كمشة فشك.!

تاريخ الإضافة الإثنين 24 آذار 2008 - 10:10 ص    عدد الزيارات 3311    التعليقات 0     القسم

        



هكذا.. كما تحطُّ أسرابُ الطيور المهاجرة منهكةً على ضفاف بحيرة منسيّةٍ وهي في طريقها إلى عوالمَ أكثرُ دفئاً، ثم تعاود الرحيل، تاركةً وراءها أنينَ الضِعاف، ورائحةِ انتصار الموت على من أضناها السفر، ومن استسلم لقضاء الوقت، ومن تخلّف.

 

يحضنُ رأسها على صدره الهزيل، وهي تمسك أحشاءَها بيدٍ كأنّها قدّت من صخر، وتكتمُ ألماً يمزقُها.

 

ستةُ أيامٍ بلياليها وهما يفترشان الأرض مع منتظرين كُثر أمام هذا الحاجز المسلّح برجالٍ وآليات ثقيلة، ويبحثون جميعاً تحت هجير شمس تمّوز عن ظلٍّ يحمي أجسادَهم المكتويةَ بألوانٍ من نار..

 

ونارٌ أشدّ لسعاً، معبأةً بضحكات الجنود الساخرة كلما طلب أحد المصهورين إذنَ العبور إلى المدينة المطلّةِ من جانبيها على ذلك الحاجز.

 

كانت الرحلةُ بعيدةً ومتعِبةً، حملتهُما سيراً على الأقدام من قريتِهما الغائبة في مسالك سلسة الجبال الممتدّة من القدس وحتى عتبات رام الله، ثم سقطا كلمعةِ برقٍ على الطريق الرئيس، تماماً أمام حاجز قلنديا.. يومان مرّا حتى سُمِح لهما بعبور حاجز قلنديا، وأم يونس تتلوّى من ألمٍ فاجأها في أحشائِها.

- الأمرُ يحتاج إلى عملٍ جراحي فوري.

 

هكذا قال الدكتور كمال ابن قريتهما الذي يدرس الطب، وانقطع بسبب ظروف الحصار عن متابعة دراسته منذ سنة.

 

سقطت كلمات كمال المقتضبة في بئرٍ مهجور كتمَ صداها.

 

ماذا يفعل؟ القريةُ نائيةٌ، وقد تكون "رام الله" أقرب مدينة إليها، ولكن كيف يصلها؟

 

لم يكن الأمر يحتمل كثيرَ انتظار، وها هما لليوم السادس ما زالا ينتظران السماح لهما عبور الحاجز المدجّج المنصوب على مشارف مدينة البيرة.

 

لم تستطع أم يونس بعد اليوم السادس أنْ تصمد، تُمسِك أحشاءها بقوّة، وتشدّ بيدها الأخرى جموح يونس:

ـ لا بأس يمّا.. لا تبكي ولا تترجّى الكلاب..

 

تتحامل مستندة إلى ذراعه وتنهض:
ـ عد بي إلى قريتنا..

 

تتنهد بخليطٍ مشوب بالألم:
ـ خلص يمّا.. لا فائدة..

 

لم يبتعدا كثيراً عن ضحكات الجنود المدجّجين، وسخرياتهم الذابحة عندما قذفت أم يونس من فمها سيلاً من الدماء، وفزع يونس.. ثم أسلمت الروح.

 

ذاكرةٌ تأبى مسح التضاريس التي حُفِرت فيها.

 

كان الوقت مساء، الشمسُ تلمّ شعرَها الذهبي وتتوارى وراء الجبل البعيد.

 

أشباحُ رجالٍ تنادوا من القرى المجاورة للنجدة، ينقلون أجساد شهداءٍ قضوا في موقعة القسطل، يرصّونها جنباً إلى جنب على عربة فقيرة، يغطّونها بأسمالٍ ألوانُها متعَبة، وقبل أنْ يتحركَ ركب الأحياء لمعَ شيءٌ من بعيد، من بين صخرتين وطيئتين!!.

 

نبض قلبُه بقوة، وتسارعت خطواتُه العرجاء، ليكتشف "الستن" ملقى بينهما!. حمله على عجل، وخبأه تحت جسد أقرب الشهداء إليه.

 

ذاكرة لا تنسى تلك اللحظة الراجفة.

 

نسل الستن من تحت جثة الشهيد، وخبّأه في مكانٍ أمين، وعلى ضوء سراجٍ هزيلٍ في غرفة بيته الريفيّ المنسيّ المعلّق على وعورة سلسلة جبال عصيّة أقام عرس لقيته الغالية.

 

عشرون رصاصة في مخزن الستن المعطّل.

ـ يبدو أنه روكب مع الغبيّ فألقاه ليتخلّصَ منه.

 

يفقد الستن رشاقة قدرته على رشّ الرصاص، بعد أيامٍ من العمل والشغل والفّك والتركيب والمسح والتلميع، ينقلبُ الستن بين يديّ "أبو العبد" إلى بارودةٍ تطلقُ رصاصاتِها حبةً حبّة.

 

لم يكن "أبو العبد" خال يونس يشبه خال منصور، بل كان شكلاً مختلفاً تماماً عنه.

 

عندما أعار خال منصور مرتينتهُ (2) التركية العتيقة لمنصور، علّق على أخمصها المكسور جملةً عبأها بسخرية جارحة:
ـ "بعشرين فشكة تغزو قلعة صفد"(3)

 

أبو العبد يقول ليونس: "اذهب واثأر لدمِ أمك.!"

 

يصعد أبو العبد أمام يونس سور الحجارة المدبّبة، يقفز بساقه العرجاء التي سحقتها سكّة المحراث وهو يقتلع الحجارة النابتة في أرضه، وينطلقان إلى أرض بعيدة عن قريتهما.

ـ لماذا نأتي إلى هنا يا خالي؟.

 

لكن الخال أبو العبد لم يجب، ربما لم يسمعْ ما قاله يونس، كان يمشي ببطءٍ شديد، ظهرهُ المحنيّ يحمل سبعين سنة شديدةَ القسوة عاشها يحملُ بؤسهُ المعجون مع قهر عرجته الشديدة التي أقعدته عن كل غاية.

 

وقف أمام البئر.. نظر بارتياح إلى يونس وأشار إليه ليقترب.

 

مدّ يده وبدا أنّه يفكّ من جدار البئر حبلاً مربوطاً إلى وتدٍ متين مدقوق بين شقوق جدار البئر الصلب، وراح يسحبه إلى فوق. رويداً رويداً ويمسكُ حزمةً ملفوفة بالخيش معلقة بطرفه.

 

حملها برفقٍ شديد وسجّاها على تراب الحقل وبدأ يفكّ عنها الخيش، ثم لفافة من مشمّع داكن اللون ليبدو "الستن" كعروسٍ تطلّ من خبائها ليلة عرسها.

يهزّه بين يديه، يلتفت فجأةً إلى يونس:

ـ كان منصور في مثل سنّك عندما رسم ذلك القوس من مجد الكروم إلى نحف وصولاً إلى صفد.

 

يفرك عينيه المجهدتين، ويربّت على كتف يونس ويتمتم:

ـ سيراً على قدميه من مجد الكروم إلى صفد.

 

يبتسم ويصكّ على أسنانه، فتبدو جلدة وجهه وكأنها تتشقق:

ـ كلّ المسافة ومرتينة ثقيلة كان يحلو لخاله أنْ يطلق عليها اسم "مدفع" معلّقة على كتفه، ليشارك في حصار قلعة صفد. قالوا إنّ اليهود يحتلونها.

 

يرفع يديه بينما تزداد ابتسامته اتساعاً:

ـ مرتينة عتيقة وكمشة فشك لفك الحصار عن قلعة.. ههههه.

 

وكأنه يتذكّر شيئاً مهماً:

ـ لكنّها مرتينة أصيلة، فعلت فعلها ولم تذهبْ رحلته سدى. طلقةً واحدةً سدّدها وسط رعب المارّين عبر مفارق الطرق الرئيسة في المدينة، أسكتت نباح رشقات البرن الثقيل، وأنقذت الشارع والمحاصرين.

 

يفكّ عن الشيء الملفوف بإحكام مبالغ فيه رقائق النايلون القاسي، وطبقات من قطع الخيش ربط عليها بحبل متين.
ـ بارودة إنكليزية مثل ليرة الذهب..

 

يعلّق يونس وهو يخفي ابتسامة:
ـ ستن رشاش وليست بارودة يا خال.

 

رمقه بنظرة جافّة وهو يمدّ له الستن المغطّى بالشحم ويردف بجفاء:
ـ كان ستن. الآن هي بارودة وتطلق رصاصة رصاصة.

 

تخرج الكلمات شديدة القسوة، تحمل حروفها المنقوعة في مستنقعٍ بلا معالم، فتبدو معبّأة بدلالات كثيرة بين جفاء مرّ، وعجز، ورسالة.
ـ آخ يا يونس. "يضرب على ساقه العرجاء" هذه البارودة عاشت الانتظار الصعب سنوات وهي تتنسّم رطوبة البئر.

 

يدفعها بقوة إلى صدر يونس:

ـ عليك أنْ تكمل المشوار وتذهب لتثأر لدم أمك. وهذه.. "وأشار إلى ساقه"..

 

وحيداً كما كان منصور، ينقل خطواته بخفّة على طريقٍ شديد الوعورة لكنّه أكثر أمناً بعيداً عن الطريق العام، يبحث عن آثار أقدامٍ لفتى في السابعة عشرة من عمره، في مثل سنّه، على طريقٍ اختارها هو أيضاً تشبه تلك الطريق، "شول" بمسالكه الوعرة، على شفا قوس يغلق بشكلٍ ما قوس رحلة منصور الأولى، ليشكّل برحلته الآن دائرة ليست منتظمة لكنها مغلقة تماماً.

 

كان منصور يحشو في جيوب سترته الفقيرة عشرين فشكة ويشرّق ذات مساء حالك إلا من نجمة في ركن السماء تبثّه الأنس إلى صفد وهو يحمل مارتينة عتيقة وثقيلة استعارها من خاله، حزامها حبل من الليف المعجون بعرق من تنكّبها، يضرب أخمصها فخذه مع كلّ خطوة على الطريق الوعر، سيراً على قدميه من مجد الكروم إلى نحف ومنها إلى صفد.

 

ويونس يسقط من قريته عبر المسالك الوعرة على خطّ يوازي الطريق العام بين القدس ورام الله، يدور حول سياج المستوطنة القريبة، يمرّ بقرية بيت حنينا، بدّو، القنيّة، بير نبالا.. مشياً على قدميه، متحاشياً الاقتراب من أحزمة المستوطنات المتناثرة، يحمل تحت سترته البنيّة "الستن" وسبع عشرة رصاصة محشوّة في مخزنه، ليصل مع تباشير الصباح إلى التلّ الصخري المشرف على الحاجز.

 

على قمّة التلّ، بين النباتات البريّة الكثيفة صخرتان تشكّلان مكاناً مثالياً، يطلّ يونس من بينهما على ذلك الحاجز المدجّج، ينكشف تحته تماماً باب "البراكية" التي يأوي إليها الجنود، والشمسُ تطلعُ بطيئةً من وراء الجبل المقابل، لم تمسحْ بأشعتها بعد بقايا ضبابات الليل.

 

يمد فوهة الستن.

 

تدوي في أذنيه كلماتُ خاله:

ـ عليك أنْ تدرك يا يونس بأنّها بارودة تطلق حبة حبة وليس لها مسمارُ هدف، اعتمد على غريزتك.

 

باب البراكية يصدر صرير مفصلاته الصدئة، وقيء دم أمه يشكّل بحيرة كبيرة قريباً من الحاجز، ما زالت تقذف في صدره حممَها، يغوص فيها يونس، ورجفاتها ترجوه أنْ ينجو بنفسه.

 

حملها على عربة وعاد بها ليدفنها في قريتها.

 

أبو العبد يسكن إلى جانب قبر أخته، ويربّت بيدٍ كسيرة على ساقه المسحوقة، وباليد الأخرى، على ظهر يونس:

ـ دم أختي دين برقبتك.

 

يخرج أول الجنود فتستقبله طلقةٌ مكبوتةٌ تستقرّ بين عينيه.
ـ اعتمد على غريزتك يا يونس.

 

يخرج جنديّ ثان. يسقط صريعاً هو الآخر.

 

طلقاتٌ تأتي من مكانٍ مجهول، وعرقٌ بارد يغسل ماسورة "الستن" القصيرة، وشيءٌ ما يربط بين غريزة يونس والزناد، ولا يزال الضباب يحجب مدى الرؤية.

يسود هرجٌ مجنون يدفع بكثيرٍ من الجنود للخروج من جحيم البراكية..

 

صمتٌ مفرّغ من أيّ شيء يكتسح الموقع والتلّ والفضاء الذي تحوّل إلى جحيم، ثم تعشّقَ بصمتٍ متحفّز، ولهاثٍ مشلول لمنْ بقِيَ من الجنود بين البحث عن جدوى الصمت المشحون بانتظار طلقات تأتي من مكان مجهول، وبين ثلاث عشرة جثة ملقاة أمام الحاجز المغلق.

 

على قمة التلّ.

 

بين الصخرتين، بقِيَ "الستن" وحيداً كما كان منذ معركة القسطل، ملقى بإهمال، وإلى جانبه أغلفةُ سبعة عشرة رصاصة، وغير بعيدٍ ثلاث عشرة جثّة تُنقَل تباعاً إلى صناديق سيارات الإسعاف، وسؤالٌ ما زال يتردد في كلّ مكان:
ـ من كان وراء هذا كله؟.

 

أمام قبر أم يونس، في تلك القرية الساكنة في مكانٍ ما على مدى الجبل البعيد، "أبو العبد" يمسح يديْه بطين القبر ينفضُ عن كتفيه انكسارَهما، ويبتسم، يربّتُ على ظهر يونس بحبور، ولا يسأله لماذا لم يُرجِع الستن إلى البئر المهجور.

 

* المهندس عدنان محمد فايز كنفاني، أديب وكاتب وصحافيّ، عضو اتّحاد الكتّاب العرب، من مواليد مدينة يافا 1940م. له العديد من المؤلفات الأدبيّة والقصصيّة.

(1) "كمشة فشك": بالعامية الفلسطينيّة الفشك: الرصاص، وكمشة: يعني قبضة اليد.

(2) المرتينة: البندقيّة أو البارودة.

(3) إشارة إلى قصّة الصغير يستعير مرتينة خاله ويشرّق إلى صفد لـ "غسان كنفاني".

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

استهداف المقدسات في فلسطين

التالي

قصة القدس - قصيدة للدكتور عبد الغني التميمي

علي ابراهيم

نفش العهن في الحديث عن صفقة القرن

السبت 1 شباط 2020 - 2:17 م

 وممّا أورده المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان من الأحداث التي جرت في منطقتنا العربية، في العقد الأول من الألفية الثالثة، تلك الخطة الأمريكية التي أرادت إنهاء القضية الفلسطينية، وروجت لها على أ… تتمة »

براءة درزي

عن "إقامة الصلاة" في باب الرحمة..

الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020 - 4:24 م

حملة محمومة من الاعتداءات شنّها الاحتلال منذ مطلع عام 2020 في باب الرحمة: اقتحام للمصلى، واعتداءات على المصلين بالضرب والسّحل، واعتقالات بالجملة، وقرارات بالإبعاد؛ وذلك في سياق متّصل باعتداءاته التي ب… تتمة »