41 عاماً من الإهمال

تاريخ الإضافة الثلاثاء 5 آب 2008 - 12:13 م    عدد الزيارات 3616    التعليقات 0     القسم

        



مرّ 41 عاماً منذ أنْ وسّعت حكومة "إسرائيل"، في أعقاب حرب الأيام الستة، حدود القدس إلى الشرق والشمال والجنوب. وأدّى هذا التوسع إلى ضمّ عددٍ كبير من السكان العرب إلى داخل حدود المدينة. ورغم أنّه تم توحيد القدس رسمياً إلا أنها من نواحٍ كثيرة ظلت منقسمة حتى اليوم. فحكومات "إسرائيل" المتعاقبة رغبت في رؤية القدس موحدة على الخارطة، بدون إدراك أنّ التوحيد ينطوي على دمج السكان العرب، الذين يعيشون ضمن الحدود الموسعة الجديدة، في القدس الموسعة، أي في "إسرائيل".

 

ولسنوات طويلة لم ينجزْ أي شيء تقريباً لكي يتم تحقيق عملية الدمج هذه. فاليسار "الإسرائيلي" كان يطمح إلى إعفاء "إسرائيل" من السيطرة على هذه المساحة، في حين أنّ غالبية اليمين تفضل رؤية المساحة التي جرى ضمها وفي الوقت نفسه تجاهل السكان الذين يعيشون فيها.

 

وبذل الرئيس الأول لبلدية القدس الموسعة، تيدي كوليك، جهوداً لتقريب العرب وتشجيعهم على التصويت في الانتخابات لبلدية القدس. إلا أنّ من خلفه في المنصب، إيهود أولمرت وأوري لوبليانسكي فضّلوا تجاهل هذا الموضوع.

 

ويعتبر مدخل مكتب رئيس البلدية من بين الدلالات التي تشير إلى سياسة الإهمال والتجاهل، حيث إنّ الزائر يستطيع رؤية صور رؤساء البلدية السابقين على الجدران؛ أولمرت وكوليك ومردخاي إيش شالوم وغرشون أغرون ويتسحاك كاريف وزلمان شرغاي ودانييل أوستر. كأنّما الرؤساء العرب السابقين لم يكونوا موجودين. لا يمكن تجاهل وجودهم، مثلما لا يمكن تجاهل وجود العرب في القدس.

 

إنّ التحدّي الماثل في دمج السكان العرب مع باقي سكان القدس هو تحدٍّ عظيم، إلا أنّ الاتجاه نحو هذا الدمج يجب أنْ يكون واضحاً؛ المساواة في الخدمات البلدية التي تقدّم للأحياء العربية مع تلك التي تقدّم للأحياء اليهودية، والإشارة هنا إلى خدمات الرفاه والصحة والتعليم وتطبيق برامج التعليم المتبعة في "إسرائيل" ومراقبة وزارة المعارف على المدارس العربية. كما يجب تشجيع السكان العرب على المشاركة في الانتخابات البلدية، والحصول على المواطنة "الإسرائيلية".

 

كلّ ذلك كان يمكن القيام به بشكلٍ تدريجي، إلا أنّه لم ينفّذْ شيء منه طوال السنوات الـ41 عاماً الأخيرة. ما يعتبر قصة تجاهل مطلق تقوم على أمل نابع من تفكيرٍ عاطفي مفاده أنّه يمكن توحيد المدينة بدون دمج كافة سكانها في النسيج المدنيّ.

 

وربما يكون أبرز مثال على ذلك هو مخيم شعفاط، الذي جرى ضمه إلى الحدود البلدية للقدس. فقد كانت لـ"إسرائيل" هنا فرصة لكي تقدّم نموذجاً في كيفية حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. كان يجب بناء كلّ المنطقة من جديد، وتقديم السكن المناسب لهم، وبشكلٍ موازٍ يتمّ إعفاؤهم من ضرورة البقاء في حاجة إلى خدمات وكالات الأمم المتحدة. إلا أنّه، ولعار "إسرائيل"، فإنّ مخيم اللاجئين لا يزال على حاله 41 عاماً منذ العام 1967، وهو يعتبر جزءاً من الدولة. وأسوة بالسكان العرب في القدس، لا يمكن أنْ نأمل أن يختفي من تلقاء نفسه.

 

تأتي هذه الأفكار في أعقاب العمليات "الإرهابية" الثلاث التي نفّذت في الأسابيع الأخيرة من قِبَل عرب من سكان القدس. ولا يمكن لأحدٍ أنْ يدّعي أنّه لو قامت حكومات "إسرائيل" بكافة الخطوات التي ذكرت أعلاه من أجل تحسين ظروف معيشة السكان العرب في القدس، لما وقعت هذه العمليات. فتأثير الحركة الإسلامية جعل العرب مواطني "إسرائيل"، الذين يعيشون في حدود ما قبل 1967، ينفّذون عمليات "إرهابية" ضد المواطنين اليهود في "إسرائيل". ومن المعروف أنّ نظيرتها الإسلامية، حماس، تنشط في وسط العرب في القدس، ولا شكّ أنّها تشجّع مثل هذه العمليات العنيفة ضد "إسرائيل". ولكن، وبالمقياس نفسه، من الواضح أنّه لو تم تحقيق تقدم في استيعاب السكان العرب في القدس فإنّ مهمة المتطرفين الفلسطينيين ستكون أصعب بكثير.

 

وهذا الجدار الذي يحيط بمنطقة القدس لا يخفّف من المشكلة، وإنّما يفاقمها. فالسكان العرب في القدس الذين يشعرون، وبحقّ، أنّ سياسة حكومة "إسرائيل" وبلدية القدس تميّز ضدهم فإنهم مسجونون في داخل جدران المدينة. ولا يمكن أنْ ينتج من ذلك أي شيء حسن، علاوة على أنّ هدم منازل عائلات منفذي العمليات الأخيرة لن يؤدّي إلا إلى إثارة الشعور بالمرارة والحقد.

 

وكلّ من يعتقد أنّه  يمنع تقسيم القدس، بما يعنيه من عدم فصل الأحياء العربية عن باقي أجزاء المدينة، يجب أنْ يكونوا أول من يطالب حكومة "إسرائيل" وبلدية القدس بتبنّي سياسية فعالة لتحسين ظروف حياة العرب في القدس. وبدون هذه السياسة ستبقى القدس مقسمة.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

رواية بدّو- الفصل الأول

التالي

استراتيجية ابتلاع القدس: هل من مغيث؟

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

نفش العهن في الحديث عن صفقة القرن

السبت 1 شباط 2020 - 2:17 م

 وممّا أورده المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان من الأحداث التي جرت في منطقتنا العربية، في العقد الأول من الألفية الثالثة، تلك الخطة الأمريكية التي أرادت إنهاء القضية الفلسطينية، وروجت لها على أ… تتمة »

براءة درزي

عن "إقامة الصلاة" في باب الرحمة..

الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020 - 4:24 م

حملة محمومة من الاعتداءات شنّها الاحتلال منذ مطلع عام 2020 في باب الرحمة: اقتحام للمصلى، واعتداءات على المصلين بالضرب والسّحل، واعتقالات بالجملة، وقرارات بالإبعاد؛ وذلك في سياق متّصل باعتداءاته التي ب… تتمة »