن الاجتماع مواصلة دعم الجهود الفرنسية والعربية والدولية الهادفة لتوسيع المشاركة الدولية لحل القضية الفلسطينية ودعم المبادرة الفرنسية بدءًا بعقد اجتماع مجموعة الدعم في 3/6/2016، والإسراع في عقد المؤتمر الدولي للسلام، ودعا البيان إلى "خلق آلية متعددة الأطراف بهدف العمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطين المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو 1967.. ووضع جدول زمني للمفاوضات لتنفيذ ما يتفق عليه ضمن إطار متابعة دولية جديدة".
وفي موازاة ذلك، يبدو أنّ ثمة اتجاهًا عربيًا إلى تقديم المزيد من التنازلات حيث تحدثت القناة العاشرة العبرية عن استعداد بعض الدول العربية لتعديل المبادرة العربيّة للسلام في بندي الجولان وحقّ العودة بينما نفت السلطة الفلسطينية علمها بأيّ تعديلات.

خامسًا : الموقف الدّولي
يحافظ المستوى الدّولي على موقف ثابت لجهة رفض الاستيطان وهدم المنازل في القدس كما رعت الولايات المتحدة محادثات بين عبد الله ونتنياهو بعد هبة الشهيد أبو خضير عام 2014 وبعد اندلاع انتفاضة القدس عام 2015 للتّوصل إلى اتّفاق حول وقف "التوتر" في القدس. ويستند الموقف الدولي بشكل عام إلى التمسك بحلّ الدولتين على حدود 1967 فيما كانت الولايات المتحدة عبر السنوات الماضية الراعي الأول لجولات المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين وللاتفاقيات التي تم التوصل إليها بين الطّرفين من أوسلو إلى كامب ديفيد ومن ثم جولة المفاوضات عام 2013 والتي امتدت 9 أشهر وانتهت بالفشل في نيسان/أبريل 2014. ومع الجمود في مسار المفاوضات، تحاول فرنسا الدفع بمبادرتها للسلام لكسر هذا الجمود حيث تحشد باريس لعقد مؤتمر دولي في 3/6/2016 (كان مقررًا في 30/5/2016) يشارك فيه حوالي 30 دولة ومنظمة دولية (من ضمنها الرباعية) من دون حضور الإسرائيليين أو الفلسطينيين. وكان وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيروليت قال في 21/4/2016 إن الحل الوحيد للصراع هو عبر إنشاء دولتين –فلسطينية وإسرائيلية- تعيشان جنبًا إلى جنب بأمن وسلام وتكون القدس عاصمة مشتركة للدولتين. ويأتي هذا التصريح في إطار المبادرة التي أطلقتها فرنسا لإحياء المفاوضات والتي تضم مرحلتين حيث سيعقد اجتماع وزاري في باريس، من دون مشاركة الإسرائيليين والفلسطينيين، لتأكيد التزام المجتمع الدولي بحلّ الدولتين وسيعمل هذا الاجتماع على إيجاد إطار ومحفزات لاستئناف المفاوضات ومن ثم سيعقد مؤتمر دولي في النصف الثاني من عام 2016 لهذه الغاية. ويُشار هنا إلى أنّ فرنسا تسنتد في مبادرتها إلى رؤيتها القائمة على أن حل الصراع لا يكون إلا عبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة وديموقراطية قابلة للحياة، تعيش في أمن وسلام مع جيرانها الإسرائيليين، وقد حدّدت فرنسا، مع شركائها الأوروبيين مقوّمات حل النزاع، وهي:
- اعتماد حدود عام 1967 مع تبادل للأراضي
- ترتيبات أمنية تحفظ سيادة الدولة الفلسطينية وتضمن أمن "إسرائيل"
- حل عادل ومتفق عليه بخصوص اللاجئين
- ترتيبات تجعل القدس عاصمة للدولتين
وفي حين وافق عباس على المبادرة الفرنسية فقد أعلن نتنياهو في 23/5/2016 رفضها وعرض عوضًا عنها لقاء عباس في باريس قائلاً إنّ المفاوضات الثنائية بين الطرفين هي الطريق الوحيد للمضي قدمًا في مفاوضات السلام. ويرتبط رفض نتنياهو بمبدأ رفض أي تدخل دولي بالمفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، حرصًا على الاستفراد بالطّرف الفلسطيني الذي غالبًا ما يتراجع أمام الإملاءات الإسرائيلية. أما موافقة السّلطة على المبادرة فهي من باب التعلّق بأيّ اقتراح يفتح مجال العودة إلى المفاوضات التي تعتبر مؤشرًا على وجود السلطة.


سادسًا: احتمالات المرحلة القادمة
1. تشكّل انتفاضة القدس أحد أهم المخاطر التي تواجهها "إسرائيل" على مستوى الأمن الداخلي، ولذلك لن تتوقف المحاولات الإسرائيلية للقضاء على الانتفاضة وتصعيد الإجراءات التي تتخذها في القدس وباقي الأراضي المحتلة. وفي الوقت الذي قد تنجح فيه دولة الاحتلال في تقليل وتيرة العمليات إلا أن حالة الضغط والحصار التي تفرضها بشكل متزايد في القدس بشكل خاص من شأنها أن تعزز الشعور الفلسطيني بالحاجة إلى تنفيذ المزيد من العمليات، الأمر الذي يعني ترجيح استمرار العمليات ومحاولات تنفيذها.
2. يعتبر دخول يهودا غليك إلى "الكنيست" من العناصر التي قد تعيد إلى الواجهة جلسات مناقشة "حق" اليهود بالصلاة في الأقصى، ومن الممكن أن يلجأ غليك إلى هذا الجانب من باب إيجاد التوازن مع قرار منع الاقتحامات السياسية.
3. تصعيد عمليات التهويد في مختلف المجالات، لا سيما في ظل إقرار الاحتلال مجموعة من القرارات للاحتفال بخمسين عامًا على استكمال احتلال القدس المصادف عام 2017 حيث بدأ الاحتلال بالفعل بإجراءات تهويديّة تخدم هذا السياق.
4. يتأرجح خيار إحياء مسار التفاوض حاليًا بين المبادرة الفرنسية وتلك المصرية، ومع الضغط الدولي في هذا الاتجاه وحجم التنازلات على المستوى العربي وكذلك هندسة المبادرة الفرنسية لتلائم المصلحة الإسرائيلية يمكن ترجيح احتمال العودة إلى المفاوضات بصرف النظر عما يمكن أن يتمخّض عنها.

التّوصيات:
• من الواضح أن مبادرات السلام المطروحة لا تعطي بالاً للحق الفلسطيني بقدر ما تهتم بمصلحة الاحتلال وإرادته وتحاول فرضها كحل للصراع. ومن المهم أن تعي السلطة الفلسطينية ضرورة عدم المشاركة في مسار لم يجرَّ على القضية الفلسطينية إلا المزيد من التنازل والخسائر في مقابل توسع الاحتلال وتمدده.

• على السلطة الفلسطينية أن تعي حجم الخطر المتأتي من تعاونها مع الاحتلال ضد مكونات الشعب الفلسطيني وهي أمام مسؤولية وطنية كبيرة تحتّم عليها أن تتمسك بإنهاء الاحتلال كأولوية بدلاً من الانجرار وراء استرضاء الاحتلال والمجتمع الدولي. ولذلك، فهي مطالبة بتوفير الحاضنة والدعم لانتفاضة القدس بدلاً من توسل التنسيق الأمني للانقضاض على مقاومة الشعب للاحتلال.
• لا يكفي القول إن الأقصى خط أحمر فالمسجد وأهله مسؤولية كل عربي ومسلم وهذا يعني ضرورة أن يترجم هذا الشعار إلى أفعال تسهم في الدفاع عن المسجد وإنقاذه من حملة التهويد المستمرة.
• وقف حالة التطبيع والانفتاح على الاحتلال وتعزيز مقومات صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته والتنبه لخطورة أن تستغلّ دولة الاحتلال حالة الضعف العربية والإسلامية وهذا الاندفاع نحو التطبيع لجرّ الدول العربية والإسلامية لتكون غطاء لـ "سلام" يضيّع الحقوق ويمسخ هوية الأمة.
• دعم المقدسيين وتثبيتهم بالموقف السياسي والدعم المالي خاصة بعد تردّي أحوال المقدسيين واستفراد الاحتلال بهم.
• على المؤسسات العاملة لأجل القدس الدفع باتجاه حالة التفاف شعبي ورسمي حول القدس، وهذه المؤسسات ينبغي أن تكون في صدارة حملة التصدي لمخططات الاحتلال حيث لا تكفي الإشارة إلى مكامن الخطر وأوجه التهويد وتحديد حال المشروع الصهيوني أو استشراف مآلاته في المدينة المحتلة، ووضع الخطط لمواجهة الاحتلال بل لا بد من اعتماد خطوات وآليات تضع الخطط موضع التنفيذ لإنتاج حراك شعبي وتحرك رسمي باتجاه الدفاع عن المدينة وأهلها ومقدّساتها.
• لا يمكن استبعاد خيار المقاومة من دائرة الوسائل المتاحة لمواجهة الاحتلال وتعطيل مشاريعه وعلى ذلك فإن فصائل المقاومة مطالبة باستعادة زمام المبادرة في التصدي للاحتلال وإعادة فرض نفسها في معادلة الدفاع عن القدس والمقدسات.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أحمد الشيبة النعيمي

تأملات في آية الإسراء بين يدي ذكرى الإسراء والمعراج

الجمعة 13 نيسان 2018 - 6:25 م

'سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ''سُبْحَانَ… تتمة »