القدس منبع الإحساس في الشعر الإسلامي المعاصر

تاريخ الإضافة الإثنين 1 تشرين الأول 2007 - 12:01 م    عدد الزيارات 5471    التعليقات 0     القسم

        



إسماعيل إسماعيلي علوي*
للقدس مكانة خاصة في قلوب المسلمين وعقولهم .كما أنّ لها اعتباراً خاصاً في وجدانهم وخيالهم لأنها تعني السماء وتعني الأرض وتعني التاريخ وتعني الانتصار والشموخ. وقد عبّر الشعراء المسلمون المعاصرون عن هذا في كثيرٍ من قصائدهم. ونريد في هذا الموضوع أنْ نبيّن أنّ القدس تمثّل بحقّ منبع الإحساس في الشعر العربي الإسلامي المعاصر. فكيف ذلك؟
لا بدّ لنا قبل الإجابة أنْ نشير إلى أنّه لا يمكن أنْ نعرض لكلّ الشعر الإسلامي المعاصر في هذا البحث ولهذا سنقتصر على بعض النماذج فقط.كما أنّنا لا يمكن أنْ نتحدث عن كلّ ما يتعلق بالقدس في هذا الشعر لأنّ القدس موضوعات كثيرة وليست موضوعاً واحداً. أليست القدس هي المسجد الأقصى و الأرض المغتصبة؟ أليست هي المرأة الثكلى و الطفل المذبوح والشيخ المقهور؟ أليست هي الحجارة و الانتصار للحق؟ أليست هي الحب والإحساس بالإنسانية....؟
ومن هنا نقول ليس هنالك في عصرنا هذا شاعر مسلم لم يتأثّر بالقدس سواءً بشكلٍ ظاهر أم بشكلٍ خفي لأن هذه المدينة اشتملت على كل ما من شأنه أن يحرك الإحساس ويغذيه وسيكون محور بحثنا هو كيف تجلى هذا الإحساس عند بعض الشعراء المعاصرين. وكيف كانت القدس منبعاً له.
 
1-  الإحساس بالإحباط:
إنّ من أهم ما يلاحظ في هذا الشعر أنه يتضمن إحساساً بالإحباط ويتخلل ذلك  لغته وأسلوبه وصوره. فعندما ينظر الشاعر وفي واقع الأمة عامّة وفي واقع فلسطين خاصة وفي واقع القدس المعيش بالأخصّ, لا يملك دفعاً للإحباط الذي يلمّ به من جراء الضعف الذي اعترانا ومن جراء ما يراه ويسمعه عن مسرى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. ولذا يقو ل حسن الأمراني في قصيدة "الدرة":

يَسْطُـرون على بابة القدسِ:درة
وردة من دمٍ
إلى أنْ يقول:
ها أنت يا ولدي تحتمي بجناح أبيك
ونحن هنا نحتمي بك من عجزنا المرّ
من خوفنا المستعر
ومن يأسنا المتطاول دهراً طويلا
ومن سيفنا المنكسر"[1]

هنالك إذن عجزٌ مرٌ, وسيف منكسر, ويأسٌ تطاول حتى تولّد الإحساس بالإحباط وبالهزيمة. وهذا أمرٌ أبعد الشعراء عن الإحساس بالفخار والاعتزاز فقال عمر بهاء الدين الأميري:

"على مرابع قـدس المجد، باركَها
وحوْلها اللهُ، وهي اليومَ في الرِّبَـق
مسرى الرسول وأولى القبلتيـن بها
واحرّ قلبــاه ماذا للفخار بَقِي![2]

إنّ الإحساس بهذا الإحباط وبالهزيمة لغطرسة العدو وظلمه وتطاوله على المقدسات من جهة ولضعف المسلمين وتخاذلهم وخلافهم من جهة أخرى جعل الشاعر كالمرجل لا يعرف طمأنينة. وأنّى له ذلك والقدس يدنسها الأشرار.
يقول عمر بهاء الدين الأميري:

"فالقدسُ نار محاجري ومشاعري
هَـوْل يَغُول هناءتي وحِمــامُ
هل تطمئنُّ بي الصلاةُ، وقبـلتي
الأولـى يدنسـها خَـنىً وأثـامُ" [3]

ويقول محمد إياد صلاح الدين العكاري:

"فلا صمت ٌ وأرض القدس ثكلى            ولا نومٌ وموطننا مباح"[4]

ويقول أحمد فرح عقيلان:

أنَـوْماً والديار تبيت تبكي          لواء الدين في القدس الحرام"[5]

فالشاعر في قلقٍ دائم ما دامت القدس في يد الأعداء. فلا نوم ولا استقرار ولا راحة بال والقدس تئن وتشكو وتبكي ومن هنا تولد الإحساس بالحزن  الذي استولى على المشاعر.
 
2- الإحساس بالحزن:
كان من الضروري أن نجد مسحةً من الحزن في هذا الشعر باعتبار ذلك أمراً طبيعياً يرافق كلّ إحساسٍ بالانهزام. ومن هنا فإنّ المعجم الدلالي عند الشعراء يمتلئ بكثير من العبارات والأساليب التي تكشف عن هذا الحزن العميق.
فهذا حسن الأمراني يقول:

يا قدس ُ
يا وتري الحزين َ.."[6]

كما يقول:

"يا جيرة المسجد الأقصى ولي سبب          لا شيء حتى قيام الساعة يقطعه
ترقرق الحزن في أقداحنا، وسرى              فينا لظى، وتغشتنــا قوارعه"[7]

ويقول محمد علي الرباوي:

"ولد زاره الحزن عند الدجى فاشتعل
امتطى فرساً بحوافر تسكب من خلفها الجمــر
قيل التقى بشهاب الهدى في شوارع كابول، أو بين
أدغال بيروت، قيل تردّى ثياب الردى في ربا القدس.."[8]

وكثيرة هي النصوص الشعرية التي تعبّر عن هذا الحزن وتبيّن المرارة التي يجدها الشعراء وهم ينظرون إلى مقدساتهم تنتهك حرمتها. وليس أمام الشاعر إلا أنْ يعبّر عن هذا الإحساس المرّ أمام هول الكارثة التي حلّت بالأمة جمعاء.
وهذا الحزن آتٍ كذلك من معرفة الشاعر بمواطن الداء ومكامن الهزيمة. وقد وضع الشعراء يدنا على ذلك. ومن بين أسباب هذا الإحساس بالحزن والألم يقول الشاعر:

يا أيها المُسرى به للمسجد الـ......أقصى أضاع خلافُنا مسراكَ[9]

إنّ الخلاف من أسباب الهزيمة والضياع. وهو عنصر يؤرق الشاعر المسلم الذي أدرك معنى الاتحاد والتآزر بين أفراد الأمة. ومن جملة ما يذكي هذا الإحساس بالحزن كذلك أن كثيرا من أفراد الأمة لا يعرفون حقيقة القدس وهم أبناء جلدتنا.
يقول عمر بهاء الدين الأميري:

بِهِمْ هُـزمْنا وما زِلنا وما اتّعَـظتْ
عُمي النفوسِ! ألا إنّ الشقي شقِـي
فيــا فجيعــةَ شعبٍ، مدَّ كـاهِلَهُ
ليَصعَدوا منه، في أبنائه العُـقُـقِ"[10]

فمعاناة الشاعر تتضاعف وتزداد عندما يجد عمي النفوس لا تتعظ بما يحدث لهذه الأمة. وهذه من أكبر المحن التي تواجه الشعراء المسلمين في واقعهم المعيش.
وتقول أمينة الريني في هذا المضمار:

لكِ الله يا أمةً أرْهَـقتْها **** مخازي بَنيها وَسُودُ الهزائمْ[11]

وإذا كان هنالك من المسلمين من لا يتعظّ بما يحدث للقدس وللأمة ولا يهمّه شتاتها وضعفها, فإنّ العدو يجمع كل قواه لهزمنا وفي ذلك يقول الشاعر مقارنا بين حالنا وبين حال اليهود:

هم حاربونا برأيٍ واحدٍ عددٌ
قُلٍّ، ولكنْ مضاءٌ ثابت النسقِ
علماً، ودأباً، وإعداداً، وتعبئةً
وبادروا غزونا في مكرِ مستبقِ
يحدوهُمُ أمل، يمضي به عملٌ
ونحنُ، واسوْءتا، في ضلةِ الحَمَقِ
كثرٌ، ولكن عديدٌ لا اعتداد بـه
جمعٌ؛ ولكن بديدٌ غيرُ مُتّسـق!
حارت عقائدُنا، زاغت قواعدنا
أمّا الرؤوس فرأيٌ غيرُ متفقِ"[12]

وتقول أمينة المريني:

"فُـرادى وصفّ العِدى في اتّساقِ            أحادَ لجرع كؤوس الهزائم."[13]

بل إنّ الأمر لا يتعلق بهذا التشتت والكثرة غير المجدية وإنما نجد بعض الحاكمين في انشغالٍ عن المكارم.. وعن واقع القدس يقول حسن الأمراني:

وحمائم الأقصى تئن..
وتشتكي ظلم الليالي
والحاكمون..
النائمون
عن المكارم في انشغالِ"[14]

ومن هنا يجد الشاعر نفسه كالطائر مهيض الجناح لا يقوى على تغيير هذا الواقع المر فينعكس ذلك على نفسيته وشعوره فيكتب لنا عن الآلام والجراح والهوان. فيكون سبيله الرجوع إلى الماضي فيرتمي في أحضانه لأنّه يمثل الانتصار. يقول الأميري:

مالي أرى الصخرة الشمّاء في كَمَدٍ
تَذْوي وعهْدي بها مرفوعةَ العنُقِ!
ومنبرَ المسجد الأقصى يئـنّ أسى
قد كان يَحْبو الدّنى من طهره الغَدَقِ
واليومَ دنّسه فُجـرٌ ألــمّ بـــه،
من بغي شعبِِ اليهود الدّاعر الفُسُقِ [15]

فالشاعر وهو يقارن بين حال القدس في أيام عزّها في الماضي وما آلت إليه اليوم يصيبه ألم ممض, ويحس أن الماضي هو زمن الانتصار والفخار وأن الحاضر هو زمن الهزائم والاندحار. وبهذا يتضاعف الإحساس بالانهزام.
ولكن لماذا الرجوع إلى الماضي؟ أللذكرى فقط أم للبكاء على زمنٍ ولى؟ إن العودة إلى الماضي مفتاح للإحساس بالانتصار لأنّ الذي حقّق العزة هم المسلمون عندما تمسكوا بالحق. ويعتبر هذا الرجوع استمداداً للقوة وتجديداً للإحساس بالأمل في النصر. يقول أمجد الطرابلسي:

لنا نفوسٌ أَبيّـاتٌ تُهيّجُهـا                   ذكرى جدودٍ كنورِ الشمس غُـرّان"[16]

وعلى هذا الأساس نجد ذكراً كثيراً للأبطال وللمعارك التي كان النصر فيها حليفنا. ومن هنا لا نستغرب أنْ نجد في طيات هذا الشعر إحساساً بالنصر عند ذكر الماضي. ولا يتوقف الأمر في هذا الباب بل هنالك دوافع أخرى تجعل الشاعر يحس بالانتصار..

3- الإحساس بالنصر القريب:
هنالك إحساس مهم يجدر بنا أنْ نسجله وهو الإحساس بالنصر. فكيف يكون الإحساس بالنصر في عمق الإحساس بالإحباط والهزيمة؟
إذا كان الشعراء قد عبّروا عن إحساسهم بالإحباط تجاه الصمت الرهيب إزاء القدس وهي تتعرّض يومياً للتخريب فإنهم لم يفقدوا الأمل في الانتصار وهذا أمر يتلاءم مع رؤية المسلم الذي لا يعرف اليأس ولا يقنط من رحمة الله تعالى.
يقول عمر بهاء الدين الأميري:

لا يأسَ فالحربُ أقدارٌ ودائرةٌ
وإنـّه طَبَقٌ يأتـي على طبقِ
مكبّلونَ ولكــنْ في غـدٍ نبأٌ
يا نجْمُ مزّقْ ظلام الليل وائتلقِ
إلى أنْ يقول:
"والنصرُ بالصبر والإيمان مَعْقِدُه
والمجدُ بالعزم والإعـداد والسّبَقِ"[17]

وإذا كانت هنالك عناصر قوية وكثيرة تجذب الشاعر إلى الإحساس بالإحباط، فإنّ في هذا الواقع ما يدفع نحو الأمل إنهم الأطفال بأحجارهم والشباب بجهادهم والشيوخ بهتافهم وتكبيرهم والنساء بزغاريدهن والمساجد بآذانها وغير ذلك مما ينفث قوةً خاصة في كل أبيّ.
وهنالك أشعار كثيرة جاءت في هذا الخضمّ لا يتسع المقام لذكرها وكلّها أملٌ واستشراف للمستقبل الزاهر والنصر القريب. وهنالك إحساسات متعددة تتجلى في الشعر الإسلامي المعاصر لا يمكننا أن نعدّدها كلها هنا.
ولكن عندما نتساءل من أين جاء هذا الإحساس العميق بالانتصار رغم وجود هذا الواقع المر؟ فلنقرأ مع الشاعر حسن الأمراني:

ليست القدس قطعةً من ترابِ
بل هي الوحي منزّل تنزيلا"[18]

ونقرأ كذلك لأحمد فرح عقيلان:

       "في قدسنا تـاريخنا وتـُـراثنـا              ومسارح العلياء والأمجــاد
        وحضارةٌ غراء خَـفْقُ لوائهـا               مــا بين أندلسٍ إلى بغداد"[19]

 ومن هنا يظهر لنا جلياً أنّ القدس منبع الإحساس في الشعر الإسلامي المعاصر. لأنها منبع لا ينضبُ معينه وبقدر وجود أسباب الإحساس بالهزيمة هنالك إحساس بالنصر القريب بل إن هذا الإحساس أقوى وأمتن في رؤية الشاعر وفي صور شعره ولغته وإيقاعه.


هوامش:
[1]حسن الأمراني: "شرق القدس.. غرب يافا"، منشورات جمعية منتدى الحوار. ط1. 1423هـ/2002م، ص72.
[2] عمر بهاء الدين الأميري: "صفحات ونفحات خواطر.. وذكريات.. وتجليات"، شعر وفكر، مؤسسة الشرق للعلاقات العامة للنشر والترجمة. ط1. 1404هـ/1984م. ص60.
[3] نفسه ص61.
[4] محمد صلاح الدين العكاري: "صدى الأعماق"، دار الخاني للنشر والتوزيع. المملكة العربية السعودية. ط1. 1411هـ.
[5] أحمد فرح عقيلان: "جرح الإباء"، منشورات نادي المدينة المنورة. دار الأصفهاني للطباعة بجدة. بدون تاريخ، ص70.
[6] حسن الأمراني: "شرق القدس.. غرب يافا"، ص25.
[7] حسن الأمراني، انظر مجلة المشكاة ديوان الانتفاضة العدد 34-35. 1422هـ/2001م، ص194.
[8] محمد علي الرباوي: "الولد المر (شعر)"، منشورات المشكاة. المطبعة المركزية– وجدة. 1989. ص45.
[9] صابر عبد الدايم في مدائن الفجر: دار البشير للنشر والتوزيع، ط1415هـ/1994م، ص48.
[10] عمر بهاء الدين الأميري: "صفحات ونفحات..."، ص61.
[11] أمينة المريني: "ورود من زناتة فتاة المحيط"، دار السلمي الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع. ط1. 1418هـ/1997م، ص62.
[12] عمر بهاء الدين الأميري: "صفحات ونفحات.."، الصفحتان 65-66.
[13] أمينة المريني: "ورود من زناتة"، ص60.
[14] حسن الأمراني: "شرق القدس.. غرب يافا" ص40.
[15] عمر بهاء الدين الأميري: "صفحات ونفحات.." ص64.
[16] انظر شعر الجهاد في العصر الحديث، د.عبد القدوس أبو صالح .، د. محمد رجب البيومي. الرياض 1405هـ/1985، ص403
[17] عمر بهاء الدين الأميري: "صفحات ونفحات.." ص67.
[18] حسن الأمراني: شرق القدس.. غرب يافا ص20.
[19] أحمد فرح عقيلان: "جرح الإباء" ص95.

_______________
* ناقد و أديب من المغرب.
 

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

القدس في الشعر العربي

التالي

القدس والمسجد الأقصى في فنّ النشيد الإسلاميّ

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

نفش العهن في الحديث عن صفقة القرن

السبت 1 شباط 2020 - 2:17 م

 وممّا أورده المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان من الأحداث التي جرت في منطقتنا العربية، في العقد الأول من الألفية الثالثة، تلك الخطة الأمريكية التي أرادت إنهاء القضية الفلسطينية، وروجت لها على أ… تتمة »

براءة درزي

عن "إقامة الصلاة" في باب الرحمة..

الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020 - 4:24 م

حملة محمومة من الاعتداءات شنّها الاحتلال منذ مطلع عام 2020 في باب الرحمة: اقتحام للمصلى، واعتداءات على المصلين بالضرب والسّحل، واعتقالات بالجملة، وقرارات بالإبعاد؛ وذلك في سياق متّصل باعتداءاته التي ب… تتمة »