فلسطين.. الجغرافيا في خدمة التاريخ

تاريخ الإضافة الأربعاء 19 كانون الأول 2018 - 12:32 م    عدد الزيارات 536    التعليقات 0     القسم مقالات

        


د. ماجد الدرويش

كاتب ومؤلف- لبنان

في كتابه (الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سوريا ولبنان) الذي صدر عام 1977 عن دار النهار، يركز زين نور الدين زين على أهمية الجغرافيا وأهمية الدور الذي تلعبه في فهم التاريخ فهما واعيا، وأهمية الدور الذي يلعبه الموقع الجغرافي في مشكلات العالم.
ويوم كان الرئيس الأمريكي روزفلت يهم بتوجيه خطابه الشهير في 23 شباط 1943م ، بعد ضرب الأسطول الأمريكي في بيرت هاربر من قبل اليابان، وجه المعلق نصيحة إلى المستمعين في الولايات المتحدة، وفي كل العالم، بضرورة أن يتابعوا الخطاب وبيدهم خريطة العالم.
ومنطقة الشرق الأدنى؛ التي تشمل بلاد الشام (سورية التاريخية)، والجزيرة العربية التاريخية [وتضم الآن: السعودية، اليمن، الإمارات، الكويت، قطر، البحرين]، وبلاد ما بين النهرين (Misopotamia)؛ تعتبر من أهم المواقع الجغرافية الاستراتيجية في التاريخ؛ قديما وحديثا؛ ولعل نظرة في العبارات التي كانت تطلق في وصف المنطقة في القرن التاسع عشر من قبل راسمي السياسات، مثل: «جسر إلى آسيا» «طريق حيوي للإمبراطورية البريطانية» «الشريان الرئيس للمواصلات بين أوروبا وآسيا» تظهر لنا تلك الأهمية البالغة لهذه البقعة الجغرافية. وما اظن أنه يوجد بقعة في الأرض كلها جرت عليها حروب مفصلية، وتقلبت عليها امبراطوريات مثل منطقة الشرق الأدنى، فهذه المنطقة كانت أبدا ساحة معركة للجيوش، كما أنها كانت معتركا للفكر.
«إن جميع الآثار التاريخية في الشرق الأدنى؛ سواء كانت أبنية، أم أنصابا، أم هياكل، أم قبورا، أم نقوشا؛ جميعها علامات بارزة لفاتحٍ، أو لقاهرٍ، أو لقادم من أوروبا، أو من الجزيرة العربية، أو من أواسط آسيا. وبالتالي كان الكاتب الألماني (أرنست جاخ) مصيبا عندما كتب مقالا في جريدة Deutsche Politik (دوتشيه بوليتيك) الصادرة بتاريخ 22 كانون الأول 1916م، يقول فيه: إن الحرب تأتي من الشرق، والحرب ستندلع بسبب الشرق، وتحسم في الشرق».
من هنا نفهم ما قاله الزعيم البريطاني تشرشل يوم كان كولونيلا في الجيش البريطاني: «إذا كانت بريطانيا ترغب في الحفاظ على سيطرتها في الشرق ينبغي لها، بشكل أو بآخر، أن تُدخِلَ سوريا ومصر في نطاق نفوذها وسيطرتها». وهو طبعا يقصد سوريا التاريخية، أي: بلاد الشام.
ومن قبله، في سنة 1860م، كتب السير هنري بُوْلْوُر (Buluer)، السفير البريطاني في اسطانبول يومها إلى اللورد ج. راسل (Russel) وزير الخارجية البريطاني يقول له: « .. تعلمون سيادتكم أن سوريا كانت دائما تعتبر؛ لدى أولائك الذين أنشأوا امبراطوريتهم في الشرق؛ المرتكزَ الخاص الذي يبنون عليه أي تخطيط عتيد للفتوحات الشرقية، فهي في الواقع حلقة اتصال بين إفريقيا من جهة، وآسيا من جهة أخرى». وأيضا يقصد بسوريا بلاد الشام.
هذا الكلام يعطينا فكرة واضحة عن مدى الأهمية الجغرافية لبلاد الشام، وهي مقدمة لا بد منها لفهم خلفية الصراع القائم اليوم على ترابها من العريش إلى الفرات، والذي تعتبر فلسطين بعامة، وبيت المقدس بخاصة، نقطة الارتكاز فيه اليوم، وبالأمس، وغدا.
فبالأمس البعيد نسبيا نذكر فتح بيت المقدس على يدي الصحابة الكرام، وما سبق تحريرها من توجيهات نبوية تبين أهمية هذه البقعة الجغرافية في المنظومة الدينية التاريخية من لدن آدم عليه السلام، وصولا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. هذه التوجيهات التي تظهر بوضوح أن القدس هي محور الصراع وخاصرة الجهاد المفتوح حتى يأذن الله سبحانه وتعالى. ومن هذه التوجيهات ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر فيقول يا مسلم هذا يهودي خلفي تعال فاقتله) مع ما جاء من أحاديث تتكلم عن الطائفة المنصورة في بيت المقدس وأكنافه.
وبعده نستذكر سقوط بيت المقدس بيد الفرنجة (الصليبيين)، ثم تحريرها على يد جيش الناصر لدين الله صلاح الدين الأيوبي.
واليوم نتكلم عن سقوطها من جديد تحت الاحتلال الفرنجي بنكهته اليهودية.
وفي كل هذه الحركة التاريخية يلاحظ أن الدين هو المحرك الأساس فيما يتعلق بالقدس، سواء عند المسلمين أم الفرنجة أم اليهود، وبالتالي لن يحررها اليوم إلا البعد الديني.
هذه الحركة التاريخية التي تعتبر القدس مرتكزها هي خير دلالة على أهمية الجغرافيا في التخطيط الاستراتيجي. ونحن عندنا في السنة النبوية نصوص كثيرة توجه الاهتمام إلى بلاد الشام وأنها عقر دار المؤمنين، ويكفي أن نذكر حادثة الإسراء والمعراج والآيات التي نزلت فيها لندرك أمرين أساسين:
الأول: أهمية القدس الدينية والاستراتيجية.
والثاني: أن الصراع حول هذه البقعة سيكون – بحسب زمن نزول آيات سورة الإسراء - مستقبلا مع الذين ينسبون أنفسهم إلى نبي الله تعالى إسرائيل (يعقوب) عليه السلام.
فالآيات في سورة الإسراء، والتي تسمى أيضا بسورة بني إسرائيل، تكلمت عن هذا الصراع في وقت لم يكن لأدعياء اليهودية وجود في فلسطين، ثم تأتي الأحاديث التي تتكلم عن الطائفة المنصورة التي لا تزال تقاتل على الحق وأنها في بيت المقدس وأكنافه، فإذا ضممنا إليها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم ..) الحديث، علمنا أن المعارك التي تدور حول بيت المقدس في زماننا ستكون مع اليهود، هؤلاء الأدعياء الذين يتوسلون لمزاعم أحقيتهم بالأرض مستندات دينية وتاريخية مخترعة ترتكز على مفهوم الجغرافيا (أرض الميعاد). وهم كاذبون في اعتبار فلسطين أرض الميعاد، لأن كل من درس تاريخ نصوص التوراة يدرك أن (أرض الميعاد) هي وعد الله تعالى لعباده المؤمنين بالجنة، وهو أمر بشر الله تعالى به على لسان كل الأنبياء والمرسلين، وليس خاصا بهم.
وتبقى الجغرافيا .. نعم .. جغرافيا الموقع الذي تتمتع به فلسطين، وهو ما صرح به دون لبس رئيس المؤتمر الصهيوني (ياحوم غولدمان) في محاضرة ألقاها في منتريال بكندا سنة 1956 بعيد توليه رئاسة المنظمة الصهيونية، عندما صرح قائلا: «لم يختر اليهود فلسطين لمعناها التوراتي والديني بالنسبة إليهم، ولا لأن مياه البحر الميت تعطي بفعل التبخر ما قيمته ثلاثة آلاف مليون دولار من المعادن وأشباه المعادن، وليس لأن مخزون أرض فلسطين من البترول يعادل عشرين مرة مخزون الأمريكيتين مجتمعتين، بل: لأن فلسطين هي ملتقى طرق أوروبا وآسيا وإفريقيا، ولأن فلسطين تشكل بالواقع نقطة الإرتكاز الحقيقية لكل قوى العالم، ولأنها المركز الاستراتيجي للسيطرة على العالم».
هذا البعد الاستراتيجي لم يكن غائبا عن ذهن السلطان عبد الحميد الذي وقف سدا منيعا في وجه السيطرة الإفرنجية على فلسطين تحت غطاء الوطن القومي اليهودي، ودفع ثمن ذلك عرشه.
لكنه غائب اليوم عن ثقافة حكامنا أدعياء مواجهة المشروع الصهيوني والذين هم حقيقة أعوان للمشروع الصهيوني، الذين جاءت به اتفاقية (سايكس – بيكو) حراسا أمناء على الخارطة الجديدة للوطن العربي. إذ من المعلوم ان الحرب العالمية الأولى انتهت عام 1917 بانتصار الحلفاء على ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية، ومن ثم دخلت جيوش الحلفاء أراضي السلطنة التي كانت دولة واحدة، وما لبثت حروب التحرير والاستقلال أن نشبت، فانتهت بجلاء الاستعمار عن (22) اثنتين وعشرين دولة، يعني: حروب الاستقلال طبقت خارطة سايكس – بيكو بأيدينا دون أن يتكلف الغرب عليها كثيرا، وحكامنا اليوم هم أمناء على هذه الخارطة.
ولا يزال الصراع محتدما، ولن يزال حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وتبقى القدس هي المحور، فما نجده في بلادنا اليوم من تأجيج للخلافات العرقية والأثنية والمذهبية ما هو إلا إحدى الخطط الأساس عند المستعمرين القدامى الجدد للحفاظ على سيطرتهم على المنطقة من خلال إحكام السيطرة على القدس الذي عنوانه: أمن الدولة العبرية. وهو ما صرح به أيضا وأيضا (ياحوم غولدمان) في مؤتمر المثقفين اليهود الذي عُقِد في باريس سنة 1968م، وذلك عقب انتصارهم في حرب ال 67 ، عندما قال: «إذا أردنا لإسرائيل البقاء والاستمرار في الشرق الأوسط علينا أن نُفَسِّخَ الشعوب المحيطة بها إلى أقليات متنافرة تلعب إسرائيل من خلالها دورا طليعيا، وذلك بتشجيع قيام دويلة علوية في سوريا، ودويلة مارونية في لبنان، ودويلة كردية في شمال العراق».
وأظن أن نظرة، ولو سريعة، إلى تشكيل المنطقة اليوم وتطورات العلاقة مع الدولة العبرية يعطينا فكرة عن مدى النجاح الذي حققته هذه الاستراتيجية.
حتى الربيع العربي، هذا العنوان الواعد في ظاهره الذي يرنو إلى (ربيع براغ)، والمؤلم في حقيقته وواقعه، ما هو إلا وسيلة لإعادة تشكيل المنطقة من جديد وفق رؤى تؤمن سيطرة الفرنجة الجدد (الأمريكان) وفق رؤاهم، فدفعنا نحن الثمن غاليا: قتلا لأهلنا، وتدميرا لبلادنا، وتشريدا لشعوبنا، لنحقق لهم رؤيتهم في (أمن الدولة العبرية) والذي ليس على الحقيقة إلا استدامة الاستعمار تحت رؤى جديدة.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

نعالوة والبرغوثي والحساب المفتوح

التالي

صور مبعثرة ... مرزوق الغانم صاحب الخطاب التاريخي الرافض للاحتلال

مقالات متعلّقة

كمال زكارنة

​الطريق إلى السماء.. من الأقصى!

الجمعة 11 كانون الثاني 2019 - 12:40 م

يحتل المسجد الأقصى مكانة إسلامية عظيمة في قلوب المسلمين، فهو مهوى أفئدتهم ومحط أنظارهم، ويقع في أقدس الاماكن على الارض، وبزيارته والصلاة فيه «التقديس» تكتمل شعائر الحج، وما يتعرض له الاقصى حاليا على ي… تتمة »

علي ابراهيم

السالكون في طريق الشهادة

الخميس 13 كانون الأول 2018 - 4:45 م

هناك على هذه الأرض المباركة تشتعل معركةٌ من نوع آخر، معركة صبرٍ وثبات وعقيدة، معركة تشكل إرادة المواجهة عنوانها الأسمى والأمثل. فكسر القواعد المفروضة وتغيير الواقع المفروض عليهم، هي أبرز التجليات لأفع… تتمة »