مدير عام مؤسسة القدس الدولية: الاحتلال لا يحتاج إلى دبابات لتهويد القدس، والمقدسيون تُركوا وحيدين في المعركة

تاريخ الإضافة الأحد 20 أيلول 2015 - 10:51 ص    عدد الزيارات 3305    التعليقات 0    القسم أبرز الأخبار، أخبار المؤسسة

        


مقابلة

يشهد المسجد الأقصى تصعيدًا خطيرًا مع قرار الاحتلال تصنيف المرابطين والمرابطات في الأقصى بأنهم مجموعات إرهابية ما هو استشرافكم لواقع المسجد الأقصى في ظل هذا التصعيد؟
لا شك أن خطوة الاحتلال باعتبار المرابطين والمرابطات في الأقصى وطلاب مصاطب العلم فيه بأنهم مجموعات إرهابية هي خطوة بالغة الخطورة، وهي تعني بأن سلطات الاحتلال ستتمادى في إجراءاتها الإدارية التعسفية وستمنع الجهات الفاعلة والرموز المقدسية المؤثرة من الدخول إلى الأقصى وستعتقلهم وتبعدهم وتلاحقهم في محاكمها.
إن هذا الاعتداء الخطير هو نتيجة انشغال العالم العربي بمشاكله الداخلية وعدم قيام العواصم والهيئات الدولية بتطبيق القرارات الدولية التي تلاحق حكومة الاحتلال وقادتها المتطرفين، وهو ما يسمح لسلطات الاحتلال فعليًا في استكمال السيطرة على الأقصى، والإمعان في تهويد القدس، والتأكيد على أن الاستيطان هو المرتكز الأساسي في البرنامج الحكومي، ويبدو أن "المعسكر القومي الإسرائيلي" المتشدد يريد أن يكرّس معادلة جديدة أن "الوضع القائم" تغير في القدس، وهذا يعني أن الاحتلال ملتزم بأجندة قومية متطرفة تعمل بشكل حثيث على إرسال رسائل استفزاز وتحدٍ للفلسطينيين، من خلال إسقاط الحصرية الإسلامية عن الأقصى وتعزيز السيطرة الإسرائيلية عليه، والعمل بشكل صريح على إنهاء حل الدولتين وتعزيز مبادئ العنصرية والتطرف إلى جانب تحجيم التعامل مع السلطة الفلسطينية إلى مستوى العلاقات العامة والتنسيق الأمني.
واليوم في ظل هذه الغطرسة والتحدي الإسرائيلي السافر للمجتمع الدولي ومؤسساته القانونية والإنسانية، يبقى من يدافع عن مدينة القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية هم المقدسيون وحدهم، فتحية الإكبار والإجلال إلى صمودهم الأسطوري، والدعوة لهم بمواصلة حراكهم الشعبي ومقاومتهم الباسلة.
لكن بالمقابل فإن طاقات المقدسيين وقدرتهم على الاحتمال في ظل الحصار الشديد لا يمكن أن تكون بلا نهاية، ولذلك يشعر المقدسيون اليوم أنهم في غربة عن عمقهم العربي والإسلامي، وهم يرون أنهم تُركوا وحيدين في مواجهة أكثر حكومات إسرائيل تطرفًا ونهمًا للتنكيل بهم وطردهم من مدينة القدس، وعلى الأمة العربية والإسلامية أن تتحمل مسؤوليتها بهذا الشأن.

بالتأكيد تقدم الاحتلال خطوات ممنهجة في السيطرة على القدس، كيف تعيش مدينة القدس وأهلها المقدسيون اليوم في ظل سياسات الاحتلال المتطرفة؟
إن مدينة القدس تواجه حملةَ تهويدٍ جذرية تعتبر الأكثر شراسة منذ 48 عامًا، وعلى الجماهير العربية والإسلامية وأحرار العالم أن يدركوا أن الاحتلال لم يعد بحاجة إلى الدبابات والطائرات لبسط سيطرته على المقدسات الإسلامية والمسيحية، فلا تنتظروا رؤية الأشلاء والدماء لمعرفة عمق الأسى الذي يعانيه 300 ألف مقدسي يقفون حجر عثرة في وجه أعتى الأنظمة قوةً ونفوذًا على مستوى العالم.
إن المقدسيين يعيشون اليوم في ظل إجراءات احتلالية شديدة الصعوبة، ويواجهون سياسات تطهير عرقي تهدف إلى اقتلاعهم أو على أقل تقدير جعلهم أقلية مستضعفة، حيث تشكل نسبة الفلسطينيين في القدس 37% من سكان القدس أي ما يقارب 301,000 نسمة لعام 2014، ويعيش 75.3% منهم تحت خط الفقر.
والأكثر سوءًا أن حكومة نتنياهو الأولى والثانية والثالثة التي شكّلها مؤخرًا، تُصنف إسرائيليًا بأنها "حكومة مستوطنين" فأغلب وزرائها وتشكيلتها من المستوطنين، حتى أن رئيسة حزب ميرتس الإسرائيلية تقول: "أن حكومة نتنياهو تعمل لدى المستوطنين"، متهمة الحكومة "بأنها تنفق أموال طائلة على المستوطنات أكثر مما تنفقه على غلاف غزة والريف "الإسرائيلي" فهي تحوّل ضعف الأموال للمستوطنات"، وهذا الأمر يمكن رؤيته بوضوح أكثر من خلال تقرير حركة "السلام الآن" والذي أظهر أن الاستيطان ارتفع إلى نسبة 40% ما بين عام 2009 إلى بداية عام 2015 ليسجل رقمًا قياسيًا لم تشهده القدس منذ 10 سنوات. وقد كان آخر طرح من وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية في 27/4/2015، حيث طرحت عطاءات لبناء 77 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنتي "بسغات زئيف" و"النبي يعقوب" المقامة على أراضي شرقي القدس المحتلة، منها 36 وحدة استيطانية ستقام في مستوطنة "النبي يعقوب"، في حين ستقام 41 وحدة أخرى في مستوطنة "بسغات زئيف".
وتبرز معاناة المقدسيين في تقليص مساحات البناء بهدف جعل المدينة طاردة للسكان ودفع أهل القدس للهجرة خارج المدينة، حيث أن 14% فقط من مساحة القدس الشرقيّة مُخطّط لغرض البناء الفلسطينيّ السكنيّ. وتشكل إجراءات رخص البناء الورقة الأقوى بيد الاحتلال للتلاعب في الميزان الديموغرافي للمدينة، ففي حين تصل نسب البناء القصوى في الأحياء الفلسطينيّة إلى 25%-50%، فإنها تراوح في الأحياء اليهوديّة بين 75%-125%.
والاحتلال لا يكتفي بخلق حالة إحباط من إمكانية البناء في المدينة، بل إنه يعمد إلى نشر حالة من عدم الاستقرار عبر هدم البيوت وتشريد سكانها، حيث أنه عام 2014 هدم 214 منشأة منها 87 منزل.
وفي منحى آخر يضطرّ الكثير من الطلاب لتحمّل الازدحام في شقق سكنيّة حُوّلت لمدارس؛ وهذا ما يدفع 53% من نسبة الطلاب المقدسيين للدراسة في مدارس البلدية الرسمية. والمعاناة تزداد مع طلاب الثانوية الذين يُنهون دراستهم، ليواجهوا الكثير من صعوبات القبول في الجامعات الإسرائيليّة؛ حيث أن الطلاب الجامعيّون في الجامعات الفلسطينيّة، ومن بينها جامعة القدس يواجهون صعوباتٍ في الحصول على اعتراف إسرائيليّ بألقابهم الجامعيّة.

يتعرض الوطن العربي إلى حالة اضطراب وانشغال كيف ترى حال القدس اليوم في ظل هذا الواقع، وكيف يمكن للأمة دعم المقدسيين وتثبيتهم؟
هذا هو الواقع للأسف لقد أصبحت قضية القدس والمسجد الأقصى معزولة عن جماهير الأمة الكبرى، ولعل ما تعانيه القدس من تهويدٍ لم يتوقف، يتساوى مع غياب الموقف السياسي والدعم العربي والإسلامي الناتجة عن حالة الاستنزاف الخطيرة التي تغرق بها الدول العربية بسبب مشاكلها الداخلية، ويكاد يكون هذا الأمر مرسومًا بعناية من قبل مراكز القوى العالمية، لتدمير البنية التحتية والشعبية للمنطقة العربية بأكملها وتحويلها إلى جزر مشتعلة، ومن ثم ضمان استمرار "الكيان الإسرائيلي" في قلب المنطقة العربية والإسلامية.
وهذا الأمر لا يخفى على الجماهير العربية، ولكن ينبغي أن يتحول هذا الوعي إلى جهدٍ ملموس من خلال تفعيل سلاح الدبلوماسية الشعبية، وتنظيم العمل الطلابي والروابط الشبابية والروابط النسائية والمجتمعات الأهلية، من أجل تحريك الرأي العام العربي والعالمي، ودعم قضية فلسطين وقضية القدس والمسجد الأقصى، فالمقدسات ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، إنها للمسلمين جميعًا، عربهم وعجمهم، كما أنها للعرب كافة، مسلمهم ومسيحيهم، وعليهم الانطلاق من هذه البوصلة للوصول إلى الاستقرار المأمول في العالم العربي.


باعتباركم مديرًا عامًا لمؤسسة القدس الدولية، هل من لمحة تقدمونها للتعريف بالمؤسسة وبدورها في نصرة القدس والأقصى؟
مؤسسة القدس الدولية، مؤسسة مدنية مستقلة، تضم شخصيات وهيئات عربية وإسلامية وعالمية، غايتها العمل على إنقاذ القدس، والمحافظة على هويتها العربية ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، في إطار مهمة تاريخية، لتوحيد الأمة بكل أطيافها: الدينية، والفكرية، والسياسية، والثقافية، والعرقية، والجغرافية لنصرة القدس. وللحقيقة والتاريخ أقول إن من أهم إنجازات المؤسسة في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها الأمة من حالة تمزق، هو بقاء المؤسسة بيتًا تلتقي به أطياف الأمة على شيء يجمعها ألا وهي قضية القدس.
وتعمل المؤسسة على رصد سياسات الاحتلال وإجراءاته الميدانية بهدف وضع رؤية استراتيجية تدرس واقع القدس وتستشرف مستقبلها وتضع التوصيات والمبادرات لمساعدة صناع القرار في اتخاذ قرارتهم من أجل خدمة المدينة المقدسة وحماية هويتها العربية والإسلامية، وإلى جانب ذلك تمارس المؤسسة سياسة الحشد والاستنهاض الرسمي والشعبي من خلال عقد المؤتمرات الدولية وتنظيم الحملات العالمية، لتعزيز حضور المدينة في المحافل الرسمية وغير الرسمية، بهدف تثبيت سكانها، وتعزيز صمودهم، مسلمين ومسيحيين، وتحقيق قوة احتجاج عالمية فاعلة تجاه ما يحدث في القدس.

كما تسعى المؤسسة إلى خلق وعي إعلامي جماهيري متعاطف مع القدس ومتضامن مع أهلها من خلال الإنتاج الإعلامي الذي يعكس بموضوعية واقع تهويد مدينة القدس الأليم، ويفعّل الحراك الجماهيري للتضامن مع المقدسيين عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية،