... قدس لا شرقيّة ولا غربيّة

تاريخ الإضافة الأحد 5 حزيران 2016 - 1:19 م    عدد الزيارات 3215    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية


فيما يحتفل الإسرائيليون هذا العام بالذكرى التاسعة والأربعين لما يسمونه "توحيد القدس" يتذكر الفلسطينيون حول العالم مرور أعوام مماثلة على نكستهم التي أرّخت لاستكمال مخطّط التّهويد في أراضي فلسطين التّاريخيّة، لا سيّما في القدس، بوتيرة متصاعدة.


ولا شك في أنّ دولة الاحتلال، التي طمست أيَّ مظهر عربي في غرب القدس، قطعت شوطًا كبيرًا من التهويد في شرق المدينة، وعينُها على تحقيق مظهر "متجانس" من شرق المدينة إلى غربها لتخلق حقائق على الأرض تثبت ادعاءاتها بأنّ القدس عاصمة لها. وهي تعتمد من أجل ذلك مجموعة من السياسات التي تشكّل مشروعًا متكاملاً تدعمه الحكومة وتنفذه عبر أجهزتها المختلفة وبالتّعاون مع الجمعيات الاستيطانية ومختلف مكونات الدولة.


فعلى المستوى الدّيموغرافي، يشكّل المقدسيون اليوم، خلافًا للآمال الإسرائيلية، ما نسبته 37% من مجموع السكان في القدس على الرغم من محاولات الاحتلال تقليل هذه النسبة إلى أقل حد يمكن أن يضمن سيطرة يهودية في الميزان الديموغرافي تطمس الوجه العربي والإسلامي للمدينة وتظهرها يهودية قولاً وفعلاً. ومن أبرز سياسات تقليص عدد السكان الفلسطينيين سحب بطاقات الإقامة الدائمة من المقدسيين على خلفية تركهم المدينة أو عدم قدرتهم على إثباتها مركزًا لحياتهم، بالإضافة إلى استحداث سبب ثالث منذ عام 2006 هو "عدم الولاء لإسرائيل"، أي بمعنى آخر عدم ولاء الشعب الواقع تحت الاحتلال للدّولة التي تحتلّ أرضه! كما تلجأ "إسرائيل" إلى سياسة أخرى تركز على جانب الإسكان في القدس، حيث تحجب تراخيص البناء عن المقدسيين ثم تجبرهم على هدم ما بنوا بذريعة غياب التّرخيص. وبالإضافة إلى ذلك، ثمّة طروحات إسرائيلية بعزل الأحياء الواقعة وراء الجدار وإعادتها إلى السلطة الفلسطينية الأمر الذي سيعمل على تعديل الميزان الديموغرافي من دون جهد أو عناء.


ويضاف إلى ذلك المستوطنات التي أوجدها الاحتلال في شرق القدس كي يعزز الوجود اليهودي في شرق القدس ويخرق التواصل بين الأحياء العربية، ويقدّر عدد المستوطنين في شرق القدس بحوالي 200 ألف مستوطن ينافسون المقدسيين على أراضيهم ومنازلهم والمجال الجغرافي الضيق الذي يحاول الاحتلال أن يجليَهم عنه. فقد كثّف الاحتلال في العامين الأخيرين من عملية التوسع الاستيطاني في الأحياء المحيطة بالأقصى، لا سيما في سلوان والشيخ جراح والبلدة القديمة، فتشكلت فيهما بؤر استيطانية جديدة مع انتقال مستوطنين إلى بيوت مقدسية سيطرت عليها جمعيتا "العاد" و"عطيرت كوهنيم" الاستيطانيتان، وغالبًا بدعم رسمي وبحماية الشرطة الإسرائيلية التي ترافق المستوطنين لتسهيل وصولهم إلى الشقق التي تمّ الاستيلاء عليها.


أما في المسجد الأقصى، فلا تكفّ محاولات الاحتلال لبسط سيطرته على المسجد بدءًا من طروحات تقسيمه إلى التحكم في دخول المسلمين إليه واحتجازهم عند بواباته أو منعهم من دخوله أو مصادرة بطاقات الهوية العائدة لهم قبل السماح لهم بالدخول، والتدخل في أعمال الترميم والصيانة التي يقوم بها موظفو الأوقاف. وبالإضافة إلى ذلك، لا تهدأ الاقتحامات التي تتم بمرافقة الشرطة الإسرائيلية ومؤازرتها، ناهيك عن الحفريات والبناء التهويدي أسفل الأقصى وحوله.


وعلاوة على السعي الدؤوب لتهويد القدس، تعمل "إسرائيل" على تصدير ادعاءاتها بأن القدس عاصمة لها محاولة فرض هذا الادعاء على المستوى الدولي الذي لا يعترف به ولا يقرّه. ومن ذلك على سبيل المثال معرض الصور الذي أقامته "إسرائيل" مؤخرًا في الأمم المتحدة وتضمّن ملصقات تتحدّث عن "إنجازات إسرائيل في الميادين المختلفة في عيدها الـ68"، ومن بين الملصقات صورة لقبة الصخرة بشكل بارز وقد كتب عليها بالخط العريض أن "القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية".


والأمور لا تقتصر على ذلك، فقد بدأت "إسرائيل" العام الماضي التخطيط لاحتفالات الذكرى الخمسين المصادفة عام 2017 لـتأكيد مركزية القدس لدى الاحتلال، وكان من القرارات في هذا الصدد تشكيل لجنة للإعداد للاحتفالات والحديث عن رصد ميزانيات لتهويد حائط البراق المحتل، وكذلك قرار من وزير التربية نفتالي بينت بأن يكون العام الأكاديمي 2016-2017 عام "القدس الموحّدة" حيث سيتم تضمين موضوع القدس في مواد مختلفة كالتاريخ واللغات والجغرافيا والتربية المدنية والآداب وغيرها. كما ستنظَّم رحلات مدرسية إلى القدس والبلدة القديمة و"الكنيست" والمحكمة العليا، ومواقع تذكاريّة.


ويشجّع "إسرائيل" على المضي في سياساتها تراخي الأنظمة العربية والإسلامية التي حددت سقف موقفها بإدانة السياسات الإسرائيلية، وبمدّ يد التطبيع إليها بشكل صار لافتًا جدًا في السنوات الأخيرة. وهكذا، وبينما يعدّ الإسرائيليون لاحتفالات يوبيليّة عام 2017 للاحتفال بالذكرى الخمسين لـ "توحيد القدس" فإن المسلمين والعرب يعدون لبكاءات فلكلوريّة وللمزيد من التنازل والتخاذل والاستسلام. وبين الموقف الإسرائيلي المتمسك بالقدس الكاملة عاصمة لا يشارك بها أحدًا، والموقف المسمّى "طريق السلام" والذي يجعل القدس عاصمة لدولةٍ وبعضِ دولة فإنّ انتفاضة القدس، ومن قبلها انتفاضة الأقصى وأيّ تحرّك سبق وأيّ انتفاضة ستلي، كلّ ذلك هو تعبير واضح عن رفض الفلسطينيين للاحتلال، وتمسّكهم بقدسهم لا شرقية ولا غربية، والعبرة في الأمور بخواتيمها.
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

إسرائيل نست أنها المجرمة وحكمت على طفولة أحمد مناصرة

التالي

مقابر القدس الإسلامية.. الضحية المنسية للتهويد..