رواية بدّو (5)

تاريخ الإضافة الخميس 11 أيلول 2008 - 8:11 ص    عدد الزيارات 3623    التعليقات 0     القسم

        



الفصل الأول (5)

 

لقّبوني بـ"الشامي".. اعتبرت اللقب ميزة ما، تجعل مني شيئاً ذا صفة مختلفة عن الكثيرين، فرحت باللقب.. وكثيراً ما زهوت كلما قدمني سليمان إلى أحد من أهالي بدّو، وهو يقول:

- صديقي "الشامي"..

 

وينظر إليّ خلسة.. أحسّ كأنه يشدّني عن قصد إلى متعة جميلة..

 

نركض ثانية..

 

ننحدر عن التل عبر الطريق المتعرّج، ندور حول البيوت الترابية والحجرية، تقفز دجاجة من هناك، ويصيح ديك، يلاحقنا كلب ينبح بصوت مبحوح، ولا يلبث أنْ يقف وينشغل بأمر أكثر أهمّية، تراقبنا عيون العجائز المكوّمات بخمول بعد عناء اليوم على عتبات البيوت، يشربن الشاي الممزوج بأوراق النعناع، ويتحدثن..

 

في المساء نأوي إلى بيته، يستقبلنا والده بابتسامة ينتزعها قسراً من ثنيّات وجهه العميقة والقاسية، ويشير علينا بإصرار أنْ ننام في الغرفة العلوية النظيفة، المشادة على سطح البيت، مؤكّداً أنّ أشعة الشمس ستوقظنا عنوةً أول ما تشرق، وتقتحم نوافذ الغرفة الكثيرة، وتملؤها بالحركة والدفء..

 

يهمس سليمان:

- غداً نذهب إلى الكرم.. سنزرع صفّاً جديداً من أشجار الدرّاق..!

 

تغلبني ابتسامة خبيثة فأشد اللحاف فوق رأسي..

 

لم أكن لأجرؤ على دعوة أحدٍ من أصدقائي في المدرسة أو الحي إلى بيتنا في الشام، وإنْ فعلت سيطرده والدي، ويضربني، يصرخ بصخب وعصبية، فيتطاير الرذاذ من فمه:

- قلبت البيت إلى مقهى..

 

في أول الصباح نفطر عسلاً وزبده بيضاء..

 

ابتسم مرة أخرى..

 

كانت إحدى أمنياتي في ذلك الوقت أنْ أقضم أكبر قطعة من الجبن دون خبز، ولم أكنْ أجرؤ على ذلك.. والدي يقسّم الخبز بيننا بالتساوي ويضع فوق كل نصف رغيف قطعة من الجبن لا يزيد حجمها عن عقدة الإصبع..

 

ونمضي إلى الكرم..

 

يدور سليمان حول أشجاره القائمة بترتيب لافت للنظر، ينتفض أصغر عرق في جسده، وتبدو جبهته والعرق الغليظ النافر في وسطها كورقة توت جافّة وهو يضرب سيقان الأشجار بقبضة يده:

- هذه شجرة هدى، زرعها أبي يوم ولدت أختي هدى.. في هذا المكان قتلت أفعى قبل ثلاث سنوات.. وهذه الشجرة زرعتها وعمري سبع سنوات.. وهذه.. وهذه.

 

يدور حول الأشجار بفرح، كأنّه طفل وجد لعبته المفقودة، يضرب كتل التراب بمقدمة نعله، ثم يستلقي بظل سور الحجارة المدببة...

 

سألني وكأنه يخرج من تحت سقف ثقيل:

- هل تعرف كيف تزرع شجرة..؟

 

أجبت باستخفاف:

- بالطبع أعرف..

 

استلقى بكامل ظهره على الأرض، وأشار إلى الشجيرات الملقاة جانباً وهو يبتسم كأنّه يدعوني لأفعل، لكنني لم أتحرك من مكاني.!

 

ارتشقت أمامي قرنفلة.. زرعتها ذات يوم، شتلة صغيرة اقتلعتها من حوض زهور في بيت صديق لي وكانت ضعيفة، حملت لها التراب من بساتين "الطويلة" القريبة من بيتنا بالشام، غرزت عصاً دقيقة إلى جانبها وربطتها إليها لتشتدّ وتقوى، حرصت على ريّها صباح مساء، وحرصت أكثر أن أعرّضها للشمس كلما وجدت الفرصة لذلك، فخرجت زهراتها رائعة الجمال، بيضاء مطرّشة بنقاط حمراء كالدم، ورائحة فوّاحة كرائحة العسل..

 

ذات مساء عدت من المدرسة لأجد أصيص القرنفلة الرائعة ملقى أمام باب البيت، وزهراتها اليانعة، مهشّمة منتّفة..

 

قالت أمي وهي تضرب على صدرها بقبضة يدها العارية:

ـ ابتليت بمجنون.. إن لم يُحضر قطّة ليربّيها بيننا، فهو يزرع قرنفل، كأن البيت غابة..

 

ليلتها بكيت بحرقة شديدة..

 

طفا على وجه سليمان بريق جميل وهو يعتدل في جلسته ويحرك يديه شارحاً بكثير من الدقة:

ـ المهم أن يخرج صف الأشجار مستقيماً من أية نقطة ننظر إليه، نحضر حبلاً نصنع عقداً على مسافة أربعة أمتار منه.. ونشكّل أربعة أضلاع ونحن نثبت علامة عند التقاء رؤوس المربع، هي مركز المكان الذي تحتله الشجرة الجديدة. نعتمد في الوضع الحالي على صف الأشجار القائم بالفعل نبدأ من شجرة هدى، نضع نقطة البداية، وهكذا.. ثم نعمل الحفر الكافية لاستقبال جذور الشجيرة، ويجب أنْ نتركها عدّة أيام حتى تكتفي الحفرة من التعرّض لضوء الشمس والهواء، أمّا الحفرة نفسها فمن الضروري أنْ تكون عميقة بما فيه الكفاية، ومتسعة، ليغطي التراب فيما بعد الجذر كله، ومسافة مقبولة من الساق..  و..

 

يتبع...

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

رواية بدّو (4)

التالي

كلّهم سيقسمون القدس

مقالات متعلّقة

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »