سبعة مخاطر تتهدد المرأة المقدسية

تاريخ الإضافة الأحد 17 شباط 2019 - 4:30 م    عدد الزيارات 1943    التعليقات 0     القسم مقالات

        


علي ابراهيم

 باحث في مؤسسة القدس الدولية

يستهدف الاحتلال الإسرائيلي وأذرعه التهويديّة المختلفة جميع مكونات المجتمع الفلسطيني في القدس المحتلة، عبر عددٍ من السياسات التهويديّة، التي تخلّف آثارًا شديدة القسوة على سكان المدينة، خاصة النساء والأطفال، حيث تتفاقم معاناة المرأة الفلسطينية في المدينة جراء هذه السياسات، خاصة لما تقوم به من دورٍ رياديّ في الدفاع عن المقدسات.
فالمرأة المقدسية هي الأم المصابرة التي حثت أبناءها على التعلم والعمل، وعلى الثورة والمقاومة، وهي المرابطة في أزقة القدس وفي ساحات الأقصى، وهي المعلمة التي شاركت في بناء الجيل، وهي الناشطة والمقاومة التي واجهت الاحتلال، وهي التي التحمت مع الجماهير في الهبات والانتفاضات.
يبلغ عدد المقدسيات في محافظة القدس نحو 209 آلاف في عام 2016 بحسب معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. ووفق معطيات كتاب القدس الإحصائي السنوي 2016، فإن 62.9% من المقدسيات في عمر ما دون 29 عامًا. تشكل المرأة جزءًا رئيسًا من المجتمع المقدسي، وتتصاعد في حقها الاعتداءات، وفي هذا المقال سنورد أبرز 7 مخاطر تتهدد المرأة المقدسية على أثر سياسات التهويد التي تنفذها سلطات الاحتلال، وهي:

• سياسة الإفقار
تعاني المرأة المقدسية من تدهور الوضع الاقتصادي للمجتمع الفلسطيني، فإن كانت ربة منزل تهتم بشؤون الأسرة، ستعاني للتغلب على الصعوبات اليومية، أو ستلجأ للبحث عن عمل لتسهم في تأمين حياة كريمة لها ولأطفالها، وتُشير أرقام صادرة عن وزارة العمل الفلسطينية إلى أن نسبة البطالة بين المقدسيات وصلت إلى نحو 85%، وبحسب "نقابة العمال معًا" فإن 13% من نساء القدس موجودات في قوة العاملة فقط. وتعمل نساء القدس 36.4 ساعة أسبوعيًا في المتوسط، ويحصلن على معدل أجرٍ يومي يبلغ 21 دولارًا أميركيًا.

• التسرب المدرسي
بالإضافة إلى أسرلة المناهج التعليمية من قبل سلطات الاحتلال، يشكل التسريب المدرسي خطرًا على تعليم الفتيات في القدس، حيث تُظهر الأرقام أن عدد طالبات مدارس محافظة القدس نحو 37 ألف طالبة، في مقابل 7120 طالبة في جامعات القدس، وتُشير هذه الأرقام إلى أن جزءًا كبيرًا من الفتيات في القدس لا يكملن تعليمهنّ، ولا يقف التسريب عند استكمال التعليم الجامعي فقط، بل في الصفوف الدراسية كذلك، حيث ترتفع نسبة تسرب الطلبة في القدس المحتلة من 14% في الصف التاسع الأساسي، إلى ما بين 33% و50% (في أعمار 17-18). وبحسب تقديرات منظمة "عير عَميم" فإنّ ثلث الطلّاب في القدس المحتلة لا يتمّون 12 سنة تعليميّة. وتشكل حواجز الاحتلال، وما يجري فيها من تفتيش مهين للطلاب والطالبات، أحد أبرز الأسباب التي تدفع أولياء الأمور إلى إيقاف بناتهنّ عن الدراسة، خاصةً بعد دخولهن في سن المراهقة.

• استهداف المقدسيات لضرب حركة الرباط
تصاعد الاعتداء على المرابطات في المسجد الأقصى منذ شهر آب/أغسطس عام 2015، حيث منعت سلطات الاحتلال 20 مرابطة من دخول الأقصى، بقرارٍ من شرطة الاحتلال، التي أطلقت عليهنّ اسم "القائمة السوداء"، وسماها الفلسطينيون "القائمة الذهبية"، ومنذ ذلك التاريخ بدأ عدد المرابطات على القائمة بالارتفاع، ففي شهر9/2015 بلغ عددهنّ 45 مرابطة، ووصل أكثر من 60 مرابطة مع نهاية عام 2016.
وتستمر سلطات الاحتلال في إبعاد المرابطات عن الأقصى، فخلال عام 2018 أبعدت سلطات الاحتلال 30 سيدة فلسطينية عن المسجد، تراوحت فترات إبعادهن ما بين أسبوع وستة أشهر، في مقابل إبعاد 15 سيدة خلال عام 2017، ما يُشير إلى رفع سلطات الاحتلال استهدافها للوجود النسائي في الأقصى، وأن المرابطات يشكلن ثقلًا نوعيًا في مواجهة الاقتحامات شبه اليومية للأقصى.
وتستهدف أذرع الاحتلال الأمنية المرابطات في الأقصى بشكلٍ متزايد، خاصة مع محاولات الاحتلال السيطرة على المنطقة الشرقية من الأقصى، ففي 3/2/2019 اعتقلت شرطة الاحتلال ست مرابطات، وأصدرت قرارًا بإبعادهنّ عن المسجد الأقصى مدة أسبوعين بتهمة "الجلوس في المنطقة الشرقية عند باب الرحمة".

• اعتقالٌ المقدسيات
تتعرض المقدسيات للاعتقال وما يرافقه من اعتداء جسدي ونفسي، وهي انتهاكات تترك آثارًا عميقة في نساء القدس، وفي هذا السياق اعتقل الاحتلال خلال 2018 نحو 63 سيدة مقدسية، من بينهن قاصرتان و4 مسنات. وخلال عام 2017 تم اعتقال 88 امرأة مقدسية، من بينهن 6 قاصرات و4 مسنات.

معاناة المقدسية في سجون الاحتلال
لا تقف معاناة المقدسيات عند الاعتقال فقط، بل تستمر في أثناء قضائها محكوميتها في سجون الاحتلال، حيث تعمد إدارة السجون الإسرائيلية إلى وضع الأسيرات المقدسيات مع السجينات الجنائيات الإسرائيليات، ما يفاقم معاناتهم، ويرفع حجم الاعتداء الجسدي والنفسي الذي تتعرض له الأسيرة من قبل السجان أو السجينات. ومن أبرز الاعتداءات التي تتعرض لها الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال:
- وضع الأسيرات في زنازين انفرادية، ووضع كاميرات مراقبة تنتهك خصوصيتهنّ.
- التحقيق المتكرر ساعاتٍ طويلة مع الأسيرات.
- إخضاع الأسيرات للتفتيش العاري، وممارسة الضغوطات النفسية والإيذاء اللفظي.
- الاقتحامات الليلية للغرف.
- نقل الأسيرات في مركبات حديدية، وتعرضهنّ للضرب على أيدي قوات "النحشون"، وإطالة الرحلة لتستمر عدة ساعات، ولا يُقدم للأسيرات خلالها إلا وجبة طعام واحدة، ولا يسمح لهنّ بقضاء الحاجة.
ومع هذه الاعتداءات تصدر محاكم الاحتلال أحكامًا جائرة بحق الأسيرات، ومن نماذج هذه الأحكام الحكم على الأسيرة فدوى نزيه حمادة (31 عامًا) من القدس المحتلة بالسجن مدة 10 سنوات وغرامة مالية قيمتها 30 ألف شيكل (نحو 8250 دولارًا أمركيًا)، وعلى الأسيرة أماني خالد حشيم (31 عامًا) بالسجن الفعلي مدة 10 سنوات.
ومن أبرز نماذج الأسيرات وما يعانين في سجون الاحتلال، الأسيرة إسراء الجعابيص (31 عامًا)، التي اعتقلت في 11 تشرين أول/أكتوبر2015، في أثناء قيادتها لمركبتها في شارع محاذ لبلدة الزعيم شرقي القدس المحتلة، واتهمتها سلطات الاحتلال بمحاولة تفجير سيارتها، ولكن ذويها وشهود عيان أفادوا أن مركبتها احترقت، ومنعها جنود الاحتلال من مغادرتها، فأصيبت بحروق شديدة في جسمها، وفقدت 8 من أصابع يديها، وأصابتها تشوهات في جسدها، وحكمت عليها سلطات الاحتلال بالسجن الفعليّ مدة 11 عامًا.

• حرمان المقدسيات من السكن
يشكل هدم منازل الفلسطينيين واحدًا من أبرز سياسات الاحتلال الرامية إلى خفض أعداد الفلسطينيين في المدينة والمحتلة، بالإضافة إلى تحويله إلى إجراء عقابي تستخدمه سلطات الاحتلال في سياق محاولتها إيقاف العمليات الفردية في انتفاضة القدس. وخلال عام 2018 هدمت سلطات الاحتلال نحو 143 منشأة سكنية وتجارية، من بينها 24 منشأة هدمها أصحابها ذاتيًا تجنبًا للغرامات الباهظة. في مقابل هدم 116 منزلًا ومنشأة خلال عام 2017. وبلغت نسبة إخطارات الهدم الصادرة بحق المقدسيين في المدينة المحتلة نحو 27% من مجمل إخطارات الهدم التي أصدرتها أذرع الاحتلال خلال عام 2018.
عمليات الهدم المتصاعدة تؤثر مباشرة في النساء والأطفال في القدس المحتلة، حيث تتشكل غالب الأسر المقدسية منهما، وتفاقم هذه العمليات من أزمة السكن في المدينة، ما يجعل المرأة المقدسية تقطن مع عددٍ من الأسر في منازل صغيرة، تُفقدها شعور الطمأنينة والخصوصية، وتصبح في خوفٍ دائم من فقدان السكن، وبحسب شهادات لنسوة فلسطينيات، فإنهنّ بعد تلقي إخطارات الهدم ينمن بثيابهم العادية، خوفًا من اقتحام المنزل على حين غرة، ما يجعل المرأة في حالة من عدم الاستقرار النفسي الدائم.

• منع لمّ شمل المقدسية
ومن أبرز القوانين الإسرائيلية التي تؤثر في النساء المقدسيات، قانون منع لم الشمل المعروف بقانون "المواطنة والدخول إلى إسرائيل"، الذي يمنع على الفلسطينيين - بسبب حملهم الهوية الفلسطينية وسكنهم بالضفة الغربية- الحصول على مكانة قانونية في الأراضي المحتلة بناء على ارتباطهم وزواجهم من فلسطيني آخر يقيم بالشطر الشرقي من القدس أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وتجدد سلطات الاحتلال هذا القانون بشكلٍ سنوي، منذ أكثر من 17 عامًا.
وإلى جانب آثار هذا القانون الخطيرة على آلاف العائلات الفلسطينية، انعكس على التركيبة السكانية للفلسطينيين في القدس المحتلة، وأحدث شرخًا ما بين سكان القدس ونظرائهم في الضفة الغربية، بالإضافة إلى تأثيرات القانون من النواحي الجغرافية والحضارية. وتفيد معطيات أن عدد الفلسطينيين الذين يعيشون بالقدس مع أزواجهم بناء على طلبات لمّ شمل يصل لنحو 12,300 فلسطينيًا، من بينهم نحو 9900 فلسطيني يحملون تصاريح إقامة تجدد سنويًا، فيما الباقون لديهم وضع "مقيم مؤقت". وتشير المعلومات إلى أن غالبية مقدمي طلبات لمّ الشمل هم من المقدسيين الرجال لزوجاتهم، إذ تبلغ نسبة الطلبات التي تقدم بها مقدسيون لزوجاتهم وأبنائهم من الضفة الغربية قرابة 75% من مجمل هذه الطلبات، فيما تقدمت المقدسيات بنحو 25% منها لأزواجهن أو لأولادهن من الضفة الغربية.

هذه النقاط ليست إلا جزءًا يسيرًا من معاناة المرأة الفلسطينية عامة والمرأة المقدسية بشكلٍ خاص، في وقتٍ تتضاءل فيه أصوات التضامن، وترتفع أصوات التطبيع والتقارب مع الاحتلال، كأن حرائر فلسطين عليهنّ الوقوف منفردات إلا من أترابهنّ من الأحرار والحرائر في آفاق العالم.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

القضية الفلسطينية ما بين وهم خطّة السلام الأمريكية والرهان على الانتخابات الإسرائيليّة

التالي

باب الرحمة إلنا

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »

علي ابراهيم

حكايا المطبعين

الجمعة 28 حزيران 2019 - 3:07 م

عمل المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان على تأريخ الأحداث في منطقتنا العربية، فكان يتطرق للموضوعات حينًا وما جرى بها، ويتناول الأحداث أحيانًا أخرى ويربطها بسياقاتها ونتائجها، ومما تناول مؤرخنا ال… تتمة »