شعرٌ للقدس (الجزء الأول)

تاريخ الإضافة الإثنين 23 حزيران 2008 - 12:32 م    عدد الزيارات 6860    التعليقات 0     القسم

        



هيمنت على الإنسان العربي -ومنذ بدايات تاريخه- أنماط معيشة التنقّل والتجوال، وكانت سائدة في وجدانه… ولعلّه كان يرى في الاستقرار الثابت وسيلة لقمع تحرّره، وما تنقله في المواقع إلا تنقل آخر في المواقف الفكرية والسلوكية، وتراوح من غير تركيز أو ثبات.

 

على ضوء ذلك لم نلحَظْ هذا العشْق لمدينة أو مكان ما إلا في أبيات شعرية متفرّقة هنا وهناك لا تتواصل حتى تؤلف قصيدة متكاملة، وإذا حدث أنْ استرسل الأديب في نفَسٍ أطول، فإنّه يروي لنا عن آلامه أو حبّه بما قد ينطبق على كل زمان أو كل مكان.. فأين هي القصائد التي كتبت عن مكّة أو بغداد أو القدس..؟

 

صحيح أنّ هناك قصائد تناولت حدثًا ما كحريقٍ في مدينة أو خراب في أخرى، وصحيح كذلك أنّ هناك مقامات سمّيَت بأسماء مدن وأماكن شتى، ولكنْ هذه جميعها لا تتقصّى المكان والارتباط من خلال حس انتمائي، أو على الأقلّ بسمات جغرافية محددة لها، تأخذ مجالاً لإثراء النص.

 

وأنا لا أعني بالمكان ظواهر الطبيعة المختلفة كالريف أو الجبل أو روضة أو بستان.

 

لقد كان من المتوقع "مثلاً" أنْ نقرأ قصائد عن القدس ومكانتها الدينية، وذلك في فترة الصراع مع الصليبيين منذ بدايات القرنين الحادي عشر والثاني عشر، لكن النماذج الكثيرة لا تدلّ على نشوء ما أصطلِحَ عليه "شعر القدس". فلو تتبّعنا بعض الدراسات عن هذه الفترة، وخاصةً الفصل الذي يتناول "تحرير بيت المقدس" في كتاب د.عمر موسى باشا "الأدب في بلاد الشام" على سبيل المثال، فإنّنا نجد قصائد كثيرة قيلت في الأحداث والتحرير، ولكنّنا لا نجد أبياتًا تتناول القدس مكانًا بشيءٍ من التركيز، أو ما يعكس خصوصية بارزة، بل كانت الأبيات مدحًا للأيوبيين ووصفًا لبطولاتهم، وذلك على غرار قول أبي الفضل الجلباني المتوفّى في 603 هجري:

 

الله أكبـر أرض القـدس قد صفـرت
مـن آل أصـفــر إذ حَيـن بـه حـانـوا

حـتى بنيـت رتـاجَ القدس منفرجًا
ويـصعــد الصخـرة الصمــاء عثمـان

واستقبل الناصر المحراب يعبد من
قـد تـم مـن وعـده فــتـح وإمـكـان

 

ولا نستطيع أنْ نقع على قصيدة مستقلّة تتحدّث عن قدسية المكان وعن معالمه أكثر من مجرد ذكر الاسم وإنّما هي شذرات جمل وعبارات مختلفة؛ بل كان من المتوقّع أنْ نقرأ قصائد القدس في كتب "فضائل القدس" الكثيرة أو في كتاب الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل لمجير الدين الحنبلي (ت 1520م)، وفي كتب أخرى من هذا القبيل، أو في كتب الرحلات وما شابهها.

 

غير أنّ الحال لم تكنْ بأفضل حتى منتصف القرن العشرين، مع أنّ القدس ومنذ بدايات هذا القرن أخذت تعيش في صراع جديد يستلزم بالضرورة أنْ تكون هناك قصائد معبّرة عن الخطر ومنذرة بما يحدق منه، فهذا خليل مطران (1871-1949)، في قصيدة "تحية للقدس الشريف"، لا يجد إلا لغة التعميم في ذكره حبه لها:

 

سلامٌ على القدس الشريف ومن به
عـلى جامــع الأضـداد في إرث حبـه

عـلى البلـد الطهـر الذي تحـت تربـه
قــلــــوبٌ غـدت حبّـاتها بعـض تـربـه

 

ثم يأخذ الشاعر في وصف طريق وصوله، وما رآه، وذكر كرم أهل القدس في استقباله مؤكّدًا على عنصر الحب في هذه المدينة الخالدة:

 

بـه مبعث للحبّ في كلّ مـوطئ
لأقدام فادي الناس من فرط حبّه

 

وهذا علي محمود طه (1902-1949) وهو من الشعراء المصريين القلائل الّذين أوردوا ذكر القدس، وتناولوا القضية الفلسطينية في حينه، يقول:

 

أخي إنّ في القـدس أختًا لنا
أعــدّ لهـا الذابـحـــون المــدى

أخي قم إلى قبلة المشركين
لنحـمي الكنيسة والمسجـدا

 

وبالروح نفسها وفي إشارات مماثلة يقول عمر أبو ريشة (1910-1991):

 

يـا روابي القدس يا مجلى السنا
يا رؤى عيسى على جفن النبي

 

أو يقول:

 

يا تثني البراق في ليلة الإسر       اء والوحي ممسك بعنانه

 

وفي الشعر الفلسطيني الحديث يخصّص إبراهيم طوقان (1905-1941)، قصيدة له بعنوان "القدس"، ولكنّه لم يتناولْ فيها إلا ما وصفه "التطاحن الحربي الذي تفشّى في فلسطين حينذاك"، وكانت القدس بوصفها عاصمة البلاد مركز ذلك التطاحن.

 

كما لا نجد في نشيد "يا ربا القدس" لأبي سلمى (1909-1984)، أي تخصيصٍ يتعلّق بالمدينة أو أي شعر عنها.

 

ولم يحظَ المسجد الأقصى بأكثر من إشارةٍ سريعة في قصيدة عبد الرحيم محمود (1913-1948) "نجم السعود" وهي قصيدة موجّهة إلى الأمير سعود بن عبد العزيز في طريقه إلى بيت المقدس (14/8/1935)، فيقول الشاعر:

 

المسجــد الأقصى أجـئت تـزوره
أم جئت من قبْل الضياع تودّعه؟

حــــرمٌ يـبـــاح لـكــلّ أوكـعٍ آبــقٍ
ولـكــــلّ أفّـــاق شـريــدٌ أربــعـــه

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

لقاء مع النائب أحمد أبو حلبيّة رئيس مكتب مؤسسة القدس الدوليّة في غزة

التالي

قولوها بصراحة.. إنّكم تخلّيتم عن القدس!!

مقالات متعلّقة

براءة درزي

سلامٌ على إبراهيم في المقدسيّين

الإثنين 5 تشرين الثاني 2018 - 10:06 ص

 قبل أربعة أعوام، في 5/11/2014، نفّذ المقدسي إبراهيم العكاري، من مخيّم شعفاط، عمليّة دهس في شارع عناتا غربي القدس المحتلة. العملية كانت إحدى العمليات التي نفّذها فلسطينيون ضمن ما اصطلح على تسميتها بهب… تتمة »