ثلاثة توابيت باب الأقصى والمغاربة

تاريخ الإضافة السبت 31 أيار 2008 - 10:03 ص    عدد الزيارات 2897    التعليقات 0     القسم

        



كنت على ثقة أنّنا ذاهبون إلى حدث عادي, مهرجان لنصرة القدس والأقصى, في قلب العاصمة المغربية الرباط,كلمات وخطاب, وينفضّ الناس, وأحياناً يكون هناك "ضغط سير" وصراخ الباعة.

 

سأعترف أني لست من هواة تسجيل الخطابات في المهرجانات, وكثيراً ما أتململ حين ألتزم مقعدي, عادة قديمة لم أتخلّص منها حتى الآن, ماذا هل أكون قد قطعت كل هذه المسافة الطويلة لأنشغل في تغطية المهرجانات, ليس لأنها غير مهمة بل لأني لست من هواة تغطيتها.

 

سأقول وليس مجاملةً أني لم أحضر مهرجاناً, انفعلت وتفاعلت معه مثلما حدث ذلك في مهرجان الرباط, هكذا سأسميه, ولم يحدث ولا أذكر إني حضرت مهرجاناً وهي كثيرة كان عدد الحضور في نهايته أكثر من الذين كانوا في ذروته, انتهى المهرجان والناس تتوافد إلى أرض المهرجان..

 

في المغرب كانت المفاجأة تلوَ المفاجأة بالنسبة لي, فوجئت في البداية واستمرّت المفاجئات لكن غالبيتها فيما بعد الصدمة الأولى كانت رائعة.

 

في المهرجانات عادة يغلب عليّ النعاس, ليس لأنّ المهرجانات غير مهمة, بل لأني طبيعتي هكذا, وأميل إلى مغادرة أرض المهرجان إذا كان المتحدث من النوع الذي يمدّ الكلمات معتقداً أنه بذلك أصبح مهماً, كما في بلادنا.

 

لكن في الرباط في الملعب, أو الإستاد, الذي نظّم به مهرجان الأقصى, على أرضٍ غير مزروعة بالعشب الأخضر, كان هناك ما هو جديد بالنسبة لي.

 

من الصعب أنْ لا تنفعل هنا, ومن الأصعب أن لا تبكي, الحضور والكلمات والهتاف والانتظام, نشئ سأكرّره في كلّ مرة أكتب عن المغاربة.

 

هي لحظات لن أنساها استقبلتنا فرقة الاعتصام وقسم العهد مع القدس والأقصى, ورغم كل شنئ البعد والجفاء الأقصى ليس وحيداً, لا في بلدنا ولا في بلادهم.

 

تألّق المغاربة وهم يهتفون, الآلاف مثل سمفونية منتظمة, سوية بصوت واحد, يهتف واحد ويردد خلفه الآلاف, يرددون بحرقة بحب وشوق, يعطي إشارة للجماهير لتتوقف, يليه هاتف آخر, كل شي بانتظام, أما الشعارات فمدرسة, هي لحظات لن أنساها.

 

ثلاثة توابيت أمام المنصة, الأمم المتحدة والجامعة العربية ومجلس الأمن, الأمم المتحدة كتبت بالأحمر على قماش أبيض, لون الكفن والعرب ومجلس الأمن كتبا بالأزرق, هل هي المفارقة, الأزرق والأبيض, ممكن, وممكن كذلك أنْ تكون مقصودة, المغاربة يتقنون أشياء لا يقصدوها أحياناً.

في قضية واحدة لا أحد ينافس المغاربة من شعوب الأرض على ما يبدو, حبهم لفلسطين والفلسطينيين والمسجد الأقصى الذي رحل إليه آباؤهم وأقاموا حارة المغاربة, وقرية عين كارم التي أوقفها آباؤهم كذلك.

 

"مرحباً بالقدس بيتنا, مؤذنها شوارعها كنائسها, حي المغاربة, جاراتها أزقتها شوارعها, مرحباً بالقدس بأهلها, مرحباً بك يا شيخ رائد صلاح", قال العريف وافتتح. أما الجمهور فقد خرج من توزانه, لكن بانتظام, المغاربة يخرجون من توازنهم لكنهم يبقون متزنين, لأنهم يمارسون انفعالهم بانتظام, لا يخرجون عن الحد ولا يدخلون في مناطق نفوذ غيرهم, الشعوب التي تعرف الحدود هكذا تتصرف, تعرف أنها مهما انفعلت فإنّه ليس من المفضّل أنْ تنفعل إلا بالقدر المسموح.

 

أعصابهم باردة المغربيون, دائماً يصبون الشاي المغربي شديد الشهرة, أي المشروب الوطني عندهم, نصف كمية, لا يملاؤن الكأس, فهم في كل الحالات يشاهدون نصف الكأس المليئة.

 

هتف الجمهور: "من مغرب لفلسطين شعب واحد مش تنينْ", بلهجة مغاربية, صفق الجمهور كله سوية, بانتظام, وتوقف بعد أن أشار رئيس الكومبارس, لا يتحدث أحد والجمهور يهتف, ليس كما في بلادنا, الموجّه يحمل ميكروفوناً, لا علاقة لعريف المهرجان بهتاف الجمهور وكل ما تحتاجه في المغرب فقط أنْ تطلق الإشارة والباقي للجمهور, لا يحتاج أنْ تطلب منه أنْ يرفع صوته, يبدأ بهدوء يرفع صوته ويصفق ويصمت حين يطلب منه, ويكبر من حين لآخر, ويذكر اسم الله, الله أكبر.

 

طبعاً سيقول البعض إني أبالغ, ولعل ذلك يكون من تأثير الطعام وكرم المغاربة, سأعترف أيضاً أنّ للطعام تأثيراً أحياناً على الكلمات, لكن في حالتي المسألة صعبة للغاية, لأني لم أعتدْ المديح في الكتابة, حتى أنّ كثيرين يتهموني عادة بأني دائماً "أبحث عن جنازة أشبع فيها ردح", الحقيقة أني لست بحاجة لجنازات, على العكس في المغرب أيضاً جنازات كثيرة, لم يقنعني الدجاج من هذه الناحية في رؤية المغرب من أمكنة أخرى (اقرأ تقريراً مفصلاً), لكن حين يهتف الناس "فلسطين في العيون عهداً عهداً لن نخون", بعيداً عنها, وتسمع الأصوات وترى الوجوه والدموع, تفهم أنّك أمام حالة عربية نادرة من الحب, لا مجاملة فيها, ولا أخذ خواطر, لأنّ ما سنشاهده بعد المهرجان بقليل, يؤكّد لنا بشكلٍ لا يقبل التأويل على اثنتين أنّ المغرب تختلف عن كلّ العالم العربي, الذي يعرف بعضه فلسطين والقدس بالكاد, فيما يجحر بك آخر لأنك فلسطيني, وقد تكون تعيس الحظ للغاية إذا كنت قد علقت على حدود بيروت الشرقية بيد حاجزٍ للكتائب أو بيد كتائب بدر في بغداد, وقد يكون هذا نابعاً من حقيقة أنّ الفلسطينيين الرسميين لم يمكثوا في المغرب وقتاً طويلاً متواصلاً, كما عمان وبيروت وتونس.

 

تونس جارة المغرب, والفرق كبير, بالنسبة لي, لم أكنْ أميّز كثيراً بين البلدتين, تونس شديدة العلمنة والكراهية للتديّن, النظام والعلمانيين معاً وكل واحد على حدة, لكني اكتشفت أنّ الفرق كبير, كبير جداً.

 

في مهرجان الرباط كان الفرق كبير بين أنْ تسمع وبين أنْ تشاهد, بين أنْ تقرأ وبين أنْ تلامس, وتعاين عن قرب.

 

ثلاثة توابيت ليست هي فقط التي تفصل المغاربة عن بيت المقدس حنينهم ولوعتهم لا توصف, ولا يقدر, هناك من الأشياء ما تعجز عن وصفها تقف مشلولاً, مثل هذا هو ما حصل في مؤتمر الرباط, الحضور والناس والهتاف, تقريباً كلّ مرة ستلتقي مفاجأة مغربية, من النوع الذي تحبّ طبعاً.

 

فلسطين وأهلها وشعبها لا يعيشون في وعي المغاربة في المواسم, ليست ستينية النكبة هي التي أيقظت هممهم, لا يستيقظ العشق في نفوس الناس مرة واحدة ولا يعشق الناس بدعسة زر, العشق هو نتاج علاقة متواصلة من الحب والشوق وفي حالة المغاربة مع فلسطين والفلسطينيين هو لوعة تصل إلى حد الهذيان التي لم أصدقها أحياناً وأبكتني, باب المغاربة وآباؤهم الذين شدّوا الرحال إلى هناك مع طلائع جيش صلاح الدين فبقوا هناك وأبقوا شيئاً من المغرب هناك,

"مرحباً بالقدس بيتنا, مآذنها وكنائسها, حي المغاربة وكلّ حاراتها, مرحباً بالقدس بيننا شهداؤنا والأسرى مرحباً شيخ رائد صلاح وأنت تجسّد كلّ هذه المعاني", قال الأستاذ خالد السفياني.

 

"إنا نحبك أيما حب, يا بلدة الطهارة والرباط, لك منّا كل شوق من الرباط لأرض الرباط", تلوع محمد بن جلون.

 

"حين تتعشق الأرض الفلسطينية, حين تتعشق القدس والأقصى لا يمكن أنْ يساويه شيئاً", أضاف.

 

وحين يمارس هذا العشق أطفالٌ يحملون الأعلام الفلسطينية, ويهتفون سوية وعلى انفراد, بالتناوب في مكانٍ كنت تعتقد أنّه يعرف بلادك بالكاد, تنذهل, الانذهال عادة يكون على قدر التوقع.

 

"من مغرب لفلسطين شعب واحد مش اثنين", هتف قائد الأوكسترا, ورددت الجماهير خلفه, مدرسة في الترديد والشعارات المغاربة, "فلسطين في العيون عهداً عهداً لن نخون",

حذّر السيد عبد الرحمن بن أعمر من مجموعة مساندة كفاح الشعب الفلسطيني في المغرب, حذّر من "أمريكا ومخططاتها وهجمتها على العرب والمسلمين", كما قال, فبادله الجمهور بـ"تحية" لأمريكا:"يكفينا من حروب أمريكا عدوة الشعوب", الشعار مضبوط, له لحن وموقف كذلك, بادل المغربيون الأنظمة العربية المشاعر وقالوا رأيهم بها: "زيرو الأنظمة العربية", يعني صفر, كما يبدو لا تفهم الأنظمة إلا اللغات الأجنبية, ومن الأفضل أنْ تكون بالإنكليزية.

 

"أنت أكبر من الحصار والدواء والطعام أنتم أكبر من كلّ الأقزام", قال خالد السفياني مرة أخرى.

 

مرّ طفل مغربي ملثم بالكوفية ويرفع علماً من أمام الجمهور، فيما بكى حسن الهناوي من المبادرة الطلابية ضد التطبيع, التطبيع يقلق المغربيّين كثيراً وبودّهم أنْ يعرفوا جيّداً من المطبع ومن المطبة, "باسم الشباب أقول سندمّر النموذج الأمريكي الذي يحيط عقولنا ويحاصرها", وبكى الهناوي قبل أنْ يدعو العريف نجم المهرجان (بدون مجاملة من جهتي), الشيخ رائد صلاح بالصعود إلى المنصة, هنا خرج الجمهور من توازنه المعهود, من رباط المغرب إلى رباط المشرق, من الدار البيضاء من مراكش من فاس ومن مكناس, باسم الفلاحين الغلابى وسكان مدن الصفيح, "يا قدس إننا قادمون يا أقصى إننا قادمون", قال الشيخ رائد وهذا كلّ ما احتاجه الجمهور ليشتعل, وحلّت البركات, بركات الحضور الذي كان ما زال يتوافد إلى أرض المهرجان, "وبركات آبائكم من هذه البيوت الطاهرة من هذه الأسر الكريمة من هنا منذ العام 1100, جاءنا آباؤكم مجاهدين صادقين, جاءنا آباؤكم علماء صادقين وأولياء صالحين يبذلون الغالي للقدس", أما نحن فما عدنا نسمع ما يقال, لأنّ الجمهور وصل إلى ذروة من الانفعال تحتاج إلى أكثر من حبّ صادق, العشق كما قلنا.

 

الشمس تقترب من المغيب, في إستاد "ديكس", لا أحد يغادر المكان, يقفون حتى النهاية, أطفالاً ونساءً وشباباً, 900 عام بين المغاربة والأقصى وما زالوا هناك, لا يهمّ ما يقول الخطباء, مع أنّه في غاية الأهمية, المهم هو ما يقوله الجمهور, جمهور الرباط والمغاربة, الذين دعاهم الشيخ لإقامة مشروع لحفظ أملاك وتاريخ آبائهم, الأجداد في بيت المقدس تحت التراب, والأحفاد هنا في الرباط, كم يحبّون أجدادهم, وبلد أجدادهم الثانية, بل الأولى.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

القدس... مدينة مقسّمة

التالي

وضع القدس.. بائسٌ وعصيب

مقالات متعلّقة

براءة درزي

كقدسٍ فيها مصباح..

الخميس 11 تشرين الأول 2018 - 8:41 ص

 صادفت يوم الثلاثاء الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد أسد الأقصى مصباح أبو صبيح الذي نفّذ في 9/10/2016، عملية فدائيّة في حي الشيخ جراح، خاصرة المسجد الشمالية المستهدفة بالتهويد. العملية التي أدّت إلى مق… تتمة »