انتشار المخدرات خطر يهدد المجتمع المقدسي

تاريخ الإضافة الثلاثاء 22 تموز 2008 - 11:38 ص    عدد الزيارات 18900    التعليقات 0

        

إنّ مصالح وأطماع الدول الاقتصادية والسياسية فوق أيّ قيمٍ دينية أو معايير أخلاقية، أو أية مبادئ إنسانية أو مثل اجتماعية، حيث يقع المتعاطي والمدمن فريسةً سهلة لتجّار ومروجي المخدرات لدرجة أنّه يقوم ببيع أعزّ ما يملك أرضه ومنزله وزوجته وأولاده في سبيل الحصول وتعاطي وجبة المخدر..

 

وقد ارتفع عدد المدمنين خلال عشر سنوات ليصل الآن إلى أكثر من ستة آلاف مدمن وعشرين ألف متعاطٍ في القدس وحدها من أصل ثمانين ألفاً في الضفة الغربية وقطاع غزة وعشرة آلاف مدمن في الوطن.

 

قد تفشت آفة المخدرات في شرقي القدس وانتشرت سريعاً حتى باتت تشكّل مشكلةً خطيرة، وهمّاً وطنياً يهدّد المجتمع بأسره، تكاد لا تنجو أو تخلو منها أيّ طبقة اجتماعية وأي فئة عمرية بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو التعليم أو المهنة، فلقد دلّت الإحصائيات أنّ عدد المدمنين في المدينة ستة آلاف مدمن وعشرين ألف متعاطٍ بنسبة 2.5% من عدد سكانها، فيما بلغ عدد المتعاطين ما يزيد عن عشرين ألف متعاطٍ أي ما نسبة 6.2%، وعليه فإنّ نسبة المدمنين والمتعاطين تتجاوز 8.7% من عدد السكان وهي من أعلى نسب العالم "في الوقت الذي لم يكنْ فيه عدد المدمنين والمتعاطين بضع عشرات عام 1967".

 

لقد أصبحت القدس اليوم بوابة المخدرات للضفة الغربية لتوسّطها فلسطين، فهي تقع بمفترق يربط شمال الضفة بجنوبها، وكذلك غربها بشرقها مما يعني وجود عصابات متخصّصة لنقل وتهريب وتوزيع المخدرات. كذلك لكونها مركزاً وثقلاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً هاماً وبؤرة للصراع العربي "الإسرائيلي" على مر السنوات. ومما يزيد من خطورة تفشّي هذه الظاهرة التي أصبحت تشكّل وباءاً وجريمة اجتماعية تهدّد الأفراد والأُسَر والمجتمع، وتستهدف ابتلاء وإهدار طاقات جميع فئات وشرائح المجتمع المقدسي هو سرعة وزيادة انتشارها بين فئتيْ الشباب والمراهقين بشكلٍ كبير، فقد بلغ عدد المدمنين والمتعاطين الذين تتراوح أعمارهم بين 14-25 عاماً من 70 شخصاً عام 2001 إلى 780 شخصاً عام 2004، أي بزيادة حوالي 111% خلال 4 أعوام فقط. (دائرة الدراسات والأبحاث في الهيئة الوطنية).

 

إنّ المتتبع لظاهرة ومشكلة تعاطي وإدمان المخدرات في القدس يعتصر قلبه ألماً وحسرة ويعتريه الخوف والفزع على الوضع القائم للمخدرات بالمدينة، فلقد اتّسع نطاق الاتجار فيها وترويجها، وسهّل تداولها في جميع أحياء المدينة، فانتشرت في العديد من الأماكن العامة، وفي العمارات والمباني المهجورة، والأزقّة والطرقات وأرصفة شوارع المدينة كشارع صلاح الدين، وفي المنتزهات والمقاهي والحانات ومحطات الباصات. وقرب الحواجز العسكرية "الإسرائيلية" وحول جدار الفصل العنصري من جهة الرام شمالاً والعيزرية شرقاً وبيت لحم جنوباً وبدّو غرباً حتى أصبحت تُباع وتُشترى في باب العامود علناً جهاراً نهاراً دون خوفٍ أو حسيب أو رقيب. بل إنّ البعض يقوم بشراء الأدوية المهدئة لابتلاعها كوسيلة لتعاطي المخدرات من بعض الصيدليات مباشرة أو بواسطة وصفات طبية، لذا فعلى أطبائنا الحرص عند كتابة هذه الوصفات، وعدم الاستجابة لتوسّلات المدمنين أو تهديداتهم للحصول على مخدر.

 

وعلى الصيادلة في الصيدليات مخافة الله، وعدم الانجرار وراء الكسب المادي السريع، وبيع عقاقير مخدّرة بدون وصفات طبية حرصاً على صحة وحياة ومستقبل هؤلاء المدمنين وأسرهم ومجتمعهم، وأصبحت ترى أشباه الرجال (الهياكل العظمية) المدمنين متسكّعين في شوارع المدينة كالأشباح بعيون جاحظة، وأسنان ناتئة، يسيرون ببلاهة وبخطى غير متزنة، يهلوسون ويهذون مضطربين مذعورين بملابسهم الرثة، ووجوههم الهائمة، يرتجفون ويترنّحون يساراً ويميناً يرعبون المارة من الأطفال والنساء، بتصرّفاتهم كالضحك من دون سبب، والنوم واقفين يستندون إلى حائط أو هم جالسون.

 

الأسباب السياسية لانتشار المخدرات:

الاحتلال وتداعياته منذ عام 1967، قيام الانتفاضة الأولى عام 1987 والانتفاضة الثانية عام 2000 وما واكب ذلك من إخفاقات، وانقسام 2007، وعدم استقرار وأزمات أحدثت تغييرات وأثرت على التركيبة الاجتماعية، ومختلف مناحي الحياة الفلسطينية السياسية والاقتصادية والثقافية والصحية، وأوجدت أنماطاً سلوكية سلبية لعلّ أبرزها وضوحاً الانتشار السريع لهذا الوباء، وشيوع هذه الآفة. إذْ أنّ سياسة "إسرائيل" هدفت منذ بداية احتلالها إلى دعم ونشر إدمان وتعاطي المخدرات في المدينة المقدسة، وتسهيل تهريبها وترويجها، وتغييب التدابير القانونية الرادعة لمنعها، وغض النظر عن محاسبة من يتاجر بها أو يروّجها أو يوزّعها، وكذلك فتح المجال والأبواب أمام المدمنين أو الراغبين بتعاطيها، والتستّر عليهم، فهي لم تعمل أو تحرّكْ ساكناً لملاحقتهم أو اعتقالهم، وهو الأسلوب الذي طبقته "إسرائيل" على السكان العرب في بعض المدن المختلطة داخل الخط الأخضر. بل إنّها تعمل على تشجيع الإدمان بتخصيص راتبٍ شهري للمدمنين يتراوح بين 1200 إلى 2400 شيكل تدفع للمدمن بدعوى أنّه مريض وعاطل عن العمل. كما أنّ إدارات بعض السجون تتغاضى عن تهريب وتوفير وتسهيل تناول المخدرات لدى السجناء العرب، كما أن أفراد شرطتها وأجهزة أمنها تعمل على مداهمة ومضايقة ومساءلة الفعاليات والهيئات المقدسيّة التي تسعى إلى وأد هذه الآفة ميدانياً والتصدّي لها. كل ذلك سهّل على بعض شبابنا أفراداً أو خلايا بأنْ يلهثوا وراء السراب الخادع، والهروب من الواقع، والولوج في ضروب التيه والمهالك، والانكباب على ابتلاع حبة مهدئة أو منومة لإشباع حاجة وهمية، أو الحصول على حقنة مسكنة، أو شمّة منعشة تحسس براحة مصطنعة، أو تدخين سيجارة تشعر بالنشوة والفرفشة أو استنشاق غراء للترفيه أو مضغة توهم بالمتعة الكاذبة، واللذة المؤلمة، والسعادة القاتلة، فاختل عقلهم وتفكيرهم، وأجرموا بحق أنفسهم، وأصبحوا عالة على مجتمعهم وأمتهم، يسهل اصطيادهم وانقيادهم لجرائم القتل والسرقة وهتك الأعراض لشراء المخدرات، تفرّقت أسرهم وتشتت أولادهم، وضاعت أموالهم، وأصبحوا مسلوبي الإرادة، مبلدي الإحساس بضعف الولاء والانتماء وأسبابه الإحساس، ضعيفي الولاء والانتماء لجميع القيم الدينية والوطنية والاجتماعية والأخلاقية. إنّ استهداف قوات الاحتلال لمدينة القدس، وترويج تعاطي وإدمان المخدرات فيها لا يأتي من فراغ، فالقدس عاصمة فلسطين وقلبها النابض، وقبلة العالمين العربي والإسلامي، بل شعوب العالم كله، لذا فإن العمل على هدم صحة شبابها، وقواهم العقلية، ومستواهم الفكري والثقافي والإنتاجي هي مقدمة لإلهائهم وخطوة لانحرافهم وضياعهم وتدميرهم، الأمر الذي يعني تدمير هوية وشخصية وكيان المقدسيين بأكملهم. وإنّ محاولاتها المستمرة لحصار وعزل المدينة عن محيطها، وإغلاق المؤسسات الاجتماعية والثقافية والرياضية، وإضعاف المؤسسات التعليمية والإنتاجية تأتي في هذا السياق. ومما يزيد من حجم هذه الظاهرة ضعف الواعز الديني، وانحسار القيم الاجتماعية والأخلاقية، والاضطرابات والتوترات السياسية، والنكسات والاختناقات الاقتصادية التي أدّت إلى زيادة البطالة، وقلة فرص العمل، واتساع دائرة الفقر، وتنامي البلطجة، وكثرة المتسولين، وتفشي الجهل والأمية، وزيادة الأزمات النفسية، ومحاكاة العادات الغربية والتقليد الأعمى لها، والشعور بالفراغ والخواء الفكري والعاطفي مما أدّى إلى ضعف الانتماء والإرادة، وتمزيق النسيج الاجتماعي في المدينة، وتشتيت العائلات، وتفكك الأسرة الواحدة، وكثرة الخلافات الزوجية والطلاق، وغياب القدوة الصالحة المتمثلة في الأب أو الأم، والتكالب المادي على الحياة، وانفلات الأبناء وعدم مراقبتهم، وانصراف الأهل عن التعرف على أصدقاء أبنائهم، وتركهم ينغمسون مع رفقاء السوء ومشاهدتهم شاشات التلفاز لساعات دون إشراف، والتصاقهم بالمروجين والمتعاطين للمخدرات في الشطر الغربي للقدس (بحكم العلاقات المتصلة معه منذ بداية الاحتلال عام 1967) وكثرة الازدحام والتكدس والاكتظاظ السكاني الذي نتج عن عدم منح البلدية رخصاً لأهالي القدس للبناء.

 

ومما فاقم المشكلة وزاد الوضع بؤساً وصعوبة هو التخلّي عن المدينة ونسيانها، وعدم الاهتمام بما يجري بها، فغياب مؤسسات السلطة وتطبيق القوانين والتشريعات الرادعة، وعدم فعالية أعضاء المجلس التشريعي والشخصيات المجتمعية للمدينة، وعدم مبالاة مؤسسات المجتمع المدني والعمل التطوعي والتعاون الجماعي بهذه الظاهرة، وضعف الإمكانيات المادية، وقلة الكوادر المؤهلة والمتخصصة، وعدم التوعية الكافية الدينية أو الاجتماعية للتصدي لهذه المشكلة، "وبالرغم من الجهود الحثيثة والتوعية والإرشاد والوقاية التي تقوم بها بعض الهيئات الدينية والمؤسسات الوطنية وعلى رأسها الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الآفات الاجتماعية التي تستحق منا كل تقدير ومؤازرة، معنوية ومادية"، إلا أنّ التقصير لمواجهة المشكلة بيّنٌ وواضح، فلا خطة شاملة أو أهداف محدّدة والجهود القائمة على قلتها مبعثرة والتنسيق مفقود والتعاون معدوم.

 

إنّ الوقوف على أسباب الإدمان هو أحد الوسائل العلاجية لهذا الداء المميت وآثاره المدمرة، لذا علينا أنْ نواجه هذه المشكلة وعدم التغافل أو السكوت عنها، دور الهيئات والمؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية وعلى جميع الهيئات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني والدوائر الإعلامية والتربوية والتعليمية والمستشفيات والعيادات الطبية والعائلات والأسر بكافة فئاتها وشرائحها وتخصّصاتها أفراداً وجماعات أن تعمل على وقف هذا الخطر المحدق والمساهمة في البحث والتقصّي الميداني وتكثيف برامج التوعية والإرشاد والتأهيل والعلاج والمتابعة ونشر المطبوعات والكتيبات وإقامة الندوات والمحاضرات والمهرجانات لزيادة التثقيف الصحي ومحاربة هذه الآفة بوعي وإدراك. وحتى ننجح ولا تبقى كلماتنا حبراً على ورق وأصواتنا لا تتعدّى صالات المؤتمرات والندوات التي تعقد بها، علينا أنْ نتكاتف ونتعاون جميعاً للوقوف أمام هذه الآفة فليس المهم أنْ نعرف المشكلة بل أيضاً كيفية محاربتها والقضاء عليها والتي إن لم نقضِ عليها فإنّها ستقضي علينا.

 

المراجع:

لقاءات ميدانية. "دليل الأسرة", حسني شاهين. "القدس وحرب الأفيون", نبيل حمودة. إحصائيات الهيئة الوطنية. "واقع الإدمان والتعاطي في القدس"، موفق عبد الرحمن. أدهم شاهين، الدائرة الثقافية. د. الشيخ عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية العليا. المطران عطا لله حنا. أمين عام المؤتمر الشعبي للقدس اللواء عثمان أبو غربية. الملتقى الفكري العربي، دراسة 2001.
رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »