حقوق سكّان شرقي القدس بين الإهمال والتمييز

تاريخ الإضافة الخميس 12 حزيران 2008 - 1:47 م    عدد الزيارات 15288    التعليقات 0

        

أكّدت جمعية حقوق المواطن في تقريرٍ أصدرته مؤخّراً عن حقوق الإنسان في "إسرائيل" لعام 2007، بعنوان " صورة عن الوضع القائم"، أنّ مدينة القدس تعاني على امتداد أربعة عقود، من التمييز في مجالات التخطيط والبناء ومصادرة الأراضي، ومن حدّ أدنى من الاستثمار في البنى التحتيّة وفي الخدمات الحكوميّة والبلديّة.

 

وجاء في التقرير "أنّ الحكومات الإسرائيلية ترمي من وراء سياسة التمييز المتبعة المحافظة على أغلبيّة يهوديّة في المدينة، وإلى التضييق على السكّان الفلسطينيّين كي يهجروا منها"، موضّحاً أنّ سكان القدس يعيشون في ظروف من الضائقة الخانقة التي تشهد تدهورًا متواصلاً".

 

وتطرّق التقرير إلى معطيات دائرة الإحصاء المركزيّة، من العام 2003، حيث يقبع 64% من العائلات الفلسطينيّة في القدس تحت خطّ الفقر، مقابل 24% من العائلات اليهوديّة؛ كذلك يعيش 76% من الأولاد في القدس الشرقيّة (أكثر من 80,300) تحت خطّ الفقر، مقابل 38% من الأولاد اليهود.

 

التمييز في مجال التخطيط والبناء

وبيّن التقرير أنّه منذ عشرات السنين لا تتوافر إمكانيّة قانونيّة لاستصدار تراخيص بناء في شرقي المدينة، ولعلّ ذلك بسبب مصادرة الأراضي لصالح اليهود، ومشاكل في التسويات التخطيطيّة لسائر الأراضي، بالإضافة إلى الإجراءات والتقييدات الإداريّة ذات التكلفة الباهظة.

 

وذكر أنّ نسبة البناء المسموح بها تتراوح (النسبة من مساحة الأرض التي يُسمح بالبناء عليها، بما في ذلك البناء إلى الأعلى)، التي حُدّدت في معظم أحياء شرقي القدس، تتراوح بين 25% إلى 75%، مقابل 75%- 125% في غربي القدس.

 

ويتمتّع سكّان الأحياء اليهوديّة في القدس بعمليّة إعمار واستثمارات غير مسبوقة، بالمقابل يتم تقييد البناء القانوني في صفوف السكّان الفلسطينيّين، وتقليص الحيّز الجغرافيّ لتطوّر الأحياء العربيّة.

 

وأكد التقرير الخارطة الهيكلية المحلّـيّة "القدس 2000" التي صادقت عليها اللجنة المحلّـيّة للتخطيط والبناء ترسخ السياسةَ التمييزيّة المقصودة من خلال تخصيص غير كافٍ لوحدات السكن، ومصادر التشغيل، والبنى التحتيّة للسكّان العرب في القدس.

 

ونتيجةً هذا التمييز، بُنِيَت (وما زالت تُبنى) جميع البنايات في شرقي القدس دون تراخيص بناء، ويعيش السكّان فيها باكتظاظ شديد وبخوفٍ دائم من إقدام السلطات على هدم بيوتهم، ويتبيّن أنّ العدد الكبير من البيوت غير المرخّصة لا يدلّ ذلك على عدم الامتثال للقانون، بل على أنّ جهاز التخطيط في البلدية، الذي لا يتعامل مع الاحتياجات الحقيقيّة للسكان المقدسين.

 

وأوضح التقرير أنّه بالرغم من مسؤوليّة البلديّة عن البناء غير المنظم إلا أنها تنفّذ سياسة فرض القانون والمعاقبة (السياسة التي تشمل هدم البيوت وفرض الغرامات الماليّة) من خلال التمييز بين شطرَيِ المدينة. فعلى سبيل المثال، وُجِدت 85% من مخالفات البناء في غربي القدس، لكن 91% من أوامر الهدم الإداريّة أُصدرت ضدّ البناء في شرقي القدس.

 

إهمال خطير في الخدمات والبنى التحتيّة

وتطرق التقرير إلى الإهمال الخطير في الخدمات والبنى التحتية في المدينة حيث أكوام القمامة المنتشرة في شوارع شرقي القدس، كذلك البنى التحتيّة للشوارع والأرصفة مهلهلة للغاية وتعاني من نواقص كثيرة، وهو ما يتسبّب بالأضرار للناس والممتلكات، ومن النادر مشاهدة حدائق عامّة أو منشآت لرفاهية المواطنين في شرقي المدينة، كذلك الخدمات البريديّة شبه معدومة، إذ يخدم فرعا بريد وخمسُ وكالات أكثرَ من ربع مليون إنسان. وفي المقابل، تقوم أكثر من خمسين وحدة بريد على خدمة نصف مليون من مواطني غربي القدس.

 

الميـاه

وأشار التقرير إلى أنّه وفقاً لقانون التنظيم والبناء يحظر ربط بناية غير مرخَّصة بشبكة مياه البلديّة، وبسبب ذلك يعاني عشرات الآلاف من سكّان شرقي المدينة من نقص في انتظام تدفّق الماء، ووَفقًا للتقديرات لا يتزوّد أكثر من نصف السكّان (أكثر من 100 ألف) بالماء بصورة قانونيّة.

 

وتابع التقرير أنّ معظم المواطنين يُضطرون إلى ربط بيوتهم بأساليب غير قانونيّة بأنابيب المياه الرئيسيّة، أو ببيوت جيرانهم التي رُبِطت بالشبكة بصورة قانونيّة، أو يكتفون بحاويات جمع المياه، وذلك يجعل سريان المياه بصورة بطيئة وغير منتظمة، وتكون المياه في حاويات التجميع عرضة للتلوّث من الميكروبات التي تتكاثر في المياه الراكدة والموبقات وجيف الطيور والعصافير.

 

ويتسبّب شحّ الماء النظيف بتراجع مستوى النظافة (صعوبة الاستحمام، وغسل الأواني المنـزليّة، وتنظيف البيوت)، وانتشار الأمراض التلوّثيّة.

 

المياه العادمة والصرف الصحّيّ

فيما تعاني بنى المياه العادمة والصرف الصحّيّ التحتيّة في شرقي القدس من إهمالٍ متراكم على امتداد سنين طويلة، فبعض الأحياء غير مرتبطة مطلقًا بشبكة الصرف البلديّة، وما زالت تَستخدِم الآبار الامتصاصيّة، وفي أحياء أخرى، يعاني جهاز الصرف البلديّ من القِدَم ومن صيانة هزيلة. ووَفق التقديرات الرسميّة لشركة "هجيحون" (شركة المياه والمياه العادمة العبريّة في القدس)، تنقص اليوم شرقي القدسَ سبعةُ كيلومترات من خطوط الصرف الصحّيّ، يقترن مدّها بدفع رسوم عالية وضرائب تطوير باهظة، ليس في مقدور السكّان تسديدها. ويتسبّب فيضان مياه المجاري بِمضارّ صحّيّة خطيرة.

 

التربية والتعليم

كذلك يعاني شرقي القدس من عدّة مشاكل صعبة في مجال التربية والتعليم، وعلى رأسها النقص الخطير في غرف التدريس.

 

وأكّد التقرير أنّه على الرغم من تضاعف عدد سكّان المنطقة في العقود الأربعة الأخيرة بمقدار ثلاث مرات ونصف مرّة، لكن جهاز التعليم لم يتطوّر على نحوٍ يلائم الاحتياجات المتغيّرة، حيث تعاني القدس من نقص في نحو 1,500 غرفة تدريس، ومن المتوقَّع أنْ يصل العدد في العام 2010 إلى 1,900 غرفة، وبسبب ذلك النقص في الغرف الدراسيّة، يتعلّم نحو نصف الأولاد (نحو 39,400 من أصل 79,000 ولد) في المدارس البلديّة التابعة للقدس في ظروفٍ قاسية وغير آمنة، وفي اكتظاظ شديد، وتُستخدم مبانٍ غير ملائمة أو غير مجهَّزة، ويجري العمل بأسلوب الورديّة الثانية.

 

وأشار التقرير إلى أنّه على الرغم من حقّهم في الحصول على التعليم المجّانيّ من الدولة، إلا أنّه يُضطرّ عشرات الآلاف من الأولاد، ممّن لا يستوعبهم جهاز التعليم الرسميّ، إلى البحث عن حلول تعليميّة خارج الأطر الرسميّة كمدارس الوقف أو المدارس الخاصّة في القدس والضفّة الغربيّة، ممّا يُثقل مادّيًّا على كاهل عائلاتهم، وبعض الأولاد يلزمون بيوتهم؛ وحسب معطيات ائتلاف تطوير التعليم العربيّ الفلسطينيّ في شرقيّ القدس، ثمّة نحو 9,000 من الأولاد غير المسجّلين في أيّ من الأطر التعليميّة القائمة.

 

وأوضح التقرير أنّه في أيلول/سبتمبر 2007، أعلنت بلديّة القدس عن بداية التحضيرات للمشروع، لكن العمل لم يشهدْ تقدّمًا على أرض الواقع، وفي شهر آذار 2007، عرضت الحكومة خطّة خماسيّة لمعالجة النقص القطريّ في الغرف التدريسيّة، وبناء على هذه الخطّة، ستقوم الدولة ببناء 8,000 غرفة تدريس بين العامين 2007-2011 بميزانيّة تصل إلى 4.64 مليار شيكل.

 

غياب الأطر التربويّة لجيل الطفولة المبكّرة

ويعيش اليوم في شرقي القدس نحو 15,000 طفل، تتراوح أعمارهم بين 3 و4 سنوات، لكن 90% منهم لا يرتادون أيّ إطار تربويّ، والسلطات المسؤولة لا تحرّك أيّ ساكن حيال التعليم في شرقي القدس، ولا تقوم بأيّ نشاط في هذا المجال.

 

وتعمل اليوم في شرقي القدس روضتان بلديّتان في المرحلة قبل الإلزاميّة، ويرتادهما 55 طفلاً. ونحو 1,900 سواهم يرتادون عشرات الروضات الخاصّة التي تجبي قسطًا تعليميًّا يتراوح بين 1400 و 1800 دولار سنويًّا، ولا تستطيع الغالبيّة الساحقة من الأهل تسديدها.

 

خدمات الرفاه الاجتماعيّ

ووصف التقرير الواقع الحياتيّ في شرقي القدس كدائرةٍ متواصلة من الإهمال والفقر والعوز، وقد ولّدت الضائقة الاقتصاديّة والاجتماعيّة سلسلة من الظواهر المجتمعيّة القاسية، كالمساس بالمنظومة العائليّة، وارتفاع مستوى العنف داخل العائلة، والتسرّب من المدارس الثانويّة، والدخول إلى سوق العمل الأسوَد في سنّ مبكرة، والجنوح نحو الإجرام والمخدرات، ومشكلات الصحّة والتغذية وسواها.

 

وأشار التقرير إلى أنّ مكتب الشؤون الاجتماعيّة يحظى في شرقي القدس، الذي يرعى ثلثَ سكّان المدينة، بـِ15% فقط من مِلاكات القوى البشريّة في مكاتب الشؤون في المدينة بأكملها، ويتسبّب النقص في المِلاكات بتراكم الملفّات على العاملين الاجتماعيّين على نحو لا يُطاق.

 

كما يعيش في شرقي القدس آلاف الأولاد وأبناء الشبيبة في ضائقة، وتتهدّدهم الكثير من المخاطر بينما تعتني مكاتب شؤون الرفاه في شرقي القدس بـِ14,737 ولدًا وفتى في خطر، لكن هذا المعطى لا يعكس العدد الحقيقيّ، وذلك أنّ النقص الخطير في القوى العاملة وفي البنى التحتيّة لا يتيح القيامَ بعمليّة مسح واسعة للسكّان. ويندرج 1,600 ولد في سنّ الثالثة والرابعة الذين لا يرتادون أيّ إطار تربويّ، تحت تعريف "أولاد في خطر"، وهم في أمَسّ الحاجة إلى إطار يوميّ، لكن 80 منهم فقط يرتادون نُـزلاً يوميًّا ونويديّتَيْن، بتمويل من قسم الرفاه في بلديّة القدس.

 

وتطرّق التقرير إلى إعلان ديوان رئيس حكومة الاحتلال عن انطلاق خطّة جديدة، في مطلع العام 2007، يجري من خلالها استثمار 200 مليون شيكل في العام، لرعاية نحو 140,000 ولد وفتى في خطر في جميع أرجاء البلاد، وعلى ضوء الوضع الصعب، قرّرت اللجنة القياديّة للخطّة ضمّ شرقي القدس إليها، ومن المتوقّع أن تعمل هناك بصورة جزئيّة، وحسب مخطّط وزارة الرفاه في حكومة الاحتلال وبلديّة الاحتلال في القدس لن يبدأ العمل إلاّ مع الأولاد الذين في خطرٍ في الفئة العمْريّة 0-6، مع العلم أنّه حتّى شهر تشرين الثاني/نوفمبر لم توضَع الميزانيّات للخطة، ولم يبدأ العمل بها ميدانيًّا.

 

العنف البوليسيّ والخروج على الصلاحيات

وأشار التقرير إلى أنّ سلطة الضرائب أو مؤسّسة التأمين العبريّة تقوم بنصب حواجز للجباية في الأحياء الفلسطينيّة في القدس، ويتم إيقاف جميع المَرْكبات التي تمرّ في المكان، وحين يتبيّن أنّ أيًّا من أصحابها أو أبناء عائلته مَدينون لهذه المؤسّسات، يُطلَب من السائق تسديد الدين على الفور، وإذا لم يقمْ بذلك يُحجز على مركبته. مؤكّداً التقرير أنّ هذه الطريقة في الجباية غير منصوص عليها في القوانين أو المراسيم المختلفة، ويكاد العمل بها يقتصر على شرقي القدس.

 

وأوضح أنّ الطريقة القانونيّة الوحيدة لجباية الديون، حسب القانون العبريّ، تتمثّل في استصدار تخويل لجباة الضرائب، بموجبه يتمكّنون من الوصول إلى بيت المَدين والحجز على ممتلكاته، ولا يسمح القانون للسلطات بالحجز على المَرْكبات في الشارع بغية جباية الديون، ولا يتيح استخدامَ الحواجز البوليسيّة ابتغاء جباية الديون. وما زالت المحكمة العليا تتداول التماسًا قدّمته جمعيّة حقوق المواطن بهذا الشأن في آب 2007 ضدّ هذه الممارسات غير القانونيّة.

 

وأشار التقرير إلى عددٍ من الشهادات التي وصلت إلى جمعيّات حقوق حول العنف الذي يمارسه أفراد شرطة الاحتلال في شرقي القدس، من بينها شكاوى حول ممارسة جنود حرس الحدود للعنف والتنكيل. وتصاعدت الاحتكاكات بين قوّات الأمن والسكّان بعد بناء جدار الفصل في القدس.

 

وتطرّق التقرير إلى حاجز قلنديا (عطاروت)، الذي يقع شماليّ القدس، والذي يخدم نحو 100,000 من سكّان شرقي القدس الذين عُزِلوا عن مركز حياتهم في القدس بسبب بناء جدار الفصل. ويُضطرّ هؤلاء إلى عبور الحاجز في طريقهم إلى العمل والمدرسة والمؤسّسات الطبّيّة وغيرها، حيث فرضت في مطلع عام 2007 بعد حصول عمليّة طعن على الحاجز التشديدات على شروط العبور.

 

ويشتكي السكّان من العنف الجسدي والكلاميّ من قِبَل جنود الاحتلال، بالإضافة إلى تأخير عبورهم لفترات متواصلة، وإغلاق الحاجز أمام حركة السيّارات على نحو عشوائيّ ودون سابق إنذار، وترتبط بعض هذه الشكاوى بتصرّفات موظّفي إحدى شركات الحراسة الخاصّة الذين يعملون على الحاجز، ويتدخّلون في عمل الجنود ويقومون بتصرّفات غير معقولة عند القيام بعمليّات التفتيش، ويعاملون المارّة معاملة مهينة.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »