"انتفاضة القدس" في شهرها الثالث: إطلالة على الخلفيّات والتطوّرات


تاريخ الإضافة الثلاثاء 22 كانون الأول 2015 - 9:37 م    عدد الزيارات 7346    التحميلات 1432    القسم المشهد المقدسي

        


إعداد قسم الأبحاث والمعلومات
مؤسسة القدس الدولية
كانون أول-ديسمبر 2015

مقدّمة:
شهدت القدس صيف العام الماضي اندلاع هبة شعبية على أثر قتل مستوطنين الفتى المقدسي محمد أبو خضير عبر إحراقه حيًا في خراج غابات غرب القدس في 2/7/2014. بداية الحراك التي كانت مع تشييع أبو خضير اكتسبت زخمًا إضافيًا بسبب العدوان الذي شنّته "إسرائيل" في 7/7/2014 على قطاع غزة المحاصر منذ عام 2006 بذريعة عملية الخليل التي أدت إلى قتل 3 مستوطنين. الهبّة التي أشعلتها جريمة حرق أبو خضير وأجّجها مشهد قتل "إسرائيل" أطفال غزة ونساءها واستهداف أحيائها وتدمير بعضها بالكامل زاد من وتيرتها الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى التي تتكرر بشكل يومي على شكل اقتحامات، وإبعاد، وقيود على الدخول إلى المسجد والصلاة فيه، وتدخل في عمل الأوقاف وعرقلتها، وغير ذلك من مظاهر توحي بأنّ السيادة على الأقصى هي للاحتلال.

شكلت الهبة الشعبية التي كانت الحجارة والزجاجات الحارقة والمفرقعات أحد أهم أدواتها، مصدر قلق للاحتلال، نظرًا للأضرار التي لحقت بأمن الاحتلال واقتصاده وبحركة القطار الخفيف. وللالتفاف على "التوتر في القدس" واحتواء الوضع في المدينة المحتلة وتجنب توسع الحراك إلى سائر أراضي الضفة الغربية تلقى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو نصائح في اجتماع بعمان في 12/11/2014 من وزير الخارجية الأميركي جون كيري والملك الأردني عبد الله الثاني حول وجوب تقديم "تنازلات" لمنع تدحرج كرة الثلج أو النار بما لا يمكن السيطرة عليه. وكان من مقتضيات التهدئة بشكل أساس نزع فتيل التّوتر في المسجد الأقصى وتقنين الاقتحامات، ولم يلبث نتنياهو أن أصدر بيانًا في 1/11/2014 دعا فيه أعضاء "الكنيست" إلى "تهدئة التوتر حول [المسجد الأقصى] وإلى التصرف بشكل يوحي بالمسؤولية وضبط النفس"، وأفاد البيان أنّ نتنياهو تحدّث مع رئيس "الكنيست" حول الأمر وطلب منه أن يعمل مع نواب "الكنيست" في هذا الخصوص. البيان أخذ طريقه إلى التنفيذ بعد اقتحامين سياسيين نفذهما كل من موشيه فيجلين، وتسيبي حوتوفلي من حزب "الليكود" في 2/11/2014 و4/11/2014 على التوالي، واستمر الالتزام بمنع الاقتحامات السياسية حتى يوم 26/7/2015 مع الاحتفال بـ "ذكرى خراب المعبد" حيث اقتحم عضو "الكنيست" ووزير الزراعة أوري أريئل من حزب "البيت اليهودي" المسجد الأقصى ليتبع ذلك سلسلة ممتدة من التصعيد في الأقصى والقدس بشكل عام، بالترافق مع حملات اعتقال ومداهمات يومية في أحياء القدس.

وقد تمكّن الاحتلال عبر الإجراءات الأمنية التي اتخذها وما بدا أنها تسهيلات للفلسطينيين في القدس والضفة الغربية، من احتواء الحراك نسبيًا. لكن هذا الاحتواء لم يكن إلا أمرًا مؤقتًا فأسبابه الأساسية والمتمثلة في الاحتلال لم تنتهِ، والممارسات المرافقة لهذا الاحتلال تتصاعد وتيرتها لتمهد بذلك لتثبيت المزيد من الحقائق سواء في القدس بشكل عام أو في المسجد الأقصى بشكل خاص.

على الرّغم من تمكّن الاحتلال من السيطرة النسبيّة على الهبة الشعبية التي اندلعت في القدس في صيف 2014 إلا أنه لم يتمكّن من إخماد جذوتها. فحالة الهدوء النسبي التي سادت كانت تخبئ تحت السطح الكثير من الغليان ويغذي تلك الحالة ويعزّزها ممارسات الاحتلال اليومية والتي أخذت منحى تصاعديًا بعد شهر رمضان. وبيّنت الإجراءات التي اتخذها الاحتلال بخصوص الأقصى أنّ "تعهد" نتنياهو باحترام "الوضع القائم" وإعلانه أنّ حكومته غير معنيّة بالمساس بهذا الوضع أو تقسيم المسجد ما هو إلا محاولة لتخدير المقدسيين وهو لا يمكن أن يمر بهذه البساطة ليصور على أنه نصر للمقدسيين تحقق بسبب خوف الاحتلال من تفجّر الأوضاع، لا سيّما إن امتدّت إلى سائر مدن الضفة الغربية. ولذلك، كانت الأجواء والظروف مهيّأة لتجدد الحراك الشعبي في القدس لينتقل إلى مدن الضفة، خصوصًا الخليل، وصولاً إلى أراضي الـ48.

القدس تستعيد مشهد صيف 2014:

استهداف الأقصى وحركة الرباط وتمهيدٌ لتثبيت التقسيم الزمني للمسجد
على الرغم من الإجراءات التي حاول الاحتلال تسويقها على أنها احترام للوضع القائم في الأقصى بعد حراك تموز/يوليو 2014 واللقاء الثلاثي في عمان، إلا أن الإجراءات التي اتخذها الاحتلال والاعتداءات على المسجد مع انتهاء عيد الفطر شكّلت عاملاً دافعًا لاندلاع الحراك من جديد. فقد عادت الاقتحامات بالتزامن مع "ذكرى خراب المعبد"، والتزام أعضاء "الكنيست" بعدم اقتحام الأقصى منذ تشرين ثانٍ/نوفمبر 2014 خرقه وزير الزراعة أوري أريئل في 26/7/2015 بالإضافة إلى اقتحام آخر نفّذه في 13/9/2015 بمناسبة الاحتفال برأس السّنة العبرية لينشر بعده مقطعًا على الإنترنت يؤدي فيه صلاة تلمودية ويدعو اليهود إلى اقتحام الأقصى والصلاة فيه.

وبدا الاحتلال متوثبًا للانقضاض على الرباط واستهداف المرابطين والمرابطات فعمّم قائمة بأسماء 20 مرابطة في أوائل آب/أغسطس 2014 لمنعهن من دخول الأقصى يوميًا إلى حين انتهاء فترة اقتحامات المستوطنين التي تمتد إلى 2:30 عصرًا. ثمّ تضخّمت القائمة لتضمّ أكثر من 45 اسمًا لا يزلن ممنوعات من دخول الأقصى حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.

وأصدر وزير الحرب موشيه يعلون في 8/9/2015 قرارًا اعتبر بموجبه المرابطين والمرابطات جماعتين خارجتين عن القانون بناء على توصية من وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان في 24/8/2015. وكانت التوصية حظيت، وفق أردان، بموافقة المستشار القضائي للحكومة يهودا فينشتاين، وجهاز الأمن العام "الشاباك"، والنيابة العامة، ما يعني التقاء المستوى السياسي والأمني والقانوني على الاتفاق على أهمية دور المرابطين والمرابطات، وبالنتيجة ضرورة إبعادهم عن المسجد.

وتوالت الاقتحامات على المسجد ومن بينها اقتحام جنود الاحتلال ومحاصرة المصلين واستعمال السلاح وقنابل الصوت والغاز في باحات المسجد وفي المسجد القبلي فجر الأحد 13/9/2015 بالتزامن مع الاحتفال ببدء "رأس السنة العبرية". كما انتشرت صور ومقاطع مصوّرة تظهر جنود الاحتلال يعتدون على المرابطات بالضّرب ويقتادونهنّ إلى خارج الأقصى أو يمنعونهنّ من دخوله فيمكثن عند أبوابه الخارجية بانتظار أن تسمح لهن الشرطة بدخول المسجد.

وشكلت هذه الإجراءات والاعتداءات مجتمعة إطارًا بدا معه أن الاحتلال يحاول فرض التقسيم الزمني للمسجد كأمر واقع من دون الحاجة إلى اللجوء إلى تشريع أو نص قانوني مما هيّأ الأرضية اللازمة لتجدد الحراك الشعبي. كما أنّ تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية والقدس وإقدام الاحتلال على تنفيذ عدد من عمليات الإعدام الميدانية التي طالت كلاً من ضياء التلاحمة وهديل الهشلمون (22/9/2015)، وأحمد خطاطبة (24/9/2015)، يضاف إليها إقدام مستوطنين على حرق منزل عائلة الدوابشة في دوما بنابلس في 31/7/2015، ما أدى إلى استشهاد الرضيع علي ومن بعده أبواه، كان من أهم أسباب تفجّر ما اصطلح على تسميته إعلاميًا بانتفاضة القدس في تشرين أول/أكتوبر 2015. إلى جانب هذه الاعتداءات الميدانية على الفلسطينيين ومقدّساتهم وممتلكاتهم، ساهم انسداد الأفق في "العملية السياسيّة" في اندلاع الانتفاضة بعد شعورهم أنّه لا أمل بأن يتقدّم الاحتلال أيّ "تنازل" أو أن يلتزم بتنفيذ تعهداته التي أقرّها اتفاق أوسلو، فالاحتلال يسعى غلى قضم ما تبقّى من الأرض الفلسطينية وفرض سياسات التّضييق والعزل تحت غطاء "العمليّة السياسية" التي لم يتبقّ منها سوى اسمها. 

انتفاضة القدس: قديمة تتجدّد.. وتتمدّد
لا يمكن القول إنّ الحراك الذي شهدته القدس في تموز/يوليو 2014 انقطع أو توقف نهائيًا بل إن الاحتلال تمكّن عبر الإجراءات الأمنية و"تخفيف" الاعتداءات على الأقصى من السيطرة إلى حد نسبي على التحركات. إلا أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية لم تكن تتعامل مع أساس المشكلة، وهي أساسًا ترفض الاعتراف بأن الاحتلال ذاته هو المشكلة والمحرّك الأول لأي تحرّكات تشهدها الأراضي المحتلة، ناهيك عن الممارسات التي ترتبط بهذا الاحتلال وتنبثق عنه. وبالفعل، فقد شكلت الأسباب المذكورة أعلاه عاملاً دافعًا لعودة التحركات من جديد فكانت عملية بيت فوريك بنابلس في 1/10/2015 والتي أدّت إلى قتل مستوطنيْن عبر إطلاق النار، ومن بعدها عملية الطعن التي نفّذها مهند حلبي في القدس في 3/10/2015 لتكرّ من بعد ذلك سبحة عمليات الطعن، مع بعض عمليات الدهس وإطلاق النار، التي لم تتوقف حتى تاريخ إعداد التقرير، وذلك على الرغم من الإجراءات الأمنية والإدارية التي يتخذها الاحتلال.

لم تقتصر العمليات الفردية ونقاط المواجهات على القدس بل تعدّتها إلى سائر مدن الضفة الغربية، حيث كان للخليل الحصة الأكبر من التحركات والمواجهات ومن عمليات المقاومة. وعلاوة على ذلك، فقد شهدت الأراضي المحتلة عام 1948 عمليات طعن نفذها فلسطينيون من حملة الجنسية الإسرائيلية، الأمر الذي زاد من ارتباك الاحتلال وقلقه مع وصول العمليات إلى "عرين الأسد". كما شارك الفلسطينيّون في غزّة في دعم وإسناد الشباب المنتفض في الضفة والقدس من خلال حراك جماهيري مع جنود الاحتلال على الحدود بين غزّة والأراضي المحتلة عام 1948 ما أدى إلى ارتقاء عدد من الشّهداء.
ومع الشهر الثالث للانتفاضة، فإنّ العمليات لم تتوقف فيما تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين 130 شهيدًا وكان من آخر العمليات عملية طعن في رعنانا وسط فلسطين المحتلة في 19/12/2015 التي أدت إلى إصابة مستوطنيْن. وقد سجل ما يزيد على 2225 عملية إلقاء حجارة منذ بدء انتفاضة القدس في تشرين أول/أكتوبر وبلغ عدد القتلى الإسرائيليين 22 حتى 14/12/2015 بالإضافة إلى 252 مصابًا بعمليات مختلفة بلغ عددها 169.

التعامل الإسرائيلي مع الانتفاضة:

إجراءات الاحتلال للانقضاض على الانتفاضة
دفعت السّلطات الإسرائيلية بالمزيد من الجنود والقوات إلى شوارع القدس وأحيائها للانقضاض على الحراك حتى بلغ عديدها في القدس 3000 عنصر. واتخذت الحكومة قرارًا بالسماح للشرطة بإطلاق النار من سلاح من طراز "روغر" على راشقي الحجارة لتوسع بذلك مبدأ استعمال القنص إلى الشرطة في القدس بعدما كان مقتصرًا على الجيش في الضفة الغربية. كما أقامت الشرطة، في 18/10/2015، جدارًا أسمنتيًا في جبل المكبر لمنع المقدسيين من رشق الحجارة والزجاجات الحارقة على مستوطنة "أرمون هنتسيف". إلا أنّ نتنياهو لم يلبث أن أمر بوقف العمل بالجدار بعد انتقادات وزراء حكومته للإجراء خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر الذي عقد لاحقًا خلال النهار. كما أنشأ الاحتلال حواجز جديدة ووضع مكعبات أسمنتية وسواتر ترابية بلغ مجموعها 38 حتى 21/10/2015 وشملت 17 نقطة تفتيش، و20 مكعبًا أسمنتيًا، وساترًا ترابيًا واحدًا. وفي 14/12/2015 أمر نتنياهو بوضع حواجز أسمنتية في مئات محطات الحافلات في القدس المحتلة بعد ساعات من عملية دهس أدت إلى إصابة 14 مستوطنًا.
وكان نتنياهو في جلسة "الكابينت" المنعقدة في 5/10/2015، طلب إلى وزيرة القضاء أيليت شاكيد تسهيل إجراءات هدم منازل الفلسطينيين ممن ينفذون عمليات ضد الاحتلال، في حين طالب وزير التربية والتعليم نفتالي بينت، في الجلسة ذاتها، بالبناء في المستوطنات عقب كل عملية ينفذّها فلسطينيون.

وفي 2/11/2015، صادق "الكنيست" على مقترح القانون الذي يطالب بفرض عقوبة حد أدنى على راشقي الحجارة من الشبان والأطفال الفلسطينيين، والذي يتيح أيضًا المجال لسحب مخصّصات اجتماعيّة من ذوي الطفل الذي أدين برشق الحجارة، ويفرض غرامة مالية على ذوي الطفل المدان برشق الحجارة تصل لـ10 آلاف شيكل/ 3 آلاف دولار. وهو قرار يحاول الضغط على المقدسيين لتشكيل عنصر ضغط على أبنائهم ومنعهم من الانخراط في أيّ وجه من أوجه التصدي للاحتلال.

لازمة المحافظة على "الوضع القائم" 
يخشى نتنياهو من تغير الوضع القائم في المسجد الأقصى والذي كرسه الاحتلال بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 عبر إقصاء الأوقاف والتفرّد بالتحكم ببوابات الأقصى ما يعني انقلابًا على الوضع القائم الذي كان سائدًا في العهد العثماني ومن ثم الاحتلال البريطاني ومن بعده العهد الأردني. وكان مصطلح الوضع القائم يشير إلى مسؤولية الأوقاف عن كل ما يتعلق بالأقصى، بما في ذلك الحق في تحديد من يدخل إلى المسجد ومن لا يدخل إليه، وبأي طريقة يدخلون. ويعتبر نتنياهو أن "الوضع القائم" الحالي هو أفضل ما يمكن أن يتحقق لليهود في الوقت الراهن. ولذلك فهو حريص على عدم التفريط بهذا "المكسب" وهو يكرّر تمسك حكومته به، ولكن على أساس ما حققه الاحتلال بعد انتفاضة الأقصى.

وفي 7/10/2015، أصدر تعليمات تقضي بمنع نواب "الكنيست" اليهود من دخول الأقصى وهو الأمر الذي دفع بعض الوزراء إلى التّهديد بالاستقالة من الحكومة. وفي محاولة للتهدئة، أصدر نتنياهو تعليمات توضح أنّ المنع يشمل كلّ النّواب.

الاتفاق الأردني الإسرائيلي حول الأقصى برعاية أميركية
يدرك الاحتلال، كما الأطراف الإقليمية والولايات المتحدة، أنّ الأقصى والاعتداء عليه والاقتحامات اليومية عامل محوري في انطلاقة التحركات وتصاعدها في القدس ولذلك فإنّ التهدئة، من وجهة نظر هذه الأطراف، هي من بوابة الأقصى، أقله لمنع تأجيج الغضب الفلسطيني من توالي الاعتداءات على المسجد. ولذلك رعى وزير الخارجية الأميركي جون كيري اتفاقًا بين الأردن ونتنياهو حول الأقصى أعلن عن مضمونه في 24/10/2015 بصورة قدّمت "إسرائيل" على أنّها صاحبة الفضل على المسلمين في السماح لهم بالصلاة في الأقصى ضمن "سياستها الثابتة في ما يخص العبادة الدينية"، ما يعني أنها لم تضطر إلى تقديم تنازلات، أقله ظاهريًا.


محرّكات الموقف الإسرائيلي
تحرص القيادات الإسرائيلية على عدم إعطاء الفلسطينيين "مكافآت سياسية" تبدو من خلالها أنها تستجيب تحت وطأة التحرّكات الشعبية، فالكيان الذي فقد قوة الردع كما أكدت الحرب الأخيرة على غزة، يحاول ألا يبدو عاجزًا في وجه السكين. وهو يحرص على عدم الإيحاء للفلسطينيين بأنه من الممكن أن ينصاع لإرادتهم في إنهاء الاحتلال وإن كان ذلك عبر تقديم ما يسميه "تنازلات". وأكد هذا الاتجاه تصريح نقلته "جيروزاليم بوست" عن مسؤول حكومي في 29/10/2015، تعليقًا على مسودة قرار من نيوزلندا يدعو إلى العودة إلى المفاوضات، بالقول إنّ "إسرائيل ترفض أي مبادرة دبلوماسيّة تسمح للفلسطينيين بتجنب العودة إلى المفاوضات المباشرة، وتعطيهم أيّ مكسب سياسي من جراء العنف القائم حاليًا، أو لا تطالب السلطة الفلسطينية بالوقف الفوري للتحريض".  

انعطافة الشهر الثالث؟
على الرغم من محاولات الاحتلال التأقلم مع الوضع الأمني الذي فرضته عمليات "الذئب المنفرد" عبر تصعيد الإجراءات التي تحاول إحباط الانتفاضة من دون الانجرار إلى أي إجراء قد يقدم في سياق التنازل تحت وطأة الحراك الشعبي إلا أنّ ثمّة علامات قد تفسر على أنها التفافة إسرائيلية على الوضع الحالي. فالاحتلال يبدو متجهًا إلى التخلي عن قرار الاحتفاظ بجثامين الشهداء كما أقره الكابينت مع بداية الانتفاضة، حيث نقلت "هآرتس" عن مصادر في جيش الاحتلال قولها إنّ الاحتفاظ بالجثامين بات عبئًا أكثر مما هو عامل ردع وأنّ احتجازهم يؤجج الانتفاضة ولا يلجمها.

ومع استمرار العمليات يتأكد أن الإجراءات التي تتخذها سلطات الاحتلال هي لامتصاص الغضب الإسرائيلي وإرسال رسائل طمأنة إلى الإسرائيليين كيلا تبدو الحكومة في مقام العاجز. وفي المقابل، فإن الرهان الإسرائيلي سيكون على أن تستنفذ الانتفاضة ذاتها وأن تتوقّف إذا ما شعر الفلسطينيون بأنّ تحركاتهم لن تؤدي بهم إلى أي مكان، مما يسمح للسلطات الإسرائيلية بتثبيت قاعدة الأمن في ظل الاحتلال.


موقف السلطة الفلسطينية من انتفاضة القدس:  
مع دخول انتفاضة القدس شهرها الثالث، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال مؤتمر لهيئة مكافحة الفساد في 14/12/2015 برام الله إنه قد "بدأت هبة جماهيرية مبررة٬ ما يعني أننا لا نملك أن نقول للشباب لماذا أنتم خارجون؟" ولعلّ هذا هو الموقف الأكثر صراحة الذي يبديه عباس والذي قد لا يشكل تبنيًا كاملاً للانتفاضة ولكنه يحاول أن يقدّم رؤية متفهمة لما يقوم به الشباب الفلسطيني الذين "يتساءلون أين دولتنا ويدركون أنها غير موجودة".

لكن هذا الموقف لا ينفي الهاجس الذي تعيشه السلطة من جراء التحرك الشعبي يرجح انتقاله إلى الضفة الغربية بشكل واسع وخروجه عن السيطرة، وهي لا تتوقف عن التنسيق الأمني مع الاحتلال. ووفقًا لما رآه القادة الأمنيون في دولة الاحتلال فإنّ عباس اجتاز اختبار الثقة هذه المرة أيضًا حيث كشفت مصادر أمنية رفيعة المستوى، وفقًا لما ذكرته صحيفة "معاريف" العبرية في 4/11/2015، أنّ موقف الجيش الإسرائيلي من عباس لم يتغيّر فهو "لا يحرّض ولا يشجّع على الإرهاب". ونقلت الصحيفة عن مصدر عسكري رفيع أنّ "محمود عباس يعيش بين الواقع على الأرض وبين كونه رئيس السلطة الذي هدفه الأساسي هو البقاء السياسي، ما يوجب التمييز بين ما يقوله وما يفعله على الأرض".

وفي 24/10/2015 التقى عباس وزير الخارجية الأميركي جون كيري في عمان قبل الإعلان عن تفاهمات كيري حول الأقصى، وقال عباس خلال اللقاء إن أي تهدئة في الأراضي الفلسطينية هي بيد الاحتلال الإسرائيلي مؤكدًا أنّ الخطوات الأولى التي يتعين على الاحتلال اتخاذها هي بخصوص القدس والمقدسات والحفاظ على الوضع القائم التّاريخي ووقف اعتداءات المستوطنين، مشيرًا إلى ضرورة أن يحترم الاحتلال الاتّفاقيات الموقّعة.

وفي مقابل ذلك، وعلى الرغم من أنّ نتنياهو لا يبدو راغبًا في احترام الاتفاقيات الموقّعة أو وقف اعتداءات المستوطنين، أو احترام الوضع القائم التاريخي (حيث يصر على الوضع القائم كما ثبّته الاحتلال بعد انتفاضة الأقصى)، ناهيك عن عدم استعداده لإنهاء الاحتلال أساسًا، إلا أن عباس أعلن في 30/10/2015 خلال لقاء بالقرب من لاهاي مع أعضاء من "مركز المعلومات والتوثيق حول إسرائيل"، أنّه لا نية لديه لإنهاء اتفاق أوسلو، بما يعنيه ذلك من التنسيق الأمني مع الاحتلال، كما شدّد على أنّ مقاطعة السلطة للاحتلال تقتصر على المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ويبقى هذا هو الإطار العام للسياسة التي تتمسّك بها السلطة الفلسطينية وإن كان عليها تقبّل الانتفاضة من باب الأمر الواقع والتماهي مع ما يريده الفلسطينيون الرافضون لاستمرار الاحتلال وممارساته.

الانتفاضة إلى أين؟
على الرّغم من الإجراءات التي اتخذها الاحتلال للسيطرة على التحركات الفلسطينية الأخيرة إلا أنّ العمليات الفردية لم تتوقف بعد، وهي تظهر في كل مرة يتمكن فيها الفلسطينيون من تخطّي الإجراءات الأمنية واختراقها. وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ما بين 10 و12 كانون أول/ديسمبر 2015 ونشرت نتائجه في 14/12/2015، أنّ ثلثي الفلسطينيين يؤيّدون تحويل الانتفاضة إلى انتفاضة مسلّحة، وبيّن الاستطلاع أنّ 66% من المستطلعة آراؤهم يعتقدون أنّ تطوّر المواجهات الراهنة إلى انتفاضة مسلحة سيسهم في تحقيق الحقوق الفلسطينية التي فشلت المفاوضات في تحقيقها. كما أنّ 67% أبدوا اعتقادهم بأن دولة الاحتلال غير ملتزمة باتّفاقية أوسلو وأنّ عباس غير جاد في التخلّي عنها.

وإن كان الاحتلال يحاول تسويق مسار يربط بين حالة يأس يعيشها الفلسطينيون وتدفعهم إلى ارتكاب "أعمال عنف" فهو يدرك أنّ الإجراءات التي يتخذها لقمع انتفاضة القدس هي إجراءات قد تخدم هذه المرحلة، وإن كانت لم تتمكن من استعادة "الهدوء" بشكل كامل، ولكنها تبقى في دائرة "إدارة الأزمة" حيث يبقى العامل الأبرز الدافع لأي حراك، والمتمثل في الاحتلال، قائمًا وهو الوضع الذي لن يقبل به الفلسطينيون لا سيّما مع التأكّد من فشل مسار المفاوضات.
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



براءة درزي

سلامٌ على إبراهيم في المقدسيّين

الإثنين 5 تشرين الثاني 2018 - 10:06 ص

 قبل أربعة أعوام، في 5/11/2014، نفّذ المقدسي إبراهيم العكاري، من مخيّم شعفاط، عمليّة دهس في شارع عناتا غربي القدس المحتلة. العملية كانت إحدى العمليات التي نفّذها فلسطينيون ضمن ما اصطلح على تسميتها بهب… تتمة »