أزهر اللوز فينا ... بقلم فيحاء شلش

تاريخ الإضافة الإثنين 7 آذار 2016 - 9:57 ص    عدد الزيارات 2124    التعليقات 0     القسم مقالات مختارة

        




أزهر اللوز فينا ... بقلم فيحاء شلش

تترك فترة الربيع في نفسي شيئا تجعلها تواقة لها في كل حين، راحلة إلى عطرها الوردي ونسماتها الدافئة الباردة، لا أبالغ حين أقول إنها تزور خاطري كل يوم بصور جميلة لا تنمحي بمرور الزمن، بل تتجدد مع نهاية كل شباط وبداية كل آذار.


ألوان مختلفة من العذابات قاسيتها هذا الشتاء؛ فلم أكن أعلم في ذلك اليوم الذي قمنا فيه أنا ومحمد بفرش سجاد المنزل وتعبنا فيه سويا حتى الفجر أننا لن نمضي هذا الشتاء في منزلنا الدافئ، وأنه سيكون مختلفا جدا عن أيامنا التي اعتدنا أن نعيشها معا بكل تفاصيلها وحلوها ومرها، وإن غاب المرار كثيرا بصحبته.

كنت أمعن النظر إلى أشجار اللوز كلما سنحت لي الفرصة خلال تنقلي في المركبة من محافظة إلى أخرى بشكل شبه يومي خلال الأشهر الثلاثة الماضية حاملة معي رسالة زوجي المسجى على سرير المستشفى يئن من الألم؛ رسالة عظيمة بمداد الكرامة يجب أن تصل إلى كل مسمع مهما بلغ بي الأمر من تعب، أسترق النظر إلى أشجار اللوز مشفقة عليها وهي عارية من ورقها الأخضر اليانع الذي زينها على مدار العام، وتصارع رياحا عاتية وزخات غزيرة من الأمطار وحدها.

أيام لا توصف ولا أستطيع ذلك لو نويت، لأن المشاعر في هذه المواقف تداس تحت عجلات ضرورة الاستمرار بلا خوف ولا وجل كي تصل القضية إلى مبتغاها، دست على مشاعر الزوجة المكلومة والأم الحزينة وارتديت ثوبا تجاهلته كثيرا، وهو الخروج إلى العلن؛ في سبيل إنجاح القضية وإعطائها الزخم المطلوب.

ومع كل صورة تخرج من هناك أو مقطع مصور كنت أتحاشى النظر، وأحاول أن أكمل المهمة دون أن أدع للحزن طريقا يشق إليّ؛ فإن استسلمت أو تراجعت سيكون المردود سلبيا للغاية، وسيغزو القلق قلوب كل من حولنا وسنتحول من مثبّتين إلى مثبطين، القرار كان قاسيا للغاية ولكنه متطلب المرحلة.

في أحد الأيام خلال أسبوع الإضراب الأخير فتحت نافذة المركبة ونحن نمر بإحدى المحافظات الشمالية؛ أشرقت أنوار داخلي لم أعرف طبيعتها حين رأيت شجرة لوز مطلية بأزهار بيضاء ووردية جميلة نمت على فروعها على استحياء، لم أشفق عليها هذه المرة بل شعرت بشيء يشبه الفخر والرضا حين نالت هذه الشجرة ما تستحق من منظر خلاب بعد أن قاست الكثير خلال أشهر الشتاء القارس.

بضع ساعات فقط حتى تلقينا اتصالا يفيد أن نواة اتفاق بدأت تتبلور لتنهي معاناة زوجي في الإضراب والاعتقال الإداري بعد ما يقارب مائة يوم هي كل فصل الشتاء بكانونيْه وصقيعه ونصاعة ثلجه ولسعات برده.

نعم، أزهر اللوز فينا وقتها، وتلامست أحلامنا مع حقيقة واحدة تعكس نصرا غاليا كم تعبنا للوصول إليه وكم نهش من جسد "الغالي" حتى نبرهن للعالم أجمع أننا شعب يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلا.. لا نحب الموت ولا الجوع ولا العيش على الماء؛ ولكنها رسالة المقهور ظلما إما أن نعيش أحرارا أو نموت كراما.


المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام
 

 





رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

فلسطين، القدس، الأقصى ...الامتحان الأخير للعرب والمسلمين

التالي

انتفاضة القدس تفتح جبهة "مواقع التواصل الاجتماعي"

مقالات متعلّقة