القدس في وعي المسلمين

تاريخ الإضافة الثلاثاء 6 كانون الثاني 2009 - 1:24 م    عدد الزيارات 3397    التعليقات 0     القسم

        



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين وعلى آله وصحبه.
وبعد:   إن القدس في حقيقتها وشخصيتها التاريخية والدينية شيء آخر، فهي هوية المكان من حولها، فالقدس ليست مدينة في وطن هو فلسطين، ولكن فلسطين وطن في مدينة هي القدس التي بغير بديل، ولذا فإن حديثنا عن القدس هو حديث عن فلسطين التي تعتبر بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل،.
قال تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"(الإسراء: 1).
ومن هنا فإن أول ما يمثله القدس عند هذه الأمة ، أنه مبارك، ـ بركات الدين والدنيا ـ وجئ في الصفة بالموصولية لقصد تشهير الموصوف بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف مشتهر بالصلة عند السامعين، والمقصود: إفادة أنه مبارك حوله، وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير الفعل، وكون البركة حوله كناية عن حصول البركة فيه بالأولى، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه؛ ففيه لطيفة التلازم، ولطيفة فحوى الخطاب، ولطيفة المبالغة بالتكثير، إنه وصف يرسم البركة حافة بالمسجد , فائضة عليه ، فالقدس مبارك في أصله مبارك في محله ، مبارك فيما حوله، مبارك في حجمه، مبارك في محتواه. فهي مباركة بركة إيمانية و جهادية وحضارية و سياسية، فهي أرض الابتلاء، بل هي أرض الكشف و الفضح، للخونة والطغاة والظالمين والمعتدين والمتواطئين، والذي نشاهده اليوم من عدوان غادر وغاشم لخير دليل على ذلك. إنها الأرض التي لا يمكن أن يعمر فيها الظالمون، فلا الدولة الرومانية عمرت، ولا البطش المغولي عمر، ولا أحلام نابليون تحققت، ولا المتواطئون سيأخذون شيئا، ولا الصهاينة سيعمرونها، قد لا يصدق البعض، ولكنها الحقيقة القرآنية. ومن أجل ذلك يستدرج الخالق الظالمين والمفسدين إلى هذه الأرض المقدسة المباركة، ليجعل نهايتهم فيها، وفي الوقت ذاته يستنهض همم  الأمة الإسلامية كي تستيقظ من سباتها العميق و ترجع إلى دينها، ومن ثم تحرر المقدسات ، وتستأنف الدور الحضاري والريادي لها.
وثاني ما يمثله القدس المبارك عند أمة محمد  صلى الله عليه وسلم : أن جعله الله منتهى رحلة الإسراء الأرضية، ومبتدأ رحلة المعراج السماوية. وذلك إيماء إلى أن الله تعالى جعل هذا الإسراء رمزاً إلى أن الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد جميعاً ، فقد قدرت الحنيفة من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى. ثم عادت إلى المسجد الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة لأن كل سرى يعقبه تأويب. وبذلك حصل رد العجز على الصدر. ولذلك وصل ما بين المسجدين العظيمين وهذا الربط له إيحاؤه وتأثيره في وعي الإنسان المسلم وضميره ووجدانه, بحيث لا تنفصل قدسية أحد المسجدين عن قدسية الآخر, ومن فرّط في أحدهما أوشك أن يفرط في الآخر.
وثالث ما تمثله أرض الإسراء في وعينا الإسلامي: أنها أرض مقدسة، قال تعالى: "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ"( المائدة: 21) والأرض المقدسة ،لها حظوة خاصة عند الله، ولذلك فإن الذي يرثها ينبغي أن يتوفر فيه الصلاح والخير، قال الله تعالى: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" (الأنبياء: 105) فالصالحون من أبناء هذه ألأمة هم الذين يرثون الأرض، وليس الطغاة والظلمة قال تعالى: "وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين. ولنسكنكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد.} (إبراهيم: 13،14)
و الأمة الإسلامية هي الأمة المؤهلة لوراثة أرض النبوات والرسالات، فهاهم أبناء إبراهيم الروحيون، الذين هم أولى الناس به، واتبعهم لملته، قد ورثوا الأرض وقاموا بحقها، وأقاموا فيها العدل والإحسان، أربعة عشر قرنًا من الزمان. وهم أصحاب الأرض وأهلها، وهم باقون فيها إن شاء الله حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ووجودهم في هذه الأرض هو الوجود الشرعي الوحيد الذي يقره الله ورسله والمؤمنون، وكل المنصفين من عباد الله. وأما وجود الصهاينة فهو وجود دخيل غاصب معتد أثيم، يستحيل أن يدوم، فهو حتمًا إلى زوال. }وما ربك بغافل عما يعملون{ (سورة الأنعام 132) {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} (الشعراء: 227).
"فَإذَا جَــاءَ وعْـدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وجُوهَكُمْ ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَــرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا مَـا عَلَوْا تَتْبِيراً" ([الإسراء:7] وهذا هو عدل الله في أرضه و المتمثل في قوله تعالى:"وإن عدتم عدنا"( الإسراء: 8 ) ولقد عادوا إلى الإفساد فسلط الله عليهم المسلمين فأخرجوهم من الجزيرة كلها . ثم عادوا إلى الإفساد فسلط عليهم عبادا آخرين , ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة ما يسمى "إسرائيل" التي تذيق العرب أصحاب الأرض الويلات . وليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب , تصديقاً لوعد الله القاطع , وفاقاً لسنته التي لا تتخلف. وإن غداً لناظره قريب !: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب(الأعراف:167) وهو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها للحديث الذي رواه البخاري ومسلم وابن ماجة وأبو داود، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وهذا الحديث فوق أنه يؤكد مكانة المسجد الأقصى في الإسلام، فإنه يؤكد أيضاً أهميته للمسلمين ومدى مسؤوليتهم عنه حماية ورعاية وصيانة، وإنه لا يجوز لهم شرعاً التفريط فيه، أو التهاون في حمايته واسترجاعه ممن سلبه منهم. ولذلكم سافر إليه  الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أجل أن يتسلم مفاتيحه بنفسه ولعل هذا هو الذي جعل القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي يأخذ على نفسه ألا يبتسم حتى يحرر بيت المقدس من سيطرة الصليبيين حيث تم فتحه في 27 رجب من عام 573هـ (2 أكتوبر 1187م) بعد استعمار صليبي دام 88 عاماً،  وهو الذي نزل فيه عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء .
ورابع ما يمثله القدس المُقَدس في الوعي الديني عند الأمة: أنه أرض وقف للإسلام والمسلمين، وهي بذلك تختلف عن بقية البلدان الإسلامية؛ "فهي موقوفة على المسلمين فلا يجوز من وجهة نظر شرعية أن تكون موقوفة على غيرهم، ومن هنا فليس لأحد الحق في أن يتنازل عن أرض فلسطين لأنها وقف للمسلمين ولأن المسجد الأقصى يتعلق به المسلم في كل مكان وليس أحد أولى به من أحد، وليس لأهله أو لمن يكونوا في أرضه أن يكونوا أحق به، فيقولون نحن نتنازل عنه، إنه ليس ملكاً لهم حتى يتنازلوا عنه .
وخامس ما تمثله أرض الوقف: أنها القبلة الأولى، ومن ثم فإن أمة محمد يتذكرونه في كل يوم خمس مرات ـ على الأقل ـ . قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} ( البقرة 144). وبناء على هذا فإن الأمة مطالبة بأن تتذكر القدس ومن ثم فلسطين دائماً وأبداً وليس في النوائب والنوازل فقط.

وسادس ما تمثله القبلة الأولى أن الأمة المسلمة ترتبط بها رباطاً عقدياً: فالأمة ارتباطها بالقدس أعمق وأبعد من مجرد علاقة بأرض ، فهي رباط عقدي، يمثل عنوان العزة والكرامة، والتفريط به، هو تفريط بالمقدسات الإسلامية، بل وبكرامة الأمة أيضاً.
ومن خلال هذه الحقائق الدينية : يتضح لنا بما لا يدع مجالا لأدنى شك أن الله تعالى ، استأمن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم ـ على هذه البقعة من الأرض، كي يتحملوا المسؤولية الدينية العامة تجاه بيت المقدس وفلسطين، باعتباره مركزاً أساساً لتراث النبوة .
ومن هنا فإن واجب الأمة الإسلامية قادة وشعوباً ألا يفرطوا بإخوانهم وأن لا يتركوهم عرضة لأعدائهم وأهوائهم لأن قضية الفلسطينيين هي قضية الأمة قال تعالى: { وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي  الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ}(الأنفال 72). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ".
 هكذا صور المعصوم صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية، حيث حرم على المسلمين أن يخذل بعضهم بعضاً. وبخاصة في هذا الظرف العصيب الذي تمر به قطاع غزة الصامدة الصابرة الثابتة الشامخة "وكان حقاً علينا نصر المؤمنين"(الروم 47)

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

لقاء موقع مدينة القدس مع معالي الدكتور إسحاق الفرحان

التالي

مِنْ أجلِنا أطفالُ غَزَّةَ يُقْتَلونْ

مقالات متعلّقة

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »