الحريق الكبير !

تاريخ الإضافة الثلاثاء 20 آب 2019 - 12:30 م    عدد الزيارات 273    التعليقات 0     القسم مقالات

        


د.أسامة الأشقر

رئيس مجلس إدارة مركز المخطوطات والوثائق الفلسطينية وعضو اتحاد الكتاب العرب

في البدء يكون الحريق شرارةً وشواظاً ودخاناً !

وللحريق نطاق يصبغ المكان المحروق بالسواد، أو يذيب مادته القابلة للاحتراق !

وأما الحارق فهو كما وصفوه معتوه متعصِّب جرى وراء نبوءة تستدعي المسيح المنتظر بعد أن يبني اليهود معبدهم على أنقاضه !

وبقي هذا المجنون حيّاً في بلاده الإسترالية البعيدة حتى بلغ الرابعة والخمسين ثم مات عام 1995م من كمَدِه إذْ لم تأتِ النبوءة التي كان من المفترض أن تتحقق خلال أربع سنوات ونصف من فعلته كما قال له كاهن كنيسته "كنيسة الرب العالمية" في قارته النائية في طرف الأرض الأقصى!

واليوم يمضي على ذكرى ناره الموقَدة خمسون عاماً شمسية كاملة ! وما يزال سواد المكان يصبغ وجوهنا المحروقة بالأسى، وما يزال سخام العجز يكوي قلوبنا، وما تزال ألسنة اللهب تتراءى في مرايا عيوننا المحمرّة!

كل ما أحرقوه كان رموزاً على مكان يختزن المكانة، حاول فيه صنّاع الأزمنة أن يضعوا فيه أجمل ما فعلوه لحفظ المكانة وإظهار احترامهم لِما ورِثوه من تراثِ قداسةِ هذا المكان.

لم يكن الحريق أول الدمار بل كان خاتمة مرحلة أزالوا فيها تراث المغاربة في القدس، وفرضوا السيادة العسكرية الزرقاء المسدّسة على المكان المقدّس !

رغم أن الاعتداء على تراث المكان كان اعتداء على آثار تاريخية عظيمة إلا أن اليونسكو لم تستطع أن تفعل شيئاً لنا سوى البيانات المسانِدة !

ورغم أن زعماء العالم الإسلامي اجتمعوا لأول مرة تحت دخان الحريق وكوّنوا لجنة القدس إلا أن أمراً ذا بال لم نره إلى اليوم !

ورغم أن الحريق قد فشل جزئياً بتدمير معمار المسجد الأقصى لاسيما بعد إتمام جهود ترميمه بُعيد الحدث إلا أنه أشعل الحماسة في نفوس يهود العالم وصهاينته أنه بالإمكان أن يتطلعوا دوماً لنمط الحريق لِيعْبروا إلى حلمهم البعيد المنتظَر ؛ وصار هذا اليهودي المعتوه رمزاً مقدّساً لهؤلاء الفدائيين اليهود الذين يقدّمون أنفسهم قرابين لأفكارهم الأسطورية التي يؤمنون بها.

إن حادثة حريق المسجد الأقصى جاء قبلها أحداث نرى مثلها اليوم وكأنها مقدّمة لحريق آخر كبير، كان منها اقتحام ثلاثة شبان متدينين يهود حرم المسجد وطوافهم حول قبة الصخرة !

المسجد الأقصى اليوم في داخل الحريق، ومع أن معالمه الأبرز ما تزال ملوّنة إلا أنها قشرة زائفة تخفي تحتها سواداً كثيفاً:

ألا ترى أشجارها المعمرة تسقط واحدة تلو الأخرى !

ألا ترى أبوابها تغلق واحداً تلو آخر !

ألا ترى مصلّياتها تُحجَب عن الصلاة والزيارة !

ألا ترى أن تفريغ المسجد من المصلين تماماً يتكرر كثيراً !

ألا ترى الأذان يُخنق لأسباب أمنية لا علاقة لها بالصوت الصادح الداعي إلى العبادة !

ألا ترى تلك الأنفاق التي حولت أرضية المسجد إلى هواء تستعد لامتصاص كل ما على سطحها الملوّن !

ألا ترى شبابنا وأمهاتنا وبناتنا وكبارنا يُطرَدون عن المسجد ويُبعَدون، ويُعتقلون !

ثم ألا ترى أن مظاهر السيادة تتحول بسرعة إلى السلطات اليهودية، وأن الاقتحامات باتت يومية، وأن جرأة اليهود على مواضع عبادة المسلمين تبلغ مداها !

ثم ألا ترى أن القدس ومعها فلسطين صارت كلها في ذيل الاهتمامات، وأن مسيرة عربية واحدة لا تكاد تخرج لأجلها اليوم !

إن الحريق كبير هذه المرة أيها المسجد المقدّس، إلا أنّه لم ينَل من اجتماع القلوب عليك في هبة باب الأسباط، ولدينا مزيد !#حي_فينا

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

القدس.. لا المسجد الأقصى وحده

التالي

الريسوني وزيارة القدس.. وإضافة غريبة أخرى

مقالات متعلّقة

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »