رواية بدّو (3)

تاريخ الإضافة الأربعاء 27 آب 2008 - 12:02 م    عدد الزيارات 2382    التعليقات 0     القسم

        



الفصل الأول
(3)

 

يأخذني العمر بعيداً، فأذوب حتى الثمالة، وأنا أعيش الآن خريف عقدي الرابع في تلمّس ذلك الماضي الذي حفر في أعماقي خطوطاً موشاة بالذهب، أحسّ كأنني أسير في الطرقات، أنقل خطواتي بين الردهات الواسعة، أتنفس ريح قلندية، والقدس، ورام الله، وبدّو.. أفرح وأحزن.. أحبّ وأكره.. أنام على حلم جميل، وأصحو على حقيقة تقلب فرحي، وتقعدني أمام السؤال ذاته..

 

هل أستطيع أنْ أقتلع نفسي من نفسي.؟ هل أستطيع إلا أنْ أكون ذلك الفتى.؟

 

ها أنا ذا أراه الآن، يحمل ملامحي، ويغيب حتى آخر عرق في جسده، لينبت هناك مرة أخرى، محمولاً على أجنحة الذكرى ذاتها..

 

تعرّفت على سليمان.. كان فتى في مثل سنّي تماماً، يتدرّب معي في القسم الذي أتدرّب فيه، ننام في غرفة واحدة مع عشرة طلاّب آخرين وعلى سريرٍ من طابقين، يحتلّ هو الطابق الأسفل فيه، بينما أحتلّ أنا الطابق الأعلى..

 

بدأت صداقتنا تتوطّد منذ اليوم الأول الذي التقينا فيه، ندرس سوياً ونأكل على طاولة واحدة ونلعب كرة القدم ونتمرّن على الملاكمة أو كرة الطاولة سوياً أيضاً، ونادراً ما يشاهد أحدنا دون الآخر، وإنْ حدث ذلك، أكون في صالة المطالعة أقرأ أيّ شيء يقع تحت يدي، الأمر الذي لم يكنْ يستسيغه على الإطلاق..

 

وهكذا أخذت صداقتنا تشتّد وتقوى يوماً بعد يوم..

 

دعاني منذ بداية الأسبوع الثالث لإقامتي في المركز لأذهب معه يوم الخميس التالي إلى قريته القريبة.. كنت سعيداً، لا أخفي لهفتي لولوج تجربة من نوع جديد، مجهولة، وعلى قدر من الإثارة..

 

تناولنا طعام الغذاء، حملنا أغراضنا القليلة التي نحتاجها، وانطلقنا..

 

يمسك بيدي ونركض.!

 

نجتاز الشارع العريض إلى الجهة الأخرى المقابلة لبوابّة المركز، ندخل بين التّليْن القاحلين المقابلين، ونصل إلى قمّة المرتفع الأول، فينكشف أمامنا الأفق مفروداً إلى أقصاه، لا شيء فيه سوى التلال والصخور وأشجار منثورة هنا وهناك، وأعشاب تحمل ألواناً شتى، وأطراف السماء من حولنا تبدو قريبة جداً، تكاد تلمس حواف الأرض من كل ركن..

 

نتعثّر بشتى إحداثيات الظلال الممتّدة والزاحفة حولنا كالأشباح، مختلطة ومتداخلة. جذع دالية وحجارة، تراب وأغصان، صخور، حشائش، أوراق جافّة طويلة منفصلة عن أصولها، سطحّتها الشمس وهي تسقط أمامنا..

 

يلهث سليمان وهو يغمض عينيه.. يلتقط أنفاسه.. يتمتم:
ـ لا تنظر إلى موقع قدميك، وإلاّ أصابك الغثيان..!

 

الشمس تسقط قبالتنا.. ترسل أشعتها البرّاقة تماماً تحت جبهتي، فأطوي وجهي، أنظر إلى موقع قدميّ، أراقب ظلّي، أراه يقوم ورائي دائرياً طويلاً لا ينفصل عن جسدي كلما بدأت خطوة وأخرى، ويمتد كأنه بلا نهاية..

 

تغطس الشمس شيئاً فشيئاً ويفتر شعاعها، تكاد تختفي وراء الأكمة الأخيرة التي تتراءى لنا نهاية للأرض، أو بداية للسماء، تتحرك حولنا نسمة رطبة نستقبلها بفرح..

 

نفتح لها صدرينا، نأخذ نفساً عميقاً، فننتعش.

 

وفي اللحظة التالية نطلّ على بدّو..!

 

تستقبلنا بيوتها المتناثرة هنا وهناك، متباعدة عن بعضها منتشرة بين مرتفعين وسفح واحد ممتّد حتى حدود الأكمة الأخيرة، تفصل بينها أسوار من حجارة سوداء مركّبة بعضها فوق بعض، وتلتّف حولها طرقات ترابية ضيّقة ملتوية تكاد تطرق كل باب، متشّعبة ومتقاطعة بفوضى، لكنّها تنتهي كلها إلى الطريق الرئيسي الذي نقف على أوّله، يخترق الساحة الكبيرة القائمة في وسط القرية تماماً، ويخرج من آخرها، ليمتدّ أيضاً إلى مدىّ غير منظور، يصلها بالقرى الأخرى..

 

وتضيف إليها الأشجار القليلة المطلّة بشموخ فوق أسطح البيوت، بألوانها المتدّرجة بين الأخضر القاتم والمشّع، لمسات تفصح عن دنيا صامتة، لكنّها لا تخفى وهي ترسم بريشتها الفطريّة زخم حياة مليء بالحنان والدفء الحميم..

 

تبدو البساتين والكروم بقعة خضراء، وسط زحمة الخلق الأول، وكأنها جمّعت على بقعة أرض واحدة خصبة، تمتدّ وراء آخر البيوت من طرف القرية البعيد..

 

نراها أمامنا، مفرودة، تفتح ذراعيها، تتمسّح أسطح بيوتها المغطاة بالقرميد الأحمر ببريق آخر ضوء للشمس قبل أن تغيب، تسحب لهاثها الأخير مع لهاث دخان كسول متصاعد بتؤدة من فوق بعض البيوت والساحات، تفرد ملاءة من الظلال تختلط مع روائح الخبز والخشب والأعشاب اليابسة المحترقة في "التنانير"، وتنتشر في الفضاء المحيط بكل شيء وعبر الطريق المتعرّج الطويل الذي طرقناه، والممتّد من مكان وقوفنا وحتى آخر المدى، أرضيته مبيّضة لكثرة ما طرق، وجنباته  قاتمة مليئة بأنواع من الأعشاب البرّية التي تنمو ولا ينتبه إليها أحد..

 

يفتح سليمان ذراعيه.. يوشك أن يحتضن البيوت:
ـ قلت لك.! نصل مع الغروب، ونسبق الباص..!

 

ويجلس فوق أقرب حجر يلتقط أنفاسه..

 

"يتبع"،،،

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

رواية بدّو (2)

التالي

القدس... مشاكل وحلول، ولكن من يصغي؟!!

مقالات متعلّقة