الحرائق ما زالت مشتعلة.. ولن يطفئها سوى التحرير

تاريخ الإضافة الأربعاء 19 آب 2009 - 11:29 ص    عدد الزيارات 4931    التعليقات 0     القسم

        



في الحادي والعشرين من آب (أغسطس) لعام 1969 كان المسلمون والشعب الفلسطيني على موعد مع فاجعة لم يألفوها من قبل، «فاجعة أشبه بالزلزال» كما يصفها مدير المسجد الأقصى الأسبق وأحد شهود العيان الشيخ جميل حمامي، إنها فاجعة حريق الأقصى. فمع الدخان الذي كان منبعثاً من ألسنة اللهب المتصاعد من شبابيك وبوابات وسقف المسجد كانت قلوب ملايين المسلمين وأبناء القدس وفلسطين تتقطع ألماً وكمداً، وتجأر إلى الله كي يحمي بيته. كانت عيونهم تقطر دموعاً وحناجرهم تصدع بالتكبير وبالتهليل، ومآذن القدس تستصرخ لنجدة المسجد الذي التهمت النيران أجزاءً منه على وقع الجريمة كما يقول خطيب المسجد الأقصى ومدير مدرسته الشرعية في حينه الشيخ عكرمة صبري.

 

هبّ المقدسيون عن بكرة أبيهم يتراكضون ويصرخون مولولين وهم يشاهدون النيران تلتهم المسجد وسقفه وتأكل المنبر ويتساقط الخشب الفاخر القديم. هبّوا وهم يشاهدون ألسنة اللهب تأكل أعمدته الخشبية والزَخْرفة والآيات القرآنية التي كانت مكتوبة بخط جميل طوت عليه القرون، كما يقول حمامي. ولم يكن بمقدور الناس السيطرة على تلك النيران بوسائلهم البدائية، إلى أن جاءت إطفائيات الخليل وبيت لحم والبيرة ورام الله، كان الناس يحملون الماء بالدِّلاء ويأتون بالتراب على الأكتاف تقتلهم زفرات الحسرة ويسحقهم أنين الوجع الذي يخالج جنبات مسجد طالما قبّلوا ترابه وعانقوا شجره وافترشوا أرضه والتحفوا سماءه.. طالما صلّوا في محاريبه واعتلوا منبره الشريف، حقاً لقد كان يوماً على المؤمنين عسيراً.

 

ما زلتُ احتفظ بملابسي التي أطفأتُ بها الحريق

 

«لقد آثرت أن احتفظ بملابسي التي تعبق برائحة الحريق دون أن أغسلها لعلي ألقى بها ربي فيعلم أننا ما فرّطنا وما قصّرنا»، هذا ما قاله الشيخ صبري. «لقد هالني يومئذ حجم التفاعل الذي أبداه المقدسيون والفلسطينيون عموماً مع الأقصى قبلتهم الأولى.. إذ عبّروا عن التصاق بمسجدهم عز نظيره، كما عبرت الشعوب العربية والإسلامية بالمسيرات والمظاهرات..».

 

ويعتقد حمامي أنّ التفاعل الفلسطيني كان تفاعلاً كبيراً ومفعماً بالغضب والحزن في آن واحد، لا سيما أنه جاء بعد سنتين فقط من احتلال القدس، والتفاعل العربي والإسلامي الشعبي كان أيضاً على درجة عالية من الأهمية إلا أنه لم يرتقِ إلى مستوى الجريمة.

 

إبراهيم الدقّاق، رئيس نقابة المهندسين حينها والمكلف بالتحقيق فنياً في ما جرى وما خلفه الحريق، رأى أنّ ردة الفعل العاطفية كانت شديدة فمعظم الدول العربية سكانها مسلمون ومن الطبيعي أن يبدوا هذا القدر من الاهتمام، إلا أن المسيحيين كذلك كانوا في شديد الغضب إذ إنّ الاعتداء على المسجد الأقصى كان يعني من حيث المبدأ إمكانية الاعتداء على غيره من المقدسات سواء كانت إسلامية أو مسيحية. أما على الصعيد الرسمي فقد اكتفى الحكام المسلمون- بعجزهم المعهود- بعقد قمة في الرباط قرروا فيها تشكيل منظمة المؤتمر الإسلامي، مكتفين بإصدار بيان يستنكرون فيه الجريمة، وهذا ما أعطى «إسرائيل» الأمان وقوّى عينها على الأقصى بعد أن شعرت رئيسة وزرائهم للوهلة الأولى أن اليوم التالي ليوم الحريق سيكون خطيراً على دولتها، وهذا ما نفته الوقائع لاحقاً، حيث ما زالت «إسرائيل» تتجرؤ على انتهاك ذلك المكان المقدس كل يوم كما أكد كل من تحدثنا إليهم.

 

لن يعدموا الوسيلة لهدم المسجد

 

رغم محاولات الاحتلال تأكيد أن هذه الجريمة كانت فردية، إلا أن الوقائع تدل على غير ذلك، فالمؤسسة الصهيونية بتعبئتها التوراتية والمناخات التي توفرها والتربية التي تقدمها تشكل عوامل تحفيز للانقضاض على المسجد الأقصى وفق ما يقول الدقاق. ووفقاً لاستنتاجات اللجنة المكلفة برئاسته فإن الحريق اندلع في ذات الوقت من مكانين مختلفين في المسجد، ما يشير ربما لاشتراك أكثر من شخص في الجريمة كما يعتقد صبري، فالمواد المستعملة في الحريق ذات القابلية السريعة للاشتعال لا يملكها أفراد، وهي غير موجودة في الأسواق وليست بحوزة سوى الدول أو الجيوش آنذاك، ما يؤكد أن خلف هذا الشخص أو الأشخاص جهة منظمة تأتمر بأوامر المؤسسة الصهيونية صاحبة المصلحة الوحيدة في هدم المسجد وتدميره، إلا أن «إسرائيل»، كما هو متوقع، لم تعلن إلا عن مجرم واحد حاصرةً الجريمة فيه.

 

يشاطره الرأي في ذلك الشيخ حمامي حيث يرى من السذاجة الاعتقاد أن هذا العمل فردي، فهو بلا ريب صناعةُ مؤسسة وعملٌ مخططٌ ومنظمٌ، فعلى الرغم من أني رأيت من أعتقد أنه الجاني صبيحة الجريمة خارجاً من المسجد بالقرب من المقبرة اليوسفية عند (باب حطّة)، يضيف حمامي، في الوقت الذي لم يكن مألوفاً فيه وجود سائحين يدخلون أو يخرجون من المسجد، إلا أنه لم يَدُر في خلدي أن هذا الرجل يمكن أن يكون هو ذاته المجرم. غير أني أعتقد أن حكومة «إسرائيل»، التي استدعتني لتقديم شهادتي في القضية ثلاث مرات أمام محاكمها، هي من يتحمل المسؤولية عما جرى.
أما الدقّاق فيشير إلى أن «إسرائيل» عَدَّت الجاني مختلاً كعادتها، لكنه في الحقيقة لم يكن كذلك، بل كان متطرفاً دينياً ممن يحملون الفكر المسيحي الصهيوني، ويتبنون ضرورة إنهاء الوجود الإسلامي في فلسطين والمسجد الأقصى وعودة اليهود وإقامة الهيكل حتى يتم الخلاص الذي ينتظرونه. وهؤلاء ينتظمون عبر العالم على شكل منظمات وجمعيات وأحزاب كثيرة، ما يعني أن معركتنا معهم مفتوحة وواسعة وفي أكثر من اتجاه. أما حاخامات اليهود فهم يعبئون أفرادهم بروحية تتيح لهم سلوكاً يمكن معه فهم أي اعتداء منهم على المسجد. وكما يقول حمامي والدقاق فإن كبار هؤلاء الحاخامات، منذ احتلال القدس، هم يعتقدون أن حوائط المسجد الأقصى الأربعة مقدسة لدى اليهود، لا الحائط الغربي فقط، وهم يتوعدون إن لم تنجدهم (السماء) بزلزال يهدم أركان المسجد, فلن يعدموا الوسيلة التي بها يغيّرون هذا الواقع.

 

حرائق الأقصى لم تتوقف

 

لم يكن الحريق الذي اندلع في المسجد قبل أربعين عاماً هو الوحيد الذي استهدف الأقصى، فالحرائق مستمرة منذ احتلال القدس وحتى يومنا هذا، فقد كُشف عن خلايا ومجموعات صهيونية خططت لنسف المسجد الأقصى أو قصفه وتدميره، وباشرت في تنفيذ مخططاتها، كما جرى في عام 1983 عندما كُشف عن أسلحة ومتفجرات تم تهريبها إلى داخل المسجد لتفجيره في حينها، كما يقول حمامي.

 

ويرى صبري أن المجازر التي ارتكبها الصهاينة في باحات المسجد وتدنيسه باقتحامات مسؤوليهم كما فعل شارون ووزير الأمن في الحكومة الصهيونية الحالية وغيرهما، ومحاولاتهم الدائمة للصلاة في تلك الباحات، هي دليل على ما يعانيه هذا المسجد من أذى مستمر على أيدي هؤلاء، ومنع المسلمين من الصلاة فيه والتحكم بحق الدخول يؤكد أيضاً عمق الجريمة واتساعها. وهذا ما يؤكده الدقاق حين أكد أن الحفريات تحت المسجد والأنفاق التي يقيمونها والوقوف في وجه مهمات الإعمار المستمرة وتعسير أعمالها وتهويد البلدة القديمة دليل نيات شريرة تجاه هذا المكان المقدس. فلربما سمع الناس بحريق الأقصى قبل أربعين عاماً، لكن جرائم اليوم تمرّ على الأمة دون حراك يرتقي إلى مستوى الحدث، حيث تُرك الأقصى لِقَدره يصارع مجرمي العصر.

 

لا يمكن الاعتماد على المواقف الرسمية

 

إزاء الأخطار التي تتعزز احتمالاتها يوماً بعد يوم، لا بد أن نتذكر دائماً تلك المنظمات الصهيونية التي ما زالت تحضر لبناء الهيكل، كما يؤكد حمامي، فهي قد جهزت حجارة الهيكل المزعوم والملابس التي سيدخلونه بها، وحتى ماكينات خياطة تلك الملابس. وما دام هؤلاء موجودين ومدعومين من السياسة الصهيونية الرسمية ومن زعماء دوليين في الغرب فالمسجد في خطر محدق، ويتعاظم هذا الخطر كلما زاد ضعف أمتنا وشعوبنا وحكامنا. لكن رغم ما يمثله هذا الخطر من وطأة وجدانية ونفسية وفعلية، يردف حمامي قائلاً، فمسجدنا ليس مجرد حجارة أو مبنى ينتهي بانهياره لا سمح الله، بل إن مسجدنا هو المكان، وهذه البقعة المقدسة، بغض النظر ظلّ المبنى قائماً أو لا.

 

يضيف حمامي أن الواقع العربي مؤلم للغاية، وهو يطمّع «إسرائيل» للنيل من الأقصى؛ وليس أدلّ على ذلك من توجهها لتهويد كافة الأسماء العربية في القدس وسائر فلسطين. هذا الصلف الصهيوني لا يمكن مواجهته إلا بوحدة صف ووحدة رؤية وصلابة عالية، فإذا لم يكن هناك مشروع عربي إسلامي بمستوى المشروع الصهيوني فستكون هناك حتماً توجهات صهيونية للنيل من المسجد الأقصى وتنفيذ المخططات المخبوءة إزاءه. ويؤيد ذلك الدقاق مستشهداً بتصاعد التيار اليميني الديني في «إسرائيل»، مشيراً إلى أن أي اعتداء على الأقصى من قبيل الهدم أو التقسيم يعتمد على ثلاثة عوامل هي: السلطة الإسرائيلية وموقفها من ذلك، وموقف أهل القدس في الدفاع عن هذا المكان، والمواقف العربية والإسلامية الرسمية وغير الرسمية والرأي العام العالمي.

 

أما عكرمة صبري فهو يائس من الحكام والأنظمة، ولا يعتمد في حفظ هذا المكان إلا على رب المكان ثم على المصلين المسلمين، فنحن لا نعتمد على المواقف الرسمية ولو فعلنا ذلك لضاع الأقصى منذ زمن بعيد، وإن المأساة التي تعرض لها المسجد الإبراهيمي في الخليل لن تتكرر مجدداً في الأقصى، فالتقسيم لن يتكرر حتى لو أزهقوا أرواحنا.

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

مشروع سفراء القدس يواجه مشروع سفراء الهيكل الذي أطلقته "إسرائيل"

التالي

الأقصى مستباح ورواده يعانون والحفريات تنخر أساساته

مقالات متعلّقة

حال القدس 2019

 الثلاثاء 31 آذار 2020 - 7:43 م

المشهد المقدسي من 1/1/2020 حتى 3/3/2020

 الجمعة 13 آذار 2020 - 3:16 م

المجتمع المدني العربي والإسلامي

 الثلاثاء 21 كانون الثاني 2020 - 2:43 م

مجلة زهرة المدائن (العدد 114-115) أيلول/ تشرين الأول 2019

 السبت 4 كانون الثاني 2020 - 4:22 م

عين على الأقصى 2019

 الإثنين 30 كانون الأول 2019 - 5:32 م

القضية الفلسطينية في عهد ترامب أعوامٌ عجاف

 الجمعة 27 كانون الأول 2019 - 3:06 م

الوجود المسيحي في القدس

 الثلاثاء 24 كانون الأول 2019 - 4:15 م

الفصل الرابع: ردود الفعل على التطورات في المسجد الأقصى

 الأحد 22 كانون الأول 2019 - 12:22 م

 

للاطلاع على أرشيف إصدارات المؤسسة، اضغط هنا 

علي ابراهيم

نفش العهن في الحديث عن صفقة القرن

السبت 1 شباط 2020 - 2:17 م

 وممّا أورده المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان من الأحداث التي جرت في منطقتنا العربية، في العقد الأول من الألفية الثالثة، تلك الخطة الأمريكية التي أرادت إنهاء القضية الفلسطينية، وروجت لها على أ… تتمة »

براءة درزي

عن "إقامة الصلاة" في باب الرحمة..

الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020 - 4:24 م

حملة محمومة من الاعتداءات شنّها الاحتلال منذ مطلع عام 2020 في باب الرحمة: اقتحام للمصلى، واعتداءات على المصلين بالضرب والسّحل، واعتقالات بالجملة، وقرارات بالإبعاد؛ وذلك في سياق متّصل باعتداءاته التي ب… تتمة »