قبل أن تصبح صفقة القرن أمرًا واقعًا!

تاريخ الإضافة السبت 6 تموز 2019 - 10:00 ص    عدد الزيارات 859    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

صرّح جاريد كوشنر، صهر ترمب وكبر مستشاري البيت الأبيض، وعراب ما يعرف بصفقة القرن، أو الخطة الأمريكية للسلام، أنّ "خطة السلام قد تدعو إلى توطين دائم للاجئين الفلسطينيين في الأماكن التي يقيمون فيها، بدلاً من عودتهم إلى أراضٍ أصبحت الآن في دولة إسرائيل". يأتي هذا التصريح بعد أقل من أسبوعين على انعقاد الورشة الاقتصادية في البحرين التي قال الأمريكيون إنّها الشقّ الأول من خطتهم للسلام. وأضاف كوشنر: "لن نسمح لأشخاص فشلوا بالماضي أن يعرقلوا عملية السلام الان، وسنعلن خلال الأسبوع القادم عن الخطوات بعد مؤتمر البحرين". هذا التصريح من كوشنر ليس بالمفاجئ، إذ سبقته قرارات ترمب بوقف مساهمة واشنطن في ميزانية الأونروا إضافة إلى الحديث عن إعادة تعريف اللاجئين بما يضمن تقليص عددهم من حوالي خمسة ملايين فلسطيني إلى بضعة آلاف، والتقارير التي تحدثت عن دفع مبالغ مالية، لا سيّما للأردن ولبنان، لتوطين اللاجئين.

وقد تفاوتت المواقف والتصريحات حيال صفقة القرن وورشة البحرين، إن لجهة المشاركة في الورشة أو ضرورة إعطاء الأمريكيين فرصة ليعرضوا أفكارهم، وضرورة الاستماع لهذه الأفكار، وذهبت دول عربية إلى المشاركة في ورشة البحرين فيما أشارت تقارير وتسريبات إلى دور تلعبه بعض الدول لتمرير صفقة القرن، ومن ذلك الضغط على الفلسطينيين للقبول بها.

إلا أنّ اللافت هو التصريحات والتحليلات التي جزمت أنّ ورشة البحرين فاشلة، وأنّ صفقة القرن ولدت ميتة. فوفق القيادي بحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أحمد المدلل فإنّ "صفقة القرن" ولدت ميتة، وورشة البحرين التآمرية لن تزيد أصحابها إلا خيبة، ومزيدًا من الفشل، وكلّ مخرجاتها لن تكون سوى حبر على ورق، ومآلها مزابل التاريخ. وهذا ما عبرت عنه حركة حماس في تصريحات لمختلف مسؤوليها إذ قال خليل الحية، عضو مكتبها السياسي، إن صفقة القرن ولدت ميتة وورشة البحرين ولدت فاشلة ولن تجد طريقا لتطبيقها طالما الطرف الفلسطيني الأساس يرفضها، وهذا ما ذهب إليه رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية عندما قال إنّ "صفقة القرن ومؤتمر البحرين ليسا قدرًا وولدا ميتين". والموقف ذاته عبرت عنه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي قال مسؤول دائرة العلاقات السياسية فيها، ماهر طاهر، إن ورشة البحرين هي جزء من صفقة القرن التي ولدت ميتة. وتقاطعت تصريحات الفصائل مع موقف السلطة الفلسطينية الذي أكّد أنّ ورشة البحرين ولدت ميتة، أية إجراءات أحادية هدفها تجاوز الشرعية العربية والدولية ستصل إلى طريق مسدود، وأن فلسطين لم تكلف أحدا بالتكلم باسمها، وأنه لا شرعية سوى لقرارات الشعب الفلسطيني الممثلة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وقرارات المجالس الوطنية.

إلا أنّ بيانات نعي صفقة القرن والتصريحات حول فشل ورشة البحرين لم تثنِ كوشنر عن الحديث عن الاستعداد لطرح صفقة القرن، وفي مقدمة بنودها تصفية حق اللاجئين، وبيانات التحذير التي نبّهت من صفقة القرن وخطورتها، لا سيما اتجاهها إلى ضرب حقّ العودة، لن تكون ذات أثر إن ظلّت في إطار الأقوال ولم تقترن بخطوات عملية على الأرض تعرقل طرح الخطّة، وتجعله غير ذي معنى.

وقد أشرنا في مكان آخر إلى أهمية الدور الشعبي في إفشال المخططات الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية، إلّا أنّه من المهم أن يكون التحرك الرسمي متوافقًا مع المطالب الشعبية التي لا تزال خط الدفاع الأول عن هذه القضية. فالتصريحات التي سمعناها مؤخرًا عن استعداد القيادة الفلسطينية للحوار مع الإدارة الأمريكية بشرط أن تتراجع عن قراراتها يعكس الرضا باستمرار الدوران في فلك "الحل" الأمريكي الذي لم يكن إلا منحازًا إلى الإسرائيليين، وإن كان الانحياز أكثر وضوحًا، ومن دون تجميل، مع الإدارة الحالية. كذلك، فإنّ التصريحات عن الاستعداد للتفاوض مع أي حكومة يختارها الإسرائيليون، وهو تصريح سبق الإعلان عن ورشة البحرين، لكن في ظلّ التسريبات حول صفقة القرن ومضمونها، توحي أنّ الفلسطينيين لم يتعلموا من تجربة المفاوضات بعد، وقد كانت تجربة فاشلة بكل المعايير، إذ إنّها لم تحصّن أو تحصّل حقًا فلسطينيًا، وتمكّن الإسرائيليون في أثنائها من تنفيذ المزيد من سياسة تثيبت الحقائق على الأرض إن على مستوى التّهويد في شرق القدس المحتلّة، أو في عموم الضفة الغربية، لا سيّما على صعيد الاستيطان، حتى الأسرى الذين وافقت دولة الاحتلال على إطلاق سراحهم ضمن مسلسل مفاوضات التسعة أشهر في عهد الرئيس باراك أوباما، أعادت اعتقالهم. أمّا استمرار التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال فهو لا يدلّ إلا على الاصطفاف في محور محاربة المقاومة، ما يعني تسهيل الطريق نحو تصفية القضية الفلسطينية برمّتها.

وبما أنّ "بيانات النعي" صدرت عن الفصائل كذلك، فإنّها هي الأخرى مطالبة بعدم الركون إلى هذه البيانات، أو الاطمئنان إليها، لأنّها وإن كانت تعبيرًا عن موقف واجب ومطلوب، إلّا أنّها لا يمكن أن تحبط صفقة القرن أو تمنع كوشنر وترمب من المضيّ في طرحها إن لم تقترن بالعمل. وهنا تأتي أهمّية التمسك بالمقاومة كخيار أوّل، وفرضه كثابت لا يقبل التفاوض أو التنازل، والعمل على تعزيز هذه الجبهة وتمتينها، ومنع الاحتلال وداعميه من شقّها واختراقها.

إذًا، درجت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على ترهيب الفلسطينيين مرات وإغوائهم مرات أخرى حتى تفرض مسارات تخدم دولة الاحتلال، وربّما غُمّ الأمر على البعض في وقت مضى حتى ظنّ أنّ الولايات المتحدة قد تخذل ربيبتها في المنطقة لتدافع عن الحقّ الفلسطيني. لكن اليوم تحضر الولايات المتحدة على حقيقتها، عارية من دون تجميل، مفترسة من دون قفّازات، ووقف اندفاعتها لتصفية القضية الفلسطينية لا يحتاج إلى بيانات رفض وإدانة بقدر حاجته إلى التّصرف الفعلي على الأرض، والعمل الجدّي للتّصدي للاستكبار الأمريكي راعي الصلف الإسرائيلي، وقد آن الأوان للخروج من بيت الطاعة الأمريكي، والتخلّص من ربقة الاستعمار بكلّ أشكاله.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

خمسة أعوام على إحراق الطفل أبو خضير

التالي

تعرف على المسار التشريعي والشبابي اليهودي للسيطرة على المسجد الأقصى

مقالات متعلّقة

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »