بين رمادية الموقف وسوداوية السلوك.. السلطة الفلسطينية وانتفاضة القدس

تاريخ الإضافة الجمعة 7 تشرين الأول 2016 - 2:41 م    عدد الزيارات 3481    التعليقات 0     القسم مقالات

        


محمد أبو طربوش

مدير الإعلام في مؤسسة القدس الدولية

بين رمادية الموقف وسوداوية السلوك.. السلطة الفلسطينية وانتفاضة القدس

منذ "عملية إيتمار" في الأول من أكتوبر/ تشرين أول 2015 التي نفذتها خلية تابعة لحركة المقاومة الإسلامية حماس -المحظورة من قبل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية- في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية والتي قتل فيها أحد كبار ضباط الاحتلال وزوجته، أعلن قطاع عريض من الشعب الفلسطيني عن اندلاع ما يسمى "انتفاضة القدس المباركة"، والتي جاءت حقيقة ردّاً على اعتداءات الاحتلال المتصاعدة بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وخاصة بحق المسجد الأقصى المبارك ورواده، إلا أن السلطة الفلسطينية وبعكس ما كان عليه موقفها خلال الانتفاضتين الأولى والثانية حيث كان لرئيسها الراحل ياسر عرفات موقفًا دعمًا لانتفاضة الشعب الفلسطيني في وجه طغيان الاحتلال، كان لها من انتفاضة القدس الحالية موقفًا مغايرًا حتى لا نقول مشبوهًا ساهم في تعثر الانتفاضة الفلسطينية المباركة، وهذا الموقف الذي اتخذته السلطة الفلسطينية من الانتفاضة ليس حبًا في "إسرائيل" بقدر ما هو ينبع من خوفها وخشيتها أن تساهم انتفاضة القدس في تعزيز حضور حركات المقاومة وعلى رأسها حماس في الضفة الغربية، من هنا حرصت السلطة الفلسطينية إلى تطويق هذا الحراك الجماهيري والشعبي ووضع حجر العثرة في وجه نجاحه على كافة الصعد:


على الصعيد الأمني: سعت السلطة الفلسطينية إلى منع أي عمل "إرهابي" حسب تعبير السلطة، حتى أنها عملت على تفتيش الحقائب المدرسية للطلاب، بحثاً عن أي وسيلة يمكن أن تربك الاحتلال ومستوطنيه. وبلغ التنسيق الأمني مراحل متقدمة بشهادات فلسطينية وإسرائيلية في سبيل إجهاض أي عمل مقاوم حتى أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية أكدت في أكثر من مناسبة منعها لمئات المحاولات لتنفيذ عمليات ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين. وهو ما تفاخر به في أكثر من مناسبة رئيس السلطة محمود عباس والمتحدث باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية اللواء عدنان الضميري. حيث كشفت معلومات أمنية أن جهاز الأمن الإسرائيلي العام "الشاباك" – بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية كشف عن 57 مجموعة مسلحة في الضفة الغربية المحتلة، عشرة منها خطط أفرادها لتنفيذ عمليات اختطاف مستوطنين أو جنود، وفي أربع منها كشف عن مختبرات لصناعة المتفجرات، كانت تجهز أحزمة ناسفة.


وقد دأب المسؤولون الأمنيون والعسكريون الإسرائيليون على الإشادة بجهود التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، ودورها في وضع حد لتدهور الوضع الأمني في الضفة الغربية، واستمرار استهداف الجنود والمستوطنين، حتى بلغ عدد اللقاءات الأمنية بين الجانبين 140 لقاء منذ العام الماضي 2015. كما أن جزءا أساسيا من إحباط الأجهزة الأمنية الفلسطينية للعمليات المسلحة كان بفضل معلومات استخبارية، أوصلها "الشاباك" إلى السلطة الفلسطينية، وجزءاً آخر بمبادرة من السلطة نفسها وأجهزتها الأمنية، مثلما حصل لدى اعتقالها شباناً فلسطينيين كتبوا على فيسبوك أنهم يريدون تنفيذ عمليات مسلحة ضد اسرائيل.
على الصعيد السياسي، لم يرقَ دور السلطة الفلسطينية إلى حجم الاعتداءات والانتهاكات التي شهدتها الانتفاضة الحالية والتي اتسمت بمثابة خطوات شكلية لتفتيش الشارع الفلسطيني.
واستغلت السلطة الفلسطينية انتفاضة القدس من أجل تحريك العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وعقدت عدة لقاءات سياسية وأمنية على أكثر من مستوى نتج عنها تقديم تسهيلات للسلطة الفلسطينية مثل منح تصاريح للعمل داخل الخط الأخضر ومنح أسلحة للأجهزة الأمنية الفلسطينية مقابل وضع حد لانتفاضة القدس.
كما عقد الجانبان، الفلسطيني والإسرائيلي، أواخر فبراير/ شباط ومارس/ آذار الماضيين، محادثات أمنية غير علنية، تضمنت تقديم سلسلة من التسهيلات في المجال الأمني والاقتصادي والبناء في الضفة الغربية المحتلة، منها المصادقة على طلبات قدمتها السلطة الفلسطينية للحصول على مركبات مدرعة وأسلحة وذخيرة، وإمكانية إطلاق سراح أسرى، غالبيتهم قضوا في السجون عشرات السنوات.
ووصل الأمر بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى مناقشة انسحاب الجيش الإسرائيلي التدريجي من مدينتي رام الله وأريحا، ثم الانسحاب التدريجي من باقي مناطق "أ" في الضفة، في حال نجحت السلطة في القضاء على الانتفاضة، وإبداء قدر أكبر من العمل الأمني ضد أي بوادر لتشكيل خلايا فلسطينية مسلحة.
على االصعيد الإعلامي، قامت السلطة الفلسطينية بالتبني المموّه للحراك الشعبي وحاولت توظيفه سياسياً باتجاه المفاوضات مع الإبقاء على رمادية الموقف السياسي الغير واضح من الانتفاضة، بل عمدت إلى إنكار الفعل المقاوم معتبرة أن أفعال المقاومة الغير مدروسة قد تجلب كارثة للواقع الفلسطيني.


بالخلاصة السلطة الوطنية الفلسطينية لا زالت تنظر إلى انتفاضة القدس من زاوية "دوامة العنف" التي يجب أن تنتهي بالتنسيق مع الاحتلال، وليست على أنها انتفاضة شعب يجب دعمها ومساندتها، وهنا فالسلطة الفلسطينية مدعوة للوقوف وراء الشعب الفلسطيني في مطالبه ودعم تحركه التحرري المشروع واستثمار نضالات الشعب الفلسطيني لتحقيق إنجازات ومكاسب وطنية ولذا فهي مطالبة بالقيام بالآتي:
1- وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال واعتقال الفلسطينيين على خلفية التخطيط لتنفيذ عمليات ضد الاحتلال، والبناء على تجربة المقاومة التي لا تزال حاضرة كعامل قوة في وجه الاحتلال.
2- وقف الانجرار وراء المبادرات التي تسقط من اعتبارها الحقوق الفلسطينية وتدخل السلطة مجدداً في متاهة التفاوض مع الاحتلال.
3- الدفاع عن الأقصى كأولوية لا تقبل المساومة ودعم القدس بقطاعاتها كافة وفق استراتيجية تخدم مشروع التحرير ولا يكون هدفها تحقيق التخدير الاقتصادي أو تعزيز التنمية في ظل الاحتلال.
4- إعادة إنتاج خطاب سياسي وإعلامي متماسك ومتمسك بالقدس والأقصى مع الالتفات إلى ضرورة التكامل بين هذا الخطاب والعمل الجاد على الأرض.
5- إطلاق يد المقاومة في الضفة الغربية، وفك القيود المفروضة على أهل الضفة للتضامن والتفاعل مع القدس والأقصى.

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

"الكارلو" في زمن عزَّ فيه السلاح

التالي

6 خطوات لدعم انتفاضة القدس

مقالات متعلّقة