واجب الأمتين العربية والإسلامية رسمياً وشعبياً نحو القدس

تاريخ الإضافة الأربعاء 29 تشرين الأول 2008 - 7:46 ص    عدد الزيارات 22288    التعليقات 0

        

واجب الأمتين العربية والإسلامية
 رسمياً وشعبياً نحو القدس

 

 

 


إعداد 
 الدكتور الشيخ عكرمة صبري
خطيب المسجد الأقصى المبارك
رئيس الهيئة الإسلامية العليا
مفتي الديار الفلسطينية سابقاً

 
بسم الله الرحمن الرحيم


المقدمة

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد الأمين وعلى آله الطاهرين المبجلين وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم وخطا دربهم واقتفى أثرهم واستن سنتهم بإحسان إلى يوم الدين.... أما بعد :

 

فقد أحسن القائمون على مركز (القدس نت للدراسات والإعلام والنشر الالكتروني) في مدينة غزة/فلسطين بإقامة (المؤتمر الدولي لنصرة القدس) بعنوان
 (معاً من أجل القدس) في الوقت الذي تتعرض فيه مدينة القدس المباركة المقدسة للتهويد من قبل السلطات "الإسرائيلية" المحتلة غير الشرعية.
ويشرفني أن أشارك في هذا المؤتمر بهذا البحث الذي بعنوان (واجب الأمتين العربية والإسلامية رسمياً وشعبياً نحو القدس).
وأسأل الله العلي القدير أن أكون قد وفقت في تحضيري لهذا البحث الذي تضمن
 (التمهيد وأربعة محاور والخاتمة) إنه سميع مجيب.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الشيخ الدكتور
                           عكرمة صبري 
 

 

التمهيد

 

إني انطلق من قوله سبحانه وتعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ). لقد تصدرت سورة الإسراء بذكر معجزة الإسراء التي هي مظهر من مظاهر التكريم الإلهي لرسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم وتطيباً لخاطره وتثبيتاً لفؤاده، كما هي مظهر من مظاهر تكريم مدينة القدس أيضاً وبيان منزلتها في الإسلام. هذه المعجزة التي تدل على قدرة الله عز وجل في صنع العجائب والخوارق.

 

ولتوضيح منزلة القدس في الإسلام لابد من التعرض إلى الارتباطات الوثيقة والحقوق المتينة والعلاقات الوطيدة التي تربط المسلمين بمدينة القدس، أسوقها بإيجاز على شكل نقاط، وهي:

 

1- أولاً: الارتباط العَقَدي (نسبة إلى العقيدة):

 

ويتمثّل الارتباط العقدي بالقدس في عدة أمور، أذكر اثنين منها:

أ- معجزة الإسراء والمعراج: فقد أُسري بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المبارك بالقدس وعُرج به من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى. فكانت القدس، ولا زالت، محوراً لهذه المعجزة الربانية، وذلك لبيان أهمية القدس ولرفع شأنها ومنزلتها. وبما أن حادثة الإسراء والمعراج معجزة، والمعلوم أن المعجزات تمثل جزءاً من العقيدة الإسلامية فإن ارتباط المسلمين بهذه المدينة هو ارتباط عقدي.

 

ب- القدس أرض المحشر والمنشر: ستكون مدينة القدس يوم القيامة أرضاً للمحشر والمنشر ففيها يجمع الناس وفيها يعرضون للحساب فعن الصحابية الجليلة ميمونة بنت سعد رضي الله عنها قالت:( با نبي الله، أفتنا في بيت المقدس. فقال: أرض المحشر والمنشر، إئتوه فصلوا فيه). وبما أن يوم القيامة يمثل جزءاً من العقيدة الإسلامية فإنّ ارتباط المسلمين بهذه الديار هو ارتباط عقدي أيضاً.

 

2- ثانياً: الارتباط التعبدي (نسبة إلى العبادة) :

 

يتمثل هذا الارتباط في عدة أمور، منها:

 

أ- استقبل المسلمون بيت المقدس في صلواتهم مدة ستة عشر شهراً (أي مدة سنة واحدة وأربعة أشهر) على أرجح الروايات، وذلك في بدء مشروعية الصلاة حتى نزول قوله عز وجل (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ) . فأصبح المسجد الحرام هو قبلة المسلمين الدائمة، لذا اعتبرت مدينة القدس أولى القبلتين.
ب- حثَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على زيارة المسجد الأقصى المبارك بقصد العبادة وربطه بالمسجد الحرام بمكة المكرمة وبالمسجد النبوي بالمدينة المنورة بقوله (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى).
ج- ربط (عليه الصلاة والسلام) المسجد الأقصى المبارك بمناسك الحج والعمرة بقوله (مَنْ أهلّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى غفر له ما تقدم من ذنبه).

 

3- ثالثاً: الارتباط الحضري والثقافي:

 

يتمثل هذا الارتباط بعدة أمور، أذكر منها:

 

أ- البناء الفريد لكل من المسجد الأقصى المعقود (المغطى) ومسجد قبة الصخرة المشرفة بالإضافة إلى اللواوين والمساطب والأدراج والسبل والآبار في باحات المسجد الأقصى المبارك، مع الإشارة إلى أن المنطقة التي تبلغ مساحتها مائة وأربعة وأربعون دونماً تعد كلها المسجد الأقصى المبارك.
ب- وجود مئات العقارات الوقفية والأثرية التي تعود إلى العصور الأموية والعباسية والصلاحية والمملوكية والتركية في محيط المسجد الأقصى المبارك، وفي البلدة القديمة أيضاً فإنها كلها تمثل الوجه الحضاري الإسلامي.
ج- وجود المئات من المساجد والمصليات والمحاريب في البلدة القديمة من مدينة القدس، وقد شيدت في عصور متعاقبة، ويعود بعضها إلى العهد العمري.
د- إشادة مئات المدارس والمعاهد والزوايا والأربطة والتكايا حول المسجد الأقصى المبارك وفي البلدة القديمة منذ العهد الصلاحي وحتى العصر الحالي. وهذا ليؤكد الارتباط الثقافي بهذه المدينة.

 

 

4- رابعاً : الارتباط التاريخي :

 

إن العرب اليبوسيين هم أقدم الشعوب والأمم التي سكنت فلسطين، وذلك قبل سبعة آلاف وخمسمائة سنة قبل الميلاد ( أي منذ العصر الحجري ) وإن الآثار الحجرية تثبت ذلك. ولم يدون التاريخ أقدم من اليبوسيين والكنعانيين العرب في هذه الديار. فاليبوسيون هم أول من أسسوا مدينة القدس، وإن أول اسم لها هو "يبوس" نسبة لهم. ومن أسماء هذه المدينة أيضاً "أورو – سالم" وهي تسمية كنعانية ومعناها مدينة السلام، ولا غرابة في ذلك فإن الهجرات العربية السابقة من شبه الجزيرة العربية إلى بلاد الشام كانت مستمرة منذ الوجود العربي في الجزيرة، ولا يوجد حائل طبيعي: لا جبال ولا بحار ولا أنهار، يفصل الجزيرة العربية عن بلاد الشام بعامة وفلسطين بخاصة. وبالتالي كانت الهجرات من الجزيرة العربية وإليها أمراً سهلاً وميسوراً. ومن المعلوم بداهة أن الهجرات كانت من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام أوسع وأكثر من الهجرات من بلاد الشام إلى الجزيرة العربية لأن العرب كانوا بحاجة ماسة إلى الماء والكلأ وهما متوفران بغزارة وبكثرة في بلاد الشام أكثر من الجزيرة العربية.
هذه أبرز الارتباطات والعلاقات التي تربط العرب والمسلمين بمدينة القدس، تناولتها بإيجاز، وبالتالي فإن المسؤولية تجاه القدس هي مسؤولية جميع العرب والمسلمين، وإن المسؤولية لا تتجزأ بل هي شاملة لهم جميعاً.

 

المحور الأول
ما آلت إليه القدس

 

لقد تعاقبت على هذه المدينة أمم وشعوب متعددة قبل مجيء الإسلام، وتهدمت هذه المدينة ما يزيد عن عشرين مرة جراء الحروب تارة، وتارة من تأثير العوامل الطبيعية. إلى أن جاء الفتح الإسلامي لها في سنة الخمسة عشرة للهجرة حيث تسلم الخليفة الراشدي الثاني الفاروق العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفاتيح هذه المدينة من صفرونيوس بطريك الروم وقتئذ.

 

وبقيت هذه المدينة تستظل بظل الإسلام العادل حتى احتلت من قبل الصليبيين سنة 493هـ/1099م ثم حررها البطل الإسلامي صلاح الدين الأيوبي رحمه الله سنة 583هـ/1187م ثم سقطت مرة أخرى سنة 627هـ/1229م في زمن الملك الكامل بن الملك العادل الأيوبي ثم تحررت مرة أخرى سنة 642هـ /1244م في زمن الملك الصالح نجم الدين بن الملك العادل. وبقيت بيد المسلمين حتى عام 1948م حيث احتل اليهود الجزء الغربي منها، وفي عام 1967م سقط الجزء الشرقي منها بأيدي اليهود المحتلين. هذا الجزء الذي يضم البلدة القديمة من مدينة القدس والتي فيها المسجد الأقصى المبارك ومعظم المقدسات والتراث والآثار والأوقاف الإسلامية.

 

وما أن وضعت الحرب أوزارها عام 1967م حتى قامت سلطات الاحتلال بعزل مدينة القدس سياسياً وإدارياً عن المناطق المجاورة لها من المدن والقرى. وأصدر "الكنيست الإسرائيلي" قراره بضم القدس (أي ضم شرقي القدس إلى غربييها ضماً قسرياً). هذا وقد قامت سلطات الاحتلال بعدة إجراءات عدوانية بحق مدينة القدس بهدف طمس هويتها العربية والإسلامية وبهدف إضفاء الطابع اليهودي عليها لتهويدها.

 

ومن ضمن هذه الإجراءات التعسفية الظالمة ما يأتي:

 

1- مصادرة عشرات الآلاف من الدونمات لأراضٍ تخص المواطنين العرب والعائلات المقدسية داخل البلدة القديمة من مدينة القدس وحول هذه المدينة وضواحيها.
2- إقامة أحياء سكنية داخل البلدة القديمة من مدينة القدس لليهود والقادمين من الدول الأجنبية، وإقامة عشرات المستوطنات حول هذه المدينة من الجهات الجنوبية والشرقية والشمالية بحيث تحاصر هذه المدينة وتعزل عن سائر المناطق الفلسطينية، ولا يخفى أن الاستيطان يمثل سرطاناً في بلادنا.
3- الزيادة السكانية المضطردة والمستمرة لليهود في مدينة القدس وما حولها من خلال جلب مئات الآلاف من يهود العالم إلى فلسطين.
4- توسيع مسطح مدينة القدس على حساب الأراضي العربية بهدف إقامة ما يسمى بـ "القدس الكبرى" بحيث تصل نسبة عدد اليهود عام 2010م إلى 75% من السكان علماً أن المجموع العام للسكان سيصل في عام 2010م إلى "800" ألف نسمة من عرب ويهود أما عدد السكان العرب في هذا العام 2007م قد وصل إلى "230" ألف نسمة.
5- تهجير أكبر عدد ممكن من السكان العرب من القدس إلى خارج حدودها بطرق شيطانية متعددة منها: حرمان السكان العرب من رخص بناء لهم ضمن حدود مدينة القدس. بالإضافة إلى هدم البيوت السكنية من قبل بلدية الاحتلال في القدس بحجة عدم الحصول على ترخيص للبناء.
6- فرض الضرائب الباهظة والمتعددة على السكان العرب في المدينة مما يؤدي إلى إفلاسهم أو تهجيرهم خارج القدس.
7- فرض حصار عسكري على مدينة القدس ومنع المواطنين الفلسطينيين من الوصول إلى هذه المدينة، وذلك بوضع حواجز عسكرية على مداخل المدينة، مما يؤدي إلى عزلها عن محيطها.
8- إقامة الجدار العنصري اللعين الذي جعل من مدينة القدس سجناً كبيراً، كما جعل من المدن الفلسطينية الأخرى كانتونات منفصلة عن بعضها البعض، مما أدى إلى تمزيق البلاد وتشتيت العباد، وبالتالي فإنه لا مجال لإقامة دولة للفلسطينيين!! .هذا عرض موجز للإجراءات "الإسرائيلية" الاحتلالية التي تهدد إسلامية مدينة القدس، والتآمر لتهويدها.

 


المحور الثاني
الاعتداءات على الأقصى والمقدسات
 

يمكن القول إن الاعتداءات على الأقصى والمقدسات من قبل "السلطات الإسرائيلية" المحتلة تتمثل في ثلاثة أمور، وهي:

 

1- الأمر الأول: الاقتحامات لباحات المسجد الأقصى المبارك:

 

 

 

لقد وقعت محاولات متكررة شبه يومية من اليهود المتطرفين لاقتحام باحات المسجد الأقصى المبارك بهدف إقامة صلوات وشعائر دينية يهودية فيها، وبحماية من "الشرطة الإسرائيلية"، حيث إن اليهود يزعمون بأن هيكل سليمان ( معبد سليمان ) يقع تحت المسجد الأقصى المبارك. وأن أهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس يقفون إلى جانب حراس المسجد الأقصى المبارك المسلمين للتصدي لهذه المحاولات الاقتحامية، بأرواحهم وأجسادهم وبجميع طاقاتهم وإمكاناتهم، وإن مجزرة الأقصى الأولى التي وقعت عام 1990م ليست عنا ببعيد حينما تصدى المسلمون للمتطرفين اليهود الذين حاولوا المس بقدسية وحرمة المسجد الأقصى مما دفع بالجيش "الإسرائيلي" لحماية اليهود المتطرفين وذلك بإطلاق الرصاص على المصلين المسلمين بشكل متعمد داخل الأقصى وفي باحاته التابعة له مما أدى إلى استشهاد واحد وعشرين شخصاً وجرح العشرات واعتقال المئات من المواطنين. كما تكررت المجزرة في انتفاضة النفق عام 1996م حيث سقط أربعة شهداء في باحات الأقصى، وحوالي مائة شهيد في مدينة القدس وفي أنحاء فلسطين بالإضافة إلى الآلاف من الجرحى. أما اقتحامات الجيش "الإسرائيلي" أيام الجمع فقد تكررت عشرات المرات وانتهكوا حرمة هذا المسجد لقمع المسلمين والتنكيل بهم، وأتت تصرفات الجيش "الإسرائيلي" العدوانية لتؤكد أن المسجد الأقصى ليس له حرمة لديهم وبالتالي لا علاقة لليهود بالأقصى. ولا تزال الشرطة "الإسرائيلية" تحاول الهيمنة والسيطرة على الأقصى والتضييق على المسؤولين في دائرة الوقف الإسلامي بالقدس التي هي صاحبة الاختصاص والصلاحية.

 

2- الأمر الثاني: الهدم والحفريات:

 

قامت السلطات "الإسرائيلية" المحتلة في شهر حزيران (يونيو)1967م، أي بعد سقوط القدس مباشرة، بهدم حي المغاربة الملاصق للسور الغربي للمسجد الأقصى (والمعروف هذا السور بحائط البراق ) ثم بدأت السلطات المحتلة بالحفريات أسفل العقارات الوقفية الأثرية التي تلاصق السور الغربي الخارجي للمسجد الأقصى المبارك مما أدى إلى تشقق عدد من هذه المباني الأثرية التي يعود تاريخها إلى العهد الصلاحي والمملوكي والتركي، وسقوط وهدم أجزاء منها. وإن السلطات المحتلة تدعي أنها تبحث عن آثار عبرية قديمة وعن آثار هيكل سليمان المزعوم إلا أنهم لم يعثروا على أي حجر يؤيد مزاعمهم الوهمية. وأرى أن هذه الحفريات تمثل اعتداءين اثنين، هما:
أ- الاعتداء الأول: هو اعتداء على الممتلكات الوقفية نفسها لأن الشريعة الإسلامية تعتبر أسفل العقار الوقفي حتى باطن الأرض هو وقف إسلامي بحكم التبعية للعقار الموقوف. كما أن ما يعلو العقار الوقفي إلى عنان السماء هو وقف أيضاً. وعليه فإن الحفريات الجارية أسفل العقارات الوقفية الملاصقة لسور الأقصى هي اعتداء على الوقف نفسه، وهي اعتداء على الأقصى نفسه لأن هذه العقارات تمثل جزءاً منه حيث لها أبواب وشبابيك تنفذ إلى الأقصى بالإضافة إلى أن الحفريات قد امتدت أسفل ساحات الأقصى. ومن هنا كان اعتراضنا واحتجاجنا على الحفريات من حيث المبدأ. وأن آخر هذه الاعتداءات هو هدم التلة الترابية الملاصقة لباب المغاربة وهي تمثل الممر الوحيد لهذا الباب، وإن هذه التلة تحوي كنوزاً أثرية وتراثية تعود إلى العهد الأموي والأيوبي (الصلاحي) والمملوكي والتركي. وإن الحفريات التي جرت في منطقة باب المغاربة تؤدي إلى تغيير معالم المنطقة وطمس الآثار الإسلامية، وإضفاء الطابع اليهودي عليها زوراً وبهتاناً وعدواناً.
ب- الاعتداء الثاني: يتمثل بالنتائج السلبية والمترتبة على الحفريات: فقد حدثت تصدعات وتشققات وانهيارات بالعقارات والمباني الوقفية الأثرية الملاصقة لسور الأقصى من الجهتين الغربية والشمالية، هذه العقارات التي يعود تاريخها إلى العصر الأيوبي والمملوكي والتركي. وقد قامت دائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس بترميم العقارات التي تضررت نتيجة الحفريات.

 

3- الأمر الثالث: تحديد الأعمار:

 

إن الشرطة "الإسرائيلية" تحدد أعمار المصلين الذين يسمح لهم بدخول الأقصى أيام الجمع بحيث من يقل عمره عن"45" سنة يمنع من دخول الأقصى للصلاة، وهذا إجراء غير مسبوق لدى دول العالم، وهذا يؤكد أن "إسرائيل" سلطة محتلة وغير شرعية وليست سلطة ذات سيادة. كما أن الجيش "الإسرائيلي" يمنع المواطنين الفلسطينيين من دخول القدس وذلك أيام الجمع وفي غيرها من أيام الأسبوع.
هذا عرض موجز للأخطار المحدقة بالمسجد الأقصى المبارك بخاصة، وبالمقدسات بعامة  .

 

 


المحور الثالث
توصيات ومعالجات لحماية القدس من التهويد

 

 هناك مجموعة من التوصيات والمقترحات والمعالجات التي ينبغي مراعاتها وتوحيد الجهود إزاءها من قبل الأمتين العربية والإسلامية لتثبيت المواطنين في مدينة القدس، ولحماية هذه المدينة من التهويد وتحريرها من الاحتلال، أشير إلى أبرزها من خلال تجربتي ومعايشتي اليومية لها، وهي:

1- أولاً: المؤسسات الفلسطينية الحكومية منها والأهلية والخاصة:
من الملاحظ أن مكاتب المؤسسات الحكومية والأهلية والخاصة موجودة خارج القدس، فلابد من العمل على أن تكون الإدارة المركزية لهذه المؤسسات في مدينة القدس، لأن بقاء هذه المؤسسات خارج القدس يؤدي إلى إضعاف القدس وإلى تقوية المدن والمناطق الأخرى على حساب القدس  .
2- ثانياً: الإسكان:
إذا أردنا أن نثبت المواطنين في مدينة القدس ينبغي أن نوسع دائرة الإسكان بتشجيع البناء على الأراضي الشاغرة وإقامة عمارات سكنية للعائلات الشابة. مع الإشارة إلى أن كل أرض غير مستغلة مطموع فيها من قبل المحتلين والسماسرة، وأقترح في هذا المجال ما يأتي:
1- دفع تكاليف رخص البناء عن المواطنين وذلك بتخصيص صندوق مالي لتنفيذ هذه الغاية من خلال إبراز سندات قبض لكل مرحلة من مراحل الترخيص. لأن رخصة البناء في بلدية الاحتلال لمدينة القدس مكلفة جداً قد تصل إلى أربعين ألف دولار أمريكي. ومعلوم أن الهدف من هذه التكلفة الباهظة لرخصة البناء هو لوضع عراقيل أمام المواطنين العرب حتى لا يتمكنوا من الاستمرار في معاملة الرخصة.
2- دفع بدل غرامات عن المواطنين الذين أقاموا أبنية لهم دون ترخيص وتمكنوا من المحافظة عليها دون هدمها ويكون الدفع من خلال وصولات قبض رسمية، ويبلغ عدد البيوت التي فرضت عليها الغرامات ما يقارب خمسمائة بيت.
3- توفير قروض ميسرة ودون فوائد لإقامة بيوت سكن للمواطنين، ففي ذلك محافظة على هويتهم المقدسية، وحماية للأراضي والبيوت من الضياع.
4- شراء الأراضي وتقسيمها إلى قسائم وإقامة عمارات ذات شقق عليها وذلك لمساعدة المواطنين أصحاب الدخل المحدود الذين لا يملكون أرضاً ولا بناءً. مع الإشارة إلى أن عدد السكان الذين يعيشون في بيوت مؤجرة يزيد عن مائة وخمسين ألف مواطن.
5- ترميم بيوت وعقارات البلدة القديمة فهي بحاجة ماسّة إلى صيانة مستمرة، علماً أن الترميم بحاجة إلى جهد أكبر من البناء العادي كما يحتاج إلى نفقات أكبر.
6- إشغال البيوت المهجورة في البلدة القديمة بعد ترميمها لتستوعب عائلات مشتتة لا مأوى لها ومهددة بسحب هوياتهم المقدسية.
7- حصر الأراضي في مدينة القدس وضواحيها سواء كانت هذه الأراضي وقفية أو كانت أملاكاً خاصة، وذلك للعمل على استخراج رخص بناءٍ لها.
8- تشكيل لجان هندسية متخصصة لمتابعة إقامة مشاريع إسكان والإشراف على تنفيذها  .
3- ثالثاً: المجال التعليمي:
1- صيانة وترميم المباني المدرسية القائمة في القدس لتصبح صالحة للتدريس.
2- بناء مدارس جديدة نموذجية لتستوعب أكبر عدد ممكن من أبناء القدس.
3- تحسين الظروف المعيشية للمعلمين برفع رواتبهم بما يتناسب مع غلاء المعيشة.
4- إقامة دورات تربوية تأهيلية متطورة للمعلمين.
5- دعم المدارس ورياض الأطفال التابعة للجمعيات الخيرية وغير الربحية وللمشاريع التطوعية، وتغطية العجز المالي الذي تعاني منه، ويبلغ عدد هذه المدارس التابعة للجمعيات إحدى وستين مدرسة .
4- رابعاً: المجال الصحي:
1- العمل على تزويد المستشفيات القائمة بالقدس بأحدث الأجهزة الطبية.
2- ترميم وصيانة المستشفيات القائمة.
 3- إقامة مستشفيات جديدة تخصصية لتستوعب جميع المرضى بحيث تنافس المستشفيات "الإسرائيلية" لأنه لا يوجد سوى أربعة مستشفيات فقط في "القدس الشرقية".
4- أن يكون الضمان الصحي إلزامياً للمواطنين جميعهم.
5- رفع رواتب الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات وجميع العاملين في القطاع الصحي حتى نحافظ على إبقاء الكفاءات المهنية والعلمية في المستشفيات  .
5- خامساً: المجال السياحي:
يواجه القطاع السياحي في مدينة القدس مشاكل متعددة تهدف إلى تضييق الخناق على المواطنين لإجبارهم وبطرق ملتوية إلى ترك المدينة وإحلال اليهود القادمين من الخارج بدلاً منهم. وعليه أقترح في هذا المجال ما يأتي:
1- دعم الفنادق الفلسطينية في مدينة القدس مالياً من خلال التعاون مع وزارة السياحة الفلسطينية ومع النقابات والفعاليات السياحية العربية في المدينة، وذلك حتى تتمكن هذه الفنادق من استقبال الزوار الأجانب.
2- إصدار دراسات حول الأماكن الدينية والحضارية والأثرية والتاريخية باللغة العربية وترجمتها إلى لغات أخرى.
3- إقامة دورات تأهيلية للأدلاء السياحيين من أهل القدس لينقلوا الصورة الحقيقية عن تاريخنا ومقدساتنا وليضعوا حداً لنشاط الأدلاء اليهود الذين يزيّفون الحقائق ويغسلون دماغ الزوار الأجانب الذين يأتون إلى القدس من أنحاء العالم.
4- العمل على تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالحفاظ على الموجودات والمعالم الأثرية والحضارية والتراثية والتاريخية للدولة التي تقع تحت الاحتلال. في حين أن السلطات "الإسرائيلية" المحتلة تحاول جاهدة طمس الوجه الإسلامي للمدينة وتغيير أسماء الطرقات والشوارع والأزقة إلى أسماء عبرية وهمية، وإجراء حفريات في البلدة القديمة وفي محيط المسجد الأقصى المبارك والعبث بالقصور الأموية وبالآثار الإسلامية عبر العصور  .

 

 

المحور الرابع
الوقف في مدينة القدس والمحافظة عليه


لأهمية الوقف واتساعه في مدينة القدس رأيت تخصيص محور له. ولا بد من الإشارة إلى أن معظم العقارات والمباني والأراضي في مدينة القدس هي أوقاف عامة أو أوقاف ذرّية (أهلية/عائلية)، وإن الأوقاف الذرية تدار من قبل متولين ونُظّار معينين من قبل المحكمة الشرعية بالقدس، بالإضافة إلى المسجد الأقصى المبارك والمساجد والتكايا والزوايا في البلدة القديمة.
وفي هذا المجال نؤكد حقيقة وهي أن "الوقف" كان له التأثير الإيجابي والعملي في المحافظة على الوجه الإسلامي لمدينة القدس رغم محاولات التهويد الظالمة والعدوانية. وتقسم الأراضي الوقفية، حسب الواقع الحالي، إلى ثلاثة أقسام، وهي:
1- الأراضي والعقارات المحكرة ( التحكير: تأجير الأرض الوقفية بأجرة رمزية دون تحديد مدة معينة).
2- الأراضي الوقفية المتروكة غير المستعملة.
3- الأراضي المعتدى عليها.

وأتناول هذه الأقسام الثلاثة بشروح موجزة مع إبداء الملاحظات حول حماية الأراضي والعقارات الوقفية، على النحو الآتي:

أولاً: الأراضي والعقارات المؤجرة أو المحكرة:

 

يوجد ما يزيد عن سبعمائة وأربعين ملفاً تتعلق بالأحكار لعقارات وأراضٍ في مدينة القدس وضواحيها، ومن المؤسف والمؤلم أن دائرة الأوقاف الإسلامية لا تستوفي قيمة الأحكار من المؤسسات أو العائلات التي احتكرت الأراضي، وذلك نتيجة الحروب والأحداث والاضطرابات المتعاقبة التي عمت بلاد فلسطين منذ الحرب العالمية الأولى (1914م) وحتى يومنا هذا. لذا أرى واقترح أن يعود اتصال دائرة الأوقاف الإسلامية بأراضيها المحكرة، وذلك من خلال ما يأتي:
1- تنشيط قسم الأملاك الوقفية في مديرية أوقاف القدس.
2- أن تعاد دراسة الملفات والوثائق المتعلقة بالأراضي.
3- أن تجدد العقود بين الأوقاف من جهة وبين المحتكرين من جهة أخرى.
4- أن يتم تسجيل العقارات والأراضي الوقفية بدائرة تسجيل الأراضي "الطابو" لحفظ حق الوقف.
5- أن يستأنف تحصيل قيمة الحكر حتى ولو كان المبلغ زهيداً، وذلك بهدف التأكيد على وقفية الأراضي والعقارات.
6- ثم يتم إصدار تشريع من المجلس التشريعي بإلغاء عقود الأحكار واستبدالها بعقود إجارة محددة المدة، لما يلحق بالوقف من إجحاف كبير من عقود الأحكار. 
7- تأسيس صندوق خاص لتعمير وصيانة وترميم العقارات الوقفية.

 

 
ثانياً: الأراضي الوقفية المتروكة وغير المستعملة:

 

لدائرة الأوقاف الإسلامية مساحات واسعة من الأراضي في مدينة القدس وضواحيها إلا أنها متروكة وغير مستعملة حتى الآن لا من الناحية الزراعية ولا من حيث السكان. وإن السلطات المحتلة قد اعتبرت أجزاء منها مناطق خضراء حتى لا يستفاد منها.
وبما أن أهالي القدس يعانون من أزمة في المساكن فلا بد من استغلال أكبر عدد ممكن من مساحات الأراضي لإقامة مشاريع إسكانية عليها واستيعاب أكبر عدد ممكن من العائلات.
كما يتوجب على دائرة الأوقاف الإسلامية البحث عن سبل قانونية وسياسية وإدارية لتحرير الأراضي الوقفية في المناطق الخضراء، وذلك لاستصدار رخص بناء عليها أيضاً.

 

ثالثاً: الأراضي والعقارات الوقفية المعتدى عليها:

 

لقد قامت السلطات المحتلة بالسيطرة على الأراضي والعقارات الوقفية، منها: (116)دونماً في البلدة القديمة من مدينة القدس، وذلك بموجب أنظمة الطوارئ أو الأحكام العسكرية "الإسرائيلية" الجائرة والظالمة.
كما إن الأراضي الوقفية لم تسلم من اعتداء بعض المواطنين المسلمين المجاورين لهذه الأراضي مستغلين بذلك وجود الاحتلال وانفلات الأمور والأحداث والاضطرابات وعدم وجود ضبط وربط في البلاد، مع التأكيد أن الأراضي الوقفية لا يسري عليها مرور الزمان فالمعتدي مهما طال اعتداؤه فإنه يبقى معتدياً، ولا بد من استرداد جميع الأراضي والعقارات الوقفية المعتدى عليها من قبل سلطات الاحتلال أو من قبل الأفراد، عاجلاً أو آجلاً.
والليالي حبالى يلدن كل عجيب، وإن مع العسر يسرا  .

 

الخاتمة


 هذا استعراض موجز لما آلت إليه القدس والمقدسات والأوقاف مع طرح بعض الحلول والمقترحات لإنقاذ مدينة القدس المباركة من التهويد، ولنضع الأمة العربية والإسلامية دولاً وشعوباً أمام مسؤولياتهم، فواجب الأمتين العربية والإسلامية رسمياً وشعبياً نحو القدس يتمثّل بتوفير الخدمات والشؤون الحياتية والمعيشية في جميع المجالات.
 ولا بد من التنويه إلى أن الحل الجذري لقضية القدس هو إنهاء الاحتلال  البغيض عنها ففي ذلك حماية للبلاد والعباد، وليس ذلك على الله بعزيز.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

د . عكرمة صبري – القدس

 

                                                                                       

* شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الثالثة من المؤتمر والذي تناول المحور التاريخي لقضيّة القدس.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


د.أسامة الأشقر

لمى خاطر ... القضية إنسان !

الثلاثاء 24 تموز 2018 - 10:55 ص

في عتمة الليل يأتيك اللصوص الخطّافون، تُمسِك بهم أسلحتُهم ذات الأفواه المفتوحة، يقتحمون البيوت بعيونهم الوقحة، وتدوس أقدامهم أرضاً طاهرة ... وفي علانية لا شرف فيها يقطعون الأرحام وينتهكون الحرمات يتعم… تتمة »