عنصرية "إسرائيل" ونفاق العالم بين جرافة القدس وحافلة شفا عمرو

تاريخ الإضافة الثلاثاء 8 تموز 2008 - 2:04 م    عدد الزيارات 4400    التعليقات 0     القسم

        



لا تتردّد أيّ من دول العالم ولا أيّ من قادة تلك الدول عن استخدام أقسى عبارات الإدانة والشجب والاستنكار للعملية التي نفّذها الشاب المقدسيّ حسام تيسير دويات (30 عاماً)، عندما قام باستخدام جرافة ليصدم بها الحافلات والسيارات "الإسرائيلية" في شارع يافا المكتظّ وسط القدس، والتي نتج عنها مقتل أربعة وجرح العشرات من "الإسرائيليين"، وقد تسابق المسؤولون الأجانب على التنديد بالعملية ووصفوها بكلّ النعوت والأوصاف التي تنمّ عن الكثير من الانحياز لدولة الاحتلال، لا بل وعن الكمّ الهائل من النفاق الذي يتمتّع به هؤلاء ومدى التملّق في كلّ ما يتعلق بـ(إسرائيل).

 

عملية الجرافة، إذا جاز لنا أنْ نسمّيها كذلك، أتت بشكلٍ أذهل الساسة والقادة والمسؤولين الأمنيين "الإسرائيليين" بشكلٍ خاص، ذلك أنّه لم يكنْ لدى أيّ منهم أدنى فكرة عن أنّ حدثاً مثل ذلك قد يحدث، وقد شكّلت صدمةً لا تقلّ قوة عن تلك التي تسبّبت بها عملية قام بها شاب من عائلة أبو دهيم من جبل المكبر قبل نحو شهرين، عندما قتل ثمانية من غلاة المتطرفين في أحد المعاهد الدينية في "القدس الغربية".

 

"العملية" التي يعتقد على نطاق واسع أنها "عملية" مدبّرة ومخططة، رغم أنّها غير مرتبطة بتنظيمٍ بعينه، بغضّ النظر عن البيان الذي تمّ إصداره من قِبَل "أحرار الجليل"، وعلى أيّ حال وسواءً كانت مرتبطة بهذا التنظيم أم لم تكنْ، فقد تمّ تنفيذها وقتلت من قتلت وجرحت من جرحت، وعلى أيّ حال أيضاً فليس هذا ما أريد نقاشه هنا بقدر ما أريد أنْ أناقش الطريقة التي تمّ فيها الإجهاز على الشاب منفّذ العملية، تلك الطريقة التي كانت على مرأى ومشهد من العالم، والتي كانت عملية إعدامٍ لا تقبل الشك أو النقاش، وهذا بحدّ ذاته يتنافى مع كلّ القوانين المعروفة إلا إذا كانت (إسرائيل) لا تخضع لما يخضع له العالم.

 

لقد صعد مسلحان "إسرائيليان" إلى الجرافة فأقدما على قتل الشاب منفّذ العملية بطريقةٍ رآها العالم ولا تحتاج إلى تعليق، وقد أشاد الإعلام العبريّ ببطولة هؤلاء، وقد حاول هذا الإعلام القول وعلى لسان الأجهزة الأمنية "الإسرائيلية"، إنّ الشاب كان مسلّحاً بمسدسٍ وهذا ما لا نعتقد بأنّه صحيح، حيث إنّه لو كان فعلاً كذلك لاستخدم ذلك المسدس المزعوم، خاصةً وأنّه مقدمٌ على عملٍ يعلم أنّه لن يخرج من بعده حياً بحسب كلّ التجارب السابقة على مدى سنوات الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي".

 

سلطات الاحتلال لم تكتفِ بقتل الشاب دويات -بغض النظر عمّنْ قتله سواءً كان من رجال الأمن أو مدنيّ، فكل مواطن "إسرائيلي" مسلح وجندي- بل سمحت للجماعات اليهودية المتطرفة بتنظيم مسيرةٍ إلى مشارف بلدة صور باهر يوم الأحد الماضي، للمطالبة بهدم منزله، وهذا ما دفع بعشرات المتطرّفين للزحف إلى محيط البلدة، وكذلك اتّجه هؤلاء إلى حي جبل المكبر القريب للمطالبة بهدم منزل عائلة أبو دهيم.

 

من المعروف كذلك أنّ سلطات الاحتلال كانت قد سمحت لغلاة المتطرفين بالهجوم على جبل المكبر على إثر عملية أبو دهيم، وسمحت لهم باستباحة الحيّ، وقام هؤلاء بتحطيم السيارات والبيوت وكلّ ما وجدوه في طريقهم، بالإضافة إلى الاعتداءات على المواطنين في حينه.

 

لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، فلقد تعالتْ الأصوات في "إسرائيل" وعلى أعلى المستويات، مطالبةً بنسف بيت منفذ العمليّة وأي عملية " تخريبية أو إرهابية" يقوم بها أي فلسطينيّ.

 

قبل حوالي ثلاثة أعوام وفي الرابع من آب 2005، قام أحد المتطرّفين "الإسرائيليين" بالصعود إلى حافلة في مدينة شفا عمرو، حيث بدأ يطلق النار في كلّ اتجاه داخل الحافلة وخارجها، وقتل سبعةً من الفلسطينيين من بينهم طفليْن وثلاثة فتيات ورجليْن، وجرح حوالي عشرة، وقد استطاع الفلسطينيون بعد ذلك من الصعود إلى الحافلة وقتل الجاني، فماذا فعلت (إسرائيل)؟.

 

بدايةً كان هذا المأفون معروفاً لدى أجهزة الأمن "الإسرائيلي"، ومعلومٌ لديها بأنّه من الممكن أنْ يُقدِم على عملٍ كهذا ولم تقمْ بعمل أيّ شيءٍ لمنعه ولم تحُلْ دون قيامه بجريمته، هذه واحدة، وأما الثانية فهي أنّ "إسرائيل" لاحقت الذين قاموا بقتل المجرم ولا زالت قضيّتهم أمام القضاء على اعتبار أنّهم قتلة، وأنّهم لا يجوز لهم أنْ يأخذوا القانون بأيديهم، ولا نعتقد بأنْ تتمّ تبرئتهم أمام القضاء "الإسرائيلي". وأمّا الثالثة فإنّ أحداً من قادة الكيان طالب بأنْ يتم نسف بيت القاتل، كما ولن يتمَّ منح أوسمة أو نياشين لمن قاموا بقتله كما هو مرجّح لقتلة الشاب دويات، ولم يتمْ تنظيم مظاهراتٍ أو حشود ضدّ المنطقة التي يسكنها هذا القاتل، وحتى لو طالب الفلسطينيّون بذلك فلا نعتقد بأنّه كان يمكن لهكذا مظاهرة احتجاجية أنْ تمرّ بدون وقوع قتلى وجرحى في صفوف الفلسطينيون الذين قد يشاركون فيها.

 

وأمّا الرابعة والتي تكشف زيْف وتملّق ونفاق قادة العالم وكيلهم بمكيالين في التعامل مع الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي"، فهي أنّ أحداً لم يسمعْ ولو كلمة إدانة واحدة، ولم يسمع تنديداً ولا بأيّ شكلٍ من قِبَل هؤلاء القادة، ترى هل لا زال يعتقد هؤلاء بأنّ "إسرائيل" هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، إنّها الديمقراطية العرجاء، التي تقيس بأكثر من مكيال، والتي لا تتعامل مع الفلسطيني إلا على أساس أنّه قاتل ومجرم، وأنّ الدم اليهودي غالي، وما تبقّى فبلا قيمة أبداً، فعن أيّ ديمقراطية يتحدثون؟

مقالات متعلّقة

الفصل الأول من تقرير حال القدس 2019: تطور مشروع التهويد في عام 2019

 الإثنين 6 نيسان 2020 - 7:13 م

حال القدس 2019

 الثلاثاء 31 آذار 2020 - 7:43 م

المشهد المقدسي من 1/1/2020 حتى 3/3/2020

 الجمعة 13 آذار 2020 - 3:16 م

المجتمع المدني العربي والإسلامي

 الثلاثاء 21 كانون الثاني 2020 - 2:43 م

مجلة زهرة المدائن (العدد 114-115) أيلول/ تشرين الأول 2019

 السبت 4 كانون الثاني 2020 - 4:22 م

عين على الأقصى 2019

 الإثنين 30 كانون الأول 2019 - 5:32 م

القضية الفلسطينية في عهد ترامب أعوامٌ عجاف

 الجمعة 27 كانون الأول 2019 - 3:06 م

الوجود المسيحي في القدس

 الثلاثاء 24 كانون الأول 2019 - 4:15 م

 

للاطلاع على أرشيف إصدارات المؤسسة، اضغط هنا 

كمال جهاد الجعبري

ثورة النبي موسى و100 عام من مقاومة المشروع الصهيوني

الإثنين 6 نيسان 2020 - 5:59 م

 من القدس تكون البدايات، وتكون النهايات، ويصح فيها وصف الشاعر محمود درويش حينما قال، في فلسطين، أم البدايات، وأم النهايات، ففي القدس كان البناء لأول مستوطنة مغتصبة لأرض فلسطين، والمعروفة بيمين موسى (ي… تتمة »

علي ابراهيم

نفش العهن في الحديث عن صفقة القرن

السبت 1 شباط 2020 - 2:17 م

 وممّا أورده المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان من الأحداث التي جرت في منطقتنا العربية، في العقد الأول من الألفية الثالثة، تلك الخطة الأمريكية التي أرادت إنهاء القضية الفلسطينية، وروجت لها على أ… تتمة »