عرض كتاب دارُ المعلمين والكليّة العربيّة في بيت المقدس


تاريخ الإضافة الجمعة 23 تشرين الثاني 2018 - 1:23 م    عدد الزيارات 383    القسم قراءة في كتاب

        


 

إعداد: علي إبراهيم

عندما تمسك الكتاب للمرة الأولى بين يديك، يلفت انتباهك مباشرة عنوانه الذهبي الكبير، الذي نقش بخط الثلث، والمزخرف بكل إتقان ودقة هذا الخط العربي المميز، ومع تقليبك صفحات هذا الكتاب تتألق التجربة البصرية معه، من ملمس غلافه الخشن وحجمه الضخم، إلى تلك الأوراق الصفراء ذات الملمس المخملي القشيب...

كتاب "دارُ المعلمين والكليّة العربيّة في بيت المقدس" الصادر عام 2007، من تحرير الدكتور محمد يوسف نجم، يقع في 494 صفحة من القطع الكبير، وشارك في جمع مادة الكتاب عددٌ من الباحثين، حيث نشرت بعض فصوله في بعض المجلات والدوريات خلال السنوات السابقة. وقبل الخوض في مضامين الكتاب وأهم ما يقدم، يمكن الإشارة بأن ريع الكتاب يعود لصندوق الطلاب الفلسطينيين، فجمع إلى جانب مادته القيمة، رسالة دعمٍ لطلبة فلسطين، وهي الرسالة التي كان القائمون على الدار يسعون لإيصالها، عبر إخراج أساتذة فلسطينيين على جانب كبير من الثقافة والاهتمام والتميز.

 

يتكون الكتاب من ثلاثة أقسام بالإضافة للفهارس العامة، يتناول القسم الأول دار المعلمين المرحلة ما بين 1918 و1927، ويقدم الكتاب طريقةً جمعت بين الكتابة التقريريّة عن الدار وبين ذكريات من درس وعايش الدار والطلاب، فاستطاع الكتاب المزج بين المعلومات التاريخيّة، وبين ذكريات الكتّاب، فقدم سيرة ذاتية متفردة، سيرة فرد في مؤسسة، وسيرة الدار والكلية بقلم من نهل منها، وأضحى أستاذًا بعد أن كان بين جنباتها طالبًا.

وتحت عنوان "دار المعلمين تاريخ وذكريات" يقدم د. نقولا زيادة قبسات من تاريخ دار المعلمين، وتأسيسها مع بداية الاحتلال البريطاني لمدينة القدس، وكيف قام بالتقدم للدراسة في الدار، والتفاصيل الدقيقة للالتحاق حتى لائحة الثياب، والطريق التي سلكها للذهاب والعودة إليها، وما يكتنفها من صعوبات ومشقات، ومرور على ذكر طلاب وزملاء، ومدرسين أثروا وأفادوا، بالإضافة لموقع الدار وتقسيم قاعاته ومن يسكن فيه، ولفت د. زيادة إلى أن الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي سكن في الدار عندما درّس فيها في العام الدراسي 1920-1921. وبالإضافة لما سبق تطرق زيادة للمناهج التي درسوها، وذكرياته مع أستاذ الرياضيات، وعلم التشريح البشري، والكيمياء واللغة الإنكليزية وغيرها من المواد، واللقاء مع أعلام الفكر والأدب في القدس، ومن يفد عليها وتستضيفه الدار لزيادة الاحتكاك المعرفي مع الطلاب... ذكرياتٌ وتاريخ، شخصيات وكتب وعلوم، وحديث عبق بذكريات مدينة ومؤسسة وفرد.

 

وتحت عنوان "دارُ المعلمين" يتناول أ. محمود سليمان العابدي، تأسيس الدار واستلام خليل السكاكيني لإدارتها، ومن استقالته بعد تولي هربرت صموئيل منصب المندوب السامي للاحتلال البريطاني، وتأسيس نظام الدراسة في الدار، والانتقال من التعليم بالتركية، إلى العربية، واعتماد المناهج القادمة من مصر، ويمر الكاتب على عددٍ من المضامين المتعلقة بحياة الطلاب في الدار، من الألعاب الرياضيّة في الدار، والمشاركة في المباريات السنوية بين مختلف مدارس فلسطين، والرحلات الاستكشافية التي شاركوا فيها، تعرفوا خلالها على الغور وبيت لحم، ووصلوا فيها إلى نهر الأردن، وزيارة أديرة المناطق البعيدة والنوم في كنفها، وتذوق خيرات البلاد، بالإضافة للجولة الأسبوعية للتعرف على معالم مدينة القدس، في احتكاك مباشر ودائم مع المدينة، وتناول الأستاذ العبادي في حديثه مكتبة الدار وتوسعها، وكيف رسمت مسارات الطلاب اللاحقة من خلال حب الاطلاع والمطالعة لديهم، حتى غدا بعضهم أعلامًا في الفكر والعلم والسياسة.

 

وعلى إثر هذين الاستعراضين المميزين،وتناول تاريخ الدار من منظور طالبين عاشا فيها، يحتوي القسم الثالث على أسماء الشخصيات التي شغلت إدارة الدار، بالإضافة للمدرسين فيها، مع تقديم نبذة مختصرة عن حياة كلٍ منهم، بالإضافة لقائمة بالطلاب الذين تخرجوا من الدار، مقسمة على سنوات التخرج من عام 1920 حتى عام 1927، وهو العام الذي شهد تحويل الدار لتصبح "الكلية العربية"، أعلى معهد تعليمي في فلسطين.

ويبدأ القسم الثاني بكلمة مدير المعارف البريطاني همفري بومن، التي ألقاها في حفل التخرج عام 1927، وخاطب فيها القائم بشؤون حكومة فلسطين. تلاه التقرير السنوي والذي ألقاه في الحفل ذاته مدير الكلية، استعرض خلاله إنجازات "الدار-الكلية" حتى ذلك العام.

 

وفي هذا القسم يعود د. نقولا زيادة ليسكتمل حديثه عن ذكرياته في الكلية، ويبدأ بأن تغيير الاسم لم ينعكس تبدلًا مباشرًا في دور وطبيعة المؤسسة، ويذكر واقع التعليم في فلسطين خلال تلك المرحلة، وتطور بعض المدارس وإنشاءها صفوفًا للتعليم الثانوي، يلتحق بعد إتمامها الطلاب للدراسة بالكلية العربية لاستكمال الدراسة. ويورد الكاتب كيف بدأ توسع الكلية مع مديرها الأستاذ أحمد سامح الخالدي، وقيامه بجذب أساتذة على قدرٍ عال من التمكن، للتدريس على أكمل وجه، ويذكر د.نقولا بأن مصطفى مراد الدباغ الذي كان يعمل مديرًا لمدرسة الخليل الثانوية، كان يدرّس بعض حصص التاريخ في الكلية، والدباغ واحدٌ من أعلام فلسطين في التربية والتاريخ.

ويكمل د. نقولا كلامه عن الكلية، وزياراته لها بعد تخرجه، وكيف عاد إليها مدرسًا عام 1940، إلى جانب تدريسه في المدرسة الرشيديّة، بعد عودته من الدراسة في لندن. ويصف الكاتب كيف انتقلت الكلية من بنائها القديم قرب باب الزاهرة، إلى مبناها الجديد على جبل المكبِّر، ويصف نقولا المبنى وتقسيمه، وموقعه على هضبة صغيرة في المكبِّر، وما يضم من قاعات وغرف، ويقدم في هذا القسم إطلالة على التعليم في الكلية إبان تلك الفترة، وكيف تم تقسيم الدراسة الثانوية في فلسطين عامةً إلى قسمين علميّ وأدبيّ، واختلافات المواد الدراسية بينهما وما يجمعهما معًا، وتحضير الطلاب لشهادة الاجتياز إلى التعليم العالي الفلسطيني "المترك"، ويليها الدراسة لسنتين لامتحان الشهادة المتوسطة، وهي شهادةٌ تعادل السنة الجامعية الثانية، ولم تتجاوزه الكلية حينها.

ويسهب د. نقولا في ذكر زملاء التدريس وتنوع اختصاصاتهم، والجامعات التي حصلوا شهاداتهم فيها، ويمرّ على ذكرياته في التدريس، مواقف مع زملاء وطلاب، فمن طلاب سهروا حتى ساعة متأخرة من الليل، إلى طالب وجده يدخن في حديقة الكلية، وعلاقاته مع غيره من الأساتذة، وقصة تأليفه كتابه عن التاريخ القديم، ليدرس فيه الطلاب في المدارس الفلسطينية، وعلاقته مع مدير المعارف البريطاني "فاريل"، ومن ثم مغادرته إلى لندن للحصول على الدكتوراه، وخلال غيابه انتهى الاحتلال البريطاني للقدس، وقامت حرب عام 1948 مع العصابات الصهيونية، ومن آثار الحرب تدمير مباني الكلية في المكبر، ما أدى إلى إقفال أبوابها في شهر نيسان/أبريل من العام نفسه ولم تعد للعمل بعدها.

 

ويذكر د. نقولا إن مدرسي وخريجي الكليّة، قد تفرقوا في أسقاع الأرض بعد إغلاق الكلية، داخل فلسطين وخارجها، وساهموا في إنشاء أقسام المعارف والجامعات والتدريس في عددٍ من البلاد العربيّة، في الخليج العربي وسوريا ولبنان والأردن وغيرها، فمن أبرز الأساتذة مصطفى الدباغ، ومن الطلاب المحقق اللغوي ناصر الدين الأسد، والأستاذ محمد يوسف نجم، والأديبان الكبيران توفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا.

وفي القسم الثاني، دراسة عن الكلية العربية للدكتور هشام نشابة رئيس مجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية، نشر عام 1988، ويقدم البحث دراسة عن تاريخ التعليم في فلسطين، وقد ورد في الكتاب الجزء المتعلق بالكلية العربية فقط. وقدم إطلالة عن الكلية وتطورها وتطور برامجها، وعن أعداد الطلاب حتى إغلاقها، وجدواول لتوزيع الحصص على المواد الدراسية، بالإضافة لأبرز خريجي الكلية، في ميادين الفكر والأدب، والمراكز العلمية والتربوية المختلفة.

ويختتم الكتاب بقسم خاص عن مدير الكلية أحمد سامح الخالدي بقلم د. نقولا زيادة، قدم فيه نقولا معلومات عن هذه الشخصية المميزة، وعن إنجازاتها في الكلية، وكيف بدأت الصلة الشخصية بين الرجلين، ابتداءً بمحاضرات الخالدي عن التربية عندما كان نقولا في عداد الطلاب، ومن ثم بعدما أصبح مدرسًا في الكلية، وعن العلاقة التي جمعته بأسرة الخالدي، تفاصيل وذكريات مختلفة، وحديث عن قامة علمية وتربوية من قامات فلسطين الشامخة. وفي قسم الأساتذة إطلالة مختصرة عن جميع الأساتذة الذين درّسوا في الكلية.

 

وأورد الكتاب إحصاءً مفصلًا عن خريجي الكلية، خلال الأعوام الدراسية، وعن المدن التي جاؤوا منها، بالإضافة لقوائم الناجحين بشهادة الاجتياز إلى التعليم العالي الفلسطيني "المترك"، والشهادة ما قبل الثانوية، تلاه قائمة طويلة تناولت شخصيات مختارة من الخريجين، ممن تركوا آثارًا علمية وأدبية وفكرية، مع ذكر أهم الوظائف التي شغلوها، وأبرز المؤلفات التي خلفوها، ويضيق في هذا العرض إيراد من ذكرهم الكتاب، ونكتفي بالنماذج التي أوردناها سابقًا.

يقدم تاريخ الكلية العربية في القدس، نموذجًا للجهد الفلسطيني في ميدان التربية والتعليم، والمرحلة التي وصل إليها التعليم العربي في تلك الفترة، وكانت الكلية بذرة واعدةً في سياق تأسيس التعليم الفلسطيني القادر على تلبية الحاجات الفلسطينية، ولكن الاستعمار الصهيوني وما قام به من تدميرٍ للكلية العربية، وما جرى من تقطيع لأوصال فلسطين واحتلالها، حال دون اسكتمال دور الكلية، وجعلها حلمًا قارب على التحقيق، ولكنه قتل في غفلة من إرادة التجهيل التي يقوم بها وعليها الاحتلال.

 

يترك الكتاب أثرًا عميقًا، عن المقدرات المذهلة التي يكتنفها هذا الشعب الحيّ، فلم يقف خريجو الكلية ولا أساتذتها بعد دمار الكلية، بل شكلوا نواة أساسية في ميادين مختلفة، فبرز منهم نوابغ في الأدب والفكر والتاريخ والسياسة، وتقلد العديد منهم وظائف مهمّة في العديد من الدول العربية. لا يمكن القول إن بلادهم كانت أحق فيهم، ولكننا وبكل تأكيد نقول، إن فلسطين والقدس عاشت فيهم أينما كانوا، وفلسطين التي استلبها اليهود، قامت بالمساهمة في بناء كل شبر عربي، بالعلم والخبرة والجد.

 

 

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



علي ابراهيم

السالكون في طريق الشهادة

الخميس 13 كانون الأول 2018 - 4:45 م

هناك على هذه الأرض المباركة تشتعل معركةٌ من نوع آخر، معركة صبرٍ وثبات وعقيدة، معركة تشكل إرادة المواجهة عنوانها الأسمى والأمثل. فكسر القواعد المفروضة وتغيير الواقع المفروض عليهم، هي أبرز التجليات لأفع… تتمة »