حال القدس (2) 2015


تاريخ الإضافة الخميس 16 تموز 2015 - 12:56 م    عدد الزيارات 19767    التحميلات 674    القسم حال القدس الفصلي

        


 الملخص التنفيذي

انقضى الربع الثاني من عام 2015 والقدس تشهد استمرار حالة الغليان، وإن بصمت، مع محاولات الاحتلال منع اندلاع حراك مشابه لما شهدته المدينة في النصف الثاني من عام 2014 بالقوة الناعمة، وبأخواتها إن لزم الأمر. ولعل "تسهيلات" الاحتلال لدخول الفلسطينيين من الضفة وغزة خلال شهر رمضان لم تقنع المقدسيين، ولم تردعهم الإجراءات الأمنية المعززة في شهر رمضان فخرج المقدسي ياسر طروة شاهرًا سكينًا طعن به أحد حرس الحدود، وهي عمليّة لم تكن الوحيدة منذ بداية عام 2015 حيث نفذ حوالي 14 عملية في القدس ومحيطها خلال الأشهر الستة الأولى من العام عجز الاحتلال عن التنبؤ بها وإحباطها.
إذًا، على مستوى التهويد الديني والثقافي شهدت مدة الرصد تطور العمل في الأنفاق والحفريات والمباني أسفل الأقصى وفي محيطه حيث كشف عن تفريع الأنفاق في الجهة الغربية من المسجد بالإضافة إلى تطور العمل في مشروع "بيت شتراوس" غرب الأقصى عبر عمليات متواصلة من تفريغ الأتربة ونقلها. كما استمرّت اقتحامات المستوطنين للمسجد في حين أعلنت شرطة الاحتلال عن "تسهيلات" لدخول أهالي الضفة الغربية إلى القدس والأقصى فألغت شرط الحصول على تصريح لمن هم فوق الأربعين ولكل النساء، كما أعلنت عن السّماح لأعداد من الغزيين فوق الستين عامًا بالتّوجه إلى الأقصى في أيّام الجمعة من شهر رمضان.
لكن هذه الإجراءات لا تعني حرص الاحتلال على أن يصلّي الفلسطينيون في الأقصى بل تدخل في إطار السياسة الناعمة التي بات الاحتلال يعتمدها مؤخرًا لمنع تجدد الحراك الشعبي في القدس. كما أنه لا يمكن النظر إلى التسهيلات الإسرائيلية في القدس خلال شهر رمضان بمعزل عن "تسهيلات" أخرى في سائر الأراضي المحتلة حيث سمحت لعدد من أصحاب المحال في الخليل بإعادة فتح متاجرهم لأول مرة منذ انتفاضة الأقصى عام 2000 ورفعت الحظر عن بيع منتجات غزة لـ "إسرائيل" لأول مرة منذ عام 2007 وغير ذلك من الإجراءات. وعلى ما يبدو فإنّ هذا المنحى بدأ بالتبلور بشكل خاص بعد اندلاع الحراك الشعبي في القدس والذي كاد أن يتمدّد إلى الضفة الغربية لولا الإجراءات الإسرائيلية مشفوعة بالتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية والتعاون مع بعض الجهات، ومن بينها الأردن والولايات المتحدة (ومن ذلك اجتماع في عمان في تشرين ثانٍ/نوفمبر 2014 ضمّ رئيس الحكومة الإسرائيلية والملك الأردني ووزير الخارجية الأميركي) لمناقشة سبل "وقف التوتر" في القدس.
وفي سياق منع الاستفزازات، أصدرت المحكمة المركزية حكمًا نقضت بموجبه القرار الصادر عن محكمة الصلح والذي سمح للحاخام يهودا غليك بالدخول إلى الأقصى مرة في الشهر بشرط التنسيق مع الشرطة وعدم إدخال هاتف ذكي أو كاميرا. وفي حيثيات الحكم، اعتبر القاضي أن ثمّة احتمالًا لاندلاع "أعمال عنف" في حال عودة غليك إلى المكان قبل انتهاء الإجراءات القضائيّة المتعلقة بالقضيّة، الأمر الذي يجعل قرار المحكمة المركزية منسجمًا مع الحاجة إلى مراعاة "التحدّيات الأمنية" والمخاوف من إعادة انفجار الوضع في القدس.
لكنّ هذه الإجراءات تبقى مؤقتة، وهي تبقى "أهون الشرين" بالنسبة إلى الاحتلال حيث يتجلى الشر الآخر في فقدان السيطرة على مسار الأمور في القدس والأقصى مع ما يعنيه ذلك من احتمال فقدان "المكاسب" التي حققها الاحتلال إلى الآن، ولا سيما عدم الانجرار إلى مشهد يمنع فيه اليهود من الدخول إلى الأقصى وليس الصلاة فيه حصرًا.
وعلى مستوى التهويد الديمغرافي، فإنّ الحكومة الجديدة أعلنت تمسّكها بالاستيطان على الرغم من الهدوء النسبي على صعيد النشاطات المرتبطة بالاستيطان في المرحلة اللاحقة لاندلاع الحراك الشعبي في القدس. فقد كشفت إذاعة جيش الاحتلال عن تعهد نتنياهو بتحويل 75 مليون دولار لدعم البناء الاستيطاني في الضفة الغربية كما قالت "يديعوت أحرونوت" إن نتنياهو تعهد أيضًا بدعم قسم الاستيطان، الذي يترأسه الوزير أوري أرئيل، بحوالي 12 مليون دولار بشكل شهري.
وقد تمكّنت جمعية "عطيرت كوهنيم" من السيطرة على مزيد من الشقق في حي سلوان كما بدأت الجمعية الصلاة والتعليم في المدرسة الدّينية في مبنى البريد المركزي القديم في مدخل شارع صلاح الدين وهو المبنى الذي اشترته من شركة الاتصالات "بيزك" العام الماضي. وتقوم "عطيرت كوهنيم" باللمسات الأخيرة لترميم المبنى ليتلاءم وأهدافها كمدرسة دينيّة وأخرى تمهيديّة لإعداد المتديّنين قبل الخدمة العسكريّة، وحاخامات الكتائب والفرق العسكريّة في جيش الاحتلال، ويجري العمل على أن يجهز المبنى قبل "عيد الفصح" اليهودي المقبل في خطوة من شأنها تعزيز الوجود اليهودي في البلدة القديمة.
وعلى مستوى الموقف السياسي والتفاعل مع القدس فقد شهد شهر أيار/مايو احتفال "إسرائيل" بالذكرى الثامنة والأربعين لاستكمال احتلال القدس، وهي مناسبة يجدد فيها قادة الاحتلال عهد ولائهم للقدس العاصمة "الموحدة والأبدية" للدولة العبرية. ففي الخطاب السياسي، وهو خطاب يتكرر في هذه المناسبة، أكّد نتنياهو أن القدس كانت دائمًا عاصمة الشعب اليهودي وهي ستبقى عاصمة "إسرائيل" مشيرًا إلى أنّ توحيد شطري المدينة ليس متكاملاً بسبب بعض الإشكاليات. أما يتسحاق هرتسوغ، زعيم المعسكر الصهيوني ورئيس حزب العمل، فلم يخرج عن هذا السياق حيث قال إن القدس لن تقسّم مرة أخرى، وهو بالطبع لا يعني أنه سيكون للفلسطينيين فيها نصيب. وعلى المستوى الشعبي، فقد نفّذ المستوطنون "مسيرة الأعلام" السنوية، في حين رفضت محكمة الاحتلال التماسًا من جمعية "عير عميم" الإسرائيلية لمنع مرور المسيرة في الحي الإسلامي في البلدة القديمة، ودفعت الشرطة بما يزيد على 3500 عنصر إلى البلدة القديمة والطرقات المؤدية إليها لتأمين المسيرة ومنع المقدسيين من التحرك أو فتح محالهم. وبالمقابل، نظم عدد من الشباب المقدسي وقفة احتجاجية عند باب العمود فيما اعتدت الشرطة على عدد منهم واعتقلت آخرين.
وفي أرقام لافتة نشرها مكتب الإحصاء المركزي عشيّة ذكرى توحيد القدس ظهر ارتفاع نسبة اليهود الذين تركوا القدس عام 2013 سواء إلى مدن أخرى في "إسرائيل" أو إلى خارجها. ففي عام 2013 ترك القدس 17,900 شخص فيما انتقل للعيش فيها 10,500 شخص، وهو المنحى الملاحظ في السنوات الأخيرة. ووفقًا لتقرير نشرته "هآرتس" في 17/5/2015 فإن أي زيادة سكانية في القدس إنّما سببها الزيادة بين المقدسيين في شرق القدس، حيث أوضح تقرير لمعهد القدس للدراسات الإسرائيلية أن الزيادة بين العرب في القدس أكبر منها بين اليهود حيث شهدت تراجعًا في العقدين الأخيرين، وهو الأمر الذي لن يكون محطّ ترحيب من سلطات الاحتلال وسيدفع إلى مزيد من السياسات التي تحاول "إسرائيل" من خلالها جذب اليهود إلى الاستقرار في المدينة.
وفي أجواء الذكرى، وافقت حكومة الاحتلال على مجموعة من القرارات تمهيدًا للاحتفال بالذكرى الخمسين لاستكمال احتلال القدس عام 2017 حيث ستوضع خطة للتنمية الاقتصادية 2016-2020 كما سيشكّل فريق لإعداد الاحتفال باليوبيل الفضي وستوضع خطة لتطوير البنى التحتية لزيادة الزيارات إلى حائط البراق، بالإضافة إلى تطوير شبكة أنفاق الحائط وتخصيص بعض المباني في القدس لاستعمالها لأغراض ترفيهية وثقافية، وكل ذلك مشاريع تخدم المشروع التهويدي الذي تنفذه دولة الاحتلال في القدس، بما في ذلك المسجد الأقصى ومحيطه.
وفي سياق متصل بالاحتلال، بدأت ملامح عمل الكنيست والحكومة المنبثقة عنه حيال القدس بالتبلور. فقد أعلنت وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغف (ليكود) عن نيتها نقل مقر وزارتها من "تل أبيب" إلى القدس حيث طلبت من وزارة المالية البحث عن مكتب ملائم في مدينة القدس يصلح كمقر جديد للوزارة الثقافة والرياضة، عوضًا عن المقر الحالي في "تل أبيب". ولاقى قرار ريغف ترحيبًا من مراقب الدّولة، يوسف شبيرا، الذي دعا الحكومة الجديدة إلى تنفيذ توصيات تقرير مراقب الدولة الذي صدر قبل سنوات والقاضي بنقل كل الوزارات الحكومية إلى مدينة القدس كنوع من دعمها إسرائيليًا.
أما وزير السياحة ياريف ليفين فأعلن عن خطة جديدة تستهدف عددًا من المقدسات والأوقاف الإسلامية وتسعى إلى مزيد من التهويد لعدة مواقع، وفي مقدمتها المسجد الإبراهيمي في الخليل وبلدة سلوان في القدس المحتلة. وتقضي الخطة بإلزام كل طالب مدرسة أن يزور عشرة مواقع خلال سنوات تعليمه، ضمن خطة وزارية أشمل للتعرّف على "التراث والتاريخ اليهودي في البلاد" تمهيدًا لتجذير المفهوم بأن "هذه الدولة هي دولة الشعب اليهودي".
وعلى مستوى الكنيست، عاد النقاش حول الأقصى ليحل بندًا على جدول أعمال لجنة الداخلية بعد انقطاع عدة أشهر فرضته الحاجة إلى عدم المساهمة في إذكاء الحراك الشعبي في القدس، والتحضير لانتخابات تشريعية هادئة. ففي 16/6/2015، عقدت لجنة الداخلية وحماية البيئة في الكنيست جلسة لمناقشة تعزيز الوجود اليهودي في الأقصى ولكن الجلسة لم تكد تبدأ بمناقشة مبادرة لتغيير الوضع القائم في الأقصى حتى انفجر سجال حاد بين أعضاء اللجنة بعد أن عارض النواب العرب أي تغيير في الأقصى الذي من شأنه أن يؤدي إلى " إراقة الدّماء". وقال النائب ماجال إن المرابطين مسؤولون عن استفزاز المصلين اليهود وقد خالفوا قواعد الوضع القائم. وأضاف أنه على الشرطة تطبيق النظام في الموقع وإزالة المرابطين فورًا. وبالطبع فإن مثل هذا التصريح يعكس مآلات العمل في المرحلة القادمة حيث سيتعرض المرابطون لمزيد من التضييق من قبل سلطات الاحتلال نظرًا لما يشكلونه من عقبة أمام مشروع الاقتحامات، كما أن عدم متابعة النقاش في الجلسة لا يعني أنه لن تكون جلسات لاحقة في هذا السياق، بل يمكن القول إنّ المحاولات ستستمر من قبل بعض أعضاء الكنيست لبحث الموضوع ومحاولة تشريعه. وكانت لجنة الداخلية في الكنيست السابق عقدت ما يقارب 15 جلسة في هذا الإطار ركّزت بشكل خاص على "حق اليهود بالصلاة في جبل المعبد".
أما على المستوى الأميركي، فقد أصدرت المحكمة العليا قرارها بشأن قضية جوازات سفر الأميركيين المولودين في القدس وقضت بإلغاء القرار الصادر عن الكونغرس عام 2002 والذي يفرض تعريف مواطنين مولودين في القدس بناء على طلبهم بأنهم مولودون في "إسرائيل" في حين أنه بموجب السياسة الخارجية للولايات المتحدة لا يعترف بسيادة "إسرائيل" ولا أي دولة أخرى على القدس.
وعلى الرغم من أن القرار الصادر عن المحكمة هو في جزء منه لفض الاشتباك بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في موضوع السياسة الخارجية إلا أنه لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الوضع الدقيق للقدس وعدم التوصل إلى حل نهائي بشأنها. لكن على الرغم من ذلك، فإن القرار لم يحمل أي تغيير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة أو في موقفها حيال القدس حيث تتمسك بأن مكانة القدس تحددها المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.
وبينما تحسم الولايات المتحدة موقفها من تحديد مكانة القدس فإن فرنسا تسعى إلى طرح حل للقضية الفلسطينية عبر اقتراح من شأنه أن يساهم في إضاعة المزيد من الحقوق الفلسطينية، ومنها قضية القدس واللاجئين. فقد بدأ وزير الخارجية الفرنسي مؤخرًا بزيارة إلى مصر والأردن التقى بعدها بمسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين في رام الله والقدس وذلك ضمن مساعٍ لتسويق المبادرة الفرنسية التي طرحت في جلسة خاصة للبرلمان الفرنسي في تشرين ثانٍ/نوفمبر 2014. وعلى الرغم من أن المبادرة تستند في أساسها إلى العودة إلى المفاوضات إلا أنها لاقت ترحيبًا من الجانب الفلسطيني كما من جامعة الدول العربية وهو موقف يعكس حالة متقدمة من العجز حيث بات حل القضية مرهونًا بمفاوضات "محددة بإطار زمني" مع العلم أن سنوات طوالاً عجافًا من المفاوضات لم تؤدٍّ إلا إلى استقواء "إسرائيل" واستعلائها واستمرار مشروعها الاحتلالي من دون هوادة، ولا سيما التهويد والاستيطان في القدس والاعتداء على المسجد الأقصى.
ومع هذه الصورة الموجزة يبدو واضحًا تمسك "إسرائيل" بالقدس، ومحاولاتها إمساك العصا من الوسط للموازنة بين تطلّعاتها لإتمام السيطرة على المدينة وتحقيق مكاسب أكبر في المسجد الأقصى وبين الحاجة إلى عدم تأجيج الشارع المقدسي بما يؤدي إلى إعادة اندلاع حراك قد يتطور إلى انتفاضة على مستوى الضفة الغربية. لكن بالإجمال، قد تكون "إسرائيل" ضبطت إيقاع الشارع إلى الآن لكنّها لم تمتصّ حالة الغليان بشكل كامل ولعلّها لن تتخلى عن الحذر، ولا سيما في موضوع الأقصى، خصوصًا أنّ بضعة أشهر تفصل الفلسطينيين عن الذكرى الخامسة عشرة لانتفاضة الأقصى وما يمكن أن تشكله الذكرى من محطّة لاستعادة المشهد الذي فجّره آنئذ اقتحام أرئيل شارون مع الآلاف من جنود الاحتلال للمسجد الأقصى.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.