مستقبل القدس على ضوء التعديات الصهيونية ودور المثقفين الفلسطينيين والعرب

تاريخ الإضافة الخميس 10 كانون الثاني 2008 - 9:57 م    عدد الزيارات 14547    التعليقات 0

        

مقدمة
في صباح اليوم الخامس من حزيران من عام 1967، أطاحت الآلة العسكرية الجوية الصهيونية، وهي أحد تجليات المشروع الإمبريالي الصهيوني الأمريكي، بكامل القوة العربية فاجتاحت الأرض وكانت القدس وضمنها الحرم القدسي، أبرز الأهداف لهذا الاجتياح.

 

ما حدث يوم الهزيمة الكبرى، لم يكنْ حدَثاً عابراً في سلسلة الاعتداءات الصهيونية خلال قرنٍ كاملٍ ونيّف، بل لحظة حاسمة حُضّر لها بإعدادٍ هائل في دوائر صنع القرار في الغرب خلال قرونٍ عديدة بلغ أشدّه في القرنيْن الماضيين. لقد بدأ الغرب الدفع باتجاه عملية اختراق العالم العربي والسيطرة عليه، وتهديد فلسطين والقدس خاصةً بدءاً من الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.

 

بدأت المركزية الأوربية وأبرز أدواتها المعرفية "الاستشراق" بإنشاء معرفةٍ اعتمدت فكرة البحث عن "إسرائيل" القديمة بأورشليم يهودية باعتبارها منشأ الحضارة الغربية.

 

وسنرى أنّه سيجرى استثمار التحولات التاريخية التالية كلحظاتٍ حاسمة باتجاه تحقيق دولة الاستيطان الصهيوني على أرض فلسطين، ومن هنا يمكن اعتبار  وصول أوّل مستوطن يهودي إلى فلسطين بدايةً فعلية لمشروع الهيمنة والتهويد. والهدف النهائي كان واضحاً منذ البداية، هو: "طرد السكان الأصليين العرب من ديارهم، وإقامة دولةٍ قوامها استيطان صهيوني بنموذج غربي يشكّل جداراً وسدّاً في وجه البربرية العربية" والقول لهرتزل.

 

اللحظةُ الحاسمة، كانت حاسمة بامتياز، فقد دخل مردخاي غور على رأس محاربيه ساحة حائط البراق، الجدار الغربي للحرم القدسي، ووسط احتفالية كبرى اعتلى جنود الاستيطان الصهيوني قبة مسجد الصخرة، ورفعوا العلم "الإسرائيلي" استهدافاً السيادة العربية الإسلامية ومقدساتها.

 

في اللحظات الحاسمة يزاوج الفكر الفلسطيني بين الحراك النسبي والمطلق الصهيوني.
لقد كانت اللحظة الحاسمة هذه المرة مذهلة، المكان في حدّه الأقصى والزمن في بعده اللامعقول.

 

لقد قام بن غوريون عام 1949 بعدما انهارت الجيوش العربية أمام العصابات الصهيونية بإنشاء الخط الأخضر على أنّه بادرة حسن جوار، لكنّه في الحقيقة أنشأ حدّاً مؤقتاً يفصل الدولة الغاصبة عن أشلاء ما تبقّى من فلسطين لإعمار دولته بعيداً عن الضغوط والممانعة.

 

لم يكنْ ما فعله دايان وزير الدفاع الصهيوني، عشية يوم الخامس من شهر حزيران لعام 1967، بعيداً عن الرؤية الصهيونية لابن غوريون. لقد زاوج بين الحراك النسبي والمطلق الصهيوني بإحداث تبديل في المتغيرات:

 

الخط الأخضر عند دايان كان إنزال العلم "الإسرائيلي" عن المقدسات الإسلامية، وفتح الحرم القدسي للصلاة، الذي قُدّم للعالم على أنّه أريحية يهودية، لذلك تلقّى ليفى أشكول رئيس الوزراء "الإسرائيلي" كتب شكرٍ من العديد من قيادات النظام الرسمي الإسلامي. إضافةً إلى الإشارة العالمية للحدث في مراكز القرار العالمي. وأمّا الحركات الطارئة عند دايان وهي انعكاسات الحركة المطلقة، فقد عُتِّم عليها إعلامياً.

 

بدأت المدفعية الصهيونية بقصف المدينة. خارج السور وداخله، حدث ذلك على الرغم من انسحاب الجيش الأردني من مدينة القدس واستسلامه الكامل دون شرط.
الهدف النهائي كان هدم المعالم العربية التي تشير إلى الثقافة والتاريخ العربي الإسلامي في محيط الحرم القدسي وأرجاء المدينة القديمة.

 

لقد سوّت الجرافات حي المغاربة بالأرض، ولاقت أحياء الشرف والسلسلة وصولاً إلى باب يافا المصير نفسه. واتّضحت الصورة خلال أيام. ما كان يُدْعى حي المغاربة أضحى ساحة صلاة. كُشفت أساسات حائط البراق، ليُعلَن على أنّها تعود لأحجار الهيكل الثاني، وعلى امتداد الجهة الغربية، يُعّد "أوتوستراد" ضخم لربط حائط المبكى المدّعى بباب يافا.

 

لقد روّج الإعلامي الغربي والصهيوني للصورة على كونها لحظة تاريخية حاسمة، استعاد فيها اليهوديّ حقّه التاريخي بأداء الصلاة، ولتلميع صورة ما حدث، نُظمت حملةٌ عالمية لفرش الحدائق بالمسطّحات الخضراء، فسارعت الدول والمؤسسات الغربية إلى شحن أزهار التوليب والهيسانت، لتغليف الجريمة المرتكبة بصياغة غربية براقة.

 

ومن أجل كشف التزوير التاريخي الصارخ، واستجلاء قصّة حائط المبكى ومصير الأحياء العربية في إطار حائط المبكى ومصير الأحياء العربية في إطار الحرم القدسي، ومستقبل مدينة القدس، لا بُد من استقراء التاريخ من خلال تتبّع أعمال التنقيب بحلقاتها المتعددة بصورة وجيزة، وقراءة النتائج المستخلصة وكشف الاعتداءات الصهيونية التي تعرّضت لها القدس خلال عشرات السنين الماضية، ومن ثمَّ التوجيه بما يجب فعله، على ضوء الواقع العربي المأزوم، والحالة الفلسطينية المنقسمة.

 

 

حائط المبكى ومصير حي المغاربة:
لم يكنْ حائط البراق بالذات يثير لدى اليهوديّ عبر التاريخ أية خصوصية روحية ولم تُشِرْ الأدبيات اليهودية إلى علاقةٍ ما بما اصطُلِح عليه فيما بعد على أنّه جدار المبكى. الدراسات التاريخية مجمعة على أنّ أساسات الحائط المذكور تعود إلى معبد هيرود الروماني الذي بناه مطلع القرن الأول الميلادي.

 

الإشارات اليهودية إلى العلاقة اليهودية مع هذا الحائط نشأت بعد إنهاء السلطان العثماني سليمان القانوني أسوار القدس ومنها أسوار الحرم القدسي وضمنها هذا الحائط.
لقد وفد اليهود إلى الدولة العثمانية بأعدادٍ كثيفة بعد توجيه الدعوة إليهم من قِبَل السلطان بيازيد الثاني "1481-1512" للقدوم وسكن الأراضي العثمانية. وفي عهد السلطان القانوني طلب يهود إستنابول والبلقان السماح لهم بالوقوف والصلاة أمام حائط البراق. فأصدر فرماناً يسمح لهم بذلك في مساحةٍ طولها ثلاثون متراً وعرضها متران ونصف، كان اليهود يلجون إليها من خلال زقاق ضيق، يبتدئ من باب السلسلة.

 

لقد رحّب العرب المغاربة الذين كانوا قد قدِموا القدس للمشاركة في تحريرها من الفرنجة، بالوافدين اليهود. فأسكنوهم جوارهم استمراراً للتعايش والتسامح الذي كان يكنّه العرب لليهود إبان العهد الأندلسي.

 

لذا كيف ردّ الصهاينة اليهود على التسامح العثماني والضيافة العربية المغربية.

 

أولاً: في المنظور الفكري:

نعلم جميعاً أنّ حائط البراق يمثّل في التاريخ العربي نقطة العبور للفتح الإسلامي، فالإسراء أعطت الموقع قداسته. وأتَت العهدة العمرية بين بطريرك العرب صفرنيوس وخليفة العرب المسلمين عمر، لتكرّس شراكة عربية ولتعزّز الموقع كموقع سيادة عربي ونبضٍ قطعي: أن لا يسكن القدس أحد من اليهود.

 

نقطة العبور هذه والموقع السيادة هذا، كانت النقطة الافتراضية في المشروع الصهيوني الاستيطاني. نُظِر إلى حائط المبكي على أنّه ما تبقّى من الجدار الخارجي للهيكل وبالتالي كان التوجّه اليهوديّ إلى هذا الحائط هدفاً لانتزاع السيادة على القدس وفلسطين من العرب والمسلمين. وقد كان انتزاع مفتاح باب المغاربة والسيطرة على الباب مدخلاً لعملية تهويد القدس فيما بعد.

 

ثانياً: على أرض الواقع:

اعتراف بطل هدم حي المغاربة الجنرال إيتان بما يلي:

"أعطيت في الخامس من حزيران 1967 محصّلة ربع ساعة للسكان ليغادروا منازلهم في الحي. لقد هدمت الحي بأكمله ولم أُخرِج منه ذرّة تراب واحدة. ألقيْنا أنقاض البيوت في المناطق المنخفضة، ومعها الجثث للمتبقّين أحياء وهذه الجثث لعرب وليت ليهود، أقول هذا حتى لا يحوّل اليهود المكان إلى موقعٍ يحظر الوقوف عليه. لقد هدمت مسجد البراق"... واستطرد قائلاً بوقاحة مجرم حرب:

 

"إذا كانت فرس محمد قد صعدت السماء فلماذا لا يصعد المسجد وراءه أيضاً، لقد قمت بطحنه بشكلٍ جيدٍ، بحيث لم يتبقَّ منه أثر يذكر. لقد أمرت شفهياً بأنْ تُهدَم حارة المغاربة وقتل من بقِي من سكانها وقالوا لي: إذا حدثت ضجة في العالم من جرّاء ما ستفعله فستقول إنك فعلت الأمر بمبادرتك الذاتية وسنسجنك خمسَ سنوات إلا إننا سنمنحك العفْو في اليوم التالي، فوافقت على ذلك".

 

 

الحلقة الأولى في سلسلة الاعتداءات الصهيونية على مدينة القدس خلال الفترة الواقعة ما بين 1865-1967

 

هدفت التنقيبات الأولى، وهي الشكل الأولي للاعتداءات الصهيونية، إلى البحث عن مفردات السردية التوراتية بوصفها عناصر أساسية يمكن أنْ تسهم في اختلاق "إسرائيل" القديمة.

 

إنّ أول التنقيبات قام بها الضابط شارل وارن برعاية صندوق الاستكشاف البريطاني، وتابعتها بعثات مختلفة أبرزها بعثة الضابط شارل ولسن من سلاح المهندسي الملكي البريطاني.

 

نقبت هذه البعثات في الأنفاق والقنوات والفتحات المؤدّية إلى واديي قدرون وهنوم وصولاً إلى الحرم القدسي، حيث اكتشفت الأبواب والأقواس والقناطر التي سمّيَت بأسماء مكتشفيها إضافةً إلى الرصيف الملاصق لجدارَيْ الحرم الجنوبي والغربي: وارن- ولسن- روبنسون- باركلي.

 

كما كشفت عن مستودعات المياه الموجودة أسفل ساحات الحرم، وأعرِض بشكلٍ مفصّل أبرز هذه التنقيبات:

 

وارن- ولسن- الجدار الشرقي- الرصيف

وحصيلة هذه المرحلة جسماً جاء في موسوعة التنقيبات في الأرض المقدسة التي تصدرها جامعة إكسفورد ببريطانيا: إنّ أعمال التنقيبات انصبّت على التدقيق والتعرّف دون أنْ تصل إلى نتائج حاسمة.

 

وأبرز التعديلات الصهيونية خلال هذه الفترة، تعرّض حائط البراق للاعتداء المباشر بما هو معروف، ما نجم عنه ثورة البراق ما بين 23-30/8/1929.

 

وأمّا التنقيبات التالية فقد قامت بها كاثلين كينبون- عالمة الأثار البريطانية ما بين 1961-1967، وذلك من أجل تدقيق التنقيبات الأولى وإجراء تنقيبات في مواقع جديدة بتطبيق مناهج حديثة واستخدام طريقةٍ التأريخ بالكربون المشعّ والنتائج تحتاج إلى دراسات موسّعة معمقة، لكن يمكن تلخيصها بنتيجة موادها:

 

لم يُعثَر في منطقة الحرم القدسي، على أية آثارٍ تعود إلى القصور التي تسبق القرن الثاني قبل الميلاد وإنّ ما وُصِف بأنّه مدينة داود، جنوب منطقة الحرم القدسي، لم يكنْ إلا عناصر كنعانية بحتة.

 

 

الحلقة الثانية
التنقيبات والاعتداءات خلال الفترة الواقعة ما بين 1967-2000

 

بعد سقوط القدس في قبضة الاحتلال الصهيوني عام 1967 وهدمها لحي المغاربة -كما أسلفنا- استولت سلطات الاحتلال العسكري على مفتاح باب المغاربة جاعلةً من هذا الباب مدخلاً حصرياً للجنود والمستوطنين إلى منصة الحرم القدسي، وقد شكّل هذا المدخل طريقاً للاعتداءات التي تعرّض لها الحرم القدسي بشكلٍ مباشر فيما بعد.

 

أطلقت سلطات الاحتلال يدَ الآثاريّين في أعمال الحفريات الغربية عن أساساتٍ تعود إلى ثلاثة عهود: الروماني- البيزنطي- الأموي، يعلوها البناء المشاد في العهد العثماني.

 

ثانياً: كشفت التنقيبات في المنطقة المجاورة للزاوية السابقة عن ثلاثة قصور تعود إلى العهد الأموي والعصور التالية له.

 

ثالثاً: أُعيد الكشف على الأبواب الثلاثة في السور الجنوبي فتبيّن أنّها تعود إلى العهد الأموي كذلك.

 

رابعاً: جرى الكشف على المنطقة المحاذية للجدار الشرقي، فتبين كذلك أن الحفريات تعود إلى العصر الأموي وعهود تالية له، عدا الزاوية الجنوبية الشرقية فإنّ مداميكها الأولى تعود إلى عهودٍ متعددة أقدمها العهد الهيروردي الروماني.

 

خامساً: قامت السلطات الصهيونية بهدم الباب المُكتشف من قِبَل وارن من أجل تتبع أقنية الصرف الصحي الواقعة خلفه، فعثرت على نفقٍ استُخدِم فيما بعد لأغراض دعائية حيث حُوّل القسم الأخير منه المتّصل بأحد مستودعات المياه إلى كنيسٍ تُعرَض فيه الرموز والإشارات اليهودية.

 

وفي عهد نيتنياهو عام 1996، تابع "الإسرائيليون" أعمال التنقيب في هذا النفق لجهة الشمال فتجاوزوا حدود منصة الحرم إلى الشارع الموازي للجدار الشمالي.
وفي موكبٍ احتفاليّ كبير، دخل ينتنياهو النفق المذكور بتاريخ 24/9/1996 وخرج من نهايته، وكان الردّ العربي الفلسطيني حادّاً، هبة الأقصى التي قدّم فيها شعبنا موكباً جليلاً من الشهداء.

 

وأبرز الاعتداءات الصهيونية التي لا تنسى خلال هذه الفترة حريق المسجد الأقصى بتاريخ 21/آب/1969.

 

 

الحلقة الثالثة
الاعتداءات الصهيونية على الحرم القدسي في عهد شارون

 

خلال مفاوضات كامب ديفيد الثانية في 12 تموز عام 2000، رفض باراك السيادة العربية على الحرم القدسي، وطالب بتقاسم السيادة عليه، وإطلاق اليد الصهيونية تحت كامل مساحته والساحات المحيطة به، رفض ياسر عرفات مبدأ التقاسم على المجال المقدس وهو المصطلح الذي طرحه باراك خلال تلك المفاوضات.

 

استقرأ شارون، وكان في المعارضة، نقطة الاستعصاء التي وصلت إليها المفاوضات، وخشية من تنازلاتٍ تضطر إليها حكومة باراك، والتي توصف في الفكر الصهيوني بالحراك النسبي، دفع الأمور باتجاه المطلق الصهيوني.

 

فقد قاد بتاريخ 28 أيلول عام 2000 تظاهرة عسكرية اجتاحت الحرم القدسي، حاملة تضمينات سياسية واضحة، شكّل هذا الاعتداء جولة من أشرس جولات العدوان الصهيوني وكان الشرارة التي أطلقت الانتفاضة الثانية.

 

انعكاسات ذلك كانت هائلة، فقد قادت شارون إلى قيادة الدولة الصهيونية في شباط 2001، للذكرى فقط، لقد تخلّى شارون عن الخط الأخضر في التعامل مع شريك أوسلو، السلطة الوطنية فدمّر رام الله، وحاصر رئيسها بعد وصفه بعدو إسرائيل. والنقطة الأبرز عند شارون أنّه أوقف الحفريات والتنقيبات عن أثرٍ مفترض للهيكل والتي كان يقوم بها رجال آثاريون من هيئات دولية وتوراتية خلال قرن، فالأمر بالنسبة للمطلق الصهيوني بمنظور جابونسكي من قبل وشارون من بعد، لا يحتاج إلى بحث وحراك نسبي، وهو مسلّمة بالمطلق الصهيوني كما أشرنا.

 

فقد أعلن بتاريخ 27 أيلول عام 2001: أنّ المسجد الأقصى هو أهمّ مكانٍ مقدّس لليهود. وتابع قائلاً: "نحن ليس عندنا مكة، ولا المدينة، ولا الفاتيكان، يوجد عندنا فقط هيكل سليمان واحد، ولن نسمح لأحدٍ بأنْ يقرّر لنا متى ندخله وكيف". لقد طرد شارون كل المنقبين والآثاريين حول منطقة الحرم وأمر بجرف كل العناصر والكتل الإنشائية والطبيعية التي تحيط بجدران الحرم القدسي، فأخضع المنطقة بأكملها للسلطة العسكرية المباشرة ووضع القيود للحدّ من أداء المسلمين الصلاة في الحرم القدسي، والتي نذكر أنّ دايان سمَح بها، من منظور الحراك النسبي، بعد احتلال الصهاينة للقدس في الخامس من حزيران من عام 1967.

 

استمرّ شارون في تصعيد مواقفه وتنفيذ أجندته الصهيونية بانسحابه الأحادي من غزة 18/5/2005، وتابع عمليات التوسع في الاستيطان في الضفة الغربية وداخل وحول القدس حتى دخوله في الغيبوبة بتاريخ 16/1/2006.

 

 

الحلقة الرابعة والأخيرة
الاعتداءات الصهيونية على الحرم القدسي في عهد أولمرت

 

تابع أولمرت خطى شارون في الاعتداء على المؤسسات الإسلامية في محيط الحرم القدسي، وتجلّى ذلك فيما يلي:


1- جرى افتتاح قاعة جديدة للصلاة في ساحة حائط البراق، تحت مبنى المحكمة الإسلامية بتاريخ 13/3/2006.
2- باشرت جمعية عطبيرت كوهنيم بناء كنيسٍ يهودي على سطح المحكمة الإسلامية وبذلك يتحقق للصهاينة اغتصاب مبنى المحكمة الإسلامية بأكمله.
3- ادّعت سلطة الآثار الصهيونيّة اكتشافها نفقاً يعود إلى فترة الهيكل الثاني ويمتدّ مدّ حائط البراق جنوباً حتى بلدة سلوان.
4- بدأت سلطات الاحتلال بإزالة تلة المغاربة وتشكّل الطريق التاريخي الرئيسي الذي يؤدّي إلى الحرم القدسي. أثيرت الضجة فلجأت "إسرائيل" إلى الحكومة التركية فأرسلت لجنة لتقصي الحقائق، وانتظرت منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية نتائج تقريرها، لكنّ اللجنة غابت ولم يظهرْ تقريرها على منصات الإعلام العربي، بينما أتت إشارةٌ إليه خلال البيان الختامي لملتقى القدس في إستنبول.
5- وبالتزامن مع إعلان بوش في تموز 2007 ودعوته إلى التحضير لمؤتمر الخريف تابعت صهيونية أولمرت الاعتداءات على القدس من خلال المحاور الآتية:

أولاً: تتابع السلطات الصهيونية استكمال بناء الجدار الاستيطاني.
ثانياً: أُعلِن عن افتتاح كينسٍ تحت المسجد الأقصى بين جداره الغربي وعُمْقاً حتى أساساً مسجد قبة الصخرة.
ثالثاً: أعلن عن مصادرة 1100 دونم من الأراضي الواقعة شرق مدينة القدس، ضمّت إلى أراضي "القدس الكبرى" لتحقيق التواصل بين مستوطنة "معاليه أدوميم" ومدينة القدس.
رابعاً: باشرت السلطات الصهيونية في بناء 4100 وحدة سكنية شمال شرقي مدينة القدس من أجل الإغلاق الاستيطاني الكامل لمدينة القدس ومحاصرة أهلنا داخل حدودها.
خامساً: أعلن عن أراضي قرى وبلدات أو دلي ومخيم تحفاط والسواحر والواحة وذلك من أجل محاصرة ما تبقى من تجمعات سكانية عربية اجتماعياً واقتصادياً.
سادساً: متابعة التضييق على المقدسين العرب من أجل تهجيرهم القسري وتخفيض نسب وجودهم الديمغرافي في مدينة القدس إلى أدنى المستويات.
سابعاً: تابعت السلطات الصهيونية أعمال الحفر والهدم لمنطقة باب المغاربة وجنوب الحرم القدسي.
ثامناً: تواصل العدوان الصهيوني من توسيع استيطان واجتياحات مدمّرة واستمرار الاغتيالات والحصار وارتكاب الجرائم بحقّ السكان من أجل تثبيت واقعٍ جديدٍ يتجدّد كل يومٍ في الوقت الذي يتم فيه الحديث عن السلام.

 

 

مؤتمر الخريف وصورة المستقبل! دور المثقفين الفلسطينيين والعرب!

الهدف من العرض التفصيلي لملف الاعتداءات الصهيونية التي امتدّت على مدى قرنٍ كامل واستهدفت -كما رأينا- فيما استهدفت القدس بما تمثّله من دلالات رمزية هي محاولة لقراءة الواقع العربي وضمنه الوضع الفلسطيني الحالي.

 

هذه القراءة تصوّبُ باتجاه استخلاص النتائج، من أجل تحديد معالم مستقبل القدس وفلسطين بل المنطقة العربية برمتها، لأنّها ترتبط بوشائح تاريخية أصيلة، وبمصير واحدٍ.

 

القدسُ تُبتلع وكذلك الموارد والإرادة العربية!
القدسُ تُهوّد وتتحوّل إلى أورشليم كونية -أيْ إلى أحد مراكز العولمة- وعاصمة لمشروعها الصهيوني!

 

هذا التحوّل والتهوّد يجري جنباً إلى جنب مع تحوّل العواصم واحدة بعد أخرى إلى مدن عولميّة تدور في تلك العاصمة الكونية الصهيونية ولن أسَمّي عاصمةً بعينها فالصورة واضحة! والرؤية متكاملة.

 

عمليةُ الابتلاع والتحوّل تجري برتابة وانتظام منذ أكثر من قرنٍ وفْق مشاريع المنظومة الإمبريالية الصهيونية، التي أعادت تقسيم العالم وفْق مصالحها وكانت القدس وفلسطين طبقاً لذلك أحد استهدافاتها! وبدءاً من سايكس بيكو ووعد بلفور واحتضان الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني.

 

وفي ظلّ المزاوجة ما بين الحراك النسبيّ الرأسمالي العولمي والمطلق الصهيوني، وفي ظلّ تناغمٍ وتبادلٍ وظيفي، نهض استيطان مرعبٌ على أكثر من 80% من أراضي فلسطين وأحال ما تبقّى إلى جزرٍ وتجمّعات سكانية عربية مبعثرة تتصل ببعضها بالطرق الالتفافية والأنفاق.

 

لقد رأيْنا أنّه بعد كلّ حالة ابتلاعٍ وقضمٍ وتحقّق استيطان، يُلوح بكسرة أمل فيسارع المهرولون إلى حيث يُراد لهم أنْ يهرولوا، فيتنادون إلى زرع الآمال، وفي تلمّس المياه في وديان السراب ومتاهات الرمال.

 

والدعوة التي وجّهها بوش بتاريخ 17/7/2007، والتي تتضمّن التحضير لاجتماعٍ دولي هذا الخريف، وقد تسارعت الخطى من أجل عقده بتاريخ 27/11/2007 في ظلّ مشاركةٍ عربية واسعة، إضافةً إلى السلطة الوطنية، هي بمنزلة كسرة أمل تندرج في سياق ما ذكر.

 

وعلى ضوء التاريخ الأمريكي في المنطقة والعالم وما يُصرّح به الزعماء الصهاينة ويؤكّده المحافظون الجدد في أروقة البيت الأبيض صباح مساءَ، بأنّه لا حق عودة، ولا إزالة استيطان ولا ترميم حدود، ولا وقف اجتياحات وعدوان، فإنّ نتائج مؤتمر الخريف هي بمنزلة دفعٍ للقاطرة التي تنحدر إلى مهبطٍ جديد، وفق معايير الميكانيك الحركيّ وأنظمته، لأنّ الحركة التقهقرية التراجعية لنْ تنتجَ إلا مزيداً من التنازلات والتراجعات.

 

فلا النظام العربي بوضعه المهزوم المأزوم قادر على وقف الحركة ضمن المسار المنحدر المرسوم وهو عاجز بالتالي عن تقديم شيءٍ ولو ورقة توت.

 

والحالة الفلسطينية لا تملك مقوّمات التمثيل والفعل بموقفٍ موحّد يلتقي عليه شعبنا، وتشارك فيه كلّ القوى الفلسطينية، على ضوء معطيات الحاضر الفلسطيني المقسّم.

 

فلقد عجزت السلطة الوطنية في إطار اتفاقات أوسلو وأخواتها وأخيراً خارطة الطريق، عن تقديم أي حلٍ في ظلّ الغطرسة والهيمنة الأمريكية الصهيونية، إضافةً إلى ما خلفته ممارستها في السلطة من سلبيات وانحرافات.

 

والفريق الآخر الذي يتولّى السلطة في غزة، لم يتمكّن من تحقيق عزْل الفئة المتسلطة عن تنظيمها وبالتالي لم يستطعْ أنْ يؤمّن التواصل والوحدة لشعبنا ولم تتحْ له الفرصة لإدارة أجهزة السلطة في ظلّ حالة الحصار المفروضة عليه.

 

والقوى الفلسطينية الأخرى المؤسسة والمشاركة في بناء منظمة التحرير الفلسطينية، لم تستطعْ أن تفرض حلاً أو موقفاً تحسِم فيه حالة الانقسام.

 

من هذا الواقع المتأزّم وقد شكّل سابقةً خطيرة في تاريخ العمل الفلسطيني الوطني ومن منطلق المسؤولية الكاملة للمثقفين الفلسطينيين والعرب تنادي الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين ومؤسسة فلسطين للثقافة وبمشاركةٍ ودعمٍ من كافة القوى والفلسطينيين الوطنية لعقد ملتقى ثقافي ما بين 4-6/11/2007 في دمشق، من أجل إطلاق صرخةٍ للتأسيس لحالة جديدة تنهض بالقضية الأساس: إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة إنشاء مؤسساتها وتفعيل منظماتها على أُسس ديمقراطية ووفقاً للثوابت الوطنية، وكانت المداولات والأوراق المقدمة من المشاركين بالملتقى، تشير إلى مستوى عالي من المسؤولية والوعي، مما أوصل الملتقى إلى بيانٍ ختامي، وتوصيات وقراراتٍ حقّقت آمال وطموحات المشاركين وهي مثال الحالة الفلسطينية القادرة دوماً على خلق بنية جديدة، هذه البنية فتْحٌ لمكان مغلق، أو ما أريد له أنْ يبقى مغلقاً أبداً.

 

الملتقى للمثقفين الفلسطينيين والعرب أعلن أنّ التاريخ لم ينتهِ إلى العولمة والأمركة على أرض فلسطين، بل سيظلّ مفتوحاً تتفاعل فيه كلّ الأفكار ما رُصِد وما لم يُرصَد.

 

الطيف الوطني في الملتقى عالج الفلتان الأمني السياسي على أنّه ردّات فعل محدّدة تُرجع إلى أسبابها وتطوّق بوعي الجميع.

 

هذه البنية الخلاقة التعددية التي تبدّت خلال الملتقى هي سّر هذا الشعب المؤمن العظيم، يجب أنْ يكون نضالنا من أجل تحقيق ذلك مبنيّاً على آمال كبيرة، فطاقات شعبنا قادرة على تجاوز حالة الخيبة التي تساور الكثير منّا، فمن هو قادر على تجسيد مفهوم الشهادة وقد أثبت شعبنا قدرته على ذلك، قادر على تجسيد مفهوم العمل والبناء.

 

على الجميع العمل على تنمية القطاعات الثقافية والإعلامية والفكرية مع التنويه إلى ما ذهبت إليه أوراق العمل المقدّمة في الملتقى أنّ هذا الجهد ليس بديلاً ولا عِوَضاً عن مسؤوليات وأعباء القوى والفصائل الفلسطينية الفاعله، لكنّه دعمٌ ورافعة عمل.

 

إنّ توحيد العمل الفلسطيني، وضمن إطار الحقل الأمميّ المناهض للاستعمار والإمبريالية والتي عبّرت عنه مؤتمرات دربن وسياتل وضمن مؤسساتٍ شرعية بعمقٍ قوميّ وبُعْد إسلاميّ كفيل بإعادة الروح للأمة، وتحقيق أهدافها المرحلية والمستقبلية، والبداية دائماً من دمشق، من سورية التي عوّدتنا على مسار التاريخ أنْ تكون الرافعة والحاضنة في الصراع، فأرضها هي أرض المواجهة الدائمة وشعبها هو دعمها وسندها.

 

 

* ندوة بدعوةٍ من: منتدى الشهيد غسان كنفاني الثقافي بحمص، في يوم الأربعاء الواقع في 21/11/2007، بمقرّ مكتب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مخيم العائدين- حمص.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

د.أسامة الأشقر

الأمير الجرّار ! إنه أمير ابن أمير، شهيد ابن شهيد !

الثلاثاء 6 شباط 2018 - 12:48 م

 أسرة أزديّة قحطانية يمانية قديمة استوطن أجدادهم في بلقاء الأردن قبل الإسلام وانتقل فرع منهم في بدايات القرن الثامن عشر إلى جنين وما حولها وتولى أحد أعيان مشايخهم سنجق جنين، وكثيراً ما يطلق عليهم لقب … تتمة »

محمد أبو طربوش

جرار على خطى القدس

الثلاثاء 6 شباط 2018 - 12:28 م

  دم جديد يسيل على خطى تحرير القدس، لينهض العالم من جديد من براثن سبات طال، دم كتب حقيقة غابت عن الكثرين الحالمين بالسلام، وهي أن حربنا مع العدو الصهيوني هي حرب عقائدية وليست حربًا ضد الفلسطينيين أو ض… تتمة »