القدس في أعمال رسّامي الكاريكاتور العرب

تاريخ الإضافة الإثنين 1 تشرين الأول 2007 - 9:50 ص    عدد الزيارات 4779    التعليقات 0     القسم

        



احتلّت القدس وقضيّتها حيّزاً واسعاً من انشغالات الرأي العام العربي بكلّ قطاعاته وتكويناته, وهو اهتمامٌ يوازي أو يفوق اهتمام السياسيين العرب بالقدس وقضيتها، ذلك أنّ الرأي العام العربي بما تعظه القدس له من أهمية دينية تاريخية وثقافية وقومية, وما يربطه بها من أوامر وصلات, لم يجبرْ القضية على الدخول في ترتيبات وتكتيكات السياسة وبخاصة اليومية التي يقوم بها رجال السياسة, بل إنّ الرأي العام تعامل مع قضية القدس بصورة عفوية وبسيطة, لكن بمستوى ما تحتاج إليه القضية من اهتمام ومتابعة.
وبطبيعة الحال فإنّ الفنانين -وهم طائفة من الرأي العام- يُعتبرون من أكثر الناس حساسية بمحيطهم وقضاياه, سواء بما لديهم من إمكانيات ثقافية, وخبرات تقنية, وقدرات بصرية, إضافة إلى ما عندهم من رؤى فكرية سياسية, قد لا يكون من الممكن التعبير عنها قولاً، لكن ذلك الأمر ممكن عن طريق الرسم والتشكيل, وفي هذا هناك كثير من الأعمال الفنية التي تناولت القدس وقضيتها من جوانب عدة, وكانت أعمالاً جيدة ومميزة.
ورسامو الكاريكاتور العرب, لم يكونوا بعيدين عن التعامل مع القدس مدينة وقصية شأنهم في ذلك شأن بقية الفنانين, وقد أضافوا إلى ذلك في تعاملهم مع الموضوع, قراءة اللوحة والمعطيات السياسية المحيطة بالقدس وقضيتها، حيث أحاطوا بالقضية بحيثياتها وتفاصيلها، وتعاملوا معها بصفة كلية وفي بعض الأحيان بتفاصيل جزئية, مما أدى أحياناً إلى تغليب جانب على جانب, أو اختصار بعض جوانب القضية, لكن ذلك -في غالب الأحيان- لم يتركْ انعكاسات سلبية على أعمال رسامي الكاريكاتور العرب, بل على العكس جاءت النتائج: إضاءات قوية على القدس وقضيتها, وإثارة متواصلة في جوانب الموضوع.
قدس تحت الاحتلال:
لقد جلب الاحتلال "الإسرائيلي" للقدس عام 1987 واقعاً جديداً, مأساوياً، إذ لم يضع المدينة بما فيها من بشر ومعالم تحت قبضة الاحتلال العسكري المباشر فحسب, بل أعلن ضمّ المدينة إلى الكيان الصهيوني, وتمّ إخضاعها إلى "قانون الدولة وقضاتها وإدارتها" وذلك في خطوة واضحة ومعلنة لـ"تهويد المدينة"، وهي السياسة التي جرى متابعة فصولها على مدى ثلاثين عاماً مضت على الاحتلال.
إنّ هذا التعبير عن عملية تهويد المدينة نراه في الكاريكاتور, في لوحةٍ رسمها الرسام المصري حامد نجيب عندما وضع القدس ممثلة برمزها الأقصى داخل نجمة سداسية مخططة على شكل أحجار بناء وقد كتب عليها "مستوطنات" حيث إنّ الاستيطان هو عملية ابتلاع وهضم, وهو الطريق الرئيسي باتجاه "التهويد".
غير أنّ في التفاصيل أشياء أخرى، عبّرت عنها لوحة رسمها رسام الكاريكاتور السوريّ علي فرزات يصوّر فيها الأقصى رمز المدينة وبجانبه رسم آخر له السمات نفسها, ولكن في أعلاه تم استبدال "الهلال الإسلامي" بـ"الشمعدان اليهودي", بمعنى تأكيد الاتجاه والجهد "الإسرائيلي" نحو تهويد المدينة ورمزها الأساسي المميز.
وقد عبّر أحد رسوم طه عيسى رسام الكاريكاتور السوري عن عملية تهويد القدس معالم وسكاناً، عندما رسم يهودياً وهو يحمل القدس برمزها ونباتها وبشرها وبناها، ويركض باتجاه مؤشر يقود إلى التهويد، وتلك مختصرات حالة تهويد القدس, التي تتوالى فصولها بدعم من الولايات المتحدة كما يرى رسام الكاريكاتور العراقي هاني مظهر في لوحة يقدم فيها حصان طروادة الأمريكي، والذي من خلاله يتسلل اليهودي إلى مدينة القدس, فيما يشير رسام الكاريكاتور الأردني جلال الرفاعي إلى جانبٍ من المساعدة الأمريكية لعملية التهويد, في رسمٍ يبين كيف يضع الكونجرس الأمريكي القدس أمام نظام الاستيطان المشهر سلاحه للإجهاز على المدينة في الوقت الذي يكون فيه العرب والمسلمون خارج أية فاعلية حقيقية وجدية تمنع عملية التهويد.
مدينة خارج تاريخها وتراثها:
لقد جُعلت تلك الوقائع في عملية تهويد القدس المدينة من طبيعة أخرى، وهي المدينة التي طالما عرفت باسم "مدينة السلام" يظللها الحبُّ والتوافق بين البشر بغض النظر عن دياناتهم وطوائفهم, وهي الصفة الأساسية للمدينة قبل الاستيلاء الصهيوني عليها عام 1967 والاتجاه إلى "أسرلتها" أي تحويلها إلى مدينة "إسرائيلية" -على نحو ما يقوله "الإسرائيليون" حالياً-, وفي هذا يقدّم حامد نجيب لوحة تبين سور القدس وبوابتها المغلقة المرفوع أعلاها لافتة "القدس مدينة السلام", لكن لافتةً أخرى موضوعة في أسفل السور جانب البوابة تعلن منع دخول حمامة السلام, مما يدفع إلى ظهور التعجب والدهشة لدى حمامة السلام الراغبة في دخول المدينة.
وليس هذا هو الأمر الوحيد في وضعية القدس تحت الاحتلال, بل هناك متغير آخر, يتنافى مع طبيعتها التاريخية وصفتها كمدينة للسلام, وهو ظهور المدينة -برمزها- كشاهد يرى كيف يفرق جنود الاحتلال بدم الفلسطينيين من سكان المدينة, وهو ما تؤشر إليه لوحة الرسام السوري حميد قاروط حيث يختصر في رسمه هذه التفاصيل اليومية لعمليات القتل والجرح التي يقوم بها الجنود "الإسرائيليون" والمستوطنون اليهود كما في كل الأراضي العربية المحتلة.
إنّ وقائع كهذه تجعل النداءات تتلاحق من أجل القدس, ويقدم الرسام هاني مظهر لوحة في ذلك مصوراً فتاة وقد ارتدت زياً إسلامياً, وضعت يديها على رأسها وأخذت تصرخ بكل قوتها منادية «واقدساه» فيما يبدو في أسفل الصورة, عرب متشاغلون وكأنهم لم يسمعوا شيئاً!.
ويقدم ياسين الخليل, رسام الكاريكاتور السوري, عملاً يتناول الموضوع عينه من زاوية أخرى، إذ يقدم القدس من خلال رمزها الأقصى، تصرخ بقوة تلك الصرخة المعروفة في التأريخ العربي الإسلامي "وامعتصماه" في حين يقدّم كلّ واحد من شخصيات العرب المرسومين في جانب الصورة اسمه المختلف عن اسم المنادى له, والأخير وفي هؤلاء يتساءل "مين اسمه معتصم؟", وفي ذلك تبدو المأساة وقد وصلت حد السخرية المرة.
العرب والمسلمون أيضاً في تعاملهم مع القدس وقضيتها على نحو ما يراهم رسامو الكاريكاتور غير فاعلين -كما هو الواقع- وردة فعلهم بكائية خطابية, بكائية: كما يقدمهم علي فرزات في لوحته, وعندما يصوّر رجلاً وقد غلبه البكاء الشديد ليملأ وعاء من الدموع كتب عليه "من أجل القدس" وردة الفعل العربية خطابية على نحو ما يقدمه حميد قاروط في لوحته الثلاثية الصور، حيث يظهر رمز القدس في الخطاب الأول, ثم يأخذ في الاختفاء جزئياً في الرسم الثاني. بل يختفي كليةً في اللوحة الثالثة, مما يشير إلى تضاؤل الاهتمام بقضية القدس. حتى على مستوى الخطاب السياسي، واتجاه هذا الخطاب إلى تجاهل القضية أو تغييبها.
 والواقع العربي-الإسلامي في تعامله مع القدس وقضيتها يقدم لنا نموذجاً من حالة الارتباط والحيرة في بحث الفلسطيني تحت الاحتلال عن مصير القدس, في الوقت الذي توالى على السلطة في "إسرائيل" حزبان كل منهما أكثر تطرفاً وتشدداً بصدد القدس, إذ يدور في ذهن الفلسطيني هناك أنّ خيارات المدينة هي بين الطاعون "حزب العمل" أو الكوليرا "حزب الليكود", وذلك على نحو ما تضمنتك لوحة الرسام اللبناني حبيب حداد.
وبالتأكيد فإن الواقع يبدو أكثر مرارة وقسوة في الوقت الذي يحبس نهج المقاومة, وتترك القدس أسيرة وقائع الاحتلال و"الأسرلة", وفي آن معاً أسيرة لضعف وتردي ردة الفعل العربية والإسلامية, ويقدّم لنا ياسين الخليل مشهداً مأساوياً في هذا، إذ يصور في لوحته المقاومة وقد وُضعت مع سلاحها في قارورة زجاجية بحيث أصبحت عاجزة عن القيام بأي جهد، فيما رسم القدس في خلفية الصورة, رابطاً بصورة خفية بين المقاومة المحبوسة والقدس الأسيرة.
وهذا الربط لا يقدّمه ياسين الخليل وحده. فنجد عند رسام الكاريكاتور الأردني جمال عقل يقدم رسماً لفتاة تلبس الكوفية الفلسطينية حاملةً رمز القضية, ومن عينها الأولى يطل المسجد الأقصى رمز القدس، فيما هي تفكر من اتجاه عينها الثانية بصورة الفدائي المقاوم, الفدائي الذي يحمل سلاحاً يرسم مستقبل المدينة, بل مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
إنّ الطريق إلى القدس معروفة واضحة لدى العرب جميعاً وهي طريق واحدة كما تبدو في الذهن العربي، غير أن رسام الكاريكاتور المصري الراحل نبيل السلمي, يكشف لنا شيئاً آخر غير الصورة الذهنية, إذ يكشف مواطنٌ عربي طرف الخط المحدد لطريق القدس, فيتبين له أنّ تحت العطاء أسهم معاكسة في مسارها, وهذا يصور بعضاً من الإشكاليات العربية في تعاملها مع قضية القدس بخاصة ومع القضية الفلسطينية والصراع العربي "الإسرائيلي" عموماً.
والطريق إلى القدس -كما يورده الرسامون العرب عموماً- محتواه القوة, وهو ما تؤكده الوقائع السياسية التي يفرضها "الإسرائيليون" في القدس, وعليها، خلاصتها إتمام عملية التهويد, والأهم فيها بناء المستوطنات وجلب المستوطنين وإعلان القدس "عاصمة إسرائيل" إضافة إلى الإعلانات المتكررة برفض الانسحاب من المدينة أو حتى الدخول في تفاصيل بحث وضعها ومستقبلها، وهو أمر يكتسب وضعاً خطيراً مع حقيقة أنّ الجهود الدولية المختلفة لم تنفعْ في تغيير السياسة "الإسرائيلية" إزاء القدس, الأمر الذي لا يفتح خياراً أمام العرب والفلسطينيين خاصّة للتعامل مع قضية القدس, إلا من خلال القوة, وهو ما يلاحظه, ويشير إليه رسامو الكاريكاتور العرب.
ويقدم عبد الوهاب العوضي رسام الكاريكاتور الكويتي رسماً فيه قبة المسجد الأقصى وفي أعلاها الهلال, وقد انعكس ظلّ الهلال على القبة بشكل بندقية للدلالة على حالة المقاومة, بل على طريقها أيضاً، وفي أسفل القبة, وضع الرسام أحجاراً ومن قبل هذا الأحجار نبتت زهرة, وربما كان التفصيل الأخير وجها آخر للمقاومة مقاومة الحجارة والأطفال التي ابتدعها الفلسطينيون في القدس وغيرها من أنحاء فلسطين, بعد أنْ افتقدت المقاومة السلاح المعروف والتقليدي في ظلّ ظروفٍ غاية في التعقيد والتداخل.
إن الطريق الواضح والصريح إلى القدس يرسمه ياسين الخليل، إذ هو يضع البندقية جسراً بين مسافتين, تبدو الأولى وقد حملت أفواج العائدين الفلسطينيين -كما هو مفترض- وحملت الثانية اسم القدس, وقد اتجه رأس البندقية نحو القدس كرأس سهم وفيما بين المسافتين كتب الخليل بخطه "الطريق الوحيد", ورغم أنّ اللوحة تؤشر إلى طريق الفلسطينيين للقدس -للوهلة الأولى- فإن التدقيق فيها ربما يقودنا للقول إنّ الرسام يرى أن القوة والبندقية هما الطريق إلى كل فلسطين وليس القدس فحسب.
وبالتأكيد فإنّ طريق الفلسطينيين والعرب والمسلمين للقدس ليست ميسّرة ولا سهلة, سواء كانت عن طريق المفاوضات –كما هو واضح فيما يحدث- ولا عن طريق القوة والعمل المسلح بحسب التجربة التاريخية المعروفة, مما يجعل مستقبل المدينة غامضاً, بل هو أقرب إلى أن يكون كما تراه "إسرائيل" في أن تصبح القدس مدينة يهودية. لقد لاحظ واستشف رسام الكاريكاتور السوري علي فرزات احتمالاً كهذا في ظل استمرار حال القدس على ما هو عليه الآن وقدم لوحة, يبين فيها كيف يتقاطر العرب أمام كوة تذاكر "إسرائيلية", يجلس فيها جندي, يأخذ رسوماً مالية للراغبين من العرب في التطلع إلى القدس وقبة الصخرة من خلال منظار قويّ وكبير, إذ أنّ القدس بعيدة عن أيدي العرب وعن أنظارهم أيضاً وهذا بعض حالهم الآن.
تلك هي ملامح لوحة عامة لما قدّمه رسامو الكاريكاتور العرب في تعاملهم مع القدس وقضيتها, وبالتأكيد فإن في التفاصيل أشياء كثيرة, تكشف مدى التزام الرسامين بهذه القضية وحرصهم الشديد على مستقبل القدس مدينة عربية فلسطينية, كما كان على مدى آلاف السنين.
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

الحملة الصهيونية على مكتبات القدس منذ عام 1967 م وحتى يومنا هذا

التالي

القدس في الشعر العربي

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

نفش العهن في الحديث عن صفقة القرن

السبت 1 شباط 2020 - 2:17 م

 وممّا أورده المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان من الأحداث التي جرت في منطقتنا العربية، في العقد الأول من الألفية الثالثة، تلك الخطة الأمريكية التي أرادت إنهاء القضية الفلسطينية، وروجت لها على أ… تتمة »

براءة درزي

عن "إقامة الصلاة" في باب الرحمة..

الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020 - 4:24 م

حملة محمومة من الاعتداءات شنّها الاحتلال منذ مطلع عام 2020 في باب الرحمة: اقتحام للمصلى، واعتداءات على المصلين بالضرب والسّحل، واعتقالات بالجملة، وقرارات بالإبعاد؛ وذلك في سياق متّصل باعتداءاته التي ب… تتمة »