تقدير موقف: مستقبل انتفاضة القدس وانعكاساتها على الجانب الإسرائيلي



تاريخ الإضافة الجمعة 22 كانون الثاني 2016 - 2:33 م    عدد الزيارات 4744    التحميلات 273    القسم مختارات

        


كانون ثانٍ/يناير 2016

حمل التقرير كاملا من المرفقات 

ملخص:

ما زالت الانتفاضة الحالية على الرغم من تفاوت تصاعدها غير واضحة الشخصية، ويكتنف مستقبلها سحب كثيفة من الغموض. وهي تواجه العديد من التحديات على رأسها الانقسام الفلسطيني، وفي الوقت ذاته تحفزها عوامل دافعة في مقدمتها انسداد مسار التسوية.

تركت انتفاضة القدس تأثيرات بالغة على الدولة العبرية على كافة الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية، ويتخوف المستوى السياسي الإسرائيلي من فلتان الوضع وفقدان السيطرة عليها واندفاعها لدرجة انهيار السلطة في حال بلوغها الذروة.

لكن المؤشرات الأخيرة تنبئ أن السلطة تحوّل موقفها، وبدأت أجهزتها الأمنية بإجراءات ميدانية جادة لوقف الانتفاضة، الأمر الذي يزيد من القلق حول مستقبل الانتفاضة الجارية.

وبشأن خيارات الحكومة الإسرائيلية لمواجهتها؛ فهي تتراوح بين الاستمرار في المسار الحالي وهو يجمع بين الضغط والاحتواء، وبين التوجه لتشغيل مسار التفاوض مع السلطة، علماً أن حكومة نتنياهو لن تندفع للمسار الثاني —مسار التفاوض— إلا حينما تتصاعد الانتفاضة إلى مديات أعلى، وفي حال توفر قاعدة توافقية له داخل الائتلاف الحكومي، وربما يضطر نتنياهو لتوسيع أو تعديل ائتلافه في الحالة القصوى لتنفيذ هذا الخيار.

ومن المستبعد أن يلجأ نتنياهو للهروب إلى الأمام من خلال التصعيد على جبهة قطاع غزة، إلا إذا تصاعدت الانتفاضة، وأفرزت ضغوطاً لا يمكن تجاوزها، ولم يتمكن في الوقت نفسه من إقناع ائتلافه بتشغيل مسار التفاوض.

أولاً: انتفاضة القدس والتحديات التي تواجهها:

تتسم انتفاضة القدس الحالية بسمات خاصة تميزها عما سبقها من حركات فلسطينية؛ إذ إنها تتحرك حتى اللحظة تبادلياً في الجغرافيا الفلسطينية. وقد بدأت بزخم جماهيري مرتفع نسبياً لكنه محصور مناطقياً، ثم ما لبث أن تقدم الفعل النوعي على الحراك الجماهيري، ومفرقاً على المناطق الفلسطينية. وهي ذات نسق متفاوت الوتيرة من حيث التصاعد والهبوط في فعالياتها. وأكثر ما يميزها تسيّد فردية التحركات خصوصاً في العمل النوعي على مناخها العام.

وما زالت الانتفاضة الحالية على الرغم من ذلك غير واضحة الشخصية، ويكتنف مستقبلها سحب كثيفة من الغموض، وتواجه حالياً تحديات عدة على رأسها:

– أكثر ما يضعفها الانقسام الفلسطيني وعدم التوافق الوطني حتى على اسمها، وماهيتها ومستقبلها.

– تردد رموز الفصائل الفلسطينية من الانخراط في فعالياتها خشية ضغوط الاحتلال، والحسابات الذاتية والسياسية التي تسهم بقدر كبير في تشكيل مواقفهم. وتلكؤ فتح من الانخراط فيها بفاعلية.

– انحصارها على صعيد الحراك الشعبي في جغرافية محددة، ثم الانحسار النسبي لهذا الحراك بسبب تبدل موقف السلطة وتوجه أجهزتها الأمنية الجديد للحد من المواجهات الشعبية مع الاحتلال.

– زيادة التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية وقوات الاحتلال قياساً على الفترة التي رافقت انطلاقتها. ما يعني أن هنالك قراراً داخلياً من السلطة بالتأثير عليها سلباً.

– انشغال المحيط العربي والإسلامي بقضاياه وشؤونه الداخلية، وطغيان الأجندة الإقليمية، وتراجع الملف الفلسطيني في جدول الأولويات بالمنطقة.

– التواطؤ الغربي والإقليمي على وأدها في مهدها، وجهود كيري في هذا المجال وما أجراه من تفاهمات بشأن الأقصى المبارك ليست بخافية على أحد.

ثانياً: العوامل التي تدفع بتصعيد انتفاضة القدس:

في المقابل، تتزاحم عدة عوامل تدفع بتصعيدها، من بينها:

– لا شكّ أن انسداد مسار التسوية على رأس هذه العوامل، لأن فشل التسوية أضعف مشروع أوسلو، وجوَّفه، وجعله خاوياً من أيّ مضمون سياسي، إذ تبدو السلطة كمنظومة مهمتها الأساسية حفظ أمن الاحتلال وتعطيل جهود المقاومة.

– تعديات المستوطنين على الفلسطينيين، وازدياد ما يسميه اليمين الاستيطاني بـ”تدفيع الثمن”، وتخاذل الأمن الإسرائيلي وتواطئه مع المستوطنين في أثناء هجومهم على القرى الفلسطينية. وقد جرى تخفيف لهذه التعديات في الوقت الراهن بضغوط من حكومة نتنياهو لاحتواء المواجهات الحالية.

– على الرغم من تخفيف اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى إلا أنها ما زالت قائمة وبأعداد محدودة من المستوطنين بهدف تنفيس الانتفاضة، ولا شكّ أن هذه الاقتحامات هي أحد أهم أسباب تفجير الانتفاضة الحالية وربما استمرارها.

– الضائقة الاقتصادية أسهمت في إلهاب الاحتقان الشعبي، ولعل هذا من أهم إخفاقات مشروع أوسلو الذي كان يبشر بالبحبوحة الاقتصادية للفلسطينيين.
– ضعف القيادة الفلسطينية الرسمية وتمسكها غير المبرر بخيار التسوية بالرغم من فشله الذريع، بسبب تعنت الحكومات اليمينية الإسرائيلية، وعجز هذه القيادة عن اجتراح خيارات أخرى.

ثالثاً: مواقف الأطراف الدولية والإقليمية والمحلية:

على الصعيد الدولي: الأجندة الدولية منشغلة بالأزمة السورية والصراع الإقليمي الجاري بالمنطقة، وبمحاربة الإرهاب. وفي الوقت الحالي لا يعدُّ الملف الفلسطيني من الشؤون الضاغطة على الأطراف الدولية. ولعل أبرز تفاعل دولي في هذا المجال هو زيارة كيري للمنطقة وتفاهماته مع الأردن المتعلقة بالمسجد الأقصى.

على الصعيد الإقليمي: تعيش المنطقة سيولة غير مسبوقة ربما منذ الحرب العالمية الأولى، وتتصارع في حلبتها القوى الإقليمية في ظلّ تحيزات طائفية وإثنية أحياناً، ويغيب الشأن الفلسطيني عن جدول أولويات المنطقة بشكل لافت. إلا أن بعض القوى الإقليمية تنسق مع الدولة العبرية ومع السلطة لخنق الانتفاضة الحالية ولوأدها، لأنه في حال تصاعدها ستؤثر سلباً على مفاعيل ومخرجات الثورة المضادة التي أخذت زمام المبادرة في المنطقة.

على الصعيد المحلي: فتح منقسمة تجاه الانتفاضة، فمعظم قيادتها المتماهية مع أوسلو لا ترغب بتصعيد الانتفاضة، وترغب فقط في استثمارها للضغط على نتنياهو لصالح تشغيل مسار التسوية، والبعض الآخر منها يرغب في الانخراط في الانتفاضة وتفعيلها، ولكنه لا يبدو أنه مؤثر في المعادلة الداخلية لفتح، أما شبابها فهم يشاركون نسبياً وبتردد في الحراك الشعبي الذي بدأ ينحسر بسبب ضغوط الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

حماس ترغب بتفعيل الانتفاضة، وجهودها ماثلة ميدانياً وتسعى لتصعيدها، ولكنها كما يبدو لا تريد الظهور كمن يتحمل أعباء الانتفاضة؛ لأنها ترغب أن تأخذ الانتفاضة وجهاً وطنياً شعبياً عاماً، ولأنها ربما لا تقدر على ذلك وحدها، وحتى لا يُستفرد بها من جهة الاحتلال.

الفصائل الأخرى، كالجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية راغبة وتعمل، ضمن إمكاناتها المتاحة، على تصعيد الانتفاضة، وإن بدرجة أقل من حماس.

أما السلطة الفلسطينية فلم تكن متحمسة في بداية الأمر لمواجهة الانتفاضة ميدانياً، لأن رئيس السلطة كان يطمح لاستخدامها كأداة ضغط على نتنياهو لتحسين موقفه أمامه، وقد رشح أنه ساوم على إيقافها مقابل شروط هي: مراقبون دوليون في الأقصى، وعودة وضع الأقصى لما قبل سنة 2000، ووقف الاستيطان، والإفراج عن أسرى الدفعة الرابعة. ولكن المؤشرات الحالية في الميدان تنبئ، بل إن التقارير الأمنية العبرية تتحدث عن تحول في موقف السلطة، ويظهر ذلك ميدانياً، حيث بدأت الأجهزة الأمنية بمنع الحراكات الشعبية من التماس مع قوات الاحتلال، وزاد التنسيق الأمني بدرجة تمتدحه الأوساط الأمنية الإسرائيلية. ولعل سبب هذا التحول يكمن في خشية السلطة من تصاعد الانتفاضة إلى مدى تفقد فيها السيطرة على مسارها، وهو ما يترافق مع الضغوط الدولية والإقليمية على رئيس السلطة لوقفها.

رابعاً: عوامل لازمة لتصعيد الانتفاضة:

تحتاج الانتفاضة الحالية إلى عدة محفزات لازمة لتصعيدها إلى مديات مثمرة سياسياً بشكل أكبر، ولعل من أبرزها: كسر حالة الانقسام الفلسطيني بصيغة توافقية، بمعزل عن تعقيدات ملف المصالحة، بهدف توحيد العمل الوطني؛ بمعنى فصل التناقضات البينية عن مقارعة الاحتلال باعتبار الأخيرة لازمة وطنية لا يمكن التخلي عنها على أي حال، وإلا ستواصل الحالة الفلسطينية (إذا جمدت على الوضع الحالي) في إيجاد فرصة استراتيجية للاحتلال لالتهام الأرض بالاستيطان، وتهويد القدس، وتقسيم المسجد الأقصى المبارك.

ولتوجيه مسارها وإدارتها وتثمير مفاعليها سياسياً، يستوجب الأمر تشكيل هيئة وطنية مشتركة من القوى الفلسطينية المختلفة، وعلى وجه السرعة قبل تراجع وتيرتها. وبالرغم من انشغال البيئة الإقليمية بالصراعات الداخلية، تحتاج الانتفاضة الحالية إلى دعم دول المنطقة أو بعضها، على الصعيدين السياسي واللوجيستي، ولو بالحد الأدنى.

ويستوجب تصعيدها ميدانياً إلى وتائر أعلى إلى اتساعها جغرافياً بحيث تمتد إلى مناطق أخرى غير القدس التي ضعف حراكها، ومدينة الخليل التي زاد العبء عليها، لينخرط في أتونها قطاعات شعبية أوسع.

خامساً: رسائل تبعثها الانتفاضة:

تبعث انتفاضة القدس رسائل مهمة عديدة من بينها، أن “جيل أوسلو” انتفض ولا وجود للفلسطيني الجديد بحسب “مقاس دايتون”، ومفاعيلها تكرس في الوعي الجمعي الفلسطيني أن الحالة الفلسطينية ما زالت في حال التحرر الوطني ولم تصل لمرحلة الدولة واسترخائها بعد، كما كان يراد أن يروج له عبر مشروع أوسلو. وبالتالي ضرورة اجتراح خيارات فلسطينية أخرى غير مسار أوسلو الفاشل.

تعبِّر نتائجها السياسية الأولية، وعلى رأسها توقف برنامج تقسيم الأقصى، عن جدوى وفاعلية خيار المقاومة، وبالوسائل المتاحة مهما اختلت موازيين القوى مع الاحتلال، وحتى لو أحاطت القضية الفلسطينية كافة أشكال الخذلان بشتى أنواعه محلياً وإقليمياً.

وكشفت أن الاحتلال لا يريد تسوية؛ إنما يريد شراء الوقت لتحقيق استراتيجية باستكمال السيطرة على الأرض الفلسطينية من خلال الاستيطان وتهويد القدس والأقصى.

والرسالة الأهم التي تبعثها الانتفاضة الحالية هي أن الشعب الفلسطيني دائماً يسبق قياداته، والشباب المنخرط في انتفاضة القدس يعبِّر عن إرادة فلسطينية جامحة لمواجهة الاحتلال حتى في حالة انغلاق الخيارات لدى الفصائل، أو بشكل أدق لدى قيادة السلطة.

سادساً: تأثيرات الانتفاضة على الجانب الإسرائيلي ومواقف مكوناته منها:

1. في المجال السياسي:

كان الاعتقاد السائد في المحافل الإسرائيلية أن الانتفاضة الحالية ستخبو سريعاً نظراً للبيئتين الفلسطينية والإقليمية السائدتين، إلا أنها فاجأت الجميع باستمرارها. وقد أدى تصاعدها النسبي منذ انطلاقتها، وطغيان السمة الفردية لمفاعيلها، إلى إرباك الوسط السياسي الإسرائيلي، مع تباينات حادة بين مكونات ائتلاف الحكومة اليمينية، وكذلك أحزاب المعارضة.

فأحزاب اليمين المتطرف داخل الحكومة وعلى رأسها “البيت اليهودي” ترى ضرورة الاستمرار في الاستيطان وبرنامج تقسيم الأقصى بالرغم من أجواء الانتفاضة الضاغطة، وبعضهم يدعو لاجتياح الضفة على نسق عملية السور الواقي التي قام بها شارون في الانتفاضة السابقة، ويعدُّ الوزير بنيت زعيم حزب البيت اليهودي من أشد الأطراف ضغطاً على نتنياهو بهذا الشأن.

وقلب الائتلاف (حزب الليكود) يبدو منقسماً تجاه الانتفاضة إلى حدّ ما، لكن زعيمه نتنياهو يسعى لاحتواء الانتفاضة عبر المواجهة بوتائر منخفضة تتضمن أساليب العقاب الجماعي، وتغيير قواعد إطلاق النار للجنود الذين يحتكون بالفلسطينيين، واتباع سياسة فرق تسد مع المناطق الفلسطينية؛ بمكافأة المناطق الهادئة، وعقاب المناطق التي يخرج منها ناشطون.

وكذلك محاولة مساومة قطاع من التجار الفلسطينيين بتحفيزهم لانتقاد فعاليات الانتفاضة والإسهام في تعطيلها مقابل إعطائهم تراخيص دخول للأراضي المحتلة سنة 48. والتنسيق مع بعض الإعلاميين الفلسطينيين، وربما عبر نخب السلطة، لشيطنة الانتفاضة ووسائل عملها. كما قام نتنياهو بتصرف غير مسبوق يتمثل في حظر الحركة الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 48. وكذلك الضغط على السلطة من خلال قوى إقليمية لوقف الانتفاضة، بالإضافة للطلب من الإدارة الأمريكية للعمل على تخفيض التوتر، حيث بعثت الأخيرة وزير خارجيتها كيري إلى المنطقة الذي عمل على ترتيب تفاهمات بشأن الأقصى مع الجانب الأردني. وقد حاول نتنياهو تقديم بعض إجراءات حسن النوايا لدفع السلطة لوقف الانتفاضة، إلا أنه تراجع عن ذلك جراء ضغوط الوزير اليميني المتطرف بينت من حزب “البيت اليهودي”.

أما أحزاب المعارضة، فإن حزب المعسكر الصهيوني بزعامة هيرتسوغ ينتقد أداء نتنياهو في مواجهة الانتفاضة، ويدعو إلى التوجه لتسوية سياسية بمشاركة إقليمية —الحل الإقليمي— بغية الانفصال عن الفلسطينيين لإبعاد شبح الدولة ثنائية القومية. وحزب المعارضة الرئيسي الآخر “يوجد مستقبل” بزعامة يائير لبيد يتهم نتنياهو بالعجز في مواجهة الانتفاضة ويدعو كذلك لتشغيل مسار التفاوض. أما حزب “إسرائيل بيتنا” وخصوصاً زعيمه ليبرمان فيتهم نتنياهو بالضعف ويطالب بالعودة إلى سياسة الاغتيالات المركزة.

أما الآثار المباشرة للانتفاضة سياسياً فهي:

– وقف برنامج تقسيم المسجد الأقصى، ومنع الوزراء وأعضاء الكنيست من اقتحام المسجد لتنفيس الاحتقان.

– أسقطت الانتفاضة جدوى استراتيجية اليمين الصهيوني القاضية بإدارة الصراع دون حله، وزادت الضغوط على نتنياهو بضرورة تشغيل المسار السياسي من جهات مختلفة بما فيها أجهزة الأمن.

– أربكت الانتفاضة حسابات حكومة نتنياهو اليمينية، وأوجدت تباينات شديدة داخلها فيما يخص أسلوب التعامل مع الطرف الفلسطيني.

– زادت من حدة التباين بين المستوى السياسي والأمني بشأن التعاطي مع الجانب الفلسطيني، وتعاظمت حدة الاتهامات بالعجز بين الطرفين فيما يتعلق بمعالجة الانتفاضة والملف الفلسطيني برمته.

– ويدرس المستوى السياسي عدة خيارات لمعالجة الانتفاضة، من بينها تقديم تسهيل تنفيذ مشاريع بنية تحتية في مناطق السلطة، متعطلة منذ زمن بعيد.

2. في المجال الأمني:

وصل الحد بحكومة نتنياهو للإيعاز لوزير الأمن الداخلي جلعاد أردان باستدعاء 13 كتيبة من الاحتياط والزج بها في الضفة وأراضي الـ 48. وما زالت الانتفاضة بالرغم من انخفاض وتيرتها وخصوصاً في الحراك الشعبي، تشكل قلقاً بالغاً للأوساط الأمنية، والأخيرة تقدم تقديرات بشكل متكرر للمستوى السياسي بعدم وجود حلّ لمواجهتها بالوسائل الأمنية؛ وتوصي بالتوجه للمسار السياسي.

ويتفق الثالوث نتنياهو ويعلون وآيزنكوت على طريقة المعالجة للانتفاضة عبر الردود المحدودة بدون حملات واسعة، خشية استفزاز قطاعات جديدة من الشعب الفلسطيني ودفعها للانخراط في الانتفاضة.

وأبرز مضامين التقديرات الأمنية للمستوى السياسي بشأن الانتفاضة الحالية تتحدث عن: ارتفاع في وتيرة حالات إطلاق النار، وانخفاض في عمليات المواجهة الشعبية التي بدت تنحصر بأعداد أقل ومدة أقصر، وتلكؤ من قبل شبيبة فتح عن المشاركة فيها، وتشير التقديرات ذاتها لانخفاض عدد العمليات الفردية (طعن ودهس).

وعلى صعيد السلطة، ترصد التقديرات الإسرائيلية انخفاضاً في درجة التعبئة الإعلامية في الإعلام الرسمي للسلطة وخصوصاً فيما يخص المسجد الأقصى، وزيادة التنسيق الأمني في المستويات العليا، وتحرك الأجهزة الأمنية الفلسطينية في منع المواجهات، وزيادة في حالات الاعتقال للناشطين وخصوصاً من عناصر حماس.

ولكنها في الوقت ذاته تشير أنه بالرغم من تحسن أداء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، فإن السيطرة على العمليات الفردية غير ممكن. حيث الأجهزة الفلسطينية فاعلة في مواجهة الخلايا وشبكات المقاومة، وإحباط الحراك الشعبي فقط.

ولعل من أبرز تأثيرات الانتفاضة الأمنية ما يلي:

– تخوف قيادة أركان الجيش من استنزافه كما جرى في الانتفاضة السابقة، ومن تعرقل الخطة الخمسية للجيش التي أعدها رئيس الأركان آيزنكوت في بداية استلامه لمهام عمله.

– التوجه إلى تسمية الحراك الفلسطيني الحالي بالانتفاضة من جهة الاحتلال يستدعي تعزيز وتغيير وسائل معالجتها مما يفضي لتعاظم الكلف جراء مواجهتها.

– الاستنفار الأمني يرهق قوى الأمن والجيش ويضغط على ميزانيتهما.

– إعراب 77% من اليهود في دولة الاحتلال عن فقدانهم لأمنهم الشخصي يعني أن مستوى الأمن الشخصي قد تدنى إلى مستويات مقلقة. خصوصاً أنه في ذروة بعض الأحداث تتعطل وسائل النقل العام، وحتى مرافق التعليم، ومعظم مفاصل الاقتصاد كما جرى في القدس وتل أبيب.

– مخاوف المستوى السياسي من انهيار السلطة، وزوال التنسيق الأمني الذي يعدّ من أعظم الأدوات الناجعة لتوفير الأمن لدولة الاحتلال.

– مركز العالم العربي “أوراد” أعلن في استطلاع رأي في 10/12/2015 أن 86% من الفلسطينيين يؤيدون الهجمات المسلحة، 53% منهم يؤيدون الكفاح المسلح كحل لإنهاء الاحتلال. وهذا المزاج الفلسطيني المقاوم يخيف المستوى الأمني الإسرائيلي ويضاعف من قلقه.

3. في المجال الاقتصادي:

لعل من أوضح تأثيرات انتفاضة القدس هو تأثيرها على الاقتصاد الإسرائيلي، ابتداء بالقطاع السياحي ومروراً بالسلع، والبورصات، والاستثمار، والأسواق التجارية، والمطاعم، والمقاهي، ووصلت درجة التأثير في بعض المناطق كغربي القدس إلى نحو 70%.

ويشير الإعلام العبري ومن بينه صحيفة “مكور ريشون” بأن خسارة الشهر الأول من الانتفاضة تقدر بخمسة مليارات شيكل (نحو 1.3 مليار دولار) من الدخل القومي العام، ومعظمه من تراجع السياحة التي انخفضت إيراداتها وخصوصاً في القدس إلى ما يقارب من مستوى 50%. بما يعني خسارة الاقتصاد الإسرائيلي أكثر من عشرة مليارات شيكل (نحو 2.6 مليار دولار) في شهري تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر من السنة الفائتة.

ومن الخسائر المباشرة اضطرار الحكومة الإسرائيلية إلى تحويل أربعة مليارات شيكل (نحو مليار دولار) لنفقات الجيش بداية الانتفاضة. وانخفاض دخل الحكومة من الضرائب بنحو 1.5 مليار شيكل (نحو 0.4 مليار دولار). وما يعنيه ذلك من تهديد بدخول الاقتصاد الإسرائيلي في حالة من الركود. ولوحظ تراجع إقبال الفلسطينيين بنسبة 17% عن شراء البضائع الإسرائيلية، وانخفاض قيمة الشيكل أمام الدولار. وتقول خبيرة الاقتصاد إيليت نير إن فقدان السكان للأمن انعكس على خروجهم من المنازل مما ألحق أضرارا بالغة بالأسواق. وفاق تأثير الانتفاضة حالياً على الصعيد الاقتصادي الحرب على غزة سنة 2014.

سابعاً: الخيارات الإسرائيلية لمواجهة انتفاضة القدس:

مسار انتفاضة القدس حتى كتابة هذه السطور يبدو غامضاً، بالرغم من هبوط وتائرها على صعد مختلفة باستثناء العمليات النوعية التي تصاعدت مؤخراً. والتقدير المرجح هو استمرارها على الوتيرة الحالية في المدى القريب، مالم تشعلها وتصعدها أحداث دراماتيكية مفاجئة.

ومن جهة الاحتلال؛ فيعتمد توجه الحكومة الإسرائيلية في معالجة الانتفاضة على درجة تطورها وتصاعدها بالدرجة الأولى، وتفاعلات الائتلاف الحكومي، وحجم ضغوط الجمهور الإسرائيلي، فضلاً عن الضغوط الدولية في حال تصاعدها.

وأمام الحكومة الإسرائيلية الخيارات التالية في معالجتها:

الخيار الأول: اجتياح كامل الضفة الغربية أو بعض مناطقها، والبقاء فيها لمدة تصل لعدة أشهر، لإدارة الأزمة بانتظار انحسارها. وهذا الخيار:
• خيار كانت تدفع إليه بعض قوى اليمين، ومن ثمَّ تراجع جزء منها عن المطالبة به، لعدم جدواه.
• مسارٌ لا فعالية له، ولا يعدُّ حلاً ناجعاً؛ لأنه لا وجود لأهداف منظورة يمكن مهاجمتها والسيطرة عليها.
• قوى الأمن والجيش ومعظم الساسة لا يؤيدون هذا الخيار لعدم فاعليته، ولتخوفهم من أن يؤدي إلى زيادة وتيرة الانتفاضة بدلاً من وقفها.

الخيار الثاني: انسحاب أحادي من بعض المناطق بالضفة الغربية ودون اتفاق مع السلطة الفلسطينية على نسق خطة شارون في غزة، مع ضمّ الكتل الاستيطانية الكبيرة، وإبقاء مناطق واسعة من منطقة ج لصالح الاحتلال. وأبرز الملاحظات على هذا الخيار:
• بالرغم من أن أمريكا ستدخل في أجواء الانتخابات وستنشغل بها عن المنطقة، ومع أن البيئتين الدولية والإقليمية منشغلتان عن الملف الفلسطيني، إلا أن تنفيذ هذا الخيار سيلاقي مصاعب ليست بالهيّنة، مع أن بعض أطراف اليمين تزينه لنتنياهو.
• ما زالت مفاعيل الانتفاضة غير ضاغطة لدرجة تجبر الحكومة الإسرائيلية على التوجه نحو هذا الخيار.
• جزء من الخيار وهو الضم يروق لليمين المشارك في الائتلاف، لكن الجزء الآخر المتعلق بالانسحاب الأحادي غير مقبول، وبالتالي يعتمد تمرير هذا التوجه على قدرة نتنياهو في إقناع شركائه به.
• هذا المسار على الأغلب سيؤجج الحالة الفلسطينية ويشعلها أكثر.

الخيار الثالث: الهجوم على جبهة غزة لتسليط الأضواء على قطاع غزة، بهدف تجاوز الانتفاضة في الضفة الغربية والتغطية عليها. وهذا الخيار:
• تكاليفه عالية عسكرياً، ولا تؤيده المؤسستان الأمنية والعسكرية حتى كتابة هذه السطور.
• إن عدم سدّ الثغرات التي ظهرت في الجيش والتي أنتجتها حرب 2014 حتى الآن، لا تشجع على الدفع تجاه هذا الخيار.
• الأداء غير المشجع للاقتصاد الإسرائيلي حالياً يقلل أيضاً من فرص هذا التوجه كذلك.

الخيار الرابع: التساوق مع السلطة وتشغيل مسار التسوية لامتصاص الاحتقان وتنفيس مفاعيل الانتفاضة، ولتشجيع السلطة على بذل جهود أكبر لوقف الانتفاضة. وأبرز المعطيات أن:
• مكونات الائتلاف الحكومي اليميني الحالي غير جاهزة لهذا المسار.
• عدم قناعة واشنطن بجدوى هذا المسار في ظلّ وجود الحكومة الإسرائيلية الحالية.
• ضعف قيادة السلطة الفلسطينية، وعدم قدرتها على تسويق مشروع تسوية منخفض السقف يتواءم مع متطلبات اليمين.

الخيار الخامس: معالجة الانتفاضة من خلال مواجهة متوسطة المستوى بمراوحة بين الضغط والاحتواء والرهان على السيطرة عليها بهذا التكتيك. وأبرز الملاحظات أن:
• المعطيات في الميدان تؤشر أن هذا هو المسار المعتمد حتى الآن.
• هذا الخيار يوفر لنتنياهو فرصة مركبة تجمع بين الاحتفاظ بائتلافه الحكومي، ومعالجة الانتفاضة بكلف معقولة، وفي الوقت ذاته مقاومة تشغيل المسار السياسي الذي تطالب به بعض قوى المعارضة والأجهزة الأمنية.
• يعد أقل كلفة من غيره من الخيارات الأخرى سياسياً وعسكرياً.

الخلاصة:

تتراوح خيارات نتنياهو بحسب المعادلة القائمة الآن بين الاستمرار على الخيار الحالي وهو مسار الضغط والاحتواء، وبين التوجه لتشغيل مسار التفاوض، والمسار الأخير لن يندفع إليه إلا حينما تتصاعد الانتفاضة إلى مديات أعلى، وفي حال توفير قاعدة توافقية له داخل ائتلافه الحكومي، وربما توسيع أو تعديل ائتلافه في الحالة القصوى. ومن المستبعد في الوقت الراهن أن يلجأ نتنياهو للهروب إلى الأمام من خلال التصعيد على جبهة قطاع غزة، إلا إذا تصاعدت الانتفاضة بشكل شامل، وأفرزت ضغوطاً لا يمكن تجاوزها، ولم يتمكن في الوقت نفسه من إقناع ائتلافه بتشغيل مسار التفاوض.

التوصيات:

1. الدعوة إلى تعميق الوحدة الوطنية باتجاه دعم الانتفاضة وتقويتها.

2. دعوة قيادة السلطة الفلسطينية إلى وقف التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي، وعدم القيام بأي إجراءات من شأنها إضعاف الانتفاضة وتعطيلها ومنع انتشارها.

3. الدعوة إلى دعم صمود الشعب الفلسطيني وانتفاضته في وجه الاحتلال عربياً وإسلامياً ودولياً.

 

المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات  

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

التحية لشيخ الأقصى رائد صلاح في عرينه

الثلاثاء 29 آب 2017 - 3:39 م

  هناك رجال غيّروا التاريخ وأعطوا برهانهم فصدقوا ما عاهدوا الله عليه وصدّقوا، قرنوا أقوالهم بأفعالهم في زمن عزّ فيه الرجال ثم مضوا في طريق الحق لا يخافون في الله لومة لائم، رجال إذا ذكر الوطن ذكروا وم… تتمة »