القدس تحت الاحتلال

تاريخ الإضافة الإثنين 21 كانون الثاني 2008 - 1:36 م    عدد الزيارات 17569    التعليقات 0

        

مدخل

منذ أنْ وقعت القدس في الأسر الصهيوني، بدأت تعيش واقعاً مأساوياً تتجلى مظاهره في شتى الميادين، جرّاء سياسة التهجير والمصادرات والتهويد التي جعلتها سلطات الاحتلال نهجاً ثابتاً لها، لفصل هذه المدينة ومحيطها عن عمقها الجغرافي والبشري والحضاري ، ولطمس هويتها العربية الإسلامية.

 

ومارست سلطات الاحتلال صوراً متعددة من التضييق والقهر ضدّ عرب القدس بهدف دفعهم إلى مغادرة المدينة. وتعكس الأوضاع العامة لهؤلاء العرب جوانب من المخطط الإجلائي الصهيوني ، وتقدّم دليلاً على أنّ معاناتهم بلغت حداً يفوق قدرتهم على التحمل. ومع ذلك يواصل عرب القدس وجودهم في مدينتهم الخالدة، ويصرّون على البقاء والصمود، في تحد واضح لذلك المخطط.

 

كيف تبدو صورة القدس تحت الاحتلال الصهيوني؟! تتطلع هذه الدراسة إلى رسم تلك الصورة.. ونرجو من الله التوفيق.

 

محافظة القدس.. صورة إحصائيّة

1) التوزع السكاني الراهن:

حسب التحديد الإداري الفلسطيني لمحافظة القدس، واستناداً إلى نتائج التعداد الفلسطيني الشامل (عام 1997م) ، بلغ عدد التجمعات السكانية في هذه المحافظة 51 تجمّعاً ، يقيم فيها 324105 نسمة ، أي نحو 18% من عدد السكان في الضفة الغربية، ونحو 11,5% من إجماليّ عدد السكان في المناطق الفلسطينية التي احتلت عام 1967م.

 

من أصل هذا العدد، كان يقيم نحو 210209 مقدسيين في الجزء من محافظة القدس، الذي ضمّه الكيان الصهيوني إليه عنوةً بعيد احتلاله للضفة الغربية عام 1967م (والذي لم تسمح السلطات الصهيونية للسلطة الفلسطينية بإجراء إحصائها فيه عام 1997م، فتمّ تقدير عدد السكان هناك استناداً إلى مؤشرات خاصة توفرت لدى السلطة)، ويشمل هذا الجزء الذي يرمز له ق1 التجمعات التالية (من الشمال إلى الجنوب/ كما هو مبين في الخارطة المرفقية): جزء من كفر عقب، جزء من بيت حنينا، شعفاط، مخيم شعفاط، العيسوية، الشيخ جراح، وادي الجوز، باب الساهرة، الطور والشياح والصوانة والثوري، بيت المقدس (المدينة القديمة)، وادي حلوة، سلوان، رأس العمود، أبو طور وجبل المكبر، السواحرة الغربية وأم ليسون، صور باهر وأم طوبا، بيت صفافا وشرفات والزهر، والباقي 113896 مقدسياً يقيمون في الجزء الذي يرمز له ق2- ضمن 31 تجمّعاً ( قرية وضاحية ومخيم واحد باسم مخيم فلنديا).

 

وفيما يلي تفصيلات حول أعداد السكان في تجمّعات محافظة القدس حسب نتائج التعداد الفلسطيني الشامل لعام 1967 م وتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لهذه الأعداد عام 2000 م:

 حدود أراضي محافظة القدسالتقسيم السكانيّ في القدس الشرقيّة

 

 

 

أسماء التجمعات العربية في محافظة القدس أعداد السكان (نسمة) 1997م 2000م رافات 1574 1745 كفر عقب 7715 8553 مخماس 1392 1543 مخيم قلنديا 6717 7446 جبع/ تجمع بدوي 64 51 قلنديا 855 948 بيت دقو 1186 1315 جبع 2400 2661 الجديرة 1572 1743 الرام وضاحية البريد 18967 21027 بيت عنان 3160 3503 الجيب 3400 3814 بيرنبالا 4516 5003 بيت اجزا 497 551 القبيبة 1533 1699 خرائب أم اللحم 276 306 بدو 4719 5231 النبي صموئيل 162 180 حزما 4518 5009 بيت حنينا (البلد) 1027 1139 قطنة 5555 6158 بيت سوريك 2829 3136 بيت اكسا 1163 1289 عناتا 7130 7904 الكعابنة/ تجمّع بدوي 723 802 الزعيم 1822 2020 العيزرية 12893 14293 أبو ديس 8975 9950 عرب الجهالين 893 990 السواحرة الشرقية 3861 4280 الشيخ سعد 1783 1977 مجموع ق2** 113896 126265 تقديرات ق1* 210209 228152 مجموع محافظة القدس 324105 354417 * ق1 تشمل الجزء الذي ضمّه الكيان الصهيوني إليه عنوة بعيد احتلاله للضفة الغربية عام 1967م. ** ق2 تشمل المنطقة الباقية من محافظة القدس.

 

يلاحظ من هذا الجدول أنّ السكان الفلسطينيين في المنطقة من القدس المحتلة التي ضمّها الكيان الصهيوني إليه عنوة بعيد احتلاله للضفة الغربية عام 1967م كانوا يشكّلون عام 1997م نحو 65% من مجموع سكان محافظة القدس (بالتحديد الإداري الفلسطيني)، وبإضافة أحياء العيزرية وأبو ديس والرام ومخيم قلنديا -وهي أكبر تجمّعاتٍ للسكان حول المدينة القديمة- تصبح نسبة الفلسطينيين في هذه المنطقة والتجمعات المذكورة نحو 80% من المجموع.

 

2) استعمالات الأراضي:

تبلغ مساحة الأراضي في مساحة القدس (بالتحديد الإداري الفلسطيني) أكثر من 323 ألف دونم، وتتوزع حسب نوع الاستعمال، كما يلي:

 

 

أنواع استعمالات الأراضي المقدسية المساحة (دونم) (%) المناطق المبنية الفلسطينية  19920 6,2% المناطق الواقعة تحت السيطرة الصهيونية 98802 30,6% المحميات الطبيعية 8676 2,7% الغابات 8609 2,6% المناطق الزراعية 21576 6,7% مناطق رعي، طرق، مناجم.. الخ  165480 51,2% المجموع 323063 100%

 

وهكذا تصل نسبة الأراضي المبيّنة من قِبَل الفلسطينيين والأراضي التي يزرعونها نحو 13% من مجموع مساحة المحافظة، بينما تشكّل المناطق التي يسيطر عليها الصهاينة نحو ضعفي وثلث هذه النسبة، وتشمل هذه المناطق المستعمرات الصهيونية والمناطق العسكرية المغلقة والقواعد العسكرية ومناطق مزروعة من قبل اليهود. وطبقاً للإحصاءات الجغرافية الفلسطينية، تصل حصة المواطن المقدسي حالياً من الأرض 1029,4 متراً مربعاً ، أيْ أقلّ من نصف المعدل الفلسطيني العام البالغ 2074,6م/ للفرد (3).

 

3) القدس القديمة.. معطيات رقمية:

يصل مجموع عدد السكان العرب واليهود في القدس القديمة الواقعة ضمن السور (أواخر العام 2000 م) نحو 35 ألف نسمة، يعيشون في أربعة أحياء رئيسة ويتوزّعون بالأعداد والنسب المئوية من المجموع كما يلي: (4)

 

 

أحياء القدس القديمة عدد السكان (%) الحي الإسلامي 22858 65% الحي المسيحي 5020 14% الحي اليهودي 2306 6,9% الحي الأرمنيّ 2304 6,9% غير ذلك 2512 7,2% المجموع 35000 100%

 

وتبلغ مساحة القدس القديمة (ضمن السور) نحو 871 دونماً (أي أقلّ من 1كم) تقسم حسب التصنيف المستخدم في الكيان الصهيوني إلى: أوقاف إسلامية 24%، ملكية عربية خاصة 28%، كنائس وأديرة 29%، ملكية يهودية (مصادرات) 19% (4).

 

يبلغ عدد الوحدات السكنية في القدس القديمة (ضمن السور) نحو 5568 وحدة، تتوزع كما يلي: الحي الإسلاميّ 3313، الحي المسيحيّ 1119، الحي الأرمنيّ 588، الحي اليهودي 548. وحسب تصريح لفيصل الحسيني (مسؤولٍ القدس في السلطة الفلسطينية) فإنّ 87,6% من الحي اليهودي مقام على أملاك عربية، وأنّ غالبية المساكن في هذا الحي تعود ملكيتها للفلسطينيين (5).

 

 

الأوضاع العامة في محافظة القدس

 

1) الإنتاجية والعمل:

يعتبر المؤشّر المسمّى الحسابات القومية أداة رئيسة لقياس الأداء الاقتصادي. وحسب البيانات المتوفرة من تقرير الحسابات القومية للمناطق الفلسطينية لعام 1997م، بلغ الناتج المحلي الإجماليّ في محافظة القدس نحو 587,2 مليون دولار، موزّعة على الأنشطة الاقتصادية كما يلي: (6)

 

 

الأنشطة الاقتصادية المساهمة (%) في الناتج المحلي في محافظة القدس الزراعة 0,8% الصناعة 15,9% الإنشاءات 4,6% تجارة الجملة والتجزئة 12,1% النقل 9,7% الوساطة المالية 0,2% الخدمات 37,5% الإدارة العامة 10,5% غير ذلك 8,6%

 

يتضح من هذه النسب أنّ قطاعَيْ الخدمات والصناعة يساهمان بنحو 61,5% من حجم الناتج المحلي الإجماليّ في محافظة القدس. بينما تأتي مساهمة القطاع الزراعي في المرتبة ما قبل الأخيرة التي تحتلها مساهمة الوساطة المالية. وبطبيعة الحال يرتبط التشوّه في توزّع هذه المساهمات بسياسة الاحتلال الصهيوني في مختلف الميادين.

 

بعكس توزّع المنشآت حسب الأنشطة الاقتصادية في محافظة القدس جانباً من السياسة الصهيونية الرامية إلى تقليص مساهمة الفروع الإنتاجية المحلي المقدسيّ، على خلفية تكريس التبعية للاقتصادي "الإسرائيلي"، والسعي إلى فك ارتباط الفلسطينيين بالأرض. فمن أصل 5218 منشأة في المحافظة (عام 1997م) بلغ عدد المنشآت العاملة في الزراعة وتربية الماشية 131 منشأة بينما بلغ عدد منشآت تجارة الجملة والتجزئة 2865 منشأة (أي نحو 55% من المجموع). وفي التعدين والمحاجر والصناعة 989 منشأة، والأنشطة العقارية 222 منشأة، والصحة والعمل الاجتماعي 184 منشأة، والخدمة الاجتماعية 276 منشأة والباقية في الميادين الأخرى (7).

 

بلغت نسبة القوى العاملة المشاركة (أي الأفراد من أعمار 15 سنة وما فوق) في محافظة القدس عام 1998م نحو 36,8%، أيْ أقلّ من مثيلاتها في بقية المناطق الفلسطينية التي تبلغ فيها النسبة 41,4%. وبلغت نسبة العمالة التامة 85%، والعمالة المحدودة 4,7% بينما بلغت نسبة البطالة (للأفراد من عمر 15 سنة فأكثر) نحو 10,3. وتتركز البطالة في فئة المتعلّمين الذين أتمّوا 13 سنة دراسية وما فوق. وحسب الحالة العملية، يتوزع العاملون في محافظة القدس إلى 79% يعملون بأجْرٍ و14% يعملون لحسابهم الخاص، بينما بلغت نسبة أرباب العمل 3,5% والباقي أعضاء أسرة غير مدفوعي الأجر. ويتوزّع العاملون حسب النشاط الاقتصادي إلى 30,4% في التجارة وأنشطة الفنادق، 29% في الخدمات، 16,8% في البناء، 13,6% في التعدين والمحاجر والصناعة التحويلية، 9,6% في النقل والمواصلات والاتصالات. أمّا في الزراعة فلا يعمل سوى 7 بالألف من مجموع العاملين في المحافظة. وبخصوصٍ من مكان العمل، ينقسم العاملون من أبناء محافظة القدس إلى قسمين رئيسين، هما: العاملون في الكيان الصهيوني والمستعمرات وتبلغ نسبة هؤلاء 45,6%، والعاملون في المناطق الفلسطينية المختلفة داخل القدس وخارجها وتبلغ نسبتهم 54,4% (8).

 

2) التعليم:

بعد الاحتلال الصهيوني للقدس الشرقية عام 1967م، بقِيَ النظام التعليمي الأردني (بما فيه المناهج الأردنية) مطبّقاً على المدارس فيها حتى العام 1971م. ومنذ ذلك العام، قرّرت السلطات الصهيونية تطبيق منهاجها التعليمي على المدارس الحكومية في القدس الشرقية، وفي العام 1976م أعيد تطبيق المنهاج الأردني على هذه المدارس بسبب تناقص أعداد الطلاب فيها، جراء توجّه الطلاب إلى المدارس الخاصة التي بقيت تطبق المنهاج الأردني.

 

وفي مجال التعليم فوق الثانويّ، كما كليات المجتمع المتوسطة التي افتتحت بعد عام 1967م تتبع النظام الأردنيّ، أمّا جامعة القدس وجامعة القدس المفتوحة فقد كانتا خاضعتين لإشراف مجلس التعليم العالي في منظمة التحرير الفلسطينية الذي تأسّس عام 1977م.

 

وبعد تسلم السلطة الفلسطينية قطاع التعليم بكامله في الضفة الغربية وقطاع غزة (صيف 1994م) أصبح التعليم العام في القدس يتبع إحدى الجهات المشرفة الأربع التالية: (9)

أ‌. وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، تشرف على مدارس القطاع الحكومي (في المناطق التي لم يضمّها الكيان الصهيوني إليه).
ب‌. وكالة الغوث الدولية، تشرف على مدارس اللاجئين الفلسطينيين وتشمل هذه المدارس المرحلة الأساسية فقط.
ت‌. مؤسسات محلية وعربية وأجنبية، تشرف على جميع مراحل التعليم العام ورياض الأطفال.
ث‌. وزارة المعارف الصهيونية وبلدية القدس المحتلة، تشرف على المدارس التابعة لهما (المرحلة الأساسية للوزارة والمرحلة الثانوية للبلدية).

 

بلغ عدد الطلاب في المدارس ورياض الأطفال في محافظة القدس للعام الدارسي 1998/1999م نحو 54484 طالباً (أي نحو 16,4% من عدد أبناء المحافظة) يتوزعون حسب المراحل التعليمية كما يلي: 11,3% في رياض الأطفال، 82% في المرحلة الأساسية، 6,7% في المرحلة الثانوية. وبلغ عدد المدارس ورياض الأطفال في المحافظة خلال العام ذاته 201 مدرسة تتوزع حسب جهة الإشراف كما يلي: 66 حكومية، 17 تابعة لوكالة الغوث، 55 مدرسة خاصة، 63 روضة خاصة (10).

 

وفي مجال التعليم فوق الثانوي، بلغ عدد الملتحقين بجامعة القدس وفرع جامعة القدس المفتوحة في المحافظة (للعام الدراسي 1998/1999م) نحو 4786 طالباً، وبلغ عدد طلبة كليات المجتمع المتوسطة 431 طالباً. أما عدد الخريجين الجامعيين (97/98) فقد بلغ 555 طالباً، وعدد خريجي الكليات المتوسطة 186 طالباً (11).

 

ارتباطاً بموضوع التعليم ومكانته، بيّنت نتائج التعداد الفلسطيني الشامل (1997م) أنّ نسبة الأمية للأفراد الذين أعمارهم 15 سنة فأكثر في محافظة القدس تبلغ 11,8%. ويتوزع المتعلمون من أبناء المحافظة كما يلي: 4,3% حاصلون على درجة دبلوم متوسط، 15% حاصلون على الثانوية العامة، 30% أنهوا المرحلة الإعدادية، 25,3% أنهوا المرحلة الابتدائية، 20,6% لم ينهوا أيّ مرحلة تعليمية (12).

 

3) الصحة:

بلغ عدد مراكز الرعاية الأولية التي تشرف عليها المنظمات الحكومية في محافظة القدس (بالتحديد الإداري الفلسطيني) 15 مركزاً (عام 1997م) وبلغ عدد المشافي 7 مستشفيات. ووصلت نسبة الأفراد المؤمنين بمختلف أنواع التأمين الصحي في المحافظة 91,1% (86,8% يتبعون نظام التأمين الحكومي و3% لنظام تأمين وكالة الغوث و1,2% لنظام الخاص و0,1% ضمان اجتماعي) بينما وصلت نسبة غير المؤمّن عليهم 8,9%. ولوحظ أنّ عمل الجمعيات الخيرية في القطاع الصحي قد اتسع في المحافظة بعد العام 1967م، إحساساً بالأوضاع المتردية التي يعانيها أبناء القدس (13).

 

4) الثقافة:

فيما يلي بعض المؤشرات الرقمية المتعلقة بالثقافة في محافظة القدس (بالتحديد الإداري الفلسطيني) للعام 1998م: (14).

 

  المؤسسات الثقافية العاملة المغلقة الصحف 2 2 المجلات 13 12 المتاحف 4 - المراكز الثقافية 3 5 المسارح 2 - الأندية والمراكز الشبابية 40 - المساجد 146 15 الكنائس والأديرة 137 -

 

 

 

تهويد القدس

 

1- الضم وتوسيع الحدود الإدارية:

إثْر قيام الكيان الصهيوني في العام 1948م، كانت المساحة المغتصبة من مدينة القدس (والتي أطلق عليها اسم القدس الغربية) تبلغ 20331 دونماً. ومنذ بدايات الاحتلال الصهيوني للقدس الشرقية عام 1967م، بدأت خطوات تهويد المدينة ومحيطها، بالتزامن والتكامل مع الإجراءات الصهيونية على الأرض ضدّ العرب وتجمعاتهم في المنطقة. في هذا السياق، أعلنت سلطات الاحتلال عن توحيد شطري القدس بتاريخ 28/6/1967م. وطبقاً    لنهج السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقلّ عددٍ ممكن من المواطنين العرب، تمّ إدخال 28 قرية ومدينة عربية ضمن حدود القدس التي ضُمَّت، فاتسعت هذه الحدود من 6,5 كم الى 70,5 كم، ولتصبح مساحة القدس بشطريه 108,5 كم2، ثم توسيعها لاحقاً (1990م) إلى 123كم2، ثم إلى 126كم2 حالياً(15). ولا يخفى أنّ عملية التوسيع المتكررة هذه ترمي إلى قضم المزيد من الأراضي لتكون خارج المساومة السياسية في أيّ حلٍّ مستقبلي لمشكلة القدس.

 

2- تهجير العرب ومصادرة الأراضي والعقارات:

حسب دراسةٍ صدرت عن مركز العودة الفلسطيني في لندن، قدّر عدد المقدسيين الذين هُجِّروا من ديارهم وانتزعت أملاكهم منهم عام 1948م بنحو 98 ألف شخص، وقدِّرت مساحة أملاكهم بنحو 273 ألف دونم. وبلغ عدد القرى المقدسية التي تعرّضت للتهجير والمصادرات 39 قرية. وبعد 50 عاماً (أي في العام 1998م) بلغ عدد اللاجئين الذين تعود أصولهم إلى هذه القرى أكثر من 600 ألف شخص، وذلك كما يلي: (16)

 

 

القرى المقدسية المحتلة عام 1948 مساحة الأراضي (دونم) عدد المهجّرين عام 1948م عدد اللاجئين عام 1998م علار عقور عرتوف عين كارم بيت عطاب بيت محسير بيت نقوبا بيت ثول بيت أم الميس البريج دير عمرو دبر أبان دير الهوا دير الشيخ دير رافات دير ياسين إشوع عسلين خربة اسم الله جرش القدس/ القطمون الجورة كسلا خربة اللوز لفتا المالحة نطاف القبو قالونيا القسطل رأس أبو عمار صرعة ساريس صطاف صوبا سفلى خربة العمور الولجة خربة التنور 12356 5522 403 150529 8757 16268 2979 4629 1013 19010 3072 22734 5907 6781 13242 2857 5522 2159 568 3518 20790 4158 8004 4502 8743 6828 1401 3806 4844 1446 8342 4967 10699 3775 4102 2061 4163 17708 لا تتوفر 510 46 406 3689 626 2784 278 302 81 835 12 2436 70 255 799 708 719 302 23 220 69693 487 325 322 2958 2250 46 302 1056 104 719 394 650 626 719 70 313 1914 لا تتوفر 3134 285 2493 22653 3847 17097 1710 1852 499 5129 71 14960 427 1567 3063 4345 4417 1852 142 1353 427988 2992 1995 3206 18165 13820 285 1852 6483 641 4417 2422 3989 3847 4417 427 1923 11754 لا تتوفر المجموع 272735 97950 601519

 

 

خارطة قضاء القدس التجمعات المدمرة عام 1948

 

في نطاق الممارسات الصهيونية التي تأطّرت بنهج تهويد القدس، تتابعت عمليات التهجير التي تعرض لها المواطنون العرب. ويتبين من متابعة مفرزات تلك الممارسات ما يلي: (17)

- خلال السنوات الثلاثين ونيّف الماضية، تم إجبار نحو 70 ألف مقدسيّ على النزوح.
- منذ العام 1982م، ترفض سلطات الاحتلال تسجيل آلاف المقدسيين الذين وُلِدوا في المدينة ولا تعترف بهم كمواطنين.
- مواصلة التضييق على المقدسيين لدفعهم إلى اليأس والرحيل.

 

أسفرت الممارسات الصهيونية عن خفض عدد الفلسطينيين في المدينة القديمة، فيما ارتفع عددهم في مناطق محيطة بالمدينة (بيت لحم، بيرنبالا، الرام، أبو ديس، العيزرية.. الخ).

 

وحسب تقرير نشره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (حزيران/يونيو 2000م) بلغت المساحة الإجمالية للأراضي التي صادرتها سلطات الاحتلال من مناطق 85% من إجمالي مساحة هذه المناطق. وتتوزع المصادرات على النحو التالي: (18)

 

 

القرى والأحياء المقدسية المساحة الكلية (دونم) المساحة الصادرة (دونم) (%) بيت حنينا وشعفاط 16250 15290 94 بيت صفافا وشرفات 5300 4510 85 الطور، صوانة 2215 1510 68 العيسوية 2700 2320 86 الشيخ جراح 750 630 84 وادي الجوز 640 330 53 صور باهر وأم طوبا 7900 6570 83 السواحرة الغربية وسلوان ورأس العمود وجبل المكبر 10050 7770 77 المجموع 45800 38930 85%

 

وفي القدس القديمة ومحيطها، انتهجت السلطات الصهيونية أساليب متنوّعة للاستيلاء على العقارات والمباني العربية. ومما قامت به مثلاً:(19)

 

- في 25/6/1969م، أصدر القائد العسكري الصهيوني في المنطقة أمراً بمصادرة سبعة عشرة عقاراً ومتجراً وأماكن دينية في منطقة باب السلسلة، وحيّ الواد يقطنها مائة وخمسة أشخاص، وذلك لإقامة قوات الأمن فيها ونقلت ملكيتها للحكومة التي سلّمت قسْماً من هذه العقارات للمستوطنين في عام 1991م.

- الاستيلاء على بعض العقارات العربية في عقبة الخالدية والسرايا والسعدية وغيرها بوسائل عديدة منها: الترغيب بمبالغ كبيرة من المال، الاحتيال بتوقيع عقود بين مع مستأجرين ثانويين لهذه المباني (أو حتى مع أشخاص لا يمتّون لها بصلة)، التهديد والمضايقات مثل أصوات الضجيج وإلقاء والقاذورات وغيرها كما حصل مع المجاورين لمدرسة "شوفوبانيم"، الاعتداء والقتل كما حدث مع الشهيدة فاطمة أبو ميالة التي قُتِلت عام 1983 م من قِبَل المستوطنين والاستيلاء على بيتها.

- محاولة الاستيلاء على المناطق الخالية من السكان والتي تعود ملكيتها إلى أطرافٍ متعددة وقد تكرّرت في أكثر من موقعٍ في البلدة القديمة، ومن ذلك استيلاؤهم على ساحة جامع خان السلطان وحاكورة الصبرة، واستخدام أسطحة سوق العطارين واللحامين والخواجات كطريقٍ للمستوطنين وإقامة جسورٍ على هذه الأسطحة، وذلك لربط الحي اليهودي بمنطقتيْ القرمي وعقبة الخالدية، علماً بأنّ ملكيتها تعود للأوقاف الإسلامية وللوقف الذريّ للعائلات الإسلامية المقدسية.

- قامت دائرة القيّم على أموال الغائبين بوضع يدها على البيوت التي يملكها مواطنون عرب خارج القدس، ممّن لا يحملون هوية القدس التي أصدرتها سلطات الاحتلال، وتأجيرها للمستوطنين كطرفٍ ثالث، كما حصل في بيت عدنان خميس قرش في حارة السعدية ودار مراد في حي الشيخ جراح ودار أحمد شحادة الفراعين وبيوت آل عباس في سلوان وغيرهم كثيرون.

- وفي الحالات المتنازع عليها، يعمد المستوطنون ببساطة إلى اقتحام العقار لخلق واقع جديد على الأرض، وإذا لجأ صاحبه أو مستأجره إلى المحكمة فإنّ القضية تستغرق سنوات، ويكون المستوطنون خلالها قد سمح لهم بالبقاء في العقار المتنازع عليه، كما فعلوا في دار الزور في عقبة السرايا ودار محمود أبو سنينة في عقبة الخالدية وإحدى غرف بيت عارف أبو صبيح في الحيّ نفسه ودار عابدين وسابيلا في باب حطة.

 

3- مستعمرات يهودية على أرض مغتصبة:

يبلغ عدد المستعمرات الصهيونية التي أقيمت على أراضي محافظة القدس (حسب التحديد الإداريّ الفلسطينيّ) 43 مستعمرة تقوم على مساحةٍ من الأراضي تزيد عن 46 ألف دونم. ويبيّن الجدول التالي أسماء معظم هذه المستعمرات وأسماء القرى العربية التي أقيمت على أراضيها: (20)

 

 

المستعمرات اليهودية في محافظة القدس التجمعات العربية التي اقيمت على أرضيها المستعمرات المساحة (الدونم) سنة التأسيس الجامعة العبرية العيسوية، شعفاط، الطور 1190 1924 التلة الفرنسية شعفاط، العيسوية، عناتا 3345 1968 الحي اليهودي البلدة القديمة 175 1968 بسفغات زئيف، عومر بيت حنينا، حزما 4400 1985 تلبيوت الشرقية صور باهر 1466 1970 جبعات همتوس بيت صفافا، بيت جالا 980 1991 جيلو بيت جالا، شرفات، المالحة 2743 1971 رامات أشكول لفتا ، شعفاط 940 1968 راموت بيت اكسا، لفتا، بيت حنينا 1235 1970 ريخس شعفاط شعفاط 1198 1990 النبي يعقوب حزما، بيت حنينا 1235 1970 معالوت دفنا شعفاط 485 1968 هار حوماه ام طوبا، بيت ساحور 2056 1997 مشروع ماميلا (داود) القدس/ باب الخليل 130 1990 ارمون هنتسيف جبل المكبر 1071 1970 (بؤر يهودية) الحي الاسلامي/ المدينة القديمة 105 1978 رامات راحيل صور باهر 600 1970 سنهدريا الشيخ جراح 269 1973 جبل سكوبس/هداسا العيسوية 2151 1968 (وحدات استيطانية) رأس العمود 147 1996 (وحدات استيطانية) برج اللقلق/المدينة القديمة، عناتا 2 1997 آلون عناتا 125 1990 جبعات بنيامين (آدم) جبع 369 1983 جبعات زئيف بيتونيا، الجيب 1500 1977 جفعون الجيب 150 1978 علمون الجيب 298 1983 كاليا السواحرة 417 1968 كيدار أبو ديس 166 1948 كفار أدوميم عناتا 934 1979 مشور أدوميم العيسوية، الطور 4100 1974 معاليه أدوميم العيزرية، أبو ديس 35000 1975 ناحل عناتوت عناتا 656 1988 نفي برات حزام، بيت حنينا 33 1992 هارآراد بيت سوريك 408 1985 معاليه مخماس مخماس 500 1981 عطروت بيت حنينا، قلنديا 1158 1970 هارشموئيل النبي صموئيل 500 1996

 

يُلاحظ أنّ سلطات الاحتلال الصهيوني استمرت في إقامة المستعمرات على أراضي القدس بالرغم مما يسمّى عملية "السلام" مع القيادة الفلسطينية، وذك في تسابقٍ محموم مع الزمن، بهدف خلق أمرٍ واقعٍ استيطانيّ يحول دون أيّ تغييرات على الأوضاع القائمة، خلال مرحلة التسوية النهائية.

 

4- بؤر توتر استيطانية:

عل الرغم من أنّ جميع المستعمرات في القدس تشكّل عوامل مولّدة للصراع والمواجهة، كونها أقيمت على أراضٍ مغتصبة من أصحابها الشرعيّين، إلا أنّ هناك نقاطاً ساخنة يمكن أنْ تسهم في زيادة التوتر بين المواطنين العرب والمستوطنين اليهود في المدينة. وفيما يلي جدول يتضمّن بعض هذه النقاط حسب تقديرٍ لكاتبٍ يهوديّ (نشر في صيف 2000 م):

 

موقع بؤرة التوتر عدد اليهود عدد العرب البعد عن السكان العرب الحي الإسلاميّ نحو 1000 نسمة، 60عائلة+طلاب مدرسة دينية ومعهد يهوديّ 23 ألفاً ملاصق الحيّ المسيحي 100 نسمة 5 آلاف ملاصق رأس العمود 4 عائلات، 134 وحدة استيطانية مقرّر أنْ تستوطن مطلع 2001م 11 ألفاً عدة مئات من الأمتار سلوان 25عائلة ومعهد ديني يضم عشرات الطلاب 8300 ملاصق شمعون الصديق 5 عائلات، معهد ديني يضمّ عشرات الطلاب عدة مئات ملاصق بيت أوروت 80 يهودياً في مدرسة دينية عسكرية 15 ألفاً في حي الطور 700-800 متر

 

 

 

 

 

السياسة الصهيونيّة إزاء عرب القدس

 

1. القتل والتدمير:

كانت أولى وسائل تهويد القدس التي اعتمدتها السلطات الصهيونية ولا تزال تعتمدها حتى الآن هي ذاتها التي استخدمتها العصابات الصهيونية قبل عام 1948م وبعده، أيْ عمليات القتل والتدمير. فقد أمطرت القوات الغازية مدينة القدس عام 1967م بوابلٍ من القصف المتواصل بالقنابل المحرقة، جواً وأرضاً، وبالأسلحة الرشاشة، ممّا أدّى إلى استشهاد 300 مقدسيّ من المدنيّين، كان بينهم عائلات بكاملها داخل منازلها، وبعضهم في الطرقات والأزقة أثناء فزعهم وهروبهم من جحيم النيران المسلطة عليهم.

 

ودمّرت القنابل الصهيونية مئات العقارات السكنية والتجارية، داخل السور وخارجه، وأحرقت عشرات المخازن، وألحقت أضراراً قادحة بالمساجد والمشافي وسواها. وقامت السلطات الصهيونية بعد أربعة أيام من دخول القدس الشرقية، وفي أقلّ من أسبوع، بإزالة 135 داراً في حي المغاربة المجاور للحائط العربي للحرم القدسي (يسكنها 650 شخصاً) ومسجد الحي ذاته، ونحو 2000 منزل ومخزن في المناطق مجردة السلاح. وتبع ذلك هدم عدد آخر من العقارات بينها مجموعة متفرقة من الدور بلغت 24 داراً نسفها الجيش الصهيوني بحجّة الانتقام من أعمال المقاومة ولجأت السلطات الصهيونية عام 1969م إلى نسف وتدمير 14 مبنى دينياً وأثرياً، بحجّة الكشف عن امتداد الحائط الغربيّ، ومنها مسجد إسلامي والزاوية الفخرية. وكان من نتيجة هذه الأعمال تشريد ما يقرب من ألف شخصٍ آخرين من سكان القدس (22).

 

وفي السنوات اللاحقة توالت عمليات القتل والتدمير الصهيونية التي تعرّض لها المقدسيّون، وبلغت خلال السنوات الممتدة بين 1988-1999م 110 شهداء. نحو نصفهم في العامين 1989 أو 1990 (أي خلال الانتفاضة الأولى) وتمّ هدم 298 منزلاً في الفترة ذاتها (23). هذا باستثناء تدمير المباني لما يسمى بأغراضٍ أمنية.

 

يأتي هدم المنازل العربية في القدس لأسباب سياسية واعتبارات صهيونية واضحة، أبرزها:

 

- التضييق على المواطنين المقدسيين بهدف إجبارهم على ترك المدينة وإلغاء حقّهم بالإقامة في القدس، وسحب هوياتهم في مرحلة لاحقة بذريعة نقل مركز حياتهم إلى خارج المدينة.

- إعطاء مجالٍ أكبر للتوسّع اليهوديّ على حساب الأرض الفلسطينية، واستخدام هدم البيوت بحجّة عدم ترخيصها كأداة لتفريغ المدينة من مواطنيها العرب، مقابل ضخّ المزيد من اليهود إلى المنطقة.

 

ومن الحالات المعبّرة عن استمرار عمليات القتل الصهيونية، ما حدث إبّان انتفاضة الأقصى التي انطلقت منذ يوم الجمعة الدامي (29/9/2000م). إذْ اقتحمت مجموعات كبيرة من قوات الاحتلال ساحات الحرم القدسي وهي تطلق النار عشوائياً باتجاه المصلين المسلمين، وكانت حصيلة اليوم الأول هي استشهاد 4 أشخاص وجرح أكثر من 200 شخص (توفي أحدهم لاحقاً). وكانت الإصابات في الجزء العلويّ من الجسم، الأمر الذي يعني أنّ الجنود الصهاينة رأوا في المصلين أعداء ينبغي قتلهم. ولولا عوامل الحيطة التي اتّخذه الفلسطينيون لكان عدد الإصابات أكبر في ذلك اليوم. وفيما بعد تواصلت المواجهات، ومنعت السلطات الصهيونية دخول الفلسطينيّين إلى القدس أيام الجمعة لأداء الصلاة. وبلغت حصيلة تلك المواجهات خلال شهرين من الانتفاضة عشرة أشخاص من البلدة القديمة والقرى المجاورة لها (24) فضلاً عن أكثر من 300 شهيد ونحو 13 ألف جريح من مختلف الأراضي الفلسطينية وتعرّضت غالبية القرى إلى قصْفٍ مركّز من الدبابات والحوّامات الصهيونية أسفر عن تدمير مئات المباني والمنشآت، هذا إلى جانب الممارسات الإجرامية الأخرى.

 

2. تهويد الشخصية المقدسية:

بعد تهجير غالبية عرب القدس، سعَتْ سلطات الاحتلال إلى تذويب ما يمكن من الأقلية العربية الباقية في المدينة، فلجأت إلى فصل هذه الأقلية عن سكان الضفة الغربية، وأصبح هؤلاء بالاسم جزءاً من سكان دولة "إسرائيل" لكنّهم ظلّوا عملياً بمثابة أجانب محرومين من حقوق المواطنة ومن الخدمات البلدية، وتعرّضوا لجميع أنواع القهر والتمييز العنصريّ.

 

خلال عملية التهويد الشاملة، أصدرت السلطات الصهيونية (في 28/8/1968م) قانوناً جديداً لتطبيقه على عرب القدس أسمته "قانون التنظيمات القانونية الإدارية لسنة 1968م. ومن القيود والشروط التي يقرضها هذا القانون على أبناء القدس ما يلي: (25)

 

- كل عربيّ صاحب عمل أو مهنة وكان يمارس عمله أو مهنته يجب عليه أنْ يحصل على رخصة "إسرائيلية" وبموجب القوانين "الإسرائيلية".
- كل شركة عربية (خاصة أم عادية أم محدودة) قائمة في القدس ومسجلة بموجب القوانين الأردنية، عليها أنْ تعيد تسجيل نفسها لدى المحاكم "الإسرائيلية" وبموجب القوانين والأنظمة "الإسرائيلية".
- كلّ عربيّ يعمل طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو مدقق حسابات عليه أنْ يتقدّم للسلطات "الإسرائيلية" بطلب موافقة تتيح له الاستمرار بمهنته بموجب القوانين "الإسرائيلية".
- كل عربي صاحب امتياز أو علامة تجارية أو اختراع عليه أنْ يعيد تسجيل امتيازه أو علامته أو اختراعه لدى السلطات "الإسرائيلية" وبموجب القوانين "الإسرائيلية".

 

لنلاحظ هنا أنّ تكرار عبارة "بموجب القوانين الإسرائيلية" يعني إعادة تشكيل الهوية الخاصة بجميع أشكال الأنشطة والأداء العام لعرب القدس، لتكون النتيجة تهويداً للشخصية العربية المقدسية، حسب الأهداف الصهيونية.

 

3. تهويد القضاء:

اتّخذت السلطات الصهيونية بعد احتلال شرقيْ القدس عام 1967م جملةً من الإجراءات الرامية إلى إخضاع القضاء في القدس للقانون الصهيونيّ، ومنها: (26)

 

- أغلقت جميع المحاكم النظامية في القدس، وفصلت القضاء النظميّ في المدينة عن شؤون الضفة الغربية وألحقته كلياً بالقضاء الصهيوني.
- دمجت محاكم البداية والصلح في القدس بالمحاكم الصهيونية المماثلة والقائمة في الشطر الغربي المحتل من المدينة، ونقلت إليها جميع سجلاتها وأثاثها.
- طلبت من القضاة والموظفين طلبات للالتحاق بوزارة العدل الصهيونية.

 

اعتبر الجهاز القضائيّ العربي هذه الإجراءات وسواها تجسيداً لتهويد القدس، فرفضها رجال الجهاز وامتنعوا عن التعاون والعمل مع سلطات الاحتلال، وشارك المحامون في القدس والضفة الأسرة القضائية بهذا الرفض. وبشأن المحاكم الشرعية الإسلامية التي أرجأت سلطات الاحتلال بادئ الأمر إغلاقها، حاولت السلطات استمالة قضاتها وموظفيها للالتحاق بأجهزتها بيدَ أنّ هؤلاء القضاة والموظّفين رفضوا التعاون مع سلطات الاحتلال، وواجهوا جرّاء ذلك الكثير من الضغوط التي وصلت إلى حدّ الإبعاد خارج الوطن.

 

4. الضائقة السكنية:

تعدّدت أساليب التضييق الصهيونية على عمليات البناء والإسكان العربية، فتمّ تقليص المساحات المخصصة للإنشاءات السكنية للعرب شرقي القدس، وتصنيف غالبية الأراضي الخاصة بهم كمسطحات خضراء يمنع فيها البناء، لتكون احتياطاً استراتيجياً للاستيطان اليهودي، وشقّت شوارع تهدف إلى منع البناء العربيّ وصودرت أراضٍ واسعة لاعتبارات واهية متنوعة.

 

في نطاق هذه الأساليب، لم تخصّصْ السلطات الصهيونية للأبنية السكنية العربية سوى 5 كم2 في المناطق الواقعة شرقي القدس من أصل 17,5 كم2 حددت للبناء، أي نحو 7% من مجموع الأراضي التي صودرت منذ العام 1967م وفي الوقت ذاته، لا تسمح سلطات الاحتلال للعرب بتشييد أكثر من ثلاثة طوابق في المبنى الواحد (مقابل السماح بثمانية طوابق اليهود) وتضع أمام هذه التشييد عقبات وشروطاً قاسية تكاد تكون تعجيزية (منها رسوم وضرائب تصل إلى مئات آلاف الشيكلات فضلاً عن المصاعب القانونية والبيروقراطية) لذا يواجه العرب خيارات صعبة منها: مواصلة العيش في المكان ضمن أوضاع وظروف خانقة، أو تكبد مصاريف عالية للبناء القانوني أو المغامرة بالبناء دون ترخيص أو مغادرة المدينة (27).

 

في هذه الأجواء، وصل معدّل الاكتظاظ السكاني في الغرفة الواحدة 2,2 شخصاً للعرب (مقابل 1,1 شخصاً لليهود). ويصل النقص في عدد الوحدات السكنية للعرب إلى أكثر من 20 ألف وحدة، حيث يشكّل البناء لاحتياجاتهم نحو 12% فقط من مجموع الوحدات السكنية التي أقيمت في مناطق شرقي القدس (بينما يشكّل البناء لاحتياجات اليهود 88% من هذه المجموع) (28).

 

وكمؤشّرٍ آخر على الضائقة السكنية للعرب في شرقي القدس، ذكر تقريرٌ فلسطينيّ (عام 1997م) أنّ 34% من مساكن القدس القديمة مستأجر، 11% مملوكة لأُسَر، 6% مملوكة لعائلة، 12% أوقاف إسلامية، 20% أوقاف مسيحية، 6,5% أوقاف ذرية، 12% من الغرف دون نوافذ، 50% تعاني من الرطوبة العالية، 41% من الغرف يعيش في الواحدة منها 3 إلى 5 أفراد (29).

 

والنتيجة نشوء قوة طاردة تدفع العرب للنزوح عن المدينة. ولا يخفى ما لهذا النزوح من آثارٍ كارثية على مستقبل القدس، في المنظوريْن السياسيّ والاستراتيجي.

 

5. تمييزٌ وإهمالٌ في البنية التحتية:

بغرض زيادة قوى الطرد الداخلية الموجّهة ضدّ عرب شرقيْ القدس لحملهم على مغادرة المكان، تعمّدت سلطات الاحتلال ترك مكوّنات البنية التحتية المقدسية في حالةٍ من التآكل المستمر، فماطلت في إجراء الصيانة والإصلاحات الضرورية لهذه المكونات، وكان ما قامت به لا يرقى إلى الحدّ الأدنى اللازم للحياة الإنسانية. أمّا في المناطق السياحية من شرقي القدس، فقد سعت سلطات الاحتلال إلى إيجاد بعض المظاهر التي تقدّم مظلّة عن الواقع.

 

على سبيل المثال، ذكر تقريرٌ منشور (عام 1995) أنّ نصف خطوط المياه في الأحياء العربية بحاجة إلى تبديل وأنّ نصف الأحياء العربية يفتر إلى شبكات صرفٍ صحيّ منظمة، وفي قسْمٍ كبيرٍ من هذه الأحياء توجَد طرق ترابية غير معبدة، وغير مرصوفة ودون إنارة، هذا على الرغم من مبالغ الضرائب الضخمة التي تفرضها سلطات الاحتلال على المواطنين العرب وممتلكاتهم وأنشطتهم. وتعكس ظروف التمييز العنصري ضدّ هؤلاء المواطنين الحالة المتردية للبنية التحتية، في مختلف المجالات. فبينما ينعم الجزء الغربي (اليهود) من القدس بسوية عالية من مقومات الحياة المدنية، يغرق الجزء الشرقي من القدس في العديد من المشكلات الخدمية والاجتماعية الناجمة عن الإهمال "الإسرائيلي" للبنية التحتية، وهي مشكلات لا تعاني منها عموماً الأحياء والمستعمرات اليهودية في هذا الجزء من المدينة. ويظهر الجدول التالي بعض مؤشّرات التمييز العنصري في عدة مكونات من البنية التحتية:

  مكونات البنية التحتية غربي القدس شرقي القدس الطرق 680كم (1كم لكل 710 أشخاص) 87كم (1كم لكلّ 2448 شخصاً) الأرصفة 700كم (1كم لكلّ 690 شخصاً) 73كم (1كم لكلّ 2917 شخصاً) خطوط المجارير 650كم أنابيب (1كم لكل 743 شخصاً) 76كم أنابيب (1كم لكلّ 2809 أشخاص) الحدائق العامة 108 حديقة (حديقة لكلّ 447 شخصاً) 30 حديقة (حديقة لكلّ 7362 شخصاً)

 

 

 

 

6. سحب الهويات المقدسية:

بعد الإحصاء السكاني الذي أجرته سلطات الاحتلال لسكان القدس الشرقية المحتلة عام 1967م، تبيّن أنّ هناك 66 ألف مواطنٍ فلسطيني مقدسي ظلوا داخل حدود المدينة. آنذاك لم تقمْ السلطات بمنح هذا العدد الحقّ للمواطنة بموجب القانون الصهيونيّ، بل منحتهم "حق الإقامة"، والفرق واضح بين الحالتين، إذ أنّ الأول يعني حقاً أبدياً لا يملك أحدٌ إلغاءه (إلا ضمن ظروف معينة تتعلق بأمن الدولة، ومن قِبَل السلطات الشرعية وليس سلطات الاحتلال)، أمّا الثاني فيعني أنّ وزير الداخلية يملك الصلاحيات في كلّ وقت لإعطاء تعليماتٍ يمكن بموجبها حرمان الشخص من الإقامة في المدينة، ويطبّق موظفو الداخلية هذه التعليمات بصورةٍ آلية دون الرجوع إلى أيّ مرجع آخر.

 

كان النصّ القانوني المعتمد في هذه الحالة ما ورد في "قانون الدخول لإسرائيل" (للعام 1952م) الذي طبّق على سكان القدس واعتبروا بموجبه مقيمين موجودين بتصريح هوية تتيح لهم السكن والعمل، وذلك على غرار أيّ أجنبي مقيم في القدس ويحمل هذه الهوية. وفي العام 1974م صدرت أنظمة تحكُم مسألة الدخول إلى "إسرائيل"، وكانت المادة الحادية عشرة من هذه الأنظمة تنصّ على أنّه يكون الشخص خارج "إسرائيل" إذا وُجِد خارج حدود دولة "إسرائيل" مدة 7 سنوات أو أكثر، أو حصل على الإقامة الدائمة والجنسية في دولة أخرى "وفسّرت الأجهزة الصهيونية هذه المادة بأنّ أيّ مقدسيّ يقيم خارج القدس في الضفة الغربية أو خارجها ينطبق عليه هذا التعريف، أيْ إمكان سحب هويته المقدسية.

 

وفي التطبيق، سمحت السلطات الصهيونية للسكان المقدسيين (وسواهم من المناطق المحتلة) بالسفر إلى الدول العربية عن طريق الأردن أو السفر إلى الخارج عن طريق مطار اللد، وذلك على أمل ألا يعودوا إلى موطنهم. كانت مدة تصريح الخروج عبر الجسور مع الأردن ثلاث سنوات، أمّا الخروج من مطار اللد فكان يتمّ بواسطة وثيقة سفرٍ السياسية التي تصدرها وزارة الداخلية الصهيونية ومدتها سنة واحدة. أما بالنسبة للسكان المقدسيّين الذين سكنوا مناطق الضفة الغربية فلم يكونوا بحاجةٍ إلى تصريحٍ معيّنٍ للدخول إلى القدس وحافظوا على الإقامة، ويبلغ عدد هؤلاء حالياً نحو 70 ألف مقدسيّ من أصل نحو 170 ألف مقدسيّ يحملون الهويات الصادرة عن وزارة الداخلية الصهيونية (31).

 

وفي أوائل العام 1996، قامت سلطات الاحتلال بتبليغ المئات من السكان المقدسيين بأنّ تصريح الإقامة الدائمة قد انتهى ولهذا فعليهم ترك القدس وتسليم هوياتهم، ووجّهت هذه الإجراءات على وجه الخصوص للمقدسيين المقيمين خارج حدود بلدية القدس. وطُبّقت بأثرٍ رجعيّ، مما عرّض الألوف منهم إلى خطر سحب الإقامة الدائمة وشطب أسمائهم من سجلات السكّان، بحجّة أنّهم نقلوا مركز حياتهم إلى خارج المدينة أو البلاد. ولوحِظ أنّ حملة مصادرة هويات الإقامة قد تصاعدت في عهد حكومة اليمين الصهيوني (برئاسة نتنياهو) لكنّها استمرّت في عهد حكومة اليهود براك الائتلافية. وحسب إحصائيةٍ فلسطينية بلغ عدد المقدسيين الذين صودرت هوية إقامتهم في المدينة خلال السنوات 1996-1999م ما مجموعه 2955 حالة مبلّغ عنا، وذلك من أصل نحو 6179 حالة مصادرة للهويات المقدسية منذ العام 1967م (32).

 

أيّ شريعة هذه غير شريعة الغاب، التي تحرِم شخصاً من الإقامة في موطنه، وتعطي المهاجر اليهوديّ أو المحسوب على اليهود الحقّ بالحصول على الجنسية واكتساب حقّ المواطنة في القدس فور قدومه إلى البلاد؟.

 

إنّ الإجراءات "الإسرائيلية" تهدّد نحو 110 آلف مقدسي بتجريدهم من حق المواطنة (70 ألفاً منهم كما أشَرْنا يقيمون خارج حدود بلدية القدس و40 ألفاً يقيمون خارج الوطن للعمل أو الدراسة أو غير ذلك) وتبيّن إحصائيات "بيت الشرق" الذي تشرف عليه السلطة الفلسطينية أنّه يعيش في مدينة القدس وخارجها نحو 300 ألف فلسطيني لا يحمِلون مستندات تسجيل قانونية بالتعريف الصهيونيّ، بسبب التنكّر لحقوقهم، الأمر الذي يحرِم أبناءَهم من التعليم في المدينة أو من الخدمات الصحية الاجتماعية المختلفة (33).

 

تعبيراً عن الرفض التام للإجراءات الصهيونية، أقامت عشرات العائلات المقدسية سحبت هوياتهم مخيم الصمود والرباط على أرض وقفية حي الصوانة المقدسيّ، بهدف الضغط على سلطات الاحتلال وحملها عن التراجع عن إجراءاتها والكفّ عن حرمان العرب من الإقامة في مدينتهم. وفي الوقت ذاته، كانت إجراءات الاحتلال بمثابة ضربة مرتدة، إذْ شهدت مدينة القدس عودة كثيفة من أبنائها إلى الاستقرار في مدينتهم، ونشطت مؤسسات أهلية وغير حكومية في تمكين العائلات من مواجهة الظروف القاسية التي تكتنف الإقامة في المدينة. وقامت أطر وفعاليات فلسطينية بتنظيم أنشطة إعلامية وحقوقية وسياسية واجتماعية ترمي إلى تعزيز صمود أبناء القدس.

 

أقلقت هذه الظاهرة السلطات الصهيونية، فحاولت تهدئة التوتّر باعتماد مناورة جديدة تقضي بالكفّ عن سحب هويات المقدسيين (أواخر العام 1999م) وأخذت تطبق مناورتها هذه بصورة محدودة، وذلك بانتظار فرصة أخرى يتمّ الإعداد لها وتكون بمثابة حلّ جذريّ يترتّب عليه تفريغ القدس من أكبر عدد من مواطنيها العرب.

 

7. خطة صهيونية لتصنيف عرب القدس:

في إطار التوجّهات الصهيونية المستقبلية إزاء مسألة المواطنة المقدسية للعرب في المدينة وضع طاقمٍ من المسؤولين والخبراء والصهاينة خطة جديدة، من المتوقّع تطبيقها لدى إنضاج ظروفها الذاتية، تتضمّن تقسيم العرب في (القدس الكبرى) إلى خمس مجموعات، كما يلي: (34)

 

- المجموعة الأولى، تشمل سكان القدس الشرقية الذين شملهم الإحصاء الصهيوني عام 1967م، والذين يقطنون رسمياً داخل حدود بلدية القدس ويحصلون على تأشيرات إقامة دائمة. وهؤلاء تعترف السلطات الصهيونية بإقامتهم ويمكنهم الحصول على حقوقهم الإدارية والاجتماعية والخدمية.. الخ.

- المجموعة الثانية، تشمل سكان القدس الذين كانوا يحملون تأشيرة الإقامة الدائمة التي أُلغِيَت من قِبَل السلطات الصهيونية لأسبابٍ متعدّدة، ويقيم هؤلاء في تجمّعات محيطة بالقدس وعددهم نحو 70 ألف مواطن. وترى سلطات الاحتلال أنّ من حقّ أولئك السكان الاحتفاظ ببطاقاتهم (الزرقاء) لتكون بمثابة تصريحٍ لعبورهم الخط الأخضر لكنْ يتمّ حرمانهم من الحقوق المدنية والاجتماعية والصحية والتعويضات ولا يملكون حتى المواطنة في القدس.

- المجموعة الثالثة تتكون ممّن جاؤوا للسكن في القدس عن طريق جمع الشمل، وكان هؤلاء يعامَلون كمقيمين أجانب، ثم سُمِح لهم بالإقامة الدائمة، وتعتزم السلطات الصهيونية حرمانهم من جميع حقوق والاجتماعية والصحية.. الخ.

- المجموعة الرابعة، تضمّ مواطني القدس الذي يقيمون فيها لكنّهم يحملون بطاقات الضفة الغربية (مثل سكان: بيت حنينا القديمة، الشيخ سعد، بيت إكسا، الولجة، بيرعونة) ممن ليس لهم مدخل أو مخرج بين قراهم والمناطق المجاورة إلا عبر حدود بلدية القدس الغربية الكبرى. وهؤلاء ستكون بطاقاتهم شبه تصاريح خاصة تخوّلهم الدخول أو الخروج إلى مناطقهم وإلى حدود غربي القدس فقط، دون منحهم حق المواطنة المدنية والاجتماعية وسواها، وعدم اعتبارهم مواطنين مقدسيّين، على الرغم من استمرار فرض الضرائب على ممتلكاتهم وأنشطتهم.

- المجموعة الخامسة، تتألف من سكان القرى الفلسطينية المحيطة بالقدس التي شملها حقّ الاقتراع للمجلس التشريعي الفلسطيني (مثل: العيزرية، أبو ديس، بدو، حزما، مخماس، الرام) وهي تجمّعات لن يكون لسكّانها أيّ حقوق ويمكنهم الحصول على تصاريح دخول القدس، مع إرغامهم على دفع الضرائب لأنّهم ينتمون إلى المجال "الإسرائيلي"، بينما سيكونون من الناحية الإدارية تابعين للسلطة الفلسطينية.

 

إنّ من شأن تطبيق هذه الخطة إضافة تعقيدٍ آخر إلى مواطنة العرب في القدس، وسوف يترتّب على ذلك تقليص أعداد هؤلاء العرب، وحصول الكيان الصهيوني على مكاسب سياسية وعملية تسرع وتأثّر تهويد المدينة.

 

 

المحصلة السكانية والتوقعات المستقبلية

أسفرت الممارسات الصهيونية على جبهتيْ الإجلاء والإحلال عن واقعٍ سكانيّ يتعايش معه "الإسرائيليون" ويسعون إلى تغييره عبر المزيد من الإجراءات الإدارية والعملية. وحسب المعطيات السنوية التي نشرها "معهد القدس لأبحاث إسرائيل- صيف 1999م" بلغ عدد السكان اليهود والعرب في القدس الموحدة بشطريْها الغربي والشرقي نحو 663,7 ألف نسمة (433,6 ألف يهودي+ 106,1 ألف عربي+ 4 آلاف شخصٍ دون تصنيف/ معظمهم من مهاجري رابطة الدول المستقلة). بذلك يشكّل اليهود نحو 68,4% ويشكّل العرب 31% من مجموع سكان القدس. وطبقاً للمعطيات ذاتها يقيم نحو 37% من مجموع يهود القدس (أي نحو 160,4 ألف يهوديّ) في المناطق التي ضُمّت إلى المدينة بعد احتلالها عام 1968م، وهؤلاء يشكّلون نحو 46% من مجمل السكان العرب واليهود في المناطق (35).

 

تتحسّب سلطات الاحتلال بقلقٍ بالغٍ لموضوع ازدياد عدد المواطنين العرب في القدس، بسبب ارتفاع الزيادة السنويّة (2,5%) مقابل معدّلٍ منخفض في الوسط اليهوديّ (1%) وعدم قدرة الهجرة اليهودية الجديدة على تأمين خللٍ سكانيّ مطلق لصالح اليهود. وهو ما يفسّر بعض دوافع النشاط الاحتلالي المحموم في ميادين الاستيطان اليهودي وتوسيع الحدود الإدارية للقدس بصورةٍ انتقائية لضمّ أعدادٍ إضافية من اليهود، مع انتهاج السبل المؤدية إلى خفض الوجود العربي في المدينة إلى أدنى مستوى ممكن.

 

واستناداً إلى نتائج التعداد الفلسطيني الشامل (1997م) وتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينيّ، تبدو بصورة الراهنة والمستقبلية لعدد سكان القدس على النحو التالي: (36).

عدد المقدسيّين 2000م 2005م 2010م المنطقة ق1* 228152 264127 303901 المنطقة ق2** 126265 158095 192544 المجموع 354417 422222 496445 % من إجمالي المحافظات 11,6% 10,6% 10,1% (*) التي ضمّها الكيان الصهيوني إليه عنوةً بُعَيْد احتلاله للضفة الغربية عام 1967م. (**) المنطقة الباقية من محافظة القدس.

 

تقوم هذه التقديرات على افتراض عودة نحو نصف مليون شخص إلى المناطق الفلسطينية حتى العام 2010م، وانخفاض معدّل الوفيات بمقدار 25% وانخفاض معدل الخصوبة بالنسبة ذاتها. ويلاحظ منها أنّ مساهمة محافظة القدس في مجموعة السكان تتناقض بنسب متفاوتة، وذلك جراء الضغوط "الإسرائيلية" على المقدسيين في موضوعات متعددة.

 

 

الخاتمة
مدينة تختزل الصراع

تُعَدّ أوضاع العرب في القدس المحتلة باعثاً للثورة على الاحتلال، بيْد أنّ قضية القدس أوسع نطاقاً وأكثر محتوى بسبب مركزية القدس وطنياً وقومياً وإسلامياً، ناهيك عن مكانتها الدولية العامة.

 

لهذا شكّلت القدس محرّضاً على استئناف العمل متعدّد المصادر لنصرة قضيتها العادلة. وصار واضحاً أنّه حين يرتبط "المقدّس" بالجغرافيا، يصبح المكان -على صغره- رمزاً للوجود والكرامة. وفي القدس تتجلّى هذه الحقيقة بوضوح، معبّرةً عن ذاتها بالانتفاضة الأقصى التي اندلعت يوم الجمعة الدامي، واتخذت بعده دينامية ذاتية، تجسيداً لأسس الصراع ومنطلقاته. وبذلك مثّلت القدس قوّةَ استنهاضٍ للأمة، وأعادت إلى الفعل الشعبي حيويّته، بعد أنْ كاد الكثيرون يقرؤون الفاتحة على روحه.. لماذا كلّ ذلك؟!.

 

في خلفية الأقصى ثمّة حضور آسر للعلاقات العقيدية بالقدس. ويحفل النص الإسلامي بالقوة الروحية لهذه العلاقة، حيث شرّف المكان ورفع قدره، شرعاً واصطلاحاً. وتمّ الربط بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام والمسجد النبويّ، سواءً بكونه أولى القبلتين ولثالث الحرمين الشريفين، أو بمعجزة الإسراء والمعراج. ووردت في الأحاديث المرفوعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خصائص لبيت القدس/ أرض المحشر والمنشر، الذي تُشَدّ إليه الرحال، الحثّ على زيارته، ثواب الصلاة والمرابطة فيه.. الخ؟

 

ثمّة إذنْ مخزونٌ دينيّ يمكن استخراجه دفعة واحدة، حين وصول منسوب الاحتقان إلى حدّ المساس به. وفي حالةٍ كهذه يلعب أيّ حدثٍ (مهما كان هامشياً) دور الشرارة التي تشعِل الغابة، على غرار زيارة الإرهابي شارون التدنيسيّة للحرم القدسي الشريف.

 

وعلى الصعيد التاريخيّ، قبل الفتح الإسلامي وبعده، اختُصَّتْ القدس من مساحة التاريخ العربي بوقائع غير قابلة للطمس أو التجاوز، مهما بلغت قوة الاحتلال. وتثبت نتائج الحفريات التي يجريها الصهيونيّون أنفسهم رسوخ الوجود العربيّ الإسلامي في المدينة، ناهيك عن بقاء مئات المباني التي استُخْدِمت للتكايا والزوايا والمعاهد والمدارس والمساجد، ومئات النصوص المحفورة على حجارة القدس، التي تنطق بهوية المدينة حضارتها.

 

هنا أيضاً اندماج القدس في حياة الأمة، بمضامين مادية واجتماعية وسياسية تعززها الوقائع والأحداث، امتداداً إلى التاريخ الحديث والمعاصر، مروراً بثورة البراق عام 1929م، وهبّة النفق 1996م، وأخيراً انتفاضة الأقصى العارمة.

 

مقابل هذه  التراكمات، يحشد الصهيونيّون أساطيل مدجّجة بالأسلحة والجرّافات. ويستدعون من عالم الأوهام مقولات ومفاهيم هي بحدّ ذاتها اعتداء صارخ على الحضارة والإنسانية. فكيف إذا وُضِعت قسراً في مكانٍ يتناقض معها بصورة كلية؟.

 

في موازاة هذه الحقائق، والتصاقاً بمسار الصراع، أسهم الاحتلال الصهيوني للقدس بتحويل المدينة إلى رمز دينيّ/ وطني وقوميّ من الدرجة الأولى ليس فقط بالنسبة الفلسطينيين، وإنما أيضاً بالنسبة للعرب والمسلمين، وأكثر من ذلك.

 

وضعت البلدة القديمة التي تقلّ مساحتها عن كيلومترٍ مربع، قوة عظمى من عوامل التوتر والتحدي والمواجهة.

 

وعلى امتداد السنوات الماضية، تدفّقت في نهر الحقد العنصري الصهيوني مياه العنف والقمع والممارسات العدائية التي استهدفت هوية المدينة ووجود أهلها، فرفدت الصراع على القدس بمزيدٍ من التصعيد، حتى بلغ مرحلة اللاعودة.

 

عكست انتفاضة الأقصى هذه النتيجة، وكانت سلطات الاحتلال منذ اليوم الأول للمواجهة ترمي إلى انتزاع القدس من سياق الالتحام العربي الإسلامي بها، وإدراجها في سياق المناطق المسيطر عليها إلى الأبد. فأعدّت خطة محكمة للعمل في منطقة الحرم، واستبعدت منذ البداية أدوات التصوير المتحرّك كي لا توفّر أدلّةً ملموسة ضدها، وكانت "جمعة حمراء". ثم شهدت الأيام اللاحقة أعمال استقواءٍ بالآلة العسكرية، جرى فيها استخدامٌ مفرط للعنف، قلّ نظيره إلا في مدرسة القتل النازية/الصهيونية.

 

إزاء هذا الواقع وتداعياته، تحوّلت انتفاضة الأقصى على الساحة العربية-الإسلامية إلى قوة توحيدٍ هائلة يكاد لا يضاهيها أيّ حدث آخر، ففي الدائرة الأولى استقطبت المواجهة جميع شرائح الشعب الفلسطيني وقواه وفعالياته في الضفة والقطاع، وتلاشى "الخط الأخضر" بانخراط عرب فلسطين المحتلة منذ 1948م في الانتفاضة، مؤكّدين بالشهداء والجرحى والخسائر المادية وحدة الشعب والأرض والقضية، ومعبّرين عن مركزية القدس في انتمائهم الديني والوطنيّ. وفي الدائرة الثانية عمّتْ مواقف التأييد والتضامن مع الانتفاضة مختلف العواصم والمدن العربية والعالمية. وفي هذا دلالة واضحة على مكانة القدس والمدافعين عنها لدى العرب والمسلمين وقوى السلم والحرية في العالم.

 

في هذا المنحى، أفضت انتفاضة الأقصى إلى جملةٍ من الدروس والعِبَر التي عمّقت مساربها بين مجمل ثوابت الصراع العربي الصهيوني، وفي مقدّمتها:

 

- في زمن الأفراد قد تستطيع سلطات الاحتلال أنْ تحقّق نصراً عسكرياً أو أنْ تفرض الأمر الواقع بالقوة الغاشمة، بيْدَ أنّه في "زمن المجمّعات" يخسر الصهيونيّون أيّ معركةٍ حتى قبل أنْ تبدأ، بفعل القدرة الواعدة في الجانب العربي الإسلامي.

- إنّ السيطرة الصهيونية على القدس جعلت المدينة والمسجد الأقصى أقرب إلى المسلم من ظلّه، وأنّ لعبة الموت التي تمارسها قوات الاحتلال أخفقت في بلورة حالة الردع التي يتوخّاها الصهيونيّون.

- أثبتت عمليات إطلاق النار وإجراءات الإغلاق وحرمان المسلمين من الوصول إلى الحرم القدسي أنّ سلطات الاحتلال تسعى إلى مواصلة نهجها عبر تأجيج المشاعر، وتصوير الأمر على أنّه مجرّد كراهية إسلامية لليهود. وفي هذا تزييف لطبيعة الصراع وأسبابه المتعلقة باغتصاب الأرض وتهجير سكانها، وتغطية على المساعي الرامية إلى شلّ قدرة الباقين في الوطن على البقاء والصمود.

- تشكّل قضية القدس مدخلاً واسعاً للتاريخ الحقيقي الذي يكتبه الشهداء والجرحى بدمائهم، كبديلٍ لرواية التناخ (العهد القديم) وللأضاليل والترهات التي روّجها العابثون بهذا التاريخ. وفي ضوء ما يجري، من غير الممكن عزل هذا القضية عن مجمل الموضوعات التي يدور حولها الصراع.

- يمكن، منذ الآن، اعتبار أيّ حلٍّ وسط "قد يتمّ التوصل إليه بشأن القدس، بأنّه قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أيّ لحظة، لأنّ حلاً كهذا سوف ينتقص بالضرورة من الحقّ العربي الإسلامي الثابت في القدس، ويعطي لليهود شرعيةً ترفض الأمة التسليم بها.

 

تؤكّد هذه الدروس أنّ الاحتلال يواجه أفقاً مسدوداً، أنّ قضية القدس في سياقها الطبيعي تختزل الصراع بين المطلق والمطلق، صراع الوجود بين نقيضين يتعذّر التوفيق بينهما، بفعل استمرار العمل لاستكمال المشروع الصهيوني الإحلالي، ورفض الأمة الانصياع إلى مشيئة أعدائها، مهما بلغت قوتهم.

 

مصادر البحث

1) التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت/ 1997م، سلسلة التقارير الإحصائية/ 41، كراس نوع التجمّع (رام الله/ فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينيّ) أيار/ مايو 1999م، ص83. و: (المصدر الثاني 123/ 124).

2) القدس/ 1998م، الكتاب الإحصائيّ السنوي الأول (رام الله/ فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينيّ) كانون الأول/ ديسمبر 1999م، ص71.

3) الإحصاءات الجغرافية في الأراضي الفلسطينية (رام الله/ فلسطين: دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية) كانون الأولى/ ديسمبر 1998، ص59.
4) نداف شرغاي، تقرير صحيفة "هآرتس" الصهيونية 26/12/2000م، ص5.
5) تصريح فيصل الحسينيّ، صحيفة القدس المقدسيّة 3/8/2000م، ص6، 8.
6) تقرير الحسابات القومية الفلسطينية/ 1997م (رام الله/ فلسطين: دائرة الإحصائية المركزية الفلسطينية) 1998، ص100.
7) القدس/ 1998، الكتاب الإحصائي السنوي الأول، م. س. ذ ص198.
8) مسح القوى العاملة الفلسطينية/ 1998م (رام الله/ فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينيّ) حزيران/ يونيو 1999م، ص متفرقة.
9) القدس/ 1998م، الكتاب الإحصائيّ السنوي الأول، م. س. ذ، ص10، 247.
10) الكتاب الإحصائيّ التربوي السنويّ، سلسلة الإحصاءات المركزية الفلسطينية، بالاشتراك مع وزارة التربية والتعليم) نيسان/ أبريل 1999م، ص متفرقة.
11) المصدر السابق ذاته.
12) القدس/ 1998، الكتاب الإحصائي السنوي الأول، م. س. ذ، ص253.
13) إحصاءات الرعاية الصحية الأولية/ 1997م (رام الله/ فلسطين: دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية) 1998م، ص50.
14) إحصاءات الثقافة/ 1998م (رام الله/ فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينيّ) 1999، ص100.
15) وليد أبو سرحان وبسام عويضة، ملف الاستيطان ح11، القدس المقدسية 1/1/2000م، ص 16. و: تقرير المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة اللاجئين (بيت لحم/ فلسطين) 1999م، ص10.
16) سلمان حسين أبو ستة، سجل النكبة 1984/ القرى والمدى التي احتلّت وطرد أهلها (لندن: مركز العودة الفلسطينيّ) 1998م، ص42 إلى 45.
17) تقرير مركز اللوبي من أجل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية في القدس، صحيفة الأيام الفلسطينية 20/12/1998.
18) عميرا هاس، تقرير في صحيفة "هآرتس" الصهيونية 14/6/2000م، ص1.
19) هايل صندوقة، ملخص دراسة في صحيفة القدس المقدسية 10/6/1999، ص22.
20) مسح المستعمرات "الإسرائيلية" في الضفة الغربية وقطاع غزة، المركز الجغرافي الفلسطيني (1995م) و: القدس/ 1998، الكتاب الإحصائيّ السنوي الأول، م. س. ذ، ص74، 75.
21) نداف شرغاي، تقرير صحيفة "هآرتس" الصهيونية 4/6/2000م، ص3.
22) روحي الخطيب، تهويد القدس (عمان: منشورات لجنة إنقاذ القدس) 1970م، ص10-12.
23) وليد أبو سرحان وبسام عويضة، ملف القدس ح31، القدس المقدسية 17/6/2000م، ص18. و: القدس/ 1998، الكتاب الإحصائيّ السنوي الأول م. س. ذ، ص308.
24) نشرة الرقيب، إصدار المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان، السنة الرابعة، العدد 20 (تشرين الأول/ أكتوبر) 2000م، ص3.
25) روحي الخطيب، تهويد القدس، م. س. ذ، ص44-26.
26) المصدر السابق ذاته، ص34.
27) تقرير جمعية عير شاليم اليهودية حول البناء في القدس، صحيفة الاتحاد- حيفا 23/7/1997م، ص4 و: تقرير، وصحيفة القدس المقدسية 14/3/1999م، ص4.
28) تقرير جمعية بتسيلم اليهودية حول سياسة التمييز، صحيفة القدس المقدسية 3/3/1997م. ص9.
29) تقرير لوزارة الإعلام الفلسطينية، صحيفة الاتحاد- حيفا 3/6/1997م. ص11.
30) نداف شرغاي، تحقيق في صحيفة "هآرتس" الصهيونية 1/8/2000م.
31) وليد سرحان، وبسام عويضة، ملف القدس ح30، صحيفة القدس المقدسية 5/6/2000م. ص21.
32) تقرير عن الكتاب السنوي الثاني للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينيّ حول القدس، صحيفة القدس المقدسية 21/12/2000م، ص4.
33) تقرير وزارة الإعلام الفلسطينية، صحيفة الأيام الفلسطينية 6/12/1998م.
34) تقرير مركز الدراسات والحقوق المدنية في بيت الشرق، صحيفة القدس المقدسية 20/2/1999م. ص2.
35) نداف شرغاي، تقرير في صحيفة "هآرتس" الصهيونية 27/7/1999م، ص5.

36) القدس/ 1998م، الكتاب الإحصائيّ السنوي الأول م. س. ذ، ص117.

* باحث، ورئيس تحرير مجلة الأرض في مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية- دمشق.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »