الموقف الإسرائيلي من تقسيم المسجد الأقصى


تاريخ الإضافة الأربعاء 24 كانون الأول 2014 - 11:11 ص    عدد الزيارات 17456    التحميلات 1224    القسم تقدير موقف

        


الموقف الإسرائيلي من تقسيم المسجد الأقصى

9/12/2014

 

 د. عدنان أبوعامر

أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأمة-غزة 

مقدمة

تزاحمت التصريحات الإسرائيلية الأخيرة، وتمحورت حول فكرة تقسيم المسجد الأقصى، حيث تناوب مسؤولون سياسيون ونواب ووزراء ومستشارون قانونيون وقادة أمنيّون ورجال دين يهود على التصريح بأن الوقت قد حان لحسم مسألة "حق اليهود في الصلاة في جبل المعبد".

ولم يكن سرًّا أن الطموح الإسرائيلي منذ احتلال شرقي القدس في حرب الخامس من حزيران/يونيو 1967، سعى لتقسيم المسجد الأقصى ابتداءً، وربما هدمه لإقامة المعبد المزعوم انتهاءً، مشفوعًا بفتاوى حاخامية وانتهازية سياسية لهذه النصوص الدينية البالية.

ويبدو مهمًا في صدر هذا التقدير الإشارة إلى إجراءات "إسرائيل" طوال العقود الماضية التي أعقبت ضم شرقي القدس عقب احتلالها عام 1967، وشروعها في إصدار سلسلة قوانين وأنظمة لتغيير ملامحها من مدينة فلسطينية عربية إسلامية الى إسرائيلية يهودية، بما في ذلك مصادرة نحو 70% من أراضيها، وتوسيع حدودها من 5.6 كم2 إلى 70 كم2، كلها إجراءات تمهيدًا كما يبدو لتقسيم المسجد الأقصى، تحقيقًا لنبوءات توراتية، وربّما وصولاً لهدمه، وإقامة "المعبد" على أنقاضه.

وقد بدر عن المؤسسة الإسرائيلية بشقيها السياسي والأمني العديد من الإجراءات والممارسات التي هدفت لجسّ النبض الفلسطيني والعربي لإمكانية الإقدام على سيناريو تقسيم المسجد الأقصى، تمثل أخطرها في الاقتحام الاستفزازي الذي قام به أريئيل شارون أواخر أيلول/سبتمبر 2000، وأسفر عن اندلاع انتفاضة الأقصى.

 

أولاً: الدّعوات المؤيدة لتقسيم الأقصى

يسعى العديد من الوزراء الإسرائيليين في الحكومة لتغيير الواقع في المسجد الأقصى من خلال التذرّع بإتاحة حرّية العبادة لليهود. ومن الأهمّية بمكان أن ننظر إلى المخطط الإسرائيلي الهادف لتقسيم الأقصى، تمهيدًا لهدمه، كما جاء في نموذج مدينة القدس الذي قدمه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون عام 1996، وقد ألغى منه المسجد الأقصى قائلاً: "إسرائيل تحلم برؤية القدس وفق هذا النموذج".

لكن الأشهر الأخيرة، وتحديدًا في النصف الثاني من عام 2014، شهدت تصعيدًا من السلوكيات الإسرائيلية، الرسمية وغير الرسمية، تجاه تحقق سيناريو تقسيم المسجد الأقصى، وقد أخذ ذلك جملة من الإجراءات والتعابير الواضحة، من أهمها:

1- ادّعاء حاخام الجيش الإسرائيلي رافي بيرتس ألا شرعية لوجود المسلمين في المسجد الأقصى، فليس في القرآن ذكر واحد لكلمة القدس، ولا حتى تلميح، والمسجد الوحيد الذي تعزى له قدسية هو أقصى مكة في الجزيرة العربية.[1]

2- تشديد القيود العمرية على المصلين المسلمين ومنع من هم تحت الأربعين، ثم الخامسة والأربعين، وأخيرًا الخمسين عامًا من الصلاة في الأقصى في كثير من الأحيان والتضييق على المصلين عمومًا ولا سيما خارج أوقات الصلاة وصولاً لإخراجهم من المسجد بالقوة، فضلاً عن وضع قيود هائلة على سكان الضفة الغربية وقطاع غزة من الوصول هناك.

3- يشهد الكنيست الإسرائيلي جهودًا حثيثة لطرح مشروع قانونٍ جديد للتصويت يُتيح تقاسم المسجد الأقصى، زمانيًا ومكانيًا، بين اليهود والمسلمين، بعدما استكملت لجنة الداخلية البرلمانية بلورته مؤخرًا، بصلاة اليهود في الأقصى، عبر مقترح مساواة الحق في العبادة لليهود والمسلمين فيه، وتخصيص مكان ومواعيد محددة لصلواتهم وأداء شعائرهم وطقوسهم التلمودية.[2]

4- قدّمت رئيسة لجنة الداخلية والبيئة ميري ريغف (ليكود) مشروع قانون يهدف لتغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى، والسماح لليهود بالصلاة في باحاته، وطرحت ريغف المشروع بالاشتراك مع عضو حزب العمل حيلك بار أواسط العام الحالي 2014، لكن الأخير سحب توقيعه عن المشروع بعد ممارسة الضغوط عليه من قبل حزبه.

وقالت ريغف إنها تنوي مواصلة دفع القانون فور بدء الدورة الشتوية، وإذا لم تنجح بذلك فستدرس إمكانية التوجه إلى المحكمة العليا كي تأمر بفتح المسجد أمام المصلين اليهود[3].

5- طرحت جماعة "منهيغوت يهوديت" أي "زعامة يهودية" التابعة لنائب رئيس الكنيست وعضو الليكود موشيه فيغلين مشروع قانون فرض السماح للمستوطنين بدخول المسجد الأقصى للصلاة من جميع بواباته على مدار الأسبوع عدا يوم الجمعة وبعض الأعياد اليهودية وأعياد المسلمين إلا في حال صدور قرار آخر عن وزير الأديان.

وينص مشروع القانون على نشر اليهود ليافطات مكتوب عليها أن المكان مقدس ومقام على أنقاض "المعبد"، وتحظر الشريعة اليهودية الدخول إليه دون ترتيبات واستعدادات خاصة، ويمنع عليهم لعب الكرة والاستهزاء بداخله، وسيوزع المستوطنون خلال دخولهم للأقصى هذه اليافطات في أنحائه.

ويسمح مشروع القانون، بالصلوات اليهودية بشكل جماعي في الجزء الشرقي من ساحات الأقصى، في حين يعتبر المسجد وساحاته منطقة مقدسة للشعب اليهودي، الذي هجر عن أرضه المقدسة لأكثر من ألفي عام، ومن حقه الصلاة في المكان الأكثر قدسية لديه، وهو مكان بناء "المعبد الأول والثاني"[4].

6- أعلنت جمعيات استيطانية إقامة صندوق لجمع تبرعات من الجاليات اليهودية في جميع أنحاء بالعالم، والترويج للفكرة، وتسويقها عالميًا من خلال فيلم يجسد عمليات "بناء المعبد" بعد هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

وكشف المدير الدولي لـ "معهد المعبد" الحاخام حاييم ريتشمان النقاب عن تحضير خرائط تفصيلية لمباني "المعبد"  بإيعاز من رئاسة الوزراء الإسرائيلية، وستقدم للمصادقة عليها من قبل لجان التنظيم والبناء الإسرائيلية[5].

7- تزايد الاعتداءات والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى من قبل المستوطنين، وتضييق غير مسبوق تمارسه المؤسسة الإسرائيلية، السياسية والأمنية والعسكرية، على المصلين خلال شهر رمضان الماضي، ومنع من هم دون الخمسين عامًا من فلسطينيي 48 من دخول المسجد الأقصى والصلاة فيه.

ووفق إحصائيات شبه رسمية، فقد اقتحم أكثر من 8100 مستوطن المسجد الأقصى منذ مطلع العام الحالي 2014، وأكثر من ألفي مستوطن خلال شهر رمضان وحده ولم يتمكن أكثر من مئة ألف مسلم من الصلاة بالأقصى أيام الجمعة وليلة القدر، مقارنة بنحو مليون ونصف مليون تمكّنوا من الصلاة والاعتكاف العام الماضي[6]. وفي مقابل ذلك، فقد تزايدت اقتحامات جنود الاحتلال ضمن "جولات الإرشاد والاستكشاف العسكري"، لتثبيت الوجود اليومي لليهود في ساحات الأقصى.

وقد خصص الاحتلال ولأول مرة منذ احتلال القدس 10% من الوقت على مدار الأسبوع لليهود لإقامة الشعائر التلمودية بساحات الأقصى، ومنع الفلسطينيين من الوصول إليه، بحيث يضطرون للصلاة في أزقة وأسواق المدينة المقدسة.

ورغم تراجع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن التغييرات التي يسعى اليمين الإسرائيلي لإحداثها في المسجد، بعد ضغط الأردن والولايات المتحدة، فإن ملف الأقصى سيبقى على رأس اهتمامات المؤسسة الإسرائيلية.

وإذا تركت الأوضاع على ما هي عليه، بحيث يواصل اليمين سياسة تهويده للقدس، فيمكن القول اليوم أكثر من أي وقت مضى إن "الأقصى في ذروة الخطر"، فاليمين يفهم أن نتنياهو قائد ضعيف يتصرف وفقًا لمستوى الضغوط عليه، لا سيّما وقد دخل الإسرائيليون هذه الأيام بازار الانتخابات والمزاودات الحزبية.

وفي الوقت الذي تحدث نتنياهو عن إبقاء الوضع القائم في الأقصى على ما هو عليه، خشية غضب الأردن، واستدعائه لسفيره في "تل أبيب"، فقد أعلن وزير الإسكان أوري أرئيل أن الوضع الراهن في المسجد الأقصى سيتغير، فيما قام النائب موشيه فيجلين من حزب الليكود بعدّة اقتحامات للأقصى، وأعلن أن الهدوء سيرجع فقط إذا أعلنت الحكومة عن تقسيم المسجد، وتحديد مواعيد صلاة لليهود.

ومن المهم الإشارة إلى أن أقطاب هذا اليمين الإسرائيلي هم نواة قوية وأساسية في حكومة نتنياهو وائتلافه الحاكم، قبيل الدعوة لانتخابات المبكرة، ولا يمكن تجاهلهم، كما لم يتجاهلهم في قضايا استيطانية وتهويدية أخرى، وخاض المعارك إلى حد افتعال أزمة في العلاقات مع الولايات المتحدة، لإرضائهم، بخاصة في ما يتعلق بالبناء الاستيطاني.

صحيح أن الأردن تدخل ولعب دورًا جديًا في تغيير الموقف الإسرائيلي حول إجراء تغييرات في الأقصى، لكن اليمين يصعد معركته، ويعد خطة متكاملة متوقع أن يستخدم فيها الضغوط المكثفة على نتنياهو، وإخضاعه لمطالبه.

وقد رأت نائبة وزير المواصلات تسيفي حوتوفلي أن الحكومة طالما لم تعالج مسألة صلاة اليهود في الأقصى، فإنها تفتقد إلى القلب، وعلى كل أعضاء الكنيست القوميين وأنصار حقوق الإنسان الوقوف في جبهة واحدة لتغيير الوضع الراهن، والسماح لليهود بالصلاة في الأقصى، فلا يمكن أن يدفعوا الثمن عندما يحدث الخطر.

فيما زعم عضو الكنيست اليميني آرييه إلداد، أن الوقف الإسلامي سيطر على القاعات الجوفية الضخمة 4 دونمات في الأقصى، المعروفة باسم "اسطبلات سليمان" وحولها لأكبر مسجد في "إسرائيل".

 

ثانيًا: الرافضون "مؤقتًا" لخيار تقسيم الأقصى

1- نفى الناطق باسم الحكومة الإسرائيلية أوفير جندلمان طرح مشروع قانون لتقسيم المسجد الأقصى، لأن إسرائيل تحافظ على الوضع القائم في الأماكن المقدسة في القدس[7].

2- أوساط إسرائيلية نافذة في مستويات صنع القرار الإسرائيلي تتخوف من تبني أي قرار لتقسيم الأقصى، بسبب احتمالية إشعاله حالة من "العنف" تمتد للمنطقة بأسرها.

3- المؤسستان الأمنية والعسكرية في "إسرائيل"، لا سيما الشاباك والجيش، يؤكدان أن الحديث عن تقسيم الأقصى، وتكرار اليهود اقتحامه، سيؤدي لاندلاع موجة هجمات تفجيرية واحتجاجات جماهيرية واسعة النطاق لتصل إلى مستوى انتفاضة ثالثة، ولذلك فهي تعارضتكثيف الاقتحامات من قبل الجماعات اليهودية، وتأدية الطقوس التوارتيّة في المسجد الأقصى، مخافة اندلاع جولة تصعيد جديدة.

واعتبر قائد الشرطة الإسرائيلية يوحنان دانينو أن وصول كل يهودي لساحات الأقصى، باعتبارها ساحات لـ "جبل المعبد" اليهودي يعتبر خطوة خطرة جدًا، ومتقدمة جدًا نحو تقسيم المسجد الأقصى[8].

هذه الأصوات التي تبدو رافضة لتكثيف اقتحامات الأقصى تمهيدًا لتقسيمه لا تناقش في أصل "الحقّ اليهودي" بـ "جبل المعبد" ولكنّ تصريحاتهم هذه تأتي في سياق المطالبة بالتّروّي والتدرّج لتحقيق هدف التّقسيم منعًا لردّات فعل يصعب السيطرة عليها.

 

 ثالثًا: جهود منع تطبيق قرار التقسيم

1- ضرورة أن تشرع السلطة الفلسطينية بخطوات جدية لمنع إعطاء غطاء للسلوك الإسرائيلي، سواء من خلال القنوات السياسية الدبلوماسية، أو عدم إجراء أي مفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية كيلا تمنحها فرصة كسب مزيد من الوقت.

2- إجراء اتصالات فلسطينية مكثفة ومباشرة مع الديوان الملكي الأردني، لمنع تمرير قانون تقسيم الأقصى، وكبح جماح تزايد الإجراءات الاستفزازية الإسرائيلية في المسجد، وقد تم تزويد الأردن بالتفاصيل المتعلقة بهذا القانون، وبالأحداث والتطورات الحاصلة على صعيد المسجد الأقصى.

3- تفعيل البعد القانوني الدولي، الخاص بحماية الأماكن المقدسة لأتباع الأديان، ومخاطبة الجهات الدولية، والإيضاح لها أن الانتهاكات الإسرائيلية تسعى لتغيير الوضع القائم.

ويبدو من الواضح أن تقديم مثل تلك القوانين الخاصة بتقسيم المسجد الأقصى للمصادقة عليها من جانب الكنيست، يؤكد أن الحكومة الإسرائيلية خضعت لجمعيات وأجسام يهودية متطرفة، يتبنى أفكارها وزراء وأعضاء كنيست، وأصبحت الحكومة تشكل غطاء لها، لتنفيذ مخططاتها واقتحاماتها للأقصى، وتوفر لها الحماية من قبل الشرطة التي تحوّلت إلى إحدى أذرع المستوطنين.

كما أن مقدمي اقتراحات تقسيم المسجد الأقصى، قد لا يكون همهم المسجد مباشرة، بقدر ما هو محاولة من هذه الشخصيات لتقوية نفسها أمام حزبها وأمام الرأي العام الإسرائيلي، لا سيّما مع بدء الحديث عن إجراء انتخابات مبكرة في غضون 3 أشهر.

أما عند السؤال: هل ستتم المصادقة على هذه القوانين أم لا؟ فإن تمريرها والمصادقة عليها ليس أمرًا صعبًا، فالكنيست بهيئته الحالية المتطرفة مهيّأ للمصادقة على أشد القوانين عنصرية، رغم مساعي أعضائه العرب لمنع ذلك، وقد نشهد برلمانًا إسرائيليًا قادمًا أكثر عنصرية.

 

رابعًا: استشراف المستقبل

يشير ما تقدم من استعراض المواقف الإسرائيلية، المؤيدة والمعارضة لتقسيم المسجد الأقصى، أننا بصدد الإجابة عن أسئلة غاية في العمق كلها تثير القلق، ومنها: إلى أي حدّ تعكس هذه التصريحات جدية الاحتلال بتنفيذ مخططه بتقسيم الأقصى، وهل نضجت الظروف السياسية والدينية والأمنية والقانونية لدى الاحتلال لتنفيذ التقسيم، وهل يستطيع الاحتلال تجاهل التداعيات وردود الفعل المتوقعة، وكيف يمكن أن نصنف هذه التصريحات التي قد تأتي في إطار المناكفات السياسية، ومدى توفر سيناريوهات متوقعة لفرض التقسيم بعيدًا عن الإقرار الرسمي في الكنيست، وما هي الأسباب التي تقف وراء تصاعد الاقتحامات، وفي النهاية أين تتجه الأمور؟

لا يمكن الحصول على إجابة دقيقة للأسئلة السابقة وسواها، دون الأخذ بعين الاعتبار التطورات الإسرائيلية المتلاحقة، وأهمها قرار حل الكنيست، وإقالة عدد من وزراء الائتلاف الحكومي، والإعلان عن انتخابات مبكرة يوم 17/3/2015.

 القراءة الأولية للمشهد الإسرائيلي تشير إلى أننا أمام موسم انتخابي حامي الوطيس، وارتفاع متوقع لحظوظ اليمين بشقّيه: القومي والديني، أمام تراجع مطرد لتيارات الوسط وما تبقى من اليسار، ومن الوارد أن يستخدم اليمين الإسرائيلي كل أوراقه الانتخابية المتوقعة لنيل النصيب الأكبر من أصوات الناخبين.

وستكون مسألة تقسيم المسجد الأقصى على رأس الأجندة الانتخابية الإسرائيلية في الأيام الـ100 القادمة، ونحن نشهد ائتلافًا متوقعًا لأحزاب اليمين: "إسرائيل بيتنا، البيت اليهودي، وربما حركة شاس"، وكلها تعتبر تقسيم الأقصى، تمهيدًا لإزالته، وإقامة "المعبد"، أبجديات أساسية في برامجها السياسية، ومنطلقًا محوريًا في استقطاب المزيد من العناصر والمؤيدين.

الأخطر من ذلك، أن مسألة تقسيم الأقصى تعتبر مادة دسمة للمزايدة الانتخابية لأحزاب اليمين الإسرائيلي على المنافس الأكبر حزب الليكود، الذي لا تختلف نظرته للمسجد عن تلك الأحزاب، لكن ربما تحكمه اعتبارات سياسية لها علاقة بعدم إغضاب الإدارة الأمريكية والدول العربية الحليفة.

ولذلك يمكن القول إنّ التوجه الإسرائيلي بإمكانية تقسيم المسجد الأقصى فكرة جادة وجدية، والتهيئة الإسرائيلية لها منذ أشهر ليست عفوية أو عشوائية أو اعتباطية، بل مستندة إلى مخطط يجري إعداده على نار هادئة، بانتظار ملاءمة الظروف الداخلية: الإسرائيلية والفلسطينية، والخارجية: العربية والدولية.

وهنا قد يكون لنتائج الانتخابات الإسرائيلية القادمة في ربيع 2015 تأثير مفصلي في رؤية تحقيق التطلّع الإسرائيلي لتقسيم الأقصى، لا سيما أنّ استطلاعات الرأي الأولية تمنح اليمين الإسرائيلي تقدّمًا مبكّرًا، وهو ما يجعلنا نتهيأ منذ الآن لرؤية أفيغدور ليبرمان أو نفتالي بينيت رئيسًا للحكومة الإسرائيلية القادمة.

ولن يكون بإمكان أحدهما تشكيل ائتلاف حكومي إلا بتوليفة يمينية دينية متطرفة، مما يفسح المجال لسن قوانين وإصدار تشريعات تعجل من تقسيم الأقصى، وتجعله حقيقة واقعة.

ولئن كان بالإمكان الحديث عن مناكفات سياسية ومزاودات حزبية بين القوى الإسرائيلية، لكن ما شهده الكنيست واللجان البرلمانية فيه خلال الدورة الأخيرة تمنح هذه المناكفات حيّزًا متواضعًا قياسًا بالتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى لفرض تقسيم الأقصى، لا سيّما وقد شهدنا ائتلافًا حكوميًا مستقرًا بعض الشيء، ولم يكن لتكرار طرح التقسيم دور كبير في انفراط عقده.

وهذا يعني أن التوجه الإسرائيلي نحو تقسيم الأقصى قد يحظى بموافقة عامة، وليس إجماعًا سياسيًا وأمنيًا، وعملية حشد التأييد الداخلي له منوطة باعتبارات كثيرة لعل من أهمها رد الفعل الفلسطيني والعربي، وهو ما تم قياسه خلال أحداث هبّة القدس خلال شهري تشرين أول/أكتوبر وتشرين ثانٍ/نوفمبر 2014، وكان إلى حد ما مستوعبًا، وقابلاً للامتصاص إسرائيليًا.

ولئن شكل الاقتحام الاستفزازي الذي قام به أرئيل شارون أواخر أيلول/سبتمبر 2000، للأقصى، سببًا مركزيًا لاندلاع انتفاضة الأقصى، في ضوء توفر جملة من العوامل الداخلية والخارجية التي احتاجت فقط صاعقًا فجر فتيل المواجهة، لكن عشرات الاقتحامات التي يقوم بها المستوطنون اليهود يوميًا للمسجد الأقصى شكلت توجهًا إسرائيليًا مقصودًا لجسّ النبض الفلسطيني والعربي.

ولذلك فإنّ القراءة الاستشرافية المتوقعة في قادم الأيام والأسابيع تجعلنا نرجّح تزايد اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، سواء لاستمرار ذات التوجه بالتّمهيد لتقسيمه، أو تحويل الأقصى بازارًا لتسجيل النقاط الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية على بعضها.

ولكن في كل الأحوال يبقى هناك أمران لا يمكن القفز الإسرائيلي عنهما، وهما:

1- عدم إمكانية سن قوانين تشرعن تقسيم الأقصى، على الأقل إلى حين انتخاب كنيست جديد، وهذا يعني الانتظار إلى ما بعد آذار/مارس 2015.

2- بقاء المعارضة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية لأي توجهات دينية بتقسيم الأقصى، خشية من انفجار انتفاضة ذات بعد ديني في الضفة الغربية والقدس، وهذا ما لا تقوى الأوساط الأمنية والاستخبارية على تقدير عواقبه الميدانية.

الخلاصة، أننا أمام قرار إسرائيلي تدريجي نحو تقسيم الأقصى، زمانيًا أو مكانيًا، رغم خطورة مثل هذه الخطوة، لكن "إسرائيل" قد لا تجد أفضل من هذا التوقيت الفلسطيني والعربي لتمرير مثل هذه الاستدارة التاريخية الخطيرة على مستقبل المسجد الأقصى، لأن الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون قد لا يمنحهم كثيرًا من أوراق الضغط على "إسرائيل" لمنعها من ارتكاب مثل هذا الفعل الذي خططت له منذ احتلال شرقي القدس عام 1967.

 

 

الهوامش


[1] هآرتس، 28-11-2014.

[2] معاريف، 19-10-2014.

[3] الإذاعة العبرية، 18-5-2014.

[4] القناة السابعة للمستوطنين، 20-10-2014.

[5] موقع ويللا الإخباري، 22-9-2014.

[6] بالإحصائيات والأحداث والأرقام: المسجد الأقصى: اعتداءات احتلالية غير مسبوقة ومرحلة فارقة، مؤسسة الأقصى للوقف والتراث، 11-8-2014.

[7] موقع ويللا الإخباري، 21-10-2014.

[8] القناة العبرية الثانية، 16-9-2014.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

التحية لشيخ الأقصى رائد صلاح في عرينه

الثلاثاء 29 آب 2017 - 3:39 م

  هناك رجال غيّروا التاريخ وأعطوا برهانهم فصدقوا ما عاهدوا الله عليه وصدّقوا، قرنوا أقوالهم بأفعالهم في زمن عزّ فيه الرجال ثم مضوا في طريق الحق لا يخافون في الله لومة لائم، رجال إذا ذكر الوطن ذكروا وم… تتمة »