القدس والقانون الدولي

تاريخ الإضافة الجمعة 17 أيار 2019 - 4:35 م    عدد الزيارات 967    التعليقات 0     القسم مقالات

        



مداخلة الدكتور مصطفى زعبي في ندوة إطلاق كتاب"القدس من رحابة الفضاء الإنساني إلى ضيق الاحتلال الإسرائيلي" للباحث هشام يعقوب

بداية اسمحوا لي بالتوجه بشكر المؤلف على الجهد المبذول في إنجاز هذا العمل الذي توثق صفحاته لتاريخ مدينة القدس وحاضرها، ولبعدها الإنساني ولواقعها الثقافي والاجتماعي، ولمعاناة المدينة وأهلها في ظلّ الاحتلال الصهيوني.

إن توقيت إصدار هذا الكتاب لا يقل أهمية عن مضمونه، خصوصًا في ظل الهجمة الأخيرة التي تتعرض لها ضمن ما اصطلح على تسميته صفقة القرن؛ وقرار ترامب بنقل سفارة واشنطن إلى قلب مدينة القدس يصب في دعم مشاريع الكيان الصهيوني في محاولة تهويد المدينة (مشروع القدس 2020) وإلغاء وجودها وطمس هويتها العربية والإنسانية الجامعة، التي لم يدّخر المؤلف جهدًا في إبراز البعد الإنساني لهذه المدينة ومكانتها العظيمة في التاريخ الإنساني في كل محاور الكتاب .

وطالما كان للقدس مكانتها الخاصة بين مدن العالم، فهي مسكونة بالتاريخ والتاريخ مسكون بها، وتاريخها لا يقتصر على كونها مهد الأديان السماوية؛ بل يرتبط بالتراث العربي الإسلامي والمسيحي وبالحضارة الإنسانية والعالمية بشكلٍ عام؛ ما جعلها فريدة من نوعها، هذا البعد الإنساني للمدينة عبّر عنه غبطة بطريرك القدس اللاتين فؤاد الطوال بقوله: مدينة القدس ليست مجرد مدينة ومجرد مكان؛ بل إنها أكثر من ذلك بكثير، والبشرية جمعاء مرتبطة بشكلٍ ما بها، وفيها يتجلّى سرّ الخالق عزّ وجلّ؛ فأبعاد المدينة الإنسانية مستمدّة من الواقع الملموس والمُعاش يوميًا، وهي تشكِّل تحديًا مباشرًا للإنسانية يُلامس قلوب البشر وأرواحهم، وهي ليست مسألة عابرة بل تمسّ إنسانيتنا والمشاعر العميقة في صميم ذواتنا. فالقدس مشروع إنسانيّ حضاريّ ومختبر إنسانيّ بامتياز.

إن أطماع الصهيونية بالقدس ومحاولة تهويدها جزء من المخططات الصهيونية العامة التي جرت وتجري على أرض فلسطين منذ نهاية القرن التاسع عشر، فالكيان الصهيوني عمد من لحظة احتلاله المدينة وإعلانها عاصمة له بقرار من الكنيست عام 1949، إلى تغيير معالمها التي تحمل قرونًا من التاريخ وجزءًا ثمينًا من تراث الإنسانية، لتتحول الآن تحت الاحتلال وبسبب الاستمرار في مشاريع الاستيطان إلى مدينة عصرية محاولاً أن يسلب منها روحانيتها وعروبتها، متجاهلاً طبيعة المنطقة التاريخية والدينية، التي حرصت جميع العهود على المحافظة عليها.

هذا الواقع الذي وصلت إليه اليوم كتب عنه أحد مراسلي جريدة التايمز اللندنية بتاريخ 15حزيران/يونيو 1973 واصفاً برنامج البناء الذي يمارسه الكيان الصهيوني بأنه غير طبيعة المدينة نحو الأسوأ وبشكل خطير. وبرأيه (وهذا ما نراه اليوم)، لو استمر تنفيذ مشاريع الوحدات الضخمة فإن هذه المدينة المقدسة التي وقفت شامخة عبر آلاف السنين من الحرب والصراع، محكوم عليها بالفناء. واستكمالاً لطمس معالم المدينة التاريخية عمدت سلطات الاحتلال إلى تغيير أسماء الشوارع والساحات العربية واستبدال أخرى بها، علمًا أنّ لكل من الأسماء المستبدلة دلالة ترتبط كلها بتراث العرب في المدينة.

طرح المؤلف في محاور الكتاب عددًا من الإشكاليات والتساؤلات سأقف عند مسألتين (لهما علاقة بالقانون الدولي):

المسألة الأولى: ما ورد تحت عنوان المحور الثالث كيف فرط المجتمع الدولي بالقدس ؟

والمسألة الثانية: كم سيحتاج أهل القانون والحقوق إلى جهود لإقناع البشر بوجود عدالة تقتص من الجناة وهم يرون الاحتلال الإسرائيلي يفلت من العقاب طوال عقود ؟

بإيجاز، إنّ البحث في وضع القدس لا ينفصل عن وضع فلسطين، فما جرى ويجري في فلسطين بشكل عام والقدس بشكل خاص من انتهاكات ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني، يعدّ خرقًا صارخًا لمبادئ قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

وخطة الاستيلاء على مدينة القدس بدأت بصدور تصريح بلفور، وقد حاولت السلطة البريطانية مرارًا خلال فترة الانتداب فصل المنطقة ووضعها تحت الإدارة البريطانية في مشروع بيل 1937 للتقسيم ومشروع موريسون 1946 للقيام بدور الحَكم في الصراع بين العرب والصهاينة. وفي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين 29/11/1947، وتحت شعار رعاية المصالح المشتركة وصيانة الأماكن المقدسة، اعتبرت مدينة القدس والمنطقة المحيطة بها (بما فيها بيت لحم) وحدة قائمة بذاتها، تخضع لنظام دولي خاص، إلا أنها قد أدخلتها مع بقية أجزاء البلاد ضمن اتحاد اقتصادي.

ولم يتحقق نظام التدويل، الذي تبنته الأمم المتحدة، لأن الحرب نشبت حتى قبل خروج القوات البريطانية، وكانت القدس الهدف الأول في المخطط الصهيوني لاحتلال فلسطين، وكانت مذابح دير ياسين إحدى الخطوات نحو احتلال القدس.

لقد اتخذت الأمم المتحدة (مجلس الأمن والجمعية العامة) عشرات القرارات المتعلّقة بالقضية الفلسطينية، خصوصًا في ما يتعلّق بمدينة القدس، وعلى الرغم من قرارات الأمم المتحدة بخصوص القدس التي أصبحت بمجرد اعتمادها قانونًا دوليًا، وقرارات محكمة العدل الدولية واليونسكو التي تـنتصر لوضع القدس الخاص ولا تعترف لا بسيادة الكيان الصهيوني عليها ولا بالإجراءات المتلاحقة التي تهدف إلى تغيير الوضع القائم، يستمرّ الاحتلال في الاعتداء على المدينة وأهلها ومقدساتها.

تحت عنوان المحور الثالث، رأى المؤلف أن المجتمع الدولي فرط بالقدس مرتين: الأولى عندما استسلم أمام احتلال الشطر الغربي من المدينة وتعامل معه كأمر الواقع، والثانية مع اكتفائه بالتنديد عند احتلال الشطر الشرقي وتنفيذ ساسية الاستيطان وتهويد المدينة، وما يصح عن القدس يصح كذلك عن كل القضايا الدولية الأخرى.

وأضيف أن هذه المواقف تطرح اليوم عند بعض الفقه الدولي إشكالية أكبر تتعلق بمصير القانون الدولي لأن عجز المجتمع الدولي عن الوقوف أمام الإجرام الصهيوني وغير الصهيوني وبقاء قراراته من دون قيمة وقوة تنفيذية سببه غياب الآليات الدولية لمتابعة تنفيذ القانون الدولي. هذا جعل هيئة الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة تكتفي بالتنديد وبالتصريحات الشفوية والكتابية المعبرة عن الاستياء والأسف حيال ما يقع من انتهاكات للقانون الدولي.

وصفقة القرن أيضًا مثال فاضح عن عجز المجتمع الدولي عن الوقوف بوجه انتهاك الولايات المتحدة للقانون الدولي، فقرار ترامب نقل سفارة واشنطن من "تل أبيب" إلى القدس والاعتراف بها عاصمة أبدية للعدو، يتعارض مع القانون الدولي، وقرارات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ومجلس الأمن. فكل هذه المؤسسات أكدت أن الوضع القانوني للقدس يراها أرضًا محتلة، وعدّت التدابير الإسرائيلية المتخذة في المدينة، خصوصًا بعد ضمها عام 1967، لاغية وباطلة من الناحية القانونية ومخالفة لأحكام القانون الدولي.

ونوجز انتهاكات القرار الأمريكي لمبادئ وقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، في الآتي:
القرار الأمريكي يخالف:

ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، الذي يحرم احتلال أراضي الغير بالقوة، بل ويحرّم مجرد التهديد باستخدام القوة في العلاقات الدولية.

قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29 تشرين ثانٍ/نوفمبر 1947، والقاضي بقيام دولتين (يهودية وفلسطينية) ومنح القدس وضعًا قانونيًا خاصًا تحت وصاية الأمم المتحدة.

قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تخص القدس كأرض عربية محتلة، وتنص على تحريم وإبطال الإجراءات التي تتخذها دولة الاحتلال بشأن القدس.

اتفاقية أوسلو والمعاهدات العربية الإسرائيلية.

الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بخصوص الجدار، الذي أكد انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها "القدس الشرقية".

كذلك، فإنّ الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني:

يعني الإبقاء على الوضع الراهن القائم على الاحتلال، وتوحيد المدينة تحت السيادة الإسرائيلية تنفيذًا لقرار ضم المدينة الصادر عن الكنيست الإسرائيلي، والإقرار بضم الأراضي بالقوة؛ وهو أمر يناقض مبادئ جواز اكتساب الأقاليم عن طريق الحرب.

مخالف لمبدأ عدم الاعتراف بالأوضاع الإقليمية غير المشروعة، وهذا المبدأ يشدد على جميع دول العالم عدم الاعتراف بأي تصرف مخالف لمبادئ القانون الدولي، وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الإعلان المتعلق بالعلاقات الودية والتعامل بين الدول، الصادر عنها عام 1970؛ فقد جاء فيه أن "أية مكاسب إقليمية تم الحصول عليها عن طريق استخدام القوة أو التهديد باستخدامها لا يمكن الاعتراف بشرعيتها".

يخالف الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويحُول دون تمكينه من حق تقرير المصير بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. وهذا الموقف يعدّ حالة من حالات انتهاك قواعد القانون الدولي.

ما يجري اليوم في القدس هو معركة حقيقية تتعلق بوضع القدس القانوني ومستقبلها، وردود فعل النظام العربي الرسمي شأنه شأن المجتمع الدولي لا ترقى إلى مستوى مواجهة الأزمة، وإن مواجهة صفقة القرن واعتداءات الكيان الصهيوني عبر المؤسسات الدولية أمر لا طائل منه، فالقانون الدولي بالنسبة إلى دولة الاحتلال (وحتى بالنسبة إلى الولايات المتحدة) لا وجود له، ولا يتعامل معه إلا إذا خدم مصالحه وسخر لتحقيق أهدافه التوسعية الاستيطانية.

أخيرًا، وبإيجاز حول السؤال الثاني: كم سيحتاج أهل القانون والحقوق إلى جهود لإقناع البشر بوجود عدالة تقتص من الجناة وهم يرون الاحتلال الإسرائيلي يفلت من العقاب طوال عقود ؟

لقد قامت هيئة الأمم المتحدة في الأساس لحفظ السلم والأمن الدوليين، كأحد المقاصد الأساسية التي تبنتها في ميثاقها، وتقنين القانون الدولي وصياغة قواعده جاء لتجسيد هذا المقصد الذي كان منطلقًا لولادة نظام قانوني دولي، لكن الممارسة الدولية أبقت هذا النظام حبرًا على ورق.

إن هيمنة الكيان الصهيوني وغطرسته، وجرائمه المستمرة بحق فلسطين أرضًا وشعبًا لغاية يومنا هذا، لم تكشف هشاشة المجتمع الدولي وعجزه عن الالتزام بمبادئه المتعلقة بمنظومة العدالة والأمن والسلم الدوليين وحسب، بل كشفت عن سقوط منظومة العدل الدولية برمتها وتُجيز طرح السؤال: ما جدوى وجود قانون دولي؟

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

أحداث النكبة وانعكاساتها على مدينة القدس

التالي

كيف يعتدي الاحتلال على مظاهر القدس الإسلامية في رمضان؟

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »

علي ابراهيم

حكايا المطبعين

الجمعة 28 حزيران 2019 - 3:07 م

عمل المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان على تأريخ الأحداث في منطقتنا العربية، فكان يتطرق للموضوعات حينًا وما جرى بها، ويتناول الأحداث أحيانًا أخرى ويربطها بسياقاتها ونتائجها، ومما تناول مؤرخنا ال… تتمة »