الطريق إلى دعم الاحتلال محفوف بـ "النيات الحسنة"

تاريخ الإضافة الخميس 9 نيسان 2015 - 10:22 ص    عدد الزيارات 9669    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

تتفاعل منذ أواخر عام 2012، بشكل واسع، جدلية زيارة القدس والأقصى تحت الاحتلال بعد أن أطلق الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القمة العربية الثالثة والعشرين المنعقدة في بغداد في آذار/مارس 2012 دعوة إلى العرب والمسلمين لزيارة القدس لما يشكله ذلك، وفقًا لعباس، من دعم للمدينة وصمود أهلها. واعتبر عباس حينها، أنه "ليس هناك نصوص لا في القرآن ولا في السنة ولم يحصل في التاريخ أن أحدًا أو مفتيًا من المفتين أو قاضيًا من القضاة أو رجل دين حرم زيارة القدس، التي وقعت تحت احتلالات كثيرة ولم يأت شخص يقول حرام عليكم زيارة القدس، منذ أن قام الرسول صلّى الله عليه وسلم بالإسراء للقدس وبالصلاة بكل الأنبياء في القدس إلى الاحتلال البريطاني لم يأت شخص ليقول هذا حرام وهذا حلال، الآن هو وقت دعم القدس بصرف النظر عن وجود احتلال أو عدم وجود الاحتلال".
وقد ظهر على المستوى السياسي اختلاف حول الزيارة وجدواها والفائدة التي يمكن أن تعود بها على القدس والمقدسيين، كما خرجت على المستوى الديني فتاوى قالت بعدم جواز الزيارة وأخرى شرّعتها. واستند المدافعون عن الزيارة إلى أن دخول العرب والمسلمين إلى القدس سيعزز التفافهم حول المقدسيين كما من شأنه دعم الاقتصاد المقدسي وإنعاش حركة السياحة في القدس وما يرتبط بها من قطاعات، كالتجارة وغيرها. أمّا رفض الزيارة فاستند إلى أن زيارة القدس لا تكون إلا برضا الاحتلال وإذنه والتنسيق معه، الأمر الذي يعني حتمية التطبيع مع الاحتلال وكسر الحاجز النفسي تجاهه، على المستوى الشعبي، العربي والإسلامي، بعد أن يصبح المرور عبر سلطات الاحتلال أمرًا لازمًا مشفوعًا بـ "تسهيلات" تقدمها سلطات الاحتلال.
إلا أن الفائدة التي يحلم عباس بأن يجنيها المقدسيّون من "السّياحة الدينية" أو من زيارة العرب والمسلمين للمدينة لا تبدو متحققة بل إن الفائز الأكبر هو الاحتلال، ليس فقط من بوابة ما تؤدي إليه من تقبّل للاحتلال على المستوى النفسي، بل أيضًا من الناحية الاقتصادية. ففي مقال للكاتب الإسرائيلي نير حسون نشرته "هآرتس" في 7/4/2015 تشكّل زيارة العرب والمسلمين للقدس "طوق النجاة" للسياحة الإسرائيلية. ووفقًا للتقرير، فإن معظم الزيارات من الدول الإسلامية هي من دول غير عربية مثل تركيا والهند وأندونيسيا وماليزيا. ولكن ثمّة مجموعات أيضًا من دول عربيّة منها المغرب، وتونس والأردن ودول الخليج، كما من دول أوروبيّة. وأشار التقرير إلى أن زيارة المسيحيين للقدس لم تنقذ الموسم السياحي في القدس حيث إن المعطيات لعام 2014 ظلّت 20% أقلّ مقارنة بالعام الذي سبق. وهنا يأتي طوق النجاة من مصدر مفاجئ، وفق حسون، وهو الدول الإسلامية بشكل عام والدول العربية بشكل خاص خصوصًا بعد صدور فتاوى من دول الخليج العربي تسمح بالزيارة وتوصي بها.
وبصرف النظر عمّا إذا كانت زيارة القدس تشكل عاملاً رافعًا لصمود المقدسيين أم دعمًا لاقتصاد الاحتلال وقطاع السياحة الذي يسيطر عليه فإن النظر إلى تاريخ الدعم العربي والإسلامي للقدس، والحديث مرتبط هنا بالمستوى الرسمي، ينبئ بالكثير من التخاذل في دعم المدينة سواء ما يتعلق منه بالمستوى المادي أو بالتثبيت المعنوي ودعم الصمود. وإذا انطلقنا من القمة العربية السادسة والعشرين التي انعقدت في شرم الشيخ في 28-29/3/2015 فإننا نلاحظ الحضور الباهت للقدس، إن لم نقل للقضية الفلسطينية عمومًا، في الإعلان الصادر عن القمة. وبالعودة إلى الوراء، فإن القمة المنعقدة عام 2014 في الكويت ندّدت بالتهويد وبممارسات الاحتلال واعتداءاته التي تطال القدس والأقصى فيما صندوق دعم القدس الذي أنشأته قمة الدوحة عام 2013 طواه النسيان. وكذلك حال الصندوق الذي أقرته القمة العربية المنعقدة في بيروت عام 2002 حيث لم تدفع الدول العربية، وفقًا لأحمد قريع، رئيس دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير، من الأموال المرصودة لدعم القدس في قمة سرت عام 2010 سوى 37 مليون دولار من المبلغ المرصود والبالغ 500 مليون دولار. أما على مستوى تعاطي السلطة مع القدس، فإن الأرقام تتكلم عن "حرص" السلطة على دعم القدس حيث خصصت عام 2014 لوزارة شؤون القدس ولمحافظة القدس حوالي 0.4% من إجمالي الإنفاق في موازنة السلطة لذلك العام مقارنة بما يقارب 27% خُصّصت لقطاع الأمن.
وعلاوة على غياب الدعم المادي الحقيقي يصعب العثور على خطة حقيقيّة لدعم القدس فـ "الخطة الاستراتيجية للتنمية القطاعية في القدس الشرقية 2011-2013"، والتي نشرتها وحدة القدس في ديوان الرئاسة عام 2010، تعنى بالتنمية تحت الاحتلال وتتعامل معه كواقع ينبغي التأقلم معه من دون السعي إلى إنهائه.
قد يكون من الجائز القول بأن الجهات التي تقول بدعم المقدسيين عبر زيارة مدينتهم إنما تفعل ذلك بصدق ومن باب الحرص على أن يرى العرب عن قرب ما تنتهجه "إسرائيل" من سياسة منظّمة لعزل المقدسيين والتضييق عليهم ولكن يصلح القول أيضًا إن بين دعم المقدسيين والتطبيع مع سجّانهم خط دقيق، وقد يصح القول إن الطريق إلى دعم الاحتلال محفوف بالنيات الحسنة.
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

الأعياد اليهودية أتراحٌ فلسطينية

التالي

المقدسيون مورسكيّو العصر الجدد..

مقالات متعلّقة