القدس في الشعر العربي (الجزء الثاني)

تاريخ الإضافة السبت 12 نيسان 2008 - 11:15 ص    عدد الزيارات 4902    التعليقات 0     القسم

        



ولا يعني كلّ ما تقدّم أنّ التشاؤم وحده كان سيّد الموقف الشعري، بل كان هناك تفاؤلٌ في كثيرٍ من النصوص حملت بشرى العودة إلى القدس، وقد أفرزت الانتفاضتان الكبريان في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني الحديث تفاؤلاً يمتلك عدته الموضوعية، فهذا الشاعر محمد الطوبي يرى أنّ المستقبل للطفل الذي زفّ فلسطين على توقيت فلسطين إذْ ضبط إيقاع الشارع العربي، وها هو ذا يهتف من المغرب:

 

طفل يولد يستشهد يولد من أرق الحرمان..
طفل زف فلسطين على توقيت فلسطين
أمام جنود وبنادق تحرس ليل القهر..
طفل يرشق بالمقلاع الطاغوت النازيَّ
الملفوف الواقف تحت مظلة أمريكا،
طفل يخرج من وجع القدس رشيقاً يمشي في درب الثورة..
ليؤسس مملكة الريحان.. (1)

 

وعلى الرغم من أنّ الشعر الذي تناول هذه المدينة المقدسة، في الأغلب الأعمّ، متشابهٌ من حيث المضمون، بسبب تكرار الظروف المأساوية، فإنّ جزءاً من شعر الحداثة، وجزءاً أقل من الشعر الكلاسيكي حاول أنْ يرقى إلى خصوصية تجسّدت في إقامة علاقات روحية بين الشاعر والمدينة، ويمكن في هذا المجال الإشارة إلى الشاعرة هالة صبحي إسماعيل التي تقول:

 

أموت على رصيف العمر
بحثاً.. عن ثرى وطني
فلا جوع.. يؤرقني
ولا شمس.. تحرقني
أنا القدس
وإخواني.. هم العرب
وأشلائي ممزقة
وأبنائي لهم رب
أنا القدس
وجرحي.. غارق في الملح
من منكم
يداويني؟ (2)

 

لقد كانت قصيدة التفعيلة، أقدر على الدخول في تفاصيل الحب القدسي، سواءً كان ذلك من خلال الحديث عن جماليات المدينة المقدسة أو عن العلاقة السُّرية بين الشاعر والمدينة المقدسة، يقول نزار قباني مصوراً ذلك الحبّ:

 

يا قُدس.. يا مدينتي
يا  قدس.. يا حبيبتي
غدًا.. غدًا سيزهرُ الليمون
وتفرح السنابل الخضراء والزيتون
وتضحك العيون
وترجع الحمائمُ المُهاجرة
إلى السقوف الطاهرة..
ويرجع الأطفالُ يلعبون
ويلتقي الآباءُ والبنون
على رباك الزاهرة (3)

 

وقد قدّم لنا الشاعر سميح القاسم حواراً طريفاً بينه وبين فيروز في قصيدة حملت عنوان: (زنابق لمزهرية فيروز):

 

- من أين يا صديقة
حملتِ المزهرية
والنظرة الشقية؟
من القدس العتيقة.
- ومن ترى رأيت
في عتمة القناطر
من شعبنا المهاجر
ومن ترى سمعتِ؟
رأيتُ بنتَ عمّكْ
في طاقة حزينهْ
تبوح للمدينهْ
بهمها وهمّكْ   
رأيت في المداخنْ
عصفورة جريحهْ
وطفلة كسيحهْ
تبكي على المآذنْ (4)

 

ولنا هنا أنّ نشير إلى الشاعر عبد القادر الحصني الذي يسعى إلى إقامة علاقة بين المكان والإنسان، فيجعل القدس في واحدة من قصائده الشهيرة أغنية الشاعر والشهيد:

سيحضر متشحاً بالجبال، ومؤتزراً بالسماء،

 

ويحضر بين يديه الجدودُ
فما جاء إلا ليشهد هذا الشهيدُ
سلام عليه
سلام على الزعفران المندّى على شفتيه
على القدس تهرق نور الألوهة في شفتيه
على قبة الصخرة المستريحة في راحتيه (5)

 

وفي شعر عبد الكريم عبد الرحيم تبدو القدس مجموعة من الجزئيات التي تجسّد أفعال الحب والنضال والحلول بين الشاعر والمكان، هذا الحلول الذي يجعل مريم العذراء النقية الطاهرة تسهم في غسل الدنس الذي علق بها، فهي هنا عديلة الأرض، لذلك فهي "تعد الحجارة للقادمين" نحو الصباح:

 

لباب العمود
تعود دمشق
ومريم تحمل حزن المآذنْ
وتسقي القوافل بعض السلامْ
وتسقي الكلام خلاصة آيتها الساحرهْ
وتسأل أطفالها القاعدين
بباب القصائدْ ‏‏‏
نبيّاً يعود إلى الناصرهْ (6)

 

وربما كان خالد أبو خالد الأكثر وضوحاً في تحديد جغرافية القدس لأنّه أفاد من قوله تعالى عن المسجد الأقصى "الذي باركنا حوله" فأشار صراحة إلى آمال الشعب العربي في العودة إلى قدس عربية موحدة لا تقسّمها إرادة غريبة، فهو يربطها بالمفردات المكانية، ويراها نقيضاً للبحر، لأنها البحر في مواجهة المنفى، ويؤكد انتماءها العربي، فهي سنبلة في حقل الوطن الكبير:

 

ويقترب البحر، تبتعد القدس عنا
كسنبلة أحرقوا حقلها
فتفتش عن شهقة من رصاص
وأجوبة من غضبْ
ونحن نحاصَر بين اليباب وبين التعبْ (7)

 

من هنا نرى أنّ الشعراء العرب اختلفوا أداةً ورؤيةً في رصد صورة القدس، غير أنّ هذا الاختلاف في التناول يقابله اتفاق في النية وفي العمل على إعادة البسمة إلى وجه تلك المدينة التي تعرّضت على مدى التاريخ لمحاولات الدمار، وما زال الأمل بالعودة يحدو الشعب العربي على امتداد مساحة الوطن الكبير، وانتفاضة الأقصى الشريف التي ما زلنا نعيش فصول بطولاتها ما تزال شاهدة على بسالة أهلها، وعلى خيارهم الوحيد: أنْ تظل القدس عربية إلى الأبد.

الهوامش:

(1) مجلة الحرس الوطني السنة العاشرة العدد الثامن والثمانون جمادى الآخرة 1410هـ.
(2) ندوة القدس الماضي والحاضر والمستقبل 7-8 يونية 1998م، دار الأوبرا المصرية- مكتبة القاهرة الكبرى.
(3) شعراء الأرض المحتلة والقدس نزار قباني ص:19.
(4) ديوان سميح القاسم، دار العودة، بيروت، 1987، ص 206-207.
(5) عبد القادر الحصني: ماء الياقوت، ص 87-88.
(6) عبد الكريم عبد الرحيم: صاعداً إلى الطوفان، ص 19-21.
(7) خالد أبو خالد: أسميك بحراً.. أسمي يدي الرمل، ص 63.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

القدس في الشعر العربي (الجزء الأول)

التالي

حين تسكت الكلمات

مقالات متعلّقة

براءة درزي

بأيدينا نعيد القدس!

الخميس 5 كانون الأول 2019 - 1:22 م

ترزح القدس اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل على أن يزوّر تاريخ المدينة، وإعادة صياغة حاضرها، ليكون مستقبلها متوافقًا مع روايته، التي تلغي وجودًا عربيًا وإسلاميًا ضاربًا في عمق التاريخ، مستندة إ… تتمة »

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »