الأوقاف المسيحيّة في القدس في مهبّ التسريب من جديد

تاريخ الإضافة الأربعاء 1 تشرين الثاني 2017 - 3:16 م    عدد الزيارات 1243    التعليقات 0     القسم مقالات

        


علي ابراهيم

باحث وكاتب

 

تشكل الأملاك المسيحيّة في القدس جزءًا مهمًا من المدينة المحتلة، ويحاول الاحتلال الاستيلاء على هذه العقارات، بتواطؤ مع بعض رؤساء الكنيسة الأرثوذكسيّة (اليونانيّة) في القدس، والتي يُشرف عليها رجال دين لاتين من اليونان، عبر إبرام صفقات بيع مع جهات تابعة للاحتلال، من خلال تأجيرها لمددٍ طويلةٍ جدًا، تصل لـ 99 عامًا، ومع اكتشاف هذه التسريبات يعود الحديث مجددًا عن مواقع القائمين على الكنائس المسيحيّة في المدينة المحتلة، وضرورة إسنادها للفلسطينيين من أصحاب الأرض، لما يتمتعون به من روح وطنيّة وبيئة حاضنة تسمح لهم بالصمود في وجه الاحتلال، وعدم الإذعان لمطالبه وقراراته، ما سيساهم في المحافظة على هذا الإرث الوقفي الضخم.

وتمتلك الكنائس المسيحيّة ما يقدر بنحو 24% من مساحة البلدة القديمة في القدس المحتلة، لذلك تعمل جهات إسرائيليّة على شراء هذه الممتلكات، من خلال اتفاقيات مشبوهة مع رؤساء الكنائس في القدس، وعلى رأسها الكنيسة الأرثوذكسية التي تمتلك 18% من مساحة الشطر الغربي من القدس، و17% من الشطر الشرقي من المدينة المحتلة، أي نحو 35% من مجمل الأوقاف المسيحية في الشطرين الشرقي.

وتم الكشف عن تفاصيل جديدة في صفقة "باب الخليل"، عبر صحيفة "كالكلسيت" العبرية الصادرة في 28/6/2017، والتي كشفت عن إبرام صفقة بين الكنيسة الأرثوذكسيّة (اليونانيّة) وبعض أذرع الاحتلال التهويديّة، تتضمن تسريب عقارات على أراضٍ وقفية تابعة للكنيسة، وأشارت المعلومات الصحفية بأن بلدية الاحتلال ستخصص هذه العقارات للاستثمار التجاريّ وجذب المستثمرين اليهود إليها.

واكتشف التسريب بعد رفع الكنيسة دعوى إلى المحكمة المركزية في القدس المحتلة، تطالب عبرها بلدية الاحتلال بعدم دفع ضريبة "الأرنونا" عن العقارات المسربة، والحصول على مستندات رسمية بذلك، وأوضحت البطريركيّة في حديث لصحيفة "كالكلسيت" بأنها تتكتم على تفاصيل الصفقة "لمصلحة سكان القدس والدولة العبريّة".

ويعتبر التسريب بالغ الخطورة، إن لموقع العقارات المسربة أو للجهة التي تم التسريب لها، حيث تتضمن العقارات فندقي البتراء والإمبريـال و22 محلًا تجاريًّا أسفلهما، وتقع هذه العقارات في ميدان عمر بن الخطاب عند باب الخليل، بالإضافة لبيت المعظميّة في حي باب حطة بالبلدة القديمة، وينص التسريب على تأجير هذه العقارات لمدة 99 عامًا، لثلاث شركات تعمل لمصلحة جمعية "عطيرت كوهانيم" الاستيطانيّة، وتشير القديرات الأولية للصفقة بأن العقارات بيعت مقابل 38 مليون شيكل (نحو 10.8 مليون دولار أمريكي)، بالإضافة لدفعة مالية سابقة تقدر بنحو 76 مليون شيكل (22 مليون دولار أمريكي)، دفعته عام 2011 شركة استيطانيّة أخرى.

ومع عودة التسريب للواجهة من جديد، تفيد المعلومات بأن إبرام الصفقة يعود لعام 2004، إبان فترة بطريرك الروم الأرثوذكس السابق إيرنيوس، الذي اتهم بتهريب مستندات وأوراق رسمية من خزينة البطريركيّة، تتعلق بعمليات بيع لعقارات كنسيّة لجهات إسرائيلية، ولم يقم خلفه البطريرك ثيوفيلوس الثالث بإلغاء الصفقة، بل قام بإتمامها وحصل على ثمن هذه العقارات من الشركات الإسرائيليّة، مع استمرار رفع قضايا في المحاكم الإسرائيليّة، وقد اعتبر مراقبون هذه الدعوى ذرًا للرماد في عيون المجتمع المقدسي، حيث قامت بالتخلي عن أوراق القوة التي تمتلكها في القضية، من خلال سحب ملف مستأجري العقارات من القضية الأساس في كانون ثان/يناير 2010، حيث يتضمن القانون الإسرائيليّ بنودًا تحمي المستأجرين.، وكانت الكنيسة قادرة من خلاله على إحداث تغيير في مسار القضية، أو تأخير تسليم العقارات للجهات الإسرائيليّة.

ومع محاولة الكنيسة الأرثوذكسيّة التراجع عن الصفقة، ورفع قضية على جميعة "عطيرت كوهنيم"، أقرت محكمة الاحتلال المركزية في 1/8/2017، صفقة البيع لمصلحة الجمعية الاستيطانيّة، ورفضت مطالبات البطريركيّة بأحقيتها بالعقارات. واستهجنت البطريركيّة قرار المحكمة، وبحسب بيان البطريركيّة حملت تبعات التسريب إلى أحد موظفيها السابقين الذي أبرم الصفقة بطريقة غير شرعية "مع من كان مسؤولًا عن الدائرة المالية لدى البطريركيّة زمن ولاية البطريرك المعزول أيرنيوس في العام 2004"، هذا الموظف الذي عُرف بأنه كان وكيلًا للبطريركيّة، قام بتحقيق منافع شخصية خلال توليه مناصب في البطريركيّة، من بينها تسريبٌ لعقارات بقيمة مليون و805 آلاف دولار أميركي، وهو سعر أقل بكثير من سعرها الحقيقي.

وفي إطار الرفض العام لتسريب العقارات، عقدت "اللجنة الرئاسيّة العليا لشؤون الكنائس" في فلسطين اجتماعًا طارئًا في 9/8/2017، أكدت فيه أن قرار المحكمة المركزية الإسرائيليّة بخصوص الصفقة "سياسيّ بامتياز"، ويستهدف مدينة القدس. ودعت اللجنة إلى توحيد جميع الجهود الوطنيّة الرسميّة والشعبيّة، من أجل مواجهته، وإفشاله، وأوضحت اللجنة "أن قرار الضم الإسرائيليّ باطل، ولا يحقّ لمحكمة تمثل الاحتلال أن تفرض قرارتها على الجزء المحتل من المدينة، لتكريس الأمر الواقع الاحتلالي عليها".

وأمام الضغوط الشعبيّة والموقف المسيحي الرافض للصفقة، أعلن بطريرك الروم الأرثوذكس ثيوفيلوس الثالث في 12/8/2017، أن البطريركيّة سوف تستأنف قرار المحكمة المركزية، وأعرب البطريرك عن قلقه من توقيع 40 عضوًا في "الكنيست" قبل أسبوعين، على مشروع قانون يقيّد بشدة حقوق الكنائس في التعامل بحرية واستقلالية مع أراضيها، ويهدد بمصادرة تلك الأراضي.

وفي سياق ردود الفعل حول التسريب، حذر رؤساء الكنائس العربيّة والأجنبيّة في القدس المحتلة، من استهداف الوجود المسيحيّ في المدينة، ودعا رؤساء الكنائس إلى عقد اجتماع عاجل لرؤساء كنائس الأراضي المقدسة لتنسيق هذا الرفض، والرد على هذه التطورات الخطيرة التي تهدد بتصفية المجتمع المسيحي في القدس، وطالب رؤساء الكنائس بـ "تعريب الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين"، وهي خطوة تهدف إلى وقف تسريب وبيع أراضي الكنيسة للاحتلال الإسرائيليّ.

وفي محاولة من البطريرك ثيوفيلوس الثالث لتلميع صورته أمام الرأي العام الفلسطيني بعد فضائح التسريب المتتالية، عقد البطريرك عددًا من اللقاءات الرسمية مع مسؤولي الأوقاف الإسلامية في القدس المحتلة، ومع الرئيس الإسرائيلي رؤفين ريفلين، والملك الأردني عبد الله الثاني، ومع رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، وأعلنت البطريركية بعد اللقاء دعم الحمد الله لمواقفها، ولكن الأخير تعهد في بيان آخر بالمحافظة على الأراضي الوقفية الإسلاميّة والمسيحيّة والوقوف في وجه أي تسريبٍ لها.

ومع أن أصداء صفقة "باب الخليل" وتفاعلاتها لم تنته حتى الآن، كشفت مصادر عبريّة عن صفقات تسريبٍ جديدة لأملاك الكنيسة الأرثوذكسية، وتشمل الصفقات الثلاثة بيع مبانٍ في القدس المحتلة بأسعارٍ زهيدة. وبحسب صحيفة هآرتس العبريّة، اشترت شركة إسرائيليّة مجهولة الهوية مبنى سكني مكون من ثلاث طبقات، يقع في شارع "الملك داود" في القدس مقابل 850 ألف دولار أمريكي، بالإضافة لبناية أخرى في شارع "هس" مكون من ست طبقات، ويضم محالَّ تجاريّة وشققًا سكنية فخمة، مقابل 2.5 مليون دولار أمريكي، وشملت الصفقة الثالثة قطعة أرض تبلغ مساحتها 2.3 دونم (2300 متر مربع) في حي البقعة في القدس، مقابل 350 ألف دولار أمريكي فقط. ولا تتناسب أسعار العقارات مع أسعارها الحقيقية، وهو ما يجعل شبهة التواطؤ مع الجهات الإسرائيليّة المسرب إليها أمرًا واقعًا.

وتأتي هذه التسريبات الجديدة، مع معلومات عن صفقات بيع للأملاك المسيحيّة في عددٍ من المدن الفلسطينيّة المحتلة، وشملت أحياء سكنية كاملة في قيساريّة ويافا، وبحسب خبراء يهدف الاحتلال من هذه التسريبات، للسيطرة على العقارات القريبة من أبواب البلدة القديمة، ومن ثم في محيط المسجد الأقصى المبارك، وهي محاولة لتشكيل حزام يهوديّ يحيط بالأماكن المقدسة، ويعطي المستوطنين موطئ قدم في مناطق جديدة من القدس المحتلة، على غرار الاستيلاء على "بيت المعظمية"، حيث يقع العقار في مدخل باب حطة، وعلى مفترق طرق تصل ما بين باب الأسباط وباب حطة والمسجد الأقصى وطريق الواد، ما يحول المكان لنقطة استراتيجية للاحتلال في التحكم بحركة المقدسيين من وإلى المسجد الأقصى.

وبحسب مؤسسات مقدسية يشكل تقاعس الأردن والسلطة الفلسطينية عن أداء دورهما، وعدم بذل الجهود اللازمة لاستعادة ما تم تسريبه من أملاك مسيحيّة في السنوات السابقة، إخلاءً للساحة أمام الاحتلال، ليواصل تهويده للمدينة المحتلة، وما يتصل به من تهجير لسكانها الفلسطينيين، وتدمير الإرث التاريخي الحضاري العربي الذي ميّز المدينة طيلة قرون من الزمن، ومن ضمنها استهداف الوجود المسيحي الأصيل في مدينة القدس، واستفرادًا بمكونات المدينة السكانية، من مسلمين ومسيحيين على حد سواء.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

ما وراء "سيلفي" غوفشتيان في الأقصى

التالي

الخطيئة الأمريكيّة في القدس أقدم من إعلانها عاصمة لـ "إسرائيل"!

مقالات متعلّقة