عامٌ على الإبعادِ.. عامٌ من الإشراقِ

تاريخ الإضافة الثلاثاء 16 آب 2016 - 4:44 م    عدد الزيارات 3619    التعليقات 0     القسم مقالات

        


أحلام الحنفي

كاتبة وشاعرة فلسطينية

وتشرقُ الشمسُ بصُبحٍ جديدٍ... فما تدري من أين يأتيكَ هذا العطرُ!
أَمِنَ الزهورِ التي صَحَت مِن غَفوتِها فاغتسلت بنداها، ونثرتْ عِطرها للكونِ ليفيضَ بالحياةِ؟
أم مِن ترابٍ سارَ عليهِ الأنبياءُ؟ أم مِن تلكَ الأزقةِ القديمةِ العابقةِ بشذى التاريخِ حينًا... وحينًا بالطيباتِ!
وحده هذا العدو الجاثمُ على أنفاسِها من تتسرب منه رائحةُ العَفَنِ...
غير أن ترابَ القدسِ لا ينجس... فكفيلةٌ هذهِ الذراتُ القدسيةُ أن تُطهِّرَ الأرضَ رغمَ رجسِ الغزاةِ.. غيرَ أنَّها لا تُخفي وجعَها... حدّ الاختناقِ... فتلكَ أقدامٌ ما زرعَتْ فيها خيرًا قطّ...
وحدهم أحبابُها من تُسرّ بهم، فإذا آنسوها التقطتْ أنفاسَها من جديدٍ بعدَ إغماءاتٍ آلمَتها...
**
هناك إلى تلكَ البقعةِ القدسيّةِ التي تتربعُ قُبَّتها الذهبيةُ على عرشِ "موريا"، تصّاعدُ قلوبُ المحبينَ المتلهفينَ شوقًا لمسجدِهم، مع أنهم ما كادوا يغادرونَه... ولئن غابتْ عنهُ عيونُهم ختامَ النهارِ، فإنّها ما تلبثُ أن تتملّى برؤيتهِ ليلًا... يسامرُ القمرُ قبابَه بسناهُ الفضيّ... ليُصدِرَ بريقًا من ألقٍ ماسيٍّ حينًا، وحينًا ذهبيّ... وكذلك هم أهلُه.. جواهرُ وأَلَق..
ولقد حفظَت أسماءَهم وروائحَهم ووقعَ خطاهم..
**
كلُّ الدروبِ تؤدي إلى الأقصى –إلا من أبى- وإلى دربِ الحقِّ والحقيقةِ هو يؤدي... الحقُّ وحده... وحيث لا يتزعزعُ هو ولا أهله... هكذا أخبرتنا نبوءاتُ من صعد إلى السماء صلَّى الله عليه وسلم، عن الزمرةِ الظاهرةِ على حقها.. القاهرةِ لعدوها..

والقدسُ كلُّها رباطٌ... حتى بِذرّاتِ ترابِها وحصاها وأشجارِها، وبأطفالِها الرضّع، وشيوخِها المتجذرينَ في أرضِها، فما من بيتٍ مقدسيّ، إلا وقد نالَه من قهرِ المحتلّ ما نالَه... غيرَ أنَّه لا يزيدُهم إلا ثباتًا...
وكذلك نساءُ الأقصى... من صلابةِ هذي الأرض هنّ... زيتونٌ مثمرٌ ينجبُ الأبطالَ، وسندياناتٌ ثابتاتٌ في كلّ الأحوال... من طهرِ ماءِ السماءِ نبتنَ – وما أدراكَ ما سماءُ القدس-، ومن طيبِ ماءِ الأقصى ارتوينَ.. فجئنَ على وجهٍ عجيبٍ بين نساءِ الأرضِ..
**
مع ساعاتِ البكورِ تزدانُ بهنّ مصاطبُ الأقصى ومصلياتُه، ومع كتابِ الله تعالى يزدادُ الأنسُ. والملائكةُ تحفُّ المجلسَ... فيا طوباه من كانَ لبيتِ الله عامرًا، ويا طوباهُ من كانَ لطلبِ العلمِ مقبلاً، ويا طوباهُ من كانَ بالذكرِ مشتغلاً... وطوبى ثم طوبى لمن تعلَّم القرآن وعلَّمه، وحفِظه وحفَّظه.. ثم طوبى لمن نَبَتَ في القدسِ، وأثمرَ في الأقصى، وطوبى لِمن نَبَتَ مُحبًّا لقُدسه، وأثمرَ في الأقصى..
**
أتراها طيور الدنيا تجدُ مكانًا للأنسِ أجملَ من هذا الفيضِ الممتدِ بأشجارِه الفارهِة ومياهِه العذبةِ، وبترانيمِ عُمَّاره وروادِه... وبأمنِه وبهائِه!
هكذا نسألُ أنفسَنا لو خَلَا الأقصى من أعدائِه؛ لصوصِ الأرض وسفهاءِ الخلق وخبثاءِ المنبت.. يأتون من كلّ أرضٍ لَفَظَتْهُم أنفًا، ليستحلّوا أطهرَ بقاعِ اللهِ، ثم ليطأوا بكيدهم مسرى نبيّه.. مدعينَ أنّ لهم فيه حقًّا.. وهم شذاذُ آفاقٍ وهو منهم براء..
**
ولا نحسبنّ هذه الجِبِلّةَ الطاهرةَ من نساءِ الأقصى، وأَنيسةَ صباحاته، ستقفُ صامتةً أمام أذى يتعرضُ له مسجدهنّ.. من شرذمةٍ حسبت فيهنّ ضعفًا لن يثنيَها عن عدوانها، فبرزنَ لبؤاتٍ يحمينَ العرينَ.. هنا لا سلاحَ تحمله أيديهنّ، غيرَ كتابِ الله تعالى، فهو القائدُ والنبراسُ..
وهنا تعلو همساتُ الذكرِ وحلقاتُ التلاوةِ لتصبحَ سوطًا يلسعُ المقتحمَ الجبانَ الذي تَرْتَجُّ أطرافُه فزعًا من ذكر الله.. وهنا يعلو سلاحُ الرباطِ على كل سلاحٍ تَدَجَّجَ به حامٍ لهذا المتطاولِ على حرمةِ مسجدِنا..
**
الله أكبرُ.. زلزلَت الأرجاءَ.. صدَحَت بها الحناجر والقلوبُ معًا.. وتردّدت في المدى فأرعبَتْ كلَّ مغترٍ جبانٍ..
الله أكبر.. سلاحٌ ربانِيٌ مُلهِم لتلكَ الثلةِ المباركةِ من "ذهبِ الأقصى"
بَيْدَ أنّ الذئابَ وَلدَت ذئابًا وربَّت ذئابًا.. فما أنْ تُوَلّي حتى يعودَ سواها..
بقيَ الأقصى على وجعِه، وذهب "ذَهَبُه" قسرًا في رحلة إبعاد جبريّة..
حزِن الأقصى.. فمن كانَ يعوّل عليهم للدفاعِ عنه حُرمَ منهم وحرموا منه.. فصارَ الحزنُ حزنَين..
**
غابتْ الشمسُ مودِّعةً بعدَ نهارٍ عصيبٍ.. فضوؤه الذي يصافحُ الأقصى كلّ يوم افتقدَ لأحبابِه.. بحثَتْ عنهم فوجدتهم في مواقفَ عصيبةٍ على أبوابِ الرباطِ.. لبؤات كنَّ.. يغِظن العِدا.. ويُدافعنَ لتحصيلِ حقّهنّ.. ويتعرضْنَ كذلك للأذى..
غادرتْ مكسوفةً على أملِ لقاءٍ جديدٍ داخلَ السورِ.. لكنّها ظلّت تصافُحهم لشهورٍ على أبوابِ الرباط.. تسمع همسات الذكر.. وأناتِ الدعاءِ.. وصيحات التكبير.. ثم ما تلبث أن تشرقَ في غدٍ آخر.. فترسمَ ابتسامةَ تفاؤلٍ وتعجبّ..
لقد تحولوا إلى شموسٍ تضيءُ الأرضَ.. ووصلَ شعاعُهم إلى الآفاقِ.. فتبتسمُ وهي تراهُم متشبثينَ بحقّهم، وثابتينَ عند أقربِ نقطةِ وَصْلِ من عتباتِ المحبوبِ.. فتبلّغه عنهمُ السلامَ..
هنا قالتِ الشمسُ كلمتَها لشموسِ القدسِ: ما مِن غيابٍ إلا وبعدَه إشراقٌ.. ما مِن غيابٍ إلا وبعدَه إشراقٌ.. غير أن اكتمالَ أَلقِي لا يكونُ في الأقَصى إلا معَ أُنسي بإشراقكم من طُهر ثراه..
 

مقالات متعلّقة

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »