في فلسطين.. العمليّات أصدق إنباءً

تاريخ الإضافة الأربعاء 21 آذار 2018 - 10:11 ص    عدد الزيارات 2826    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

 

لم تكن عملية الطّعن التي نفذها عبد الرحمن بني فضل، في 18/3/2018، في البلدة القديمة بالقدس وأدت إلى قتل عنصر أمن صهيوني مستغربة أو خارج السّياق المتوقّع للمرحلة المقبلة، لا سيّما مع الحديث عن عزم ترمب على نقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى القدس المحتلة في أيار/مايو القادم، ما أعطى سببًا إضافيًا لاستمرار العمليات ضد الاحتلال، المستفيد الأوّل من قرار ترمب ورؤيته –أو انعدامها – حيال القضية الفلسطينية.

عملية الطعن هذه أتت بعد ساعات على اعتقال قوات الاحتلال المطارد عبد الحكيم عاصي الذي تمكن من الانسحاب بعد تنفيذ عملية طعن في مستوطنة "أرئيل" في مدينة سلفيت، أدّت إلى قتل مستوطن، في شباط/فبراير الفائت. وعاصي بدوره كان قد نفّذ عملية الطعن وانسحب قبل يوم واحد من اشتباك المطارد أحمد جرار مع قوات الاحتلال في قرية اليامون بقضاء جنين واستشهاده بعد حوالي أربعة أسابيع من تنفيذه عملية إطلاق نار أدّت إلى قتل مستوطن بالقرب من نابلس.

تمكّن الفدائيين جرار وعاصي من الانسحاب والاختفاء كان من التّفاصيل التي عقّدت المشهد، وقد زاد التعقيد مع دخول غزة على خط العمليات مع تفجير عبوة ناسفة على حدود القطاع، في 17/2/2018، أسفرت عن إصابة أربعة جنود صهاينة. وقد رأى يوسي ميلمان، محلّل الشؤون الأمنية والعسكرية في صحيفة "معاريف"، أن العملية "جاءت لتذكر بالوضع المتفجر في قطاع غزة"، مشيرًا إلى تزايد الحوادث وأعمال المقاومة من غزة تجاه "إسرائيل" في الأشهر الأخيرة؛ ومنها إطلاق قذائف الهاون وعدة صواريخ، ردًا على اكتشاف وتفجير أنفاق لحركتي الجهاد الإسلامي وحماس.

ووفق يوآف ليمور، المحلل العسكري في صحيفة "إسرائيل اليوم"، فإنّ ما حصل في الإطار الفلسطيني على مدى الأشهر الفائتة لا يبشّر بأمور جيدة، فالأشهر القادمة ستشهد توترًا، وقد تجد "إسرائيل" نفسها وسط صراع واسع في كل من غزة والضفة الغربية. وبحسب ليمور فإن التحديات في الساحتين مختلفة ولكنها مرتبطة على المستوى الاستراتيجي.

ولا شكّ في أنّ سلطات الاحتلال تنظر بعين القلق إلى الوضع في غزة، وهو قلق تجلّى في محاولة الجيش أن يبدو كمن يسيطر على الوضع الأمني عبر إعلان تفجير نفق للقسّام شرق رفح لم تلبث حماس أن بيّنت أنّه نفق قديم تمّ تفجيره سابقًا إبان الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، ما يعني محاولة إعلان انتصار وهمي أمام الإسرائيليين. ومع احتمالات تطور الوضع في غزة، ومع القلق الإسرائيلي من مسيرات العودة التي يُحضّر لها، فقد ألغى جيش الاحتلال إجازات الفصح لعدد كبير من جنوده في ظل الاستعداد لسيناريوهات تصعيدية.

وإن كان هذا هو الوضع مع غزة، فإنّ الاحتلال لا يبدو مرتاحًا في الضفّة أيضًا. فالقيود والعقوبات التي فرضها على الفلسطينيين عقب اندلاع انتفاضة القدس عام 2015 لم تجدِ ولم تنفع، ولم تضع حدًا للعمليّات، وإن عرقلتها. حتى مراقبة الأفكار التي قد تفلت عبر تعليقات الفلسطينيين على موقع فيسبوك لم تنفع. ومع تزايد القلق من تفجّر الأوضاع، فقد أطلق الاحتلال الأسبوع الماضي حملة "عناق الدب" الأمنيّة كإجراء إضافي لجمع المعلومات عن الفلسطينيين بهدف منع تنفيذ عمليات فلسطينية ولغايات أمنية أخرى، والعنوان هو "منع الإرهاب". ومن ضمن الحملة تسيير دوريّات ونصب حواجز ونقاط تفتيش في ساعات الصباح الأولى مع خروج الفلسطينيين إلى أعمالهم، لمطالبتهم بملء استمارة تتضمّن بياناتهم الشخصية والمكان الذي خرجوا منه ووجهتهم. وقد علّق مكتب الناطق باسم جيش الاحتلال على التقرير الذي نشرته صحيفة "هآرتس" في هذا الخصوص بأنّه "يجري فحوصات لمنع الإرهاب". أمّا إجراءاته التي يسارع إلى اتّخاذها بعد تنفيذ العمليات فهي تبدو موجّهة إلى المستوطنين لتهدئتهم وامتصاص غضبهم جرّاء فقدان الأمن: هدم منازل منفذي العمليات أو منازل عائلاتهم، واستدعاء الأهل والأقارب إلى التّحقيق وسحب تصاريح العمل من الفلسطينيين الذين يعملون في الأراضي المحتلة عام 1948، وغيرها من العقوبات التي ثبت عدم جدواها أمام إرادة المقاومة.

إن كانت هذه هي الحال في الأشهر الماضية، يبدو أن الأشهر القادمة تحمل معها بيئة خصبة لتنفيذ مزيد من العمليات إذ ثمة تقاطع بين المناسبات العبرية والفلسطينية، ما سيجعل عوامل التأجيج حاضرة إلى حدّ كبير. فعلى المقلب الإسرائيلي، يحتفل المستوطنون ما بين 30/3 و7/4 بعيد الفصح العبري، وفيه تتصاعد اقتحامات الأقصى، ومن بعد ذلك في 15/5 الاحتفال بـ "عيد الاستقلال"، يوم إعلان قيام "دولة إسرائيل" على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ليقابل ذلك على المستوى الفلسطيني إحياء ذكرى النكبة الذي من المتوقّع أن يتمّ فيه نقل السفارة الأمريكية فعلاً إلى القدس المحتلة. كذلك، فإن يوم 30/3 هو يوم الأرض الذي يحضّر الفلسطينيون لإحيائه عبر مسيرات "العودة الكبرى" (المسيرة الأولى في 30/3 والثانية في 15/5). أما شهر أيار/مايو فسيشهد بداية شهر رمضان، وما قد يترافق مع الشهر من تضييق إسرائيلي على صلاة المسلمين في المسجد الأقصى واحتمالات فتح المجال أمام الاقتحامات، استتباعًا لمحاولات الاحتلال السّماح بها في العشر الأواخر من الشهر في العامين المنصرمين.

مع فشل "منظومة الردع والعقاب"، وما بين الإجراءات وفشلها من جهة والعمليات ونجاحها من جهة أخرى يبدو أنّ الأشهر الأولى من عام 2018 تحمل نذر سوء للصهاينة حيث إنّها تؤكّد أنّ كل ما سنّه الاحتلال من إجراءات وتدابير، سواء أسماها ردعية أو عقابية أو احترازية، لم تقتل إرادة المقاومة لدى الفلسطينيين. وحتى التصعيد في الإجراءات لم ينهِ العمليّات بل دفع الفلسطينيين إلى العمل على تجاوزها وترقّب الوقت الذي يمكن أن يكون مناسبًا للانقضاض على أهداف يبدو أنّها ترصد وتختار بعناية ودقّة، وما استمرار العمليات إلا تأكيد لذلك وإنباء بما ستكون عليه الحال في المرحلة القادمة.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

ترميز مقاوم فلسطيني.. باسل الأعرج

التالي

القدس في عمق العروبة

مقالات متعلّقة

براءة درزي

سلامٌ على إبراهيم في المقدسيّين

الإثنين 5 تشرين الثاني 2018 - 10:06 ص

 قبل أربعة أعوام، في 5/11/2014، نفّذ المقدسي إبراهيم العكاري، من مخيّم شعفاط، عمليّة دهس في شارع عناتا غربي القدس المحتلة. العملية كانت إحدى العمليات التي نفّذها فلسطينيون ضمن ما اصطلح على تسميتها بهب… تتمة »