ثقافة الهدم في عاصمة الثقافة العربية

تاريخ الإضافة الثلاثاء 31 آذار 2009 - 1:42 م    عدد الزيارات 4633    التعليقات 0     القسم

        



هل كانت القدس بحاجة إلى مزيد من القيمة في نفوس محبّيها، أو في مكانتها الدينية والحضارية والتاريخية، ليتمّ اختيارها في مجلس وزراء الثقافة العرب في مسقط 2006، ضمن برنامج عواصم الثقافة العربية «عاصمة للثقافة العربية عام 2009».
فهل تحتاج مدينة تحمل أهم الصفات والألقاب في التاريخ الديني والحضاري لهذه المنطقة إلى هذا التكريم؟ فهي عاصمة الوعي والفكر في العالم العربي، ومنارة المثقفين، وقبلة العاشقين، ولهفة المشتاقين، ومهوى أفئدة المؤمنين، ومقصد المقاومين، وتصميم الأحرار، وحداء الثوار، وملهمة الأنصار، ومنبع الأفكار، ووجع الأشعار..
وهي زهرة المدائن، ودرّة العواصم، ومدينة الأنبياء، وبوابة السماء، ومهبط الديانات، وملتقى الحضارات.
غير أن هذا الإعلان جاء في أهميته ليتزامن مع أخطر مراحل تهويد القدس حتى الآن، وهي المحتلّة المغتصبة، والمحاصرة بالاستيطان والتهويد، وساحة الصراع الأبرز مع المحتل، والمستهدفة بتاريخها وحاضرها ومستقبلها، وهي ألم الحاضر وأمل المستقبل..
فليس إذن من أجل رفع قيمتها في العالم، بل من أجل الحفاظ على ما هي عليه، فقيمتها الدينية والدنيوية، المادية والمعنوية، الجغرافيّة والتاريخية، تستحق (بل يجب) أن تجعل منها عاصمة دائمة للثقافة العريبة، وعاصمة العواصم العربية والإسلامية.
في المقابل، ابتُلينا بعدوّ لا يقدر لهذا التاريخ ولهذه الثقافة قيمة، وهما ليسا شيئاً ذا قيمة أمام عنصريته الدينية والإثنية وفاشيته الأخلاقية.. فشرع منذ اليوم الأول لاحتلال القدس بعمليات الهدم والتهويد المنظم للمدينة، فأنشبت جرافاته مخالبها وأعملت خراباً في المدينة، ولم يكد يمضي الشهر الأول على نكسة عام 1967 وضياع القدس حتى كان الاحتلال قد أزال حارات بكاملها من الوجود، واستيقظ العالم على ساحة البراق بلا حارة الشرف (المغاربة) التي أنشئت منذ عهد صلاح الدين. وصودرت وثائق المحكمة الشرعية وبدأت عمليات التزوير «البطيء الخجول!».. وعمليات الحفر «السرية» تحت المسجد الأقصى.
أما اليوم، فلا بطء ولا خجل ولا سرية في عمليات التهويد، بل زاد عليها العنف والإكراه والغصب والسطو العلني، وطرد السكان من بيوتهم ورميهم في الشارع وهدم المباني أمام عيونهم.
كنا في صدد الإعلان عن فعاليات «القدس عاصمة للثقافة العربية 2009»، فاندلع العدوان على غزة، في أواخر العام الماضي، وبعد انتهاء العدوان وتردداته المتنوعة، أراد الاحتلال تعويض فشله في غزة برفع مستوى التوتر في المنطقة عبر تفعيل عملية التهويد في القدس، وهذا ما فعله في حي الشيخ جراح شمال البلدة القديمة (أمرُ إخلاء 28 منزلاً)، وفي حي البستان في سلوان جنوب البلدة القديمة (أمر إخلاء 88 منزلاً فيها 1500 نسمة)، وفي حي العباسية جنوب البلدة القديمة (أمر إخلاء 32 منزلاً)، وفي حي راس خميس قرب مخيم شعفاط شمال البلدة القديمة (55 منزلاً).
والناظر إلى عمليات التهويد، لا يمكنه إلا أن يربط أهداف هذا التهويد بالهدم الثقافي، فهذا التهويد يركز على أهم عناصر الثقافة والحضارة في فلسطين (الدين واللغة والتاريخ والبشر والآثار). وهذا الهدم ليس فعل شخص أو جهة واحدة ذات هدف واحد محدد، بل هو حرب شاملة تحتاج إلى ردٍ شاملٍ على مستواها.
من هنا، لا يكفي الردّ على ثقافة الهدم هذه بالثقافة العربية في القدس وحدها، وقد جرت العادة أن ندعو العرب والمسلمين للتعاون من أجل الدفاع عن القدس، وهذا ما فعلته حملات الفعالية (ثلاثٌ على الأقل!) حيث جالت على العواصم لحثّها على التضامن الثقافي مع القدس وتبنّي الاحتفالية في فعالياتها الثقافية.
باتت الحاجة ملحّة للدفع باتجاه الاتحاد الثقافي على الأقل من أجل القدس، فحرب الاحتلال عليها شاملة، تنال البشر والحجر والمقدسات والتاريخ والحضارة. هذا الاتحاد يجب أن يشد رباطه، فضلاً عن الدين والتاريخ والحضارة، ثقافة آنية متينة وفعّالة ومتفاعلة. فهذه الاحتفالية بحاجة إلى جهد العواصم كلها.. فإن خَدمتْها العواصم بالفعاليات، فستخدمهم هي –فضلاً عن تشرّفهم بخدمتها- بمنحهم نفحةً من الوحدة التي افتقدوها زمناً طويلاً.. ولو كانت وحدة ثقافية فقط! 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

مضامين خطيرة واستخدامات مرفوضة لاحتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية

التالي

يا قدسُ قد غامتْ رُؤاي

مقالات متعلّقة

براءة درزي

بأيدينا نعيد القدس!

الخميس 5 كانون الأول 2019 - 1:22 م

ترزح القدس اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل على أن يزوّر تاريخ المدينة، وإعادة صياغة حاضرها، ليكون مستقبلها متوافقًا مع روايته، التي تلغي وجودًا عربيًا وإسلاميًا ضاربًا في عمق التاريخ، مستندة إ… تتمة »

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »