ألقاب حكام المسلمين في رقوم مقدسية

تاريخ الإضافة السبت 20 تشرين الأول 2007 - 1:48 م    عدد الزيارات 6704    التعليقات 0     القسم

        



انشغل الباحث.. والكاتب الصحافي الفلسطيني المقيم في الأردن؛ أسامة العيسة؛ بدراسة الرقوم والآثار وقضايا التوثيق والبحث التاريخي، ونشر العديد من التحقيقات الصحافية عن المعالم الأثرية في فلسطين، كما أصدر عدداً من الكتب المختصة في هذا المجال، كان آخرها كتابه عن اكتشاف مخطوطات البحر الأحمر، التي لا يزال الكثير من حقائقها طي الكتمان..
وفي هذا الكتاب يتابع الباحث اجتهاده، فيتناول موضوعاً لم تنتبهْ إليه الدراسات التاريخية، وهو موضوع الألقاب الكثيرة التي كانت تطلق على الملوك والأمراء والسلاطين منذ الفتح العربي الإسلامي لمدينة القدس وحتى العصر العثماني.
ويشير الباحث في مقدمة الكتاب إلى أنّ تلك الرقوم الموجودة في الأماكن الدينية والتاريخية القديمة من مدينة القدس، تحظى بالكثير من الألقاب التي كانت تطلق على هؤلاء الملوك والسلاطين أيام زمان، الأمر الذي يلفت الانتباه لكنه قبل أنْ يدخل في متن البحث، يؤكّد على حقيقة منهجية، تتمثّل في أنّ من الخطأ محاكمة تلك الظاهرة بمعزلٍ عن ظروفها التاريخية، لكنّ استمرار هذه الظاهرة حتى عصرنا الراهن، تجعلنا نطرح أكثر من سؤالٍ حول الأسباب الموضوعية التي تجعلنا وكأننا نعيش في وضعٍ تاريخيّ لا يتبدلّ، أو كأنْ لا شيء في هذا الشرق يتغير.
ويضيف الباحث أنّ من بين الألقاب الكثيرة التي تُستخدم في تلك الرقوم هناك ألقاب معاصرة تصل إلى حدّ التطابق معها، بل إنّ ظاهرة استخدام الرقوم التي تشير إلى من بنى هذا الأثر أو قام بتوسيعه، أو ترميمه لا تزال هي الأخرى مستمرة في عصرنا الراهن، وتحمل الكثير من الألقاب المتماثلة.
ويفرد للقدس في عهد الأيوبيين باباً خاصاً يتحدّث فيه عن الدور البارز لصلاح الدين الأيوبيّ، الذي ارتبط اسمه بالنصر على الفرنج وقام بعد دخوله القدس بأعمال إعمار كبيرة للمسجد الأقصى بالإضافة إلى ما تمّ من محوٍ لآثار الصليبيين لا سيما الرقوم والمظاهر الدينية التي وضعت في المسجد الأقصى.
وأول عملٍ يشير إلى تجديد محراب المسجد نقشٌ بالفسيسفاء المذهبة، يحفل بالكثير من الألقاب التي ما زال بعضها يلازم اسم صلاح الدين مثل (الناصر) وصلاح الدنيا والدين وفي تحوّلٍ غريب يحفظ الرقم الموجود على منبر المسجد الأقصى أسماء المشاركين في صنعه، ثم يذكر الألقاب التي كانت تُطلَق على صلاح الدين كآخر أميرٍ للمؤمنين والعادل وأعزّ أولياء دولته وذكر الإسلام والمسلمين.
تفرّقت الدولة الأيوبية بين أبناء صلاح الدين الذين تنازعوا على الملك، ومن الملوك الذين حكموا القدس في تلك المرحلة الملك عيسى الذي يُعَدّ أحد عاشقي المدينة الكبار، وتُظهِر الرقوم التي بقِيَت بعد قيامه بتخريب مرافق المدينة وأسوارها خوفاً من عودة الصليبين عدم وجود تناسبٍ بين قيمة ما قام به هذا السلطان الأيوبي، والدور التاريخي الذي لعبه وفخامة الألقاب التي فاقت الألقاب التي أُطلِقَت على أسلافه الأيوبيين.
وقد شهد وضع القدس في عهد المماليك عصره الذهبي، وهناك رقوم السلاطين المماليك في المسجد الأقصى كالناصر بن قلاوون الذي تشير الرقوم العديدة إلى ما قام به من بناء للمدارس والأروقة وقبة المسجد الأقصى من الداخل، وتظهر الألقاب التي سجّلت خليطاً من الألقاب الدينية والدنيوية ذات العلاقة بالمقدس الديني كناصر الدنيا والدين والمجاهد والمرابط وقاهر الخوارج.
في حين أنّ الملك تنكز الناصري لُقّب بالعادل والعاقل وسيف الدنيا والدين وسلطان الإسلام والمسلمين وسمّيَ من بعده قانصوه الغوري بصلاح العارفين. ثم يشير إلى نصوص الرقوم التي اعتمدها جرى تثبيت مراجعها في نهاية الكتاب وهناك الرقوم حديثة تم توثيقها بشكلٍ شخصي. وفي نهاية المقدمة ينوه إلى مسألة مهمة تتعلّق بإمكانية اعتماد الكتاب كمرجعٍ توثيقي، لأنّ هناك منشآت عديدة مغلقة في الحرم القدسي منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ومن المستحيل الوصول إليها.
الفصل الأول من الكتاب حمل عنوان الطريق إلى عاصمة الأنبياء وفيه يتناول قصة إسراء الرسول الكريم محمد إلى القدس، ومنها إلى السماء، وما كانت تعنيه القدس بالنسبة إليه، إذ أنها كانت بمثابة موطن هجرة الأنبياء، أو عاصمة الأرض كما سمّاها أحد ملوك الصليبيين.. وما يثير الانتباه أنّ حادثة الإسراء والمعراج وقعت في مرحلة اشتداد الحروب والمنافسة بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية والتي انتهت بغلبة الروم، وهو ما كان يؤيده المسلمون.
وينتقل الباحث من دراسة الفضاء التاريخي لتلك الحادثة إلى سرد تفاصيلها والجدل الذي دار حول ماهية الإسراء هل بالجسد أم بالروح وما قادت إليه من ارتداد البعض عن الإسلام، ثم يتطرّق إلى محاولات الرسول فتح مدينة القدس ثلاث مرات على الأقلّ حتى استطاع الخليفة الراشديّ عمر بن الخطاب تحقيق ذلك، وقد قام شخصياً بتسلّم مفاتيح المدينة بناءً على رغبة أهلها الذين طلبوا ذلك فأعطاهم العهد الذي عُرِف بالعهدة العمرية التي نظّمت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في المدينة.
وفي القسم السابع من الكتاب يتحدّث عن قصة عثور الخليفة عمر بن الخطاب على مكان المسجد الأقصى الذي ذكرته سورة الإسراء وهو المكان الذي عُرِف فيما بعد باسم مسجد قبة الصخرة، وفي هذا السياق يستدعي قصة اكتشاف هيلانة والدة الإمبراطور الروماني قسطنطين الذي تبنّى المسيحية كدينٍ للإمبراطورية، قبر المسيح، ثم يحاول أنْ يقيم مقارنةً بين القصتين، لاكتشاف سرّ التشابه بينهما.
إذْ أنّ هناك قصصاً أخرى لبناء عمر للمسجد تذكر واقعة إسلام كعب أحبار اليهود، كما هو الحال في استعانة هيلانة بكهنة اليهود ما يجعل تلك القصة أقرب ما تكون إلى المرويات الشعبية، إلا أنّ اللافت للنظر في تلك الحكاية هو ذكر هيكل القدس كمكانٍ أقيم عليه المسجد في مرويات الإخباريين العرب، وفي النهاية يقول إنّ المسجد الأقصى الحالي يعود في إطاره العام إلى الأمويين وتكاد تتفق المرويات على أنّ عبد الملك بن مروان هو الذي أمر ببنائه.
وتحت عنوان دراما البطولة والعشق والمغامرة يناقش الفصل الثاني من الكتاب الوضع التاريخي للمسجد الأقصى الذي يلاحظ خلوّه من الرقوم التي تؤرّخ لما قام به بُناته الحقيقيون الأوائل وهم الأمويون ما يستدعي البحث عن أسباب ذلك لكن من دون أنْ يكون هناك تفسير مقنع سوى أنّ العباسيين الذين أتوا بعد العهد الأمويّ قاموا بمحو أيّ أثرٍ يمكن أنْ يشير إليهم كما جرى الأمر في مسجد قبة الصخرة.
ولعلّ أقدم رقم موجودة في المسجد الأقصى، هي الرقم التي تعود إلى الفاطميين الذين حكموا القدس أطول فترة، وتعود أقدم الرقم إلى العام 1034 ميلادي وإلى عهد الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله، وتوجَد هذه الرقم في الواجهة الشمالية، ومكتوبة بالخط الكوفي، ومما يلاحظه الباحث في هذه الرقم إشارتها إلى والد الخليفة وهو أمرٌ قلّما يحدث، وفي رقم أخرى مكتوبة أيضاً بالخط الكوفي يلحظ كثرة الألقاب والمبالغة في إطلاق صفاتٍ لا تجوز في الدين الإسلاميّ إلا للأنبياء مثل صلوات الله عليه وعلى سلفه وخلفه.

ظاهرة وقفية
وتأتي مرحلة الحكم العثماني لتسجل هي الأخرى رقمها التي تتحدّث عن عمليات البناء والتجديد كما هو الحال في إعمار المسجد الأقصى في عهد السلطان محمود الثاني، ومن الألقاب التي خلّدتها الرقم خاقان البحرين، وهو لقب كان السلاطين العثمانيون يطلقونه على أنفسهم، وكذلك سلطان البحرين، وخادم الحرمين الشريفين، وما يلاحظه الباحث في رقم هذه المرحلة، هو التغيّر الكبير في طريقة التوثيق وأسلوبه إذ أصبحت الرقم تذكر اسم محرر الرقم وتورد مصطلحات جديدة في التاريخ العربي-الإسلامي كالدستور.
وفي عودةٍ إلى الدور الذي لعبه الأمويون في فتح القدس يتحدّث عن الدور الذي قام به الخلفاء الأمويون الذين اهتموا كثيراً بالقدس، ويشكّل بناء قبة الصخرة من الخليفة عبد الله بن مروان أحد أهمّ آثارهم، ثم يتحدّث عن الرقوم الزخرفية التي تزيّن القبة من الداخل والخارج، إضافةً إلى الرّقم التي تخصّ صلاح الدين الأيوبي حيث تتقاطع ألقابه في الرقم مع الصفات التي تميّز بها مع المبالغة المعهودة.
ومن الألقاب الموجودة على أحد أقواس الدهليز الذي يحمل القبة من الداخل والتي تعود إلى السلطان المملوكي قلاوون لقب ظلّ الله على الأرض، وهو لقب يتقاطع مع نظرية الحاكمية، ثم يتحدّث عن رقم أخرى لا سيما العثمانية منها، التي تظهر الفخامة في ألقاب السلاطين، إضافةً إلى لقب أبو الفتوحات، ولقب خليفة المسلمين، والإمامة العظمى.
ويتناول فصل آخر الرقوم الكثيرة الموجودة على القباب والمآذن والأروقة والسبل والأبواب والمباني الأثرية الموجودة داخل منطقة الحرم القدسي الشريف، وبعد عرض لتلك الآثار ومسمياتها يتحدّث عن قبة يوسف جنوب فناء مسجد الصخرة، الذي يحمل ألقاب صلاح الدين الأيوبي، لا سيما لقب خادم الحرمين الشريفين، الذي استخدمه العثمانيون فيما بعد. كما يرِد لقب المعظم في رقم أخرى تتحدث عن السلطان سيف الإسلام الأيوبي.
وإذا كانت هذه الرّقُم بمثابة تأريخٍ لبناء الأثر التاريخي أو إعادة تجديده، فإنها تؤشّر هي الأخرى إلى مدى الاهتمام الذي كان يبديه بعض الملوك والسلاطين والخلفاء لبناء الأماكن الدينية في تلك المدينة، إضافةً إلى ما تدلّ عليه من رغبةٍ في الإعمار، في حين تبقى الألقاب المسجّلة إلى جانب أسماء هؤلاء الملوك والسلاطين تدلّ على حقيقة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهي علاقات ستظلّ محافظة على طابعها العام حتى يومنا هذا في كثيرٍ منها، وهذا ما يحاول الكتاب أنْ يقوله في النهاية.
وإنْ كان المنهج التاريخي الذي اتّبعه الباحث كان يعاني من التكرار، والابتعاد في بعض الفصول عن سياق البحث الذي حدّده في مقدّمة الكتاب. إنّ هذه الملاحظات لا تلغي أهمية الكتاب، والتفاته إلى موضوعٍ لم يجْرِ تناوله بعد، خاصةً وأنّ الباحث يضمّن الكتاب في النهاية ملحقاً مصوّراً للمباني والرقم والآثار التي تناولها موضوع الكتاب.
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

ثورة الشعر الإنساني من أجل تحرير القدس

التالي

الأصالة الإسلامية في عمارة القدس وزخارفها

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

نفش العهن في الحديث عن صفقة القرن

السبت 1 شباط 2020 - 2:17 م

 وممّا أورده المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان من الأحداث التي جرت في منطقتنا العربية، في العقد الأول من الألفية الثالثة، تلك الخطة الأمريكية التي أرادت إنهاء القضية الفلسطينية، وروجت لها على أ… تتمة »

براءة درزي

عن "إقامة الصلاة" في باب الرحمة..

الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020 - 4:24 م

حملة محمومة من الاعتداءات شنّها الاحتلال منذ مطلع عام 2020 في باب الرحمة: اقتحام للمصلى، واعتداءات على المصلين بالضرب والسّحل، واعتقالات بالجملة، وقرارات بالإبعاد؛ وذلك في سياق متّصل باعتداءاته التي ب… تتمة »