فلسطين، القدس، الأقصى ...الامتحان الأخير للعرب والمسلمين

تاريخ الإضافة الخميس 4 شباط 2016 - 1:00 م    عدد الزيارات 2892    التعليقات 0     القسم مقالات

        


ياسين سويد

عضو مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية

كان العرب في مطالع القرن العشرين، يحلمون بنهضةٍ قومية عارمة تحقق أحلامهم في الحرية والوحدة القومية، أسوة بباقي الأمم الحالمة في الشرق والغرب على السواء، وكان الغرب، الأوروبي خصوصاً، والناهض من كبوات سابقةٍ، يفتش عن صيدٍ ثمين يشبع، منه، أطماعه العارمة في الهيمنة والاستعمار والتسلط، فوجد، في العالم العربي، ضالته المنشودة، حيث راح يعد العدّة لغزو هذا العالم واستعماره، والاستفادة من خيراته، فكان مؤتمر "كامبل بنرمان" الذي عقد في بريطانيا، برئاسة رئيس وزرائها "هنري كامبل بنرمان"، عام 1905، والذي استمر عامين كاملين (حتى عام 1907).

واتخذ قادة الدول الأوروبية المشاركة في المؤتمر قرارات خطيرة تتعلق بمصير العديد من الشعوب والدول في العالم المشرقي، والعربي خصوصاً، حيث كشفت كل دولة أطماعها، في جزء من "العالم الشرقي المتخلف"، فبرزت أطماع بريطانيا في افريقيا والهند والشرق الأقصى، واطماع فرنسا في افريقيا والمشرق العربي والهند الصينية وجزر المحيط الهادئ، وأطماع ايطاليا في ليبيا وتونس وأطماع اسبانيا في الجزائر والمغرب وجزر الأطلسي.

وبرزت، في التقرير الذي وضعه المؤتمرون، عدة تساؤلات:
كيف يمكن أن يكون وضع هذه المناطق (مناطق المشرق والمغرب العربيين) اذا توحدت؟
ماذا لو أُدخلت مكتسبات الثورة الصناعية الأوروبية الى هذه المناطق؟
ماذا لو انتشر التعليم وعممت الثقافة في أوساط شعوبها؟
ماذا لو تحررت هذه المناطق واستغلّ أهلها ثرواتها الطبيعية؟

وكان الجواب على هذه التساؤلات حازماً:
« عندها، ستحل الضربة القاضية بالامبراطوريات الاستعمارية، وستتبخر أحلام الاستعمار بالخلود، حيث يضمحل وينهار، كما انهارت، قبله، امبراطوريات الرومان والاغريق».

وقد أدى ذلك الى أن اتخذ المؤتمرون القرارات التالية:
«العمل على استمرار تجزئة هذه المنطقة وتأخرها، وابقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وتأخر وجهل»، ثم «ضرورة العمل على فصل الجزء الافريقي، في هذه المنطقة، عن الجزء الآسيوي»، و«إقامة حاجزٍ بشري قوي وغريب ومعادٍ للسكان، يحتل الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم، ويربطهما معاً بالبحر المتوسط، بحيث يشكل، في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار، وعدوة لسكان المنطقة».

وقد أودع هذا التقرير وزارة الخارجية البريطانية بعد التوصية بزرع "اسرائيل" في قلب الوطن العربي "كحاجز بشري قوي وغريب ومعادٍ للسكان"، وكقوة "صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة"، بحيث تفصل بين جناحي "الوطن العربي" المتمثلين بمشرقه ومغربه، كما أوصى التقرير "باستمرار تجزئة هذه المنطقة، وابقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك"، ثم عهد المؤتمر مهمة تنفيذ هذه القرارات الى بريطانيا التي نفذتها بحذافيرها، فقسمت العالم العربي الى دويلات صغيرة وضعيفة، وحققت، بالاتفاق مع فرنسا، اتفاقية "سايكس – بيكو" الشهيرة، التي أدت الى تجزئة الوطن العربي الى دويلات، وأطلقت وعد بلفور، وأقامت الوطن اليهودي في فلسطين، بعد أن شردت أهلها العرب من أرضهم وديارهم.


واليوم، وبعد مرور نحو سبعة عقود على طرد العرب الفلسطينيين من أرضهم، وإقامة "دولة اليهود" على أرض ليست لهم، واحتلالهم لمساكن لا يزال أصحابها الفلسطينيون العرب يحتفظون بمفاتيحها، بعد أن تشردوا في سائر أقطار الدنيا، وأضحوا بلا وطن، ولا مأوى، ولا مستقبل، بينما يتمتع اليهود المحتلون لوطن الفلسطينيين بكل ما خلّفه هؤلاء في ذلك الوطن من مدنٍ، وقرى ومزارع وخيرات.


وضاعت فلسطين، ولم يبق منها، لأهلها، سوى نتفٍ ممزقة في غزة والضفة الغربية لنهر الاردن، حيث لا يزال الفلسطينيون، في تلك المناطق، يعانون من ظلم العدو الاسرائيلي المحتل للضفة الغربية، ومن غزواته المتكررة لغزة كلما رأى في غزوها مصلحة له، بينما يقاوم الفلسطينيون في غزة والضفة وفي القدس، كل عدوان عليهم، بأجسادهم العارية، وبإراداتهم الصلبة والعنيدة والمتجذرة الايمان بحقهم في الحياة الحرة الكريمة، في وطنهم السليب "فلسطين".

 

ونشهد اليوم، عرباً وغير عرب، ما تبقى من الصراع العربي-الاسرائيلي الذي انحسر الى حدّ انه لم يعد أكثر من صراع فلسطيني-اسرائيلي فحسب، بل أضحى صراعاً بين من بقي، في الديار الفلسطينية، من أهلها، وخصوصاً فلسطيني الداخل (القدس والضفة الغربية المحتلة، وغزة احياناً)، بينما ينأى باقي العرب، بأنفسهم، عما يجري لإخوانهم الفلسطينيين من دمارٍ وقتل على يد العدو الاسرائيلي.

لقد سقط العرب في أول امتحان لهم عندما هزموا في فلسطين التي شرد اليهود أهلها، وأقاموا دولتهم على أرضها، وها نحن، اليوم، نشهد سقوط القدس، مدينة الأديان السماوية الثلاثة، بما فيها من مقدسات تخصّ اليهودية والمسيحية والإسلام، بحيث تصبح تلك المقدسات خاضعة للإرادة الاسرائيلية.

وها نحن نشهد، اليوم، بكثيرٍ من الأسى والألم والغضب، كيف تتصرف اسرائيل تجاه المسجد الأقصى، آخر معاقل المسلمين، بل آخر مقدساتهم في فلسطين، فالمسجد الأقصى ليس مسجداً عادياً، بل انه مميزٌ بما جاء عنه في القرآن الكريم، قال تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير" (الإسراء 1).
كما ان فلسطين، ثم القدس، وفيها المسجد الأقصى، هي الامتحان الأخير للعروبة والإسلام، وبالتالي: للعرب وللمسلمين في بقاع الأرض كافة، وفي كل حين.

ولكن، أليست معركة "المسجد الأقصى" التي نشاهدها تجري، اليوم، وكل يوم، في القدس، بين المحتل اليهودي المسلحّ بكل أنواع الاسلحة الفتاكة، بالإضافة الى أطماعه في التوسع والسيطرة، أليست هذه المعركة هي الامتحان الأخير للعرب والمسلمين؟

فلسطين، القدس، المسجد الأقصى... سقط المسلمون والعرب في معركة فلسطين، وها هم اليوم يخوضون معركة القدس، وبالتالي: معركة الأقصى، إنه امتحانهم الأخير، فإن فشلوا، فلن تقوم لهم (أي للعرب وللمسلمين كافة) قائمة بعدها.....

فهلا يتحرك العرب جميعاً، والمسلمون في كل أقطار الدنيا، لنصرة إخوانهم الفلسطينيين في صراعهم الدامي للحفاظ على ما تبقّى لهم من فلسطين: القدس، بما فيها، وأعني: المسجد الأقصى، وأهله من العرب الفلسطينيين الصابرين الصامدين المناضلين؟
إننا ندعو لذلك، ونرجو، ونتضرّع.
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

مش طالع... مش متزحزح قاعد فيها

التالي

أزهر اللوز فينا ... بقلم فيحاء شلش

مقالات متعلّقة

صالخ النعامي

ما وراء "سيلفي" غوفشتيان في الأقصى

الأربعاء 18 تشرين الأول 2017 - 10:15 ص

وسام محمد

نور أم الفحم

الثلاثاء 10 تشرين الأول 2017 - 1:15 م

محمد أبو طربوش

التحية لشيخ الأقصى رائد صلاح في عرينه

الثلاثاء 29 آب 2017 - 3:39 م

  هناك رجال غيّروا التاريخ وأعطوا برهانهم فصدقوا ما عاهدوا الله عليه وصدّقوا، قرنوا أقوالهم بأفعالهم في زمن عزّ فيه الرجال ثم مضوا في طريق الحق لا يخافون في الله لومة لائم، رجال إذا ذكر الوطن ذكروا وم… تتمة »