تطور قضية القدس بين عامي (1952-1976م)

تاريخ الإضافة الأربعاء 22 تشرين الأول 2008 - 4:29 م    عدد الزيارات 21169    التعليقات 0

        

الفصل الرابع
تطور قضية القدس بين عامي
(1952-1976م)

 

نقل وزارة الخارجية "الإسرائيلية" بأكملها إلى القدس وردود الأفعال.
العمل الوطني الفلسطيني
نشأة حركة "فتح"
إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية (م-ت-ف.)
الوضع في البلاد العربية
حرب حزيران /يونيو1967م وانعكاساتها
ضم مدينة القدس وردود الفعل
مصادرة الممتلكات في الفترة ما بعد 1967م.ووسائل أخرى للتهويد.
قرار مجلس الأمن رقم 242لسنة 1967 م.
أثر الاستيطان الصهيوني على الزراعة والوضع الاجتماعي والاقتصادي
الاعتبارات التي أدت إلى رسم الحدود بشكلها الحالي.

 

الفصل الرابع
تطور قضية القدس بين عامي (1952-1976م)

 

شهدت سنوات الخمسينات والستينيات صدور قرارين مهمين فيما يتعلق بالقدس، حمل أولهما الرقم 127بتاريخ 22 من يناير سنة 1958م، وتضمن الإشارة إلى النظر في الشكوى الأردنية بشأن النشاطات التي تقوم بها "إسرائيل" في منطقة القدس بين خطوط الهدنة وطلب تعليق النشاطات العسكرية في المنطقة وثانيهما القرار رقم 162بتاريخ 11 أبريل سنة 1961م الصادر عن مجلس الأمن بناء على الشكوى الأردنية حول تعديلات "إسرائيل" على مناطق الهدنة، وحث "إسرائيل" على الامتثال لقرار لجنة الهدنة المشتركة.
والملاحظ لدى المتتبع للقرارات الدولية بشأن قضايا الشرق الأوسط، وخاصة الصراع العربي- "الإسرائيلي"، ومن بينها قضية القدس وما واكب ذالك من قرارات دولية، أن جميع القرارات ذات الصلة بالقضية الفلسطينية والقدس، تراكمت وتكدست على رفوف الأمم المتحدة نتيجة تجاهلها من قبل دولة الاحتلال الصهيوني والحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة حتى عام 1967م وضرب بها عرض الحائط، هذا فضلا عن  التطورات التي تجاوزتها، فكان احتلال "إسرائيل" لباقي الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع بالغ الأثر في ذلك.
 كان الشعور بالمرارة والمهانة هو الشعور السائد لدى أبناء شعب فلسطين، بل والعرب والمسلمين نتيجة حرب 1948م، ووجد شعب فلسطين نفسه مشتتاً مقتلعاً من أرضه للمرة الأولى، وتحت حكم أنظمة مختلفة، تفاوتت في إعطائه درجات من الحرية وحقوقه المدنية وإمكانات تنظيم نفسه في مؤسسات سياسية وجهادية، سعياً لتحرير أرضه، غير أن شعب فلسطين، بما عُرف عنه من حيوية، تعامل بإيجابية عالية مع الوضع، وحاول التكييف مع أوضاعه الصعبة. فمثلاً لم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى كان شعب فلسطين هو الأكثر تعليماً مقارنة بكل البلاد العربية. إذ كانت عملية التعليم أحد وسائل التعويض والإعداد لمواجهة المستقبل وتحدياته.

وكما تم الذكر، فقد أدت حرب عام 1948م، وتصاعد معاركها الحربية، التي أعقبت التقسيم، إلى تقسيم المدينة إلى قسمين رئيسيين. وفي 30 من نوفمبر سنة 1948م، وقعت السلطات "الإسرائيلية" والأردنية، على اتفاق وقف إطلاق النار، بعد أن فصل خط تقسيم القدس بين القسمين:الشرقي والغربي للمدينة.

غير أنه مع نهاية عام 1948م، كان تقسيم القدس إلى ثلاثة أقسام:

 

1-  مناطق فلسطينية تحت السيطرة الأردنية:2220دونما 11%
2-  مناطق فلسطينية محتلة (القدس الغربية):263,16دونماً 84%
3-  مناطق محرمة ومناطق للأمم المتحدة :850دومنا-39،04% المجموع19،331دونما(100%).

 

وهكذا وبعد اتفاق الهدنة بين الطرفين:الأردني و"الإسرائيلي"في3من أبريل 1494م، تأكدت حقيقة تقسيم القدس بينهما، تماشياً مع مواقفهما السياسي المعارض لتدويل المدينة. وفي12 من يونيه سنة 1951م، جرت أول انتخابات لبلدية "القدس الشرقية(العربية)".وقد أولت البلدية اهتماماً خاصاً بتعين وتوسيع حدودها. وذلك لاستيعاب الزيادة السكانية. وتم ترسيم "القدس الشرقية"، للمرة الأولى، في الأول من أبريل سنة 1952م، وقد تم ضم بعض القرى في المناطق مسؤولية القدس البلدية وهي: سلوان، رأس العمود الصوانة، أرض السمار، والجزء الجنوبي من قرية شعفاط وأصبحت المساحة الواقعة تحت مسؤولية البلدية 6،5كم2، في حين لم تزد مساحة الجزء المبني منها على 3كم 2. وفي 12من فبراير 1957م، قرر مجلس البلدية توسيع حدودها. وفي جلسة لبلدية القدس، بتاريخ 22 من يونيه 1958م، ناقش المجلس مشروع توسيع حدود البلدية شمالا. لتشمل منطقة بعرض 500م، من كلا جانبي الشارع الرئيسي، المؤدي إلى رام الله، ويمتد حتى مطار قلنديا.

 

واستمرت مناقشة موضوع توسيع حدود البلدية، بما في ذلك وضع مخطط هيكلي رئيسي للبلدية حتى عام 1959م، دون نتيجة.
وفي سبتمبر1959م، أعلن عن تحويل بلدية القدس إلى أمانة القدس. ولكن هذا التغير في الأسماء لم يتبعه تغير في حجم الميزانيات أو المساعدات. وفي عام 1964م، وبعد انتخابات عام 1963م، كانت هناك توصية بتوسيع حدود بلدية القدس لتصبح مساحتها 75كم2. ولكن نشوب حرب عام 1967م، أوقف المشروع، وبقيت حدودها على ما كانت عليه في الخمسينيات.

 

• نقل وزارة الخارجية "الإسرائيلية" بأكملها إلى القدس.

 

استند اليهود في ذلك إلى قرار لمجلس الأمن قد نص على تدويل القدس فقط، ولم يذكر أية تفصيلات. لذلك فإن نقل وزارة الخارجية إلى القدس في نظرهم لا يتعارض مع تدويلها.
تعمد اليهود أن لا يتركوا أي فرع لهذه الوزارة في تل أبيب حتى يجبروا سفراء الدول المختلفة بناء على طلب وزير خارجيتهم إلى الحضور إلى القدس بمقابلة بين حين وآخر، متعمدين كثرة مثل هذه المقابلات حتى يضطروهم إلى نقل سفارتهم إلى القدس، إذ إنه في حالة ما إذا رفض السفير مقابلة وزير الخارجية احتجاجاً على نقل الوزارة إلى القدس، فيحق للوزير قانوناً أن يطلب تغير هذا السفير، وذلك ما يثير بعض القلاقل التي لا تريد الدول إثارتها. وكانت طريقة الاتصال المخطط لها، بين البعثات الدبلوماسية، في تل أبيب المعتمدة في "إسرائيل" ووزارة خارجيتها، في القدس فإن اليهود قرروا وضع ضابط اتصال في تل أبيب يكون حلقة الوصل بين هذه  البعثات في تل أبيب وبين وزارة الخارجية "الإسرائيلية" في القدس وبررت أغلب السفارات التي انتقلت إلى القدس من تل أبيب، أن سبب انتقالها إلى القدس هو تسهيل الاتصال، ولكن هذا لا يعني اعترافهم بهذا الوضع

 

• ردود الأفعال  الدولية حول ذلك الموضوع:
أرسلت وزارة الخارجية اللبنانية مذكرة احتجاج إلى البعثات الدبلوماسية المعتمدة في بيروت والتي كان لحكوماتها تمثيل دبلوماسي في "إسرائيل"، بينما رأت سوريا إلا يقتصر الاحتجاج على أعضاء لجنة التوفيق، بل يجب أن يشمل جميع الحكومات الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة مع الاستغاثة بالدول غير الأعضاء في هيئة الأمم مثل أسبانيا والفاتيكان: وقالت: إن نقل خارجية "إسرائيل" إلى القدس اعتداء  على قرار الأمم المتحدة واستهتار بشعور العالمين: العربي والمسيحي.
أما الحكومة التركية فقد أبقت على الوضع الراهن، في ذلك الوقت وقالت: أنها لا تعتزم نقل مفوضيتها إلى القدس، وأنها تميل إلى الاحتفاظ بقرار الأمم المتحدة بشأن تدويل القدس إلى أن تتبين نتائج انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية
وكان رد وزارة الخارجية الأمريكية بأنها لا تفكر- في الوقت الحاضر- في نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، أنها وإن فعلت هذا يوما ما فإنما يكون هذا في حدود ما تصدره هيئة الأمم المتحدة من قرارات مستقبلاً في هذا الموضوع. كما أنها أكدت على جديتها في إقناع غيرها من الدول الممثلة في "إسرائيل" للتريث في نقل بعثاتها إلى القدس.
وأخذت العراق نفس موقف الدول العربية (من تقديم الاحتجاجات وبذل المساعي لدى الدول لمنع هذا التصرف) كما أن الحكومة العراقية قد تقدمت باقتراح إلى الدول العربية الأعضاء الممثلين في هيئة الأمم المتحدة بطلب أدراج مادة جديدة في جداول الدورة الثامنة لهيئة الأمم المتحدة على الشكل التالي:
إن نقل "إسرائيل" لوزارة خارجيتها خرق صريح وتحد واضح لقرارات الأمم المتحدة الخاصة بتدويل القدس، وعلى الأمم المتحدة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين احترام قراراتها وتنفيذها

 

وقد أولت الهيئة العربية العليا لفلسطين قضية القدس والعمل على صيانة عروبتها ومقدساتها والمحافظة على مصالح سكانها كل عناية واهتمام. كما قدمت مذكراتٍ عديدةٍ للدول العربية وجامعتها والدول الإسلامية وسائر المراجع المختصة، وأرسلت وفوداً عنها إلى الأمم المتحدة ولجنة التوفيق وغيرهما من المنظمات العالمية والمحافل الدولية، للدفاع عن حق العرب ومصالحهم من  وجهة نظرهم، وأصدرت عدة نشرات وبيانات عن مطامع الاستعمار اليهودي في مدينة القدس، والمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، وعن البرامج الاستعمارية فيها، التي ترمي إلى تحقيق سيطرة اليهود واستيلائهم عليها وعلى البقعة الباقية من فلسطين، ووزعت هذه النشرات والبيانات على مختلف الأقطار والأوساط الشرقية والغربية. ودعت فيها  العرب والمسلمين بصورة خاصة لاتخاذ إجراءات  سريعة لصيانة عروبة القدس والدفاع عنها وصد المطامع اليهودية التي تهددها.
وطلبت الهيئة من جميع الدول العربية وجامعتها العناية والدفاع عن القدس وتعزيزها سياسياً وعسكرياً، كما طالبتها بأعمال مجدية منتجة في القدس ومدها بالمساعدات والقروض المالية وإنعاشها اقتصادياً وتجارياً وعمرانياً.
وقد كان لنقل "إسرائيل" لوزارة خارجيتها إلى مدينة القدس رد فعل شديد في الأوساط  العربية- الشعبية والرسمية- فأظهرت استنكارها لهذه التحدي الجديد للأمة العربية والتهديد السافر لمصالحها. فجددت الهيئة العربية جهودها ومساعيها لدي الدول العربية وسائر الجهات المختصة لمضاعفة عنايتها واهتمامها، واتخاذ الإجراءات الاقتصادية والعسكرية والسياسية السريعة لصيانة المدينة وإنعاشها وتعزيز شأنها، وأرسل  سماحة رئيس الهيئة في 14من تموز(يوليو)1953م، برقيات إلى جميع الدول العربية بشأن القدس، كما أرسل البرقية التالية إلى دولة رئيس الوزارة الأردنية: الرجاء اتخاذ  الإجراءات المناسبة

 

بينما قام وزير يوغوسلافيا المفوض في "إسرائيل" بتقديم أوراق اعتماده في مدينة القدس 30 من يوليو 1954م، كما قدم سفير الولايات المتحدة والمملكة المتحدة  لدى "إسرائيل" أوراق اعتمادها في مدينة القدس
وقد أثار سماح الحكومة البريطانية والأمريكية لسفيرهما تقديم أوراق اعتمادهما إلى حكومة "إسرائيل" في مدينة القدس نفسها موجة من القلق الشديد في البلاد العربية لأن مدينة القدس التي أعلنتها "إسرائيل" عاصمة لها، رغم قرار الأمم المتحدة، هي مدينة دولية بموجب مشروع التقسيم.
ولم يصدر عن الدول العربية إجراءات فيما يتعلق بعلاقات الدول العربية مع حكومتي لندن وواشنطن، إلا الإيعاز إلى سفراء الدول العربية بتقديم الاحتجاج لدى الحكومتين الغربيتين مع أن لغة الاحتجاجات لا فائدة منها وحدها. ولا سيما من مثل هذا الموضوع  الخطير: لأن الخطوة الأمريكية - البريطانية تعني قبول الأمر الواقع الذي إرادته "إسرائيل" في فلسطين، ويؤدي إلى اعتبار الأراضي التي تحتلها "إسرائيل" الآن (أي في تلك الفترة) جزء من الدولة اليهودية، وبالتالي يلغي حق اللاجئين بالعودة إلى وطنهم، بالإضافة إلى إلغاء حق الراغبين في عدم العودة  في الحصول على تعويض عن أموالهم وأملاكهم التي خلفوها من ورائهم في فلسطين.

 

بعثت الحكومة اليمنية إلى الحكومات العربية لكي تصدر تعليماتها الدبلوماسية في واشنطن لاستيضاح نوايا- وليس للاحتجاج- الحكومة الأمريكية ووجهة نظرها في الموضوع على أن تقوم البعثات العربية بمسعى مشترك لتنفيذ هذه التعليمات. كما بعثت أيضا لهذه الحكومات لتتصل بالبعثات الدبلوماسية الأمريكية المعتمدة لديها وإفهامها خطورة مناورات "إسرائيل" في نقل عاصمتها إلى القدس والنتائج السيئة  التي قد ترتبت عليه. وأخيراً أن تقوم الحكومات العربية - بالطرق التي تراها- بالاتصال بالفاتيكان وبالدول العربية التي وافقت على التدويل لكي تقوم من جانبها بمسعى مشابه
قام الفاتيكان برصد مبلغ 15مليون دينار لمشروع يستهدف شراء جميع الأراضي والمباني العربية بالقدس من الإفراد لحساب الجمعيات والمؤسسات الخيرية والأديرة والكنائس، وإن عمليات الشراء بدأت تجري بالفعل عن طريق من كانوا يعتبرون من زعماء فلسطين والمنادين بتحريرها من اليهود قبل عام 1948م، وذلك للاحتيال على القوانين والأنظمة التي وضعتها الحكومة من أجل الحيلولة دون تملك الأجانب فتجري عمليات البيع باسم العرب بأموال مصدرها الفاتيكان، ولضمان سلامة شراء هذه الأراضي والأملاك عمد الفاتيكان إلى أخذ كمبيالات مالية ترد ضعفين على ثمن الأرض والمساكن التي يبتاعها الوسيط ليسهل الحجز عليه إذا امتنع في المستقبل عن تسليم الفاتيكان ما ابتاعه لحسابه
وقد سبق للكنائس اللاتينية بالقدس أن اشترت بواسطة بعض المسيحيين العرب أراضي ومباني لحسابها، ولكنها لم تستطع تسجيلها نظرا للخطر الذي كان واقعاً على نقل الملكية، ثم أباح مجلس الوزراء نقل ما سبق أن اشتري لحساب هذه الكنائس إلى ملكيتها على أن يخضع ذلك في المستقبل إلى إذن منه، وأنه لا يعلم أن هذه الكنائس اشترت شيئاً جديداً

 

ومن المعروف إن الفاتيكان كان يرى تدويل القدس، وهذه الفكرة فضلاً عن أنها من قرارات الأمم المتحدة الخاصة بتقسيم فلسطين، فقد سبق لموسوليني أن عبر عنها فيما رآه من وجوب انتقال البابا على الأراضي المقدسة وأقامته فيها بدلا من إيطاليا.

 

ولذلك فإن الكثيرين يتساءلون:هل ما يقوم به الفاتيكان من شراء الأراضي والمباني في القدس دليل على قرب تدويل منطقة القدس؟ لقد ربط البعض بين ذلك وبين إثارة موضوع تدويل القدس في مجلس العموم البريطاني، وذكر وزير خارجية بريطانيا أن بلاده لم توافق على التدويل على أساس عدم رضا الأردن و"إسرائيل" عنه، ويتساءل: هل كان هذا الرد مقصودا به تذكر الفاتيكان بموقف بريطانيا- كان يقصد بها التمهيد لزيارة بن جوريون لإنجلترا، ولم يكن يقصد مؤازرة ما يقوم به البروتستانت في القدس في محاولة كسب حقوق  لهم على حساب الطوائف الأخرى.
على أن إجابة وزير خارجية بريطانيا لا تخلو من معنى أنهم لا يحبون أن يشاركهم  أحد في نفوذهم في المنطقة

 

أما سكرتير عام الخارجية البلجيكية فقد قال: إنه طلب من ممثل بلجيكا "بإسرائيل" تقديم أوراق اعتماد بمدينة القدس فسيتعذر عليه رفض الطلب لأن ممثلي الدول الكبرى "بإسرائيل" لم يتمكنوا من تقديم أوراق اعتمادهم في تل أبيب، وإنما اكتفوا بإصدار بيان عقب تقديم أوراق الاعتماد بأن هذا التسلم لا يعني محابات "إسرائيل" في اعتبار القدس عاصمة لها. وهذا مع استمرار بقاء دور السفارات والمفوضيات وإقامة المبعوثين الدبلوماسيين في تل أبيب

 

وقامت حكومة الأورجواي بنقل مفوضيتها في "إسرائيل" من تل أبيب إلى القدس أما شيلي فقد ذكرت أنه ليس لها أية رغبة في إجراء أي تعديل على أوضاع علاقتها الدبلوماسية مع "إسرائيل". وهذا بالطبع يعني أنها لم تنقل مفوضيتها من تل أبيب وذلك خوفاً من فقد أصوات المنحدرين من أصول عربية في الانتخابات

 

أما البرازيل فقد قررت إنشاء قنصلية لها في القدس، وقامت وزارة الخارجية البرازيلية بإخطار بعثاتها المتمثلة في دول أمريكا اللاتينية لإبلاغ الحكومات المعتمدين لديها في الدول (حيث قد بنيت على قرار التدويل الذي أصدرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نوفمبر سنة 1947م،وعلى الرسالة البابوية في عام 1948م) وترى السفارة "الإسرائيلية" أن إنشاء هذه القنصلية هو بمثابة موقف صريح للحكومة البرازيلية ضد  مرامي "إسرائيل" في جعل القدس عاصمة لها.

 

يرجع الفصل في ذلك الوضع بهذا الشكل إلى مساعي المبعوث البابوي، والمعتمد أن مساعي المبعوث البابوي  موحى بها من الفاتيكان لبعث فكرة التدويل حتى إذا ما تمت مساعي البابا لانتدابه لإدارة القدس بمساندة الأمم المتحدة، وفي ذلك تحقيق لما اتجهت إليه  الحروب الصليبية سابقاً من حيث النزع من أيدي العرب أولاً، ومن أيدي الأرثوذكس أخيراً نشرت صحيفة (حيروت)"الإسرائيلية" بعددها الصادر بتاريخ 21/2/1958م، الخبر التالي:علم من مصادر مطلعة جداً في القدس أن بعض الموظفين الألمان الكبار الذين سيصلون إلى "إسرائيل" ضمن 14سائحاً من ضيوف شركة (العال)سوف ينتهزون فرصة وجودهم في "إسرائيل" لإعداد الترتيبات اللازمة لإنشاء قنصلية ألمانية في القدس، بحيث تكون معدة للافتتاح في مطلع شهر أبريل سنة 1958م

 

أم الأردن فقد قامت بعمل أول إجراء عملي حيث عقد مجلس الوزراء الأردني جلسته الأول مرة بالقدس قبل ظهر يوم 27/7/1953م،وقد صادف هذا العمل قبولاً وتعضيداً من الجميع أعياناً ونواباً وشعباً. وهذه أولى الخطوات التي اتبعتها الحكومة الأردنية إثر نقل خارجية "إسرائيل" للقدس، وهو أول إجراء عملي رد على "إسرائيل" 

 

يمكن معرفة الموقف "الإسرائيلي" بوضوح من خلال الصحافة "الإسرائيلية" فقد جاء فيها أن "إسرائيل" لا تريد التنازل عما بأيديها، أو عن بعض ما في أيديها، وكذلك تريد الاعتراف من جانب الدول العربية بسيادتها على كامل الأراضي التي  تسيطر عليها
كما جاء في الأنباء اليهودية "احتفلوا يوم 14من أكتوبر (1954م) بعيد الغفران على جبل صهيون المطل على البلاد القديمة في القدس، وقد أضاءوا مشعلا ضخما يحتوي على 70 شعبة من اللهب على مشهد من جماهير اليهود والضيوف والسياح والأجانب" الذين حشدتهم الدعاية اليهودية فوق جبل صهيون وقد خطب الوزير اليهودي شابيرا- وزير الأديان في  المجتمعين، وأعلن أن "اليهود مصممون على تحرير القدس وإطلاق سراح جدار المبكى الأسير"

 

يتضح مما سبق ومن خلال التصريحات المتعددة التي أدلى بها قادة "إسرائيل" أنهم يعتبرون "إسرائيل" بغير القدس كالجسم بغير الرأس. ومنذ قيام "إسرائيل" أخذت تلتمس كل وسيلة لضم القدس جميعها إلى الإقليم الذي تحتله قواتها، فأقامت برلماناً في القدس، ثم أنشأت فيها فرعاً لوزارة خارجيتها وأخذت تتصرف كما لو كانت هذه المدينة المقدسة عاصمة لها، فسعت لكي يقدم الدبلوماسيين المعتمدون لديها أوراق اعتمادهم في الجزء الذي تحتله من القدس. ولكن بعض الدول الأجنبية رفضت مجاراتها في ذلك حرصاً منها على دولية المنطقة. وغير أن الاتفاق قد تم بينهما وبين الولايات المتحدة وإنجلترا على أن يقدم السفيران الجديدان لهاتين الدولتين أوراق اعتمادهما في القدس. فقام المبعوثون الدبلوماسيون العرب في لندن وواشنطن ببذل المساعي لدي الحكومتين:البريطانية والأمريكية للحيلولة دون تقديم المبعوثين الجديدين أوراق اعتمادهما بالقدس لما يحمله ذلك التقديم من معني الاعتراف الضمني بالقدس عاصمة "لإسرائيل" مما يتنافى مع القرار تدويلها، غير أن الحكومتين البريطانية والأمريكية أجابتا عن هذا المسعى بأن مواقفهما من تدويل منطقة القدس لم يتغير- وأنهما متمسكان به وأن مجرد تقديم أوراق الاعتماد في القدس لا تترتب عليه أية نتائج قانونية، وأنه مجرد استجابة إلى اعتبارات عملية، وأخذ بمقتضيات المجاملة

 

• العمل الوطني الفلسطيني

 

يرى الباحث أن السلوك الشعبي الفلسطيني، في تلك الفترة اتسم بما يلي :
محاولة استيعاب الصدمة، والتكيف مع الواقع الجديد، والتركيز على التعليم وسبل الاعتماد على النفس.
الانتماء إلى التنظيمات والأحزاب ذات الطبيعة القومية (الناصرين البعث) والشيوعية واليسارية (الحزب الشيوعي، حزب القوميين العرب)، والإسلامية ( في النصف الأول من المرحلة: الأخوان المسلمين، حزب التحرير).
بدايات تشكيل الهوية الوطنية  الفلسطينية (نِشأة حركة فتح ، و م.ت.ف).
هجرة الكثير من أبناء فلسطين طلباً للرزق إلى  الضفة الشرقية من نهر الأردن، وإلى بلدان الخليج العربي، وخصوصاً السعودية والكويت.
الانفضاض الشعبي التدريجي عن الحاج أمين الحسيني.

 

وقد أكملت الحكومة الأردنية سيطرتها الدستورية على الضفة الغربية، وهي معظم ما تبقي من فلسطين (5878كم2، أي 77،21%من مساحة فلسطين) بعد أن انعقد بتشجيعها مؤتمر أريحا في ديسمبر 1949م، والذي حضره وجهاء فلسطينيون مؤيدون للأردن، وبايعوا الملك عبد الله بن الحسين ملكاً على فلسطين وأعلنت الوحدة بين الضفتين الشرقية والغربية في أبريل 1950م، وفي الوقت نفسه وضعت الحكومة المصرية يدها على قطاع غزة (363كم2أي 1,34%من مساحة فلسطين) وقامت بإدارته ومنع الحاج أمين ورفاقه في الهيئة العربية العليا وفي حكومة عموم فلسطين من العيش أو العمل السياسي في الضفة الغربية أو القطاع ووجد الحاج أمين نفسه أشبه بالرهينة لدي مصر، فاضطر إلى مغادرتها إلى لبنان في عام 1958م، بعد أن ذاق مرارة العزل والحصار، كما وجدت الهيئة وحكومته نفسيهما تتضاءلان وتنزويان إلى أن انحصرتا في شقة أو أثنين في بنايات القاهرة وتحول دور رئيس حكومة عموم فلسطين منذ عام 1952م،إلى مجرد مندوب لفلسطين لدى الجامعة العربية.وهكذا، أفل نجم الحاج أمين بالتدريج، وسواء تمتع الحاج أمين بشعبية واسعة حتى منتصف الخمسينيات أم لا، فإن الرجل كان مشهوداً له بالصلابة والإخلاص، وكان الرمز الأول للعمل الوطني أكثر من ثلاثين عاماً. 

 

 وكان للإخوان المسلمين السبق الشعبي وسط قطاعات الفلسطينيين خلال(1949-1954) سواء في الضفة أو القطاع، لما حققوه من سمعية جهادية في حرب 1948م، ولما طرحوه من برامج إسلامية وطنية، حيث نعموا بحرية نسبية في مصر حتى عام 1954م، وبأجواء مواتية في الأردن. كما أصبح حزب التحرير الإسلامي ظاهرة لا يستهان بها، وخصوصاً في الأردن في منتصف الخمسينيات، حيث ركز على العمل السياسي وإقامة الخلافة الإسلامية ومثل الشيوعيون تحدياً شعبياً للتيار الإسلامي، خصوصاً في  القطاعات الطلابية والمهنية، بما طرحوا من شعارات براقة حول معاناة الجماهير واتهام الأنظمة بالخيانة والعمالة

 

واتخذت المقاومة الفلسطينية في هذه المرحلة أشكالا بسيطة محدودة التأثير، فكثرت في النصف الأول من الخمسينيات عمليات اختراق الحدود لاسترجاع ممتلكات للعائلات  المشردة أو لتوجيه ضربات انتقامية للعدو وفي  قطاع غزة أنشأ الأخوان المسلمون تنظيما سرياً ذا طبيعة عسكرية، قام بعدد من العمليات بالتنسيق مع بدو النقب، واستفادوا من وجود الضابط الإخواني في الجيش المصري عبد المنعم عبد الرءوف في القطاع إثر نجاح الثورة المصرية فسهل لهم سبل التدريب العسكري

 

وقد اتسمت ردود الفعل الصهيونية على عمليات المقاومة بالعنف والغطرسة سواء في الضفة أو القطاع، فوقعت مثلا مذبحة قبية في 14-15من أكتوبر 1953م، حيث استشهد 67شخصاً وفي 28 فبراير 1955م، ارتكبت  القوات الصهيونية مذبحة غزة التي أدت إلى استشهاد 39وجرح 33 شخصاً مما دفع أهل القطاع إلى الانتفاضة والمطالبة بالقتال فوافقت القيادة المصرية على العمل الفدائي الفلسطيني وأوكلت المهمة إلى الضابط المصري مصطفي حافظ الذي أحسن أداء واجبه وتم تنفيذ كثير من العمليات اليومية الخاطفة فضلاً عن بعض العمليات الكبيرة خلال عامي (1955-1956م)

 

وفي 29من أكتوبر 1956م، بدأ العدوان الثلاثي (الإسرائيلي –البريطاني – الفرنسي)على مصر وكانت رغبة الصهاينة في تدمير العمل الفدائي الفلسطيني في القطاع وسعيهم لفتح خطوط الملاحة لسفنهم في البحر الأحمر سواء بفتح قناة السويس أو بفك الحصار عن ميناء إيلات، فضلاً عن نواياهم التوسعية وهي أبراز العوامل التي دفعتهم لشن هذه الحملة وقد توافق ذلك  مع النوايا الاستعمارية البريطانية في الرغبة باستمرار السيطرة على قناة السويس كما توافق ذلك مع الرغبة الفرنسية في توجيه ضربة لمصر لأنها كانت تدعم الثورة الجزائرية وقد أدى ذلك كله إلى احتلال الصهاينة لقطاع غزة وسيناء وشاركت بريطانيا وفرنسا في ضرب المطارات المصرية واحتلال موانئها وكان الاحتلال الصهيوني سريعاً وحاسماً بدرجة كشف ضعف الجيش المصري غير أن الإعلام المصري استفاد من اضطرار القوات "الإسرائيلية" والبريطانية والفرنسية للانسحاب في 6 من مارس 1957م، تحت الضغط الأمريكي

 

• نشأة حركة فتح

 

وفي تلك الفترة فرضت حالة التضييق والمطاردة المفروضة على التيار الإسلامي خصوصاً في مصر والقطاع تساؤلات أمام شباب الإخوان المسلمين الفلسطينيين المتحمسين الذين أخذوا يتساءلون عن وسائل العمل الممكنة لتحرير فلسطين ورغم أن التيار العام وسطهم كان يدعو إلى التريث والتركيز على الجوانب التربوية والإيمانية إلا أن تيار آخر أخذ يتجه للقيام بعمل منظم مسلح لا يتخذ أشكالاً إسلامية مكشوفة وإنما يتبنى أطراً وطنية تمكنه من تجنيد قطاعات أوسع من الشباب، ولا تجعله عرضة لعداء الأنظمة وملاحقتها وكانت تجربة الثورة الجزائرية في تلك الفترة أحد الحوافز الهامة لهذا العمل وكانت هذه هي البذور الأولى لنشأة حركة فتح (حركة تحرير فلسطين وفيما بعد حركة  التحرر الوطني الفلسطيني) سنة 1957في الكويت والتي خرجت أساساً من أحضان الإخوان المسلمين وبالذات من أبناء قطاع غزة وكان خليل الوزير (أبو جهاد) الذي أصبح الرجل الثاني في فتح طوال ثلاثين عاما قد قدم اقتراحاً بذلك إلى قيادة الإخوان في القطاع فلم يستجيبوا له غير أن فتح التي ظلت تركز على العناصر الإخوانية حتى سنة 1963م، انفتحت أكثر على مختلف التيارات وقطاعات الشعب الأخرى، خصوصاً بعد أن أصدرت قيادة الإخوان في القطاع أوامرها بالتمايز إما مع فتح وأما مع الإخوان وأخذت فتح تصطبغ بصبغة وطنية علمانية شكلت هويتها العامة إلى وقتنا هذا وشكلت فتح جناحها العسكري (العاصفة) وقامت بأولى عمالياتها العسكرية في مطلع 1956م،و تمكنت من شن نحو 200 عملية عسكرية منذ ذلك الوقت وحتى حرب يونيو  1967م،
أما حركة القوميين العرب فقد كان معظم الأعضاء المؤسسين من الفلسطينيين الدارسين في جامعة الأمريكية ببيروت في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين وكان من أبرزهم جورج حبش ورفعت شعار الوحدة القومية وتحرير فلسطين وأيدت السياسات الناصرية وشكلت لجنة فلسطين في عام 1958م، وبعد فشل تجربة الوحدة المصرية – السورية أخذت تتبنى الفكر الاشتراكي والعمل الشعبي شباب الثأر الذي أخذ يمارس العمل الفدائي منذ1 نوفمبر 1967م،وفي عام 1966م، تبنت الحركة الماركسية طريقاً لعملها وهي التي أنشأت في ديسمبر 1967م، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالتحالف مع تنظيم قوي أخرى

 

• إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية (م-ت-ف)

 

ومن جهة أخرى كانت الأنظمة العربية تشعر بما تموج به الساحة الفلسطينية من أنشطة سرية وحركات وتنظيمات وكان الرئيس عبد الناصر يرغب في ألا يفلت الزمام من يده خاصة في ظروف الخلافات بين الأنظمة العربية فأصبح هناك اتجاه يريد استيعاب الفلسطينيين في كيان رسمي معتمد يسهل التحكم فيه وفي سنة 1959م، اتخذ مجلس الجامعة العربية قراراً دعا إلى تنظيم الشعب الفلسطيني وإبرازه كياناً موحداًَ بواسطة ممثلين يختارهم الشعب  لكن ذلك ظل عرضه للتأجيل والتسويف حتى وفاة أحمد حلمي عبد الباقي ممثل (حكومة عموم) فلسطين لدي الجامعة العربية في 1963م، وبدعم من عبد الله الناصر تم اختيار أحمد الشقيري ممثلا لفلسطين  مكان عبد الباقي وكلف بدراسة القضية الفلسطينية وسبل تحريكها وتنشيطها وعندما انعقد مؤتمر القمة العربي الأول في القاهرة في 12من يناير 1964م، تقرر تكليف الشقيري بالاتصال بالدول الأعضاء والشعب الفلسطيني بغية الوصول إلى القواعد السلمية لتنظيم الشعب الفلسطيني وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه وتقرير مصيره ولم يقم الشقيري بتقديم تقرير للجامعة حول السبل المقترحة لقناعته بأنه سيكون عرضة لمزيد من الدراسة والتأجيل فقرر وضع البلاد العربية أمام الأمر الواقع فقام بدعم مصري بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية (م- ت- ف)حيث انعقد المجلس الوطني الفلسطيني برعاية الملك حسين ملك الأردن وأعلن ميلاد المنظمة رسمياً وتم التصديق على الميثاق القومي الفلسطيني الذي أكد على الكفاح المسلح لتحرير فلسطين وعدم التنازل عن أي جزء منها وانتخب أحمد الشقيري رئيساً للمنظمة وقد قررت (م-ت-ف)تشكيل جيش التحرير الفلسطيني كما قامت بعدد من الجهود التعبوية والإعلامية ورحب الفلسطينيون بشكل عام بإنشاء (م-ت-ف)باعتبارها تمثيلاً للكيان الفلسطيني والهوية الوطنية التي جرى تغيبها سابقاً وإن كان البعض مثل حركة فتح قد شكلت في خلفيات إنشائها وقدرتها على القيام بواجباتها

 

الوضع في البلاد العربية

 

وقد شهدت هذه المرحلة انحسار الاستعمار عن معظم بلدان العالم العربي والإسلامي غير أن الأنظمة المستقلة التي حلت مكانه استخدمت النسق الغربي للحكم فاتخذت صبغات علمانية ذات مضامين ليبرالية أو اشتراكية أو محافظة أو وقعت تحت الحكم العسكري وقد سعى كل نظام عمليا إلى ترسيخ نفوذه والهوية الوطنية القطرية بدلاً من السعي نحو الوحدة مما كرس حالة التجزئة والتمزق التي تعاني منها الأمة  ومع ذلك بقي الخطاب القومي وشعاراته هي السائدة في الساحة العربية وقد علق الفلسطينيون آمالهم في هذه المرحلة على قومية المعركة وعلى الأنظمة العربية وخصوصاً مصر بزعامة جمال عبد الناصر

 

وكان شعار المرحلة البراق الوحدة طريق التحرير الذي بقدر ما كثر الحديث عنه بقدر ما ترسخت حالة الإحباط في نهابة تجاه تحقيقه خصوصاً بعد فشل الوحدة المصرية السورية (1958-1961م) وبعد أن انكشفت حالة إفلاس رموزه إثر كارثة حرب 1967م، الذين افتقدوا المنهجية الصحيحة والجدية الإصرار اللازمين فلم يحققوا وحدة ولا تحريراً فضلاً عن تضيع باقي فلسطين وسيناء والجولان وشهدت هذه الفترة مداً قومياً ويسارياً وانحسارياً للتيار الإسلامي سياسياً وشعبياً وجهادياً خصوصاً بعد الحملة الشرسة المنظمة التي قادها عبد الناصر وأنصاره ضد هذا التيار وعلى أي حال فإن حالة العداء الرسمي ضد الكيان الصهيوني استمرت طوال هذه المرحلة لكن الخط البياني للأنظمة العربية اتجه عملياً نحو التحرير لأسباب ذاتية وموضوعية جعلتهم يستشعرون حالة عجز حقيقي  فانشغلوا بدغدغة عواطف الجماهير الواسعة التي كانت تترقب ساعة المعركة بينما كان الكيان الصهيوني الغض يشتد ويزداد قوة ورسوخاً

 

ولذلك تم تبني المقاومة الفلسطينية غالباً لأسباب  تكتيكية مرحلية وليس ضمن خطط إستراتيجية  شاملة وسارت سياسات دول المواجهة مع المقاومة الفلسطينية ضمن خطين

 

الأول: ضمان أم النظام وبقائه وعدم تعرضه لمخاطر الانتقام الصهيوني وبشكل آخر عدم كشف مدى ضعف النظام في ساحة المواجهة وبالتالي ضبط العمل الفدائي الفلسطيني ووضعه تحت السيطرة ما أمكن ومنعه من استخدام الحدود للقيام بعمليات مسلحة وهي السياسة  العامة التي درجت عليها كل دول الطوق حتى الآن (نهاية القرن العشرين)

 

الثاني:السماح المرحلي التكتيكي بتواجد المقاومة المسلحة على أرضها تحقيقاً لمكاسب سياسة شعبية أو تجنباً لاضطرابات داخلية وتنفيساً عن غضب الجماهير ولذلك بقيت حدود دول المواجهة مع العدو مغلقة محرمة على العمل الفدائي الفلسطيني ليس في هذه المرحلة فحسب وإنما طوال الخمسين سنة الماضية مع استثناءات محدودة فرضتها ظروف معينة وكان أهم هذه الاستثناءات جنوب لبنان الذي تشكلت فيه قاعدة مقاومة قوية بعد حرب  1967م، واستمرت حتى 1982م، ليس بسبب رغبة النظام الحاكم وإنما بسبب ضعفه وقوة الثورة و قاعدة تأييدها الواسعة

 

• حرب حزيران /يونيو 1967م، وانعكاساتها:

 

وفي 5 من يونيو 1967م، اندلعت الحرب العربية-"الإسرائيلية" بعد حالة من  التصعيد المتبادل قامت فيه مصر بإغلاق مضيق تيران في البحر الأحمر وطلبت من مراقبي الأمم المتحدة على حدودها المغادرة وأعلنت البلاد العربية استعدادها لمعركة المصير وتحرير فلسطين لكن القوات "الإسرائيلية"  قامت في صباح 5 يونيو \حزيران بتدمير الطيران في المطارات المصرية والأردنية والسورية وفي غضون ستة أيام كانت قد انتهت بكارثة عربية جديدة فاحتل الصهاينة باقي فلسطين (الضفة الغربية5878كم2وقطاع غزة 363كم2)وصحراء سيناء المصرية 61198كم2ومرتفعات الجولان السورية 1150كم2 ودخل الجنود اليهود بيت المقدس والمسجد الأقصى وهم يهزجون "خط المشمش عالتفاح  دين محمد ولى وراح" "ومحمد مات خلف بنات" واستيقظت الجماهير العربية الإسلامية على هول كارثة لم تدر بخلدها كما اكتشفت مدى الزيف والخداع والأوهام التي غذتهم بها الأنظمة طوال التسع عشرة سنة السابقة فقد تم تدمير سلاح الطيران المصري والسوري والأردني وهو لا يزال قابعاً في مدرجاته وتم تدمير80 % من عتاد الجيش المصري واستشهد حوالي عشرة آلاف مقاتل مصري و6094مقاتلاً أردنياً وألف مقاتل سوري فضلاً عن الجرحى وكان من نتائج هذه الحرب تشريد 330ألف فلسطيني آخرين وخفت نجم عبد الناصر وضعفت الثقة بالأنظمة العربية وسعى الفلسطينيون إلى أخذ زمام المبادرة بأيديهم ونمو الحركة الوطنية الفلسطينية أكثر وأكثر غير أن أحد أبرز النتائج المؤسفة هي أن تركيز الأنظمة العربية بل ومنظمة التحرير الفلسطينية (فتح) كان مقصوداً على استعادة الأرض المحتلة 1967م، (و الضفة القطاع) أي 23% من أرض فلسطين والاستعداد الضمني للتنازل عن الأرض المحتلة سنة 1948م، والتي قامت كل هذه الحروب والمنظمات أساساً  لتحريرها اجتمع مجلس الأمن في صباح الخامس من يونيو 1967م، في جلسة مستعجلة طارئة بناء على دعوة من مندوب مصر وقد استمع  المجلس أول ما استمع إلى تقرير من  الأمين العام يوثانت  حول الهجوم الواسع الذي قامت به "إسرائيل" وأنهى يوثانت تقريره بإعلانه أنه يدعم بقوة فكرة إعلان القدس مدينة مفتوحة وذلك للدينية فيها والتي لا تعوض غير أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تصلبت في موقفها لدرجة أن المشاورات التي طالت مدة يومين كانت "إسرائيل" خلالها تحتل المزيد من الأراضي العربية وما كان من مجلس الأمن إلا أن أيد وجهة النظر الأمريكية بإقرار مشروع  قرار يدعوا الحكومات المعينة كخطوة أولية إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف أطلاق النار ووقف كل نشاط عسكري في المنطقة
وفي 8 من يونيو، عاد المجلس إلى الانعقاد، وتقدم المندوب الأمريكي بمشروع تضمن مطالبة جميع الفرق بالتزام وقف لإطلاق النار، والدخول في مباحثات لسحب قواتهم، على أن تتم المباحثات بصفة عاجلة وبمساندة فريق ثالث، وهو الأمم المتحدة
إلا أن مندوب الاتحاد السوفيتي قد قام بشن حملة عنيفة على "إسرائيل" متهما إياها بارتكاب العدوان، وبأنها تتحدى الأمم المتحدة وميثاقها، وقام بتقديم مشروع قرار- مضاد للمشروع الأمريكي- طالب فيه مجلس الأمن بشجب انتهاك "إسرائيل" لقرارين سابقين لوقف أطلاق النار وانتهاكها ميثاق الأمم المتحدة.
وفي اجتماع مجلس الأمن في التاسع من يونيو تقدم مندوب الأمم المتحدة بمشروع قرار جديد- هو التعديل لمشروع قرار سابق- مطالباً فيه باتخاذ الخطوات الفورية سعياً وراء ضمان الانصياع لوقف إطلاق النار ورفع تقرير إلى المجلس عن ذلك خلال أربع وعشرين ساعة. وعندما اجتمع المجلس في العاشر من يونيو كانت كل من سوريا و"إسرائيل" ومصر والأردن قد قبلت بوقف إطلاق النار، إلا أن "إسرائيل" لم تنفذ بالفعل وقف إطلاق النار بل استمرت في قصف المواقع السورية واستمر كل من المندوب الأمريكي والمندوب السوفيتي في تقديم مشروعات ومشروعات مضادة لقرارات من مجلس الأمن إلى أن انعقدت الجلسة الطارئة للجمعية العامة والتي انتصرت فيها "إسرائيل" انتصاراً دبلوماسياً مهماً حيث أن الأمر لم يقتصر على إبعاد المشاريع التي كانت تخشى اعتمادها فحسب بل تخطتها إلى إحراز بعض المكاسب-كما سيتضح فيما بعد- أحس الأمين العام للأمم المتحدة يوثانت  بخيبة مساعيه في إقناع "إسرائيل" بقبول أقل قدر ممكن من القواعد التي تحكم سلوك أعضاء المجتمع الدولي وانفض اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في يوم 21 من يوليو بعد أن أحالت الموضوع برميته إلى مجلس الأمن. وكان ذلك دليلاً على عجز قلما له مثيل من قبل

 

ضم مدينة القدس وردود الفعل:

 

بمجرد أن تم احتلال مدينة القدس اندفع اليهود من جميع إنحاء "إسرائيل" إلى المدينة العتيقة ولما وصل وزير الدفاع "الإسرائيلي" إلى حائط البراق في السابع من يونيو صاح  قائلا "الحائط لنا" أيام تم وضع لوحة على الجدران كتب عليها بيت كنيست أي أنه أصبح معبداً
تذرعت "إسرائيل" بأنها قامت بغزو القطاع العربي من القدس وبقية الضفة الغربي في يونيو1967م، رداً على المدفعية الأردنية التي فتحت نيرانها على "القدس الجديدة" (التي احتلتها "إسرائيل" 1948م، وأصبحت تسمى بالقدس "الإسرائيلية")وعلى منطقة تل أبيب صبيحة  الخامس من يونيو حيث أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" (ليفي أشكول) قام بالاتصال مع الملك حسين عن طريق هيئة الرقابة الدولية متعهدا بأن "إسرائيل" لن تكون البادئة في إشعال الاشتباكات ولكن عندما تسلم الملك حسين الرسالة كان إطلاق النار من أسلحة صغيرة قد بدأ الأمر الذي جعل المدفعية الأردنية  في زمن قصير تفتح نيرانها على "القدس الجديدة" ( التي يطلق عليها القدس "الإسرائيلية")وعلى منطقة تل أبيب فلم تكد تسقط القنابل الأردنية الأولى بعد الساعة التاسعة صباحا بقليل حتى نقل على لسان الجنرال ناركس الهتاف التالي موجهاً إلى المحافظ- محافظ القدس "الإسرائيلية"- تيدي كوليك  ليس مستبعداً أنك سوف تصبح محافظ القدس الموحدة
وعندما أقدم الجنرال حاييم بارليف نائب رئيس الأركان على تخويل الجنرال جور نهائياً صلاحية الهجوم على المدينة القديمة يوم السابع من يونيو قال بارليف هناك ضغوط علينا لإيقاف إطلاق النار وصلنا إلى القناة : "نقطع المصرين إربا إربا ولن ندع المدينة القديمة باقية كرقعة معزولة وسط أراضينا"

 

ومنذ يوم 1967م، كان الاهتمام الرئيسي للحكومة "الإسرائيلية" يتجه نحو التأكيد على ادعاءاتها في السيطرة على "القدس الشرقية" (العربية) سيطرة دائمة وتامة.
إحدى الخطوات الأولية التي اتخذتها "إسرائيل" حال احتلالها لشرقي القدس 1967م، كانت الطرد الإجباري للفلسطينيين القاطنين في حارة اليهود من البلدة القديمة وفي الفترة التي تلت الاحتلال الإسرائيلي في حرب عام 1948م، انتقلت العديد من العائلات الفلسطينية للسكن في بيوت حارة اليهود من البلاد القديمة التي كان يمتلكها الفلسطينيون تشير المصادر إلى ما بين 4 إلى 5/6 آلاف فلسطيني طردوا من البلدة القديمة في عام 1967م، من بينهم 135عائلة فلسطينية تعيش في حارة المغاربة وهذه العائلات أعطيت إنذاراً لمدة ثلاث ساعات قبل المباشرة بهدم حارة المغاربة بالكامل والتي يعود تاريخ بنائها إلى عام 1320قبل الميلاد من أجل بناء بلازا بالقرب من حائط الحرم الشريف الكثير من المساجد واثنتان من الزوايا والكثير من أراضي الوقف الإسلامي المأهولة وغير المأهولة دمرت بالكامل وهذا تضمن 99ملكاً من وقف أبو مدين وحوالي 55 وقفاً خاصاً معظمها تعود إلى عائلات الخالدي، العسلي والجعوني. ولم يبذل آنذاك أي جهد لمحاولة أيجاد بدائل لتسكين العائلات المهجرة وهذا يشمل العائلات  الفلسطينية التي أجبرت على النزوح مباشرة بعد انتهاء الحرب كما نسف الجيش "الإسرائيلي" 14بيتاً بحجة الانتقام من أعمال المقاومة بالإضافة إلى 14 داراً أخرى بحجة توسيع وكشف امتداد الحائط الغربي (الذي يسمونه حائط المبكى)

 

يتضح مما سبق أن الهدف هو تهويد القدس تماماً ولكن بأساليب مختلفة فقد تم إرساء الإطار القانوني والإداري للسياسة "الإسرائيلية" في يومي 28،27من يونيو 1967م، أي بعد مرور ثلاثة أسابيع تقريباً على قيام القوات "الإسرائيلية" بعبور خطوط الهدنة إلى القدس ففي 27من يونيو تمت إضافة فقرة إلى القانون الإدارة بالنظام "الإسرائيلي" (لسنة 1948م) وتلك الفقرة تخول حكومة "إسرائيل" ضم القدس إلى أرض "إسرائيل" كما تخول وزير الداخلية صلاحية إعلان التوسيع في حدود بلدية الاحتلال وتطبيق السيادة القانونية والإدارية التي يسري مفعولها في "إسرائيل" نفسها على أقسام معينة من المناطق المحيطة بها مما أدى إلى دمجها تحت إدارة محافظ المدينة اليهودية تيدي كوليك وفي اليوم  التالي أصدر جيش الدفاع "الإسرائيلي" أمراً يقضي بحل مجلس أمانة القدس العربي المنتخب من سكان القدس، وبطرد أمين القدس السيد روحي الخطيب من عمله تم تنفيذ تلك القرارات بشدة متناهية فاستولت "إسرائيل" على جميع ممتلكات الحكومة الأردنية كما ألغت جمع القوانين والأنظمة الأردنية واستعاضت عنها بالقوانين والأنظمة "الإسرائيلية" وفرضت بالقوة جهازاً عسكرياً "إسرائيلياً" وأخضعت جميع السكان العرب لسلطته وجبروته

 

مصادرة الممتلكات في الفترة ما بعد 1967م:

 

على عكس الوضع في عام 1948م، فإن القليل من البيوت الفلسطينية الفارغة خضعت للسيطرة "الإسرائيلية" في عام 1967م، وهذا يرجع إلى حقيقة كون اليهود يملكون القليل من الأراضي في الجزء الشرقي من المدينة فقط خمسة دونمات في البلدة القديمة هذا بالإضافة إلى أن حقيقة أن الفلسطينيين آنذاك لم يكونوا يرغبون في بيع ممتلكتهم لليهود وهذا ما دفع بالحكومة إلى استخدام وسيلة نزع الملكية على أساس أنها الطريق الوحيد الممكن للسيطرة على الممتلكات الفلسطينية في المدينة وخلال شهر أغسطس من عام 1967م، وفي اجتماع لمجلس بلدية الاحتلال في المدينة  ناقش المجتمعون فيه  مسودة خطة مستقبلية لسياسة هذه البلدية وخلال ذلك الاجتماع أشار رئيس بلدية الاحتلال تيدي كوليك أنه إذا لم تكن هناك دولة على الأرض في شرقي المدينة فإن مصادر الأرض وانتزاع الملكيات من أصحابها سيصبح شيئاً أساسياً من أجل تسهيل النمو السكاني اليهودي في المدينة ككل وذهب كوليك في أقواله إلى أن أخبار شراء الممتلكات مشكوك فيه والخطة الرئيسية العامة 1967م، والتي يتم تحضيرها من أجل بلدية الاحتلال في القدس جاءت متفقة مع تقديرات كوليك وبالنسبة لهذه الخطة فإن التطور الحقيقي للمدينة يتطلب المزيد من نزع الملكية في تلك المنطقة وبمساحات واسعة

 

إن نزع ملكية الأراضي في الجزء الشرقي من مدينة القدس زود الحكومة في بلدية الاحتلال بمساحات للسكن لزيادة السكان اليهود في المدينة والحفاظ على أمنها وفي نفس الوقت تضيق مساحة الأراضي الفلسطينية واللازمة للتوسع الضروري لاحتواء النمو السكاني وهذا دفع بالعديد من الفلسطينيين إلى ترك  المدينة بحثاً عن السكن والعمل والاستثمار وفي داخل البلدة القديمة عملت الحكومة "الإسرائيلية" على زيادة مساحة حارة اليهود إلى أربعة أضعاف حجمها الأصلي وذلك عن طريق نزع  ملكية حوالي 116دونماً من الأراضي الفلسطينية وذلك في عام 1968م، وفي المجموع فإن حوالي 116دونماً من الأراضي أو ما يقارب15% من البلدة القديمة نزعت ملكيتها ووضعت تحت السيطرة "الإسرائيلية" الأرض للاستخدامات العامة من أجل أعادة بناء الكيان اليهودي في البلدة القديمة ما يزيد عن 700منزل صودرت 105منها فقط كانت تعود ملكيتها ليهود قبل عام 1948م، وضمن عملية الاستيلاء هذه كان حوالي 1048شقة مملوكة للفلسطينيين  و437محلاً تجارياً وحرفياً وحوالي 12من الممتلكات كانت ممتلكات أوقاف.

 

ومن أجل تأكيد إحكام السيطرة "الإسرائيلية" على جميع مناطق القدس عن طريق زيادة عدد السكان اليهود في المدينة بجميع أجزائها فقد قامت بتوسيع مساحة بلدية الاحتلال في القدس وبشكل سريع إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه أيام الحكم الأردني في المدينة والتي كانت مساحتها آنذاك00،7دونم أما الحدود البلدية الجديدة والتي خططتها ورسمتها وزارة الداخلية "الإسرائيلية" تحت أمرة قوانين البلديات (تعديل رقم 6)عام 1967م، مع قائمة طويلة من التحديثات التي تضمنت أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية غير أن المطور وأقل عدد من السكان الفلسطينيين.
وعن طريق تلك التعديلات عملت وزارة الداخلية "الإسرائيلية" على أحداث العديد من التغيرات ومن الجدير ذكره أن قانون أملاك الغائبين عام 1950م، لم يطبق على الفلسطينيين من سكان المناطق الشرقية من المدينة في عام 1967م، على الرغم من أن معظم الفلسطينيين  المقدسيين وعلى أساس أنهم يحملون الجنسية الأردنية ويعتبرون وفق هذا القانون من الغائبين كما إن تطبيق هذا القانون على نطاق واسع كان غير ممكن من الناحية السياسية وبحسب الفقرة 3 من قانون الأحوال الإدارية والقانونية والذي اعتمد في عام 1968م، فإن السكان الفلسطينيين في المناطق الشرقية من المدينة أعطوا إعفاء من قانون أملاك الغائبين واشترط القانون آنذاك أن هذا الإغفاء يشمل فقط المناطق الشرقية من المدينة والتي احتلت في عام 1967م، وقد اعترض عرب القدس وعرب الضفة الغربية والحكومة الأردنية على هذه الإجراءات التي هي من طرف واحد وأيدت الجمعية العامة وجهة النظر هذه في قرارين جرى اتخاذهما دون معارضة في يومي 4،14  من يونيو 1967م، على التوالي واعتبرت جميع إجراءات "إسرائيل" باطلة وطالبتها بإلغاء والعدول فوراً عن اتخاذ أي عمل من شأنه تغير الوضع القانوني للقدس من جانب واحد وكالعادة فقد أجابت "إسرائيل" بتحد فلم تقتصر على استمرار إدماج القدس بشكل نهائي والسير قدماً في تهويدها تماما بل أعلنت صراحة أنها لا تنوي الإصغاء إلى الشرعية الدولية حيث أعلن وزير "إسرائيل" (أبا إيبان) في حديث له مع صحيفة Jerusalem post أنه حتى لو صوت 121عضواً من أعضاء الأمم المتحدة على انسحاب "إسرائيل" سترفض ذلك القرار

 

هذا التصريح يبين مدي استهتار "إسرائيل" بأهمية وجدوى الأمم المتحدة كمنظمة دولية يجب أن تعمل كل حكومات العالم تحت مظلتها وبناء على مقرراتها وتنفيذا لقوانين وشرائعها
ولكن يبدو أن "إسرائيل" أقوى من الأمم المتحدة تعمل لمصلحة "إسرائيل" كذلك أقامت سلطات الاحتلال منذ الأيام الأولي للاحتلال عددا من مراكز الحدود العسكرية والبوليسية والجمركية على الطرق والمنافذ التي ترتبط بين القدس والمدن والقرى العربية الملاصقة لها واعتبرت القس منطقة أجنبية بالنسبة لتلك المدن والقرى يتطلب الوصول إليها والخروج منها الحصول على تصريح عسكري.
ثم قامت السلطات "الإسرائيلية" بتهويد الاقتصاد والقضاء عمل هويات "إسرائيلية" بدلاً من الهويات العربية للسكان العرب كما قيل إن "الإسرائيليين"  قد أقدموا على استخدام المقبرة الإسلامية في عين كارم كمرحاض.

 

في ظل هذا كله أرادت "إسرائيل" إلا تظهر بمظهر المنتهك للقانون الدولي بصراحة وبشكل مباشر بل عملت دائما على ترويج أنها مهتمة بالتفاوض مع الأردن مع أنها أعلنت أن سيطرتها (أي الأقل)خاضعا لنوع من التسوية وبذلك تستطيع "إسرائيل" المضي في ادعائها- وقد يصدقه البعض- بأن كل ما تريده "إسرائيل" هو السلام

 

الهجرة عن طريق الإجراءات الإدارية والقضائية

 

وقد اتبع اليهود عدة وسائل لطرد الفلسطينيين من القدس في أعقاب حرب عام 1967م،منها ما سمي بالسياسات الإدارية والقانونية والتي حرمت الفلسطينيين  من حقهم في الإقامة داخل المدينة وبسبب التمييز المنظم والمنهجي  في قانون الإقامة الإسرائيلي وتخطيطات البلدية  تم إجبار آلاف الفلسطينيين على الخروج من المدينة هذا إلى جانب  العديد من نقاط التفتيش العسكرية "الإسرائيلية" على المداخل الرئيسية للمدينة.
مصادر حقوق المواطنة:
وترجع زيادة أعداد الفلسطينيين الذين طردوا إلى خارج المدينة إلى فقد أنهم بطاقات هويتهم التي تمنحهم حق الإقامة في المدينة مع الإشارة إلى أن الفلسطينيين وأحفادهم  ممن شملهم
الإحصاء  "الإسرائيلي" في عام 1967م، فقط هم  من حصلوا على حق الإقامة الدائمة في المدينة وبذلك يعتبر باقي الفلسطينيين المقدسين غرباء وفق هذا القانون "الإسرائيلي" على الرغم من أن القدس هي مسقط رأسهم فالمقدسيون  الذين لا يملكون بطاقات الهوية الزرقاء ليس بإمكانهم الإقامة في المدينة وبالتالي فإن ممتلكاتهم عرضة للمصادرة وفق قانون أملاك الغائبين لعام 1950م، وفي الوقت الذي سجل فيه 66 آلف فلسطيني مقدسي في عام 1967م، فإن حوالي 30ألف فلسطيني لم يتم تسجيلهم حيث أن معظمهم كانوا يعيشون في الخارج لحظة إجراء الإحصاء عقب حرب يونيو 1967م، وذلك بسبب الحرب ولم يكن باستطاعتهم فيما بعد أن يعودا إلى المدينة أو إلى القرى المجاورة لها ومنهم من عاد ولم يضم إلى حدود بلدية الاحتلال في المدينة في تلك الفترة وبينما تقضي الإقامة الدائمة في المدينة بعض الحقوق (كالتعليم، والرعاية الاجتماعية)ومعظم الواجبات (كدفع الضرائب والمستحقات للبلدية وتسجيل الشركات والمعاهد إلخ)وذلك للمواطن "الإسرائيلي" إلا أنها لا تضمن الحق القانوني في الإقامة أو المواطنة حيث إن هذا الحق يعتبر امتيازاً يعطي فقط وفق تفكير وقناعة ووزارة الداخلية "الإسرائيلية" العنصرية

 

وهناك أعداد أخرى لم تسجل لفلسطينيين تم إجبارهم على ترك المدينة وذلك لصالح القضية استطاعة المقدسيين من الحصول على الإقامة دائمة لأزواجهن أو زوجاتهم من غير سكان القدس أو حتى لأبنائهم ووفق قانون  الدخول إلى "إسرائيل" (1952م) فإن المقدسين لا يستطيعون منح حق الإقامة في المدينة إلى أقاربهم إلا إذا اعتبر ضمهم ضرورة من ضرورات إعادة توحيد العائلة ووفق أنظمة وزارة الداخلية وحتى عام 1994م، رفضت الوزارة كافة الطلبات التي قدمت من أجل لم شمل أفراد العائلة والتي قدمتها المقدسيات الإناث وهذه السياسة تعني أنه على العائلات الفلسطينية التي ترغب في لم شمل أفرادها والعيش معاً في القدس فعليها الاختيار بين العيش بطريقة غير مشروعة أي التواجد غير القانوني والذي يعرضهم لمخاطر دفع الغرامات أو السجن أو الطرد أو العيش خارج القدس بطريقة قانونية وبالتالي المخاطرة بحقهم في الإقامة في المدينة
أخذ التواجد الفلسطيني في المناطق المجاورة للمدينة يواجه صعوبات التخطيط والتي تحول دون التطوير الطبيعي والصحي في أحياء المدينة ففي العديد من مناطق شرق القدس لا يسمح للفلسطينيين الذين لا يستطيعون الحصول على مخطط البناء المدني والتصريح بالبناء وهم في حاجة للبناء لإضافة مساحة ضرورية لاستيعاب عائلاتهم وينهي بهم الأمر إلى البناء بدون ترخيص وعندما يكون الرد "الإسرائيلي" بهدم هذا البناء إلى جانب القيود على عدد المساكن المسموح ببنائها فإن الفلسطينيين يواجهون أيضاً قيوداً على كثافة  البناء والارتفاع المسموح به  فالاتساع للمستوطنات وتشديد الطرق الالتفافية داخل المدينة تشتت المساحة القليلة المتبقية للفلسطينيين والغرض منها تسهيل عملية الوصول إلى كافة المناطق اليهودية في كل جزء من أجزاء المدينة هكذا فقد تدفق "الإسرائيليون" على المدينة القديمة بالآلاف للتسوق ومشاهدة الأماكن المقدسة وزيارة الحائط وكذلك لإقامة الاتصالات مع السكان المعادين وعلت الأصوات "الإسرائيلية" بفكرة أعادة التوحيد

 

وأقاموا لها حملة دعاية  واسعة وكذلك فكرة الاتصال الودي بين العرب واليهود على أساس أنهم أبناء العمومة الذين التقوا  بعد طول ضياع 
ولتنفيذ هذا على أرض الواقع- شكلياً ولمصلحة "إسرائيل" فقط- تم دمج الموظفين الإداريين  في القطاع الأردني  في المدينة ببيروقراطية المدينة "الإسرائيلية" والخدمات  الاجتماعية "الإسرائيلية" وشبكات الكهرباء  والمياه والهاتف وغيرها وجرى إيصالها وتمديدها إلى القطاع العربي كما تم حل مجلس بلدية القدس العربية ودعوة أعضائه لاتخذ مقاعدهم في المجلس "الإسرائيلي" الأكبر بكثير كما تم وضع المدارس العربية في منزلة المدارس "الإسرائيلية" وتم إخضاعها لمناهج وزارة  التربية التعليم "الإسرائيلية" كما تم فصل اقتصاد "القدس الشرقية" عن اقتصاد الضفة الغربية لكي يتم ربطها بالاقتصاد "الإسرائيلي" وأيضاً خضع عرب القدس للضرائب والأنظمة التجارية النافدة في "إسرائيل" كما حلت العملة "الإسرائيلية" محل العملة الأردنية وأغلقت المصارف الأردنية وحل محلها فروع للبنوك "الإسرائيلية" وتم حصر التجارة مع الضفة الغربية بقيود الاستيراد وفي المقابل أصبحت التجارة داخل "إسرائيل" مفتوحة السبيل كما أجبر أصحاب المهن إلى الحصول على رخص "إسرائيلية" لمزاولة أعمالهم- الأمر الذي تطلب أن يكتسب المحامون المقدرة على تعلم اللغة العبرية بطلاقة وتبعت الحكومة "الإسرائيلية" ذلك بتحويل مدرسة إسلامية للبنات في المدينة القديمة إلى مقر للمحكمة الحاخامية العليا ومستشفى  أصبحت مركزاً للشرطة "الإسرائيلية".

 

كل ذلك كان الغرض منه توطيد دعائم الوجود "الإسرائيلي" في القدس العربية وجعله نظامياً لا مجرد احتلال عسكري.
أن حل مجلس البلدية في أمانة "القدس العربية" وتسريح أمين  المدينة  عن منصبه ورفض أعضاء المجلس أن يشغلوا المقاعد التي عرضها "الإسرائيليون" عليهم في المجلس الموحد "الإسرائيلي" كل هذا تسبب في ترك العرب سكان القدس الأصليين دون أية بنية أساسية معترف بها وبعد بضعة أسابيع من الضم قامت فئة من الأعيان (تضم الأمين السابق لمدينة القدس روحي الخطيب ورئيس محكمة الاستئناف الشرعية عبد الحميد السائح) بتشكيل هيئة للتحدث باسم عرب المدينة وقامت بالاحتجاج بشدة ضد إجراءات الضم "الإسرائيلية" ونظمت إضراباً ليومٍ واحدٍ ولكن سلطات الاحتلال قامت بترحيل روحي الخطيب  والشيخ عبد الحميد السائح واثنين غيرهما وعومل باقي المضربين بصورة عنيفة (من قبل "الإسرائيليون")كما تأثر السكان الأصليون  في القدس تأثراً اقتصادياً بالغاً ومن أشكال ذلك التأثر خسارة الأعمال وإغلاق البنوك العربية وقطع المبادلات من الأردن والدول العربية الأخرى ارتفاع الأسعار وارتفاع الضرائب وغير ذلك من أساليب التضييق الاقتصادي على عرب المدينة كل هذا دفع الأمم المتحدة في النهاية إلى إصدار (بإجماع  يكاد يكون كاملاً 99  صوتاً ضد لاشيء وامتناع عشرين صوتاً) قرار يستنكر الخطوات التي اتخذتها "إسرائيل" في 28،27من يونيو ثم أكدته بقرار آخر في 14من يونيو 1967م

 

امتنعت الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت على هذين القرارين الصادرين عن الجمعية العامة، وأيضا على قرار مجلس الأمن وأعلن ممثلها في الأمم المتحدة جولد بيرج أن هذا الامتناع ليس له من سبب وأن حكومته سبق لها أن بينت موقفها من مسألة القدس (هذا وقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية معارضتها صراحة لما اتخذته "إسرائيل" من إجراءات خاصة بالقدس) فعقب إجراءات الضم مباشرة علق وزير الخارجية الأمريكي على ما أقدمت عليه "إسرائيل" أنها خطوة إدارية متسرعة وأن الولايات المتحدة لن تعترف أبدا بمثل تلك الإجراءات من طرف واحد على اعتبار أنها إجراءات تتحكم بالوضع الدولي للقدس أصعب قضية.

أما البابا فقد أعلن تأييده تدويل الأماكن المقدسة وقام بإرسال مندوب-في أوائل شهر يوليو- إلى القدس لمناقشة هذا الموضوع مع السلطات "الإسرائيلية" ولكن الحكومة "الإسرائيلية" أصمت أذنيها تماماً عن كافة المساعي التي بذلت لديها ولم تستجب لشيء منها وأعلنت استعدادها لمناقشة أي ترتيبات خاصة بالأماكن المقدسة بحيث ترضى كل الديانات مع تأكيدها على عدم إمكان الرجوع عن القرار الخاص بضم المدينة القديمة إلى أراضيها وإن سيادتها على هذه المنطقة لا يمكن أن تكون موضوعاً للمناقشة

 

وهكذا كان الوضع القانوني- كما هو الواضح المدينة القدس وضعاً معقداً منذ انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين فإيجاد النظام الدولي الخاص للمدينة لم يحدث أبداً وترسخت كل من السيطرة "الإسرائيلية" والأردنية على قطاعي المدينة حيث تعلق اليهود بشدة بهذه الأماكن في الأيام التي تلت حرب 1967م، الأمر الذي أدى إلى صعوبة أو على الأصح استحالة تخلي "إسرائيل" عن السيطرة التي كسبتها على المدينة القديمة ومن جهة أخرى فإن وجود الأماكن المقدسة الإسلامية والمعروفة بساحة الحرم القدسي الشر يف والتي تضم المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة يشكل عقبة (لا تحتمل التنازل)أمام السيطرة "الإسرائيلية" على تلك المقدسة ذات الطبيعة الخاصة جداً لدى المسلمين حيث أن الحرم القدسي الشريف يقوم في   المكان الذي يدعي اليهود أنه مكان هيكل سليمان أي أن وجود

 

 المزار الأهم ينظر اليهود في قلب المدينة القديمة يجعل السيادة العربية مسألة غير واردة إطلاقا بالنسبة لـ"إسرائيل".
ضرب الرأي العام "الإسرائيلي" بالتعقل عرض الحائط  واعتبر الضم عملاً لا يقبل التفاوض وذلك بغض النظر عن توزيع السكان في القدس ومتطلبات القانون الدولي وكانت الحكومة "الإسرائيلية" تسير في مقدمة الرأي العام "الإسرائيلي"
ظهرت بعد حرب 1967م، مشروعات تدعو إلى خلق رقعة دولية محدودة داخل المدينة مما يعيد إلى الذاكرة مشروعاً تقدمت به لجنة التوفيق الدولية لفلسطين إلى الجمعية العامة 1949م، وضع على الرف في حينه دون التصويت عليه
وعلى أي حال فإن السلام كي يحل بهذه المنطقة فالأمر لا يحتاج إلى مجرد كلمات فحسب ولكنه في حاجة إلى عودة الحقوق إلى أصحابها

 

قرار مجلس الأمن رقم 242لسنة 1967م:

 

جاء فيه تأكيد على تحقيق مبادئ الميثاق كما يطالب بإقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط بموجب المبدأين التاليين:
1-سحب القوات "الإسرائيلية" من أراض احتلتها في القتال الأخير.
2- إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب واحترام سيادة ووحدة أراضي كل دولة في المنطقة والاعتراف بذلك وكذلك  استقلالها السياسي وحقها في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها وحرة من التهديد أو أعمال القوة
الاعتبارات التي أدت إلى رسم الحدود بشكلها الحالي:
بعد أن توصلت الحكومة "الإسرائيلية" إلى حل قانوني لكيفية الضم تم تعيين لجنة برئاسة نائب وزير الداخلية وعضوية ممثلين عن دائرة التخطيط والجيش لتعين حدود المنطقية التي سيتم ضمها إلى  دولة "إسرائيل" وتوحيدها مع "القدس الغربية" وفي نهاية الأمر توصلت اللجنة إلى قرار بضم المنطقة التي حددها مرسوم أنظمة السلطة  والقضاء، وقد تم رسم حدود المنطقة التي تقرر ضمنها بناء على منظور أمني رمى إلى ضمان السيطرة على رؤوس التلال ومرور خط الحدود على أودية دفاعية مع الأخذ في الاعتبار تقليص عدد السكان العرب فيها والحفاظ على أغلبية يهودية في القدس بعد توحيدها ولهذا السبب نجد أن ضواحي آهلة كأبي ديس والعيزرية قد تم فصلها عن القدس
أثر الاستيطان الصهيوني على الزراعة والوضع الاجتماعي ولاقتصادي
شكل الاستيطان "الإسرائيلي" ومصادرة الأراضي العنصر الرئيسي في الفلسفة الصهيونية وقد تأثرت الزراعة بسبب مصادر الأراضي والسيطرة على المصادر الطبيعية كما تم إضعاف البنية التحتية للزراعة خاصة مسألة شق الشوارع الزراعية وإمكانية وصول الفلاح الفلسطيني إلى أرضه
كما عملت الصهيونية على سياسة قلع الأشجار والتي بدأت بعد عام 1967م،مما أدي إلى خسائر مادية كبيرة كما قام اليهود من خلال المستوطنات بتهريب  المبيدات السامة والممنوعة دولياً (الفيلودور) إلى  التجار العرب دون رقابة ذلك الذي انعكس على المحصول وصحة المواطن.
كما أثر الاستيطان على الوضع الاجتماعي فوجود السكان العنصرين "الإسرائيليين"  المدججين بالسلاح في المستوطنات بالقرب من الأماكن السكنية العربية أدى إلى انتشار مشاعر التطرف لدى الجانبين كما أن مصادرة الأراضي أدت إلى تجميع البدو ونقلهم إجبارياً من البداوة إلى حياة المدن وما تبع ذلك من صدمة حضارية مما أدى إلى وجود فجوات اجتماعية أثرت على سلوك  وعادات البدو وعلاقتهم العائلية وكذلك تحول نسبة  كبيرة من المزارعين من  نمط الحياة الزراعية إلى نمط الحياة العمالية مما انعكس على العادات الريفية ودور المرأة في المجتمع الريفي إلى جانب ظهور حالات التوجه نحو السكن في المدن مما يؤثر سلبياً على التطور الديموغرافي  في فلسطين
كما أدت سياسة المستوطنات إلى سيطرة اليهود على موارد الأرض والمياه وباقي الموارد كما أدت إلى قطع التواصل والاتصال الجغرافي والعمراني بالإضافة إلى تخطيط وتنفيذ بنى تحتية مرتبطة بـ"إسرائيل" ومنع الفلسطينيين من السيطرة على هذه البنى بهدف استغلالها كما عمقت تبعية المجتمع الفلسطيني ومن ثم المقدسي من خلال توفير فرص العمل في قطاعي البناء والصناعة وغيرهما من المجالات التي تتطلب عمالة  رخيصة.

 

والخلاصة:

 

فرض التشرذم العربي والتخلف والضعف والانحلال الذي أصاب العرب والمسلمين أمراً هو قيام دولة الكيان الصهيوني وبين 29/11/1974م، و11/5/1949م، أصدرت قرارات  تعلن شكلياً احترام الأماكن المقدسة وحرية العبادة وحكماً ذاتياً للعرب واليهود الصهاينة وعودة اللاجئين كم نصت الفقرة رقم 11من قرار الجمعية العامة رقم 194، كل ذلك لم يمنع دولة الكيان الصهيوني من الإعلان عن نقل العاصمة إلى القدس في11 /12/1949م، إلى القدس لقد أصبح84،13 % من المدينة في ظل الاغتصاب منذ سقوطها يوم 15/5/1948م، ولم يبق في يد العرب أكثر من 11،48%  وهو ما أطلق عليه تسمية "القدس الشرقية" ثم درج اسم "القدس العربية" مقابل القدس اليهودية ومن خلال العقل الاستعماري المرحلي شرعت الصهيونية في تثبيت أقدامها في "القدس الغربية" وتدعوا جميع يهود العالم للهجرة إليها حتى ولو في بيوت قصديرية هشة وهذه هي دعوة دافيد بن جوريون فور إعلان دولة الكيان الصهيوني
لقد تطور عدد السكان اليهود في فلسطين من الصفر أي اللا وجود في مدينة القدس إلى حوالي 650ألفا - في كل فلسطين- عند نهاية الانتداب 1948م، مقابل000 ,400،1عربي مسلم ومسيحي وتزايد عدد اليهود في القدس بسبب الهجرة إليها من000 ،100يهودي عام 1948م،إلى 190 ألف يهودي أو مئتي ألف في إحصائيات أخرى عام 1967م، كما رافق تزايد السكان الصهاينة ارتفاعاً أكبر في بناء المستوطنات التي تلتصق بالمدينة على شكل أحزمة كانت قبل 1967م، في الجهات الثلاث جنوباً وغرباً وشمالاً فقط وبعد أن سقطت المدينة في حرب حزيران 1967م، سارعت القوات الصهيونية إلى عمليات المصادرة والهدم والطرد والحفر والاستيطان الجماعي والتضييق على ما بقي من عرب في القدس القديمة
كانت بلدية "القدس الشرقية" قبل عام 1967م، حوالي 6كم2 وملكية اليهود قبل 1948م، لا تزيد عن 2 % وقد سارعت دولة الكيان الصهيوني إلى توسيع حدود بلدية الاحتلال في "القدس الغربية" على حساب "الشرقية"
71كم2صادرتها من الأراضي  العربية فارتفع عدد المستوطنات من 12مستوطنة على منحدرات المدينة إلى 64مستوطنة في حين لم تكن مساحة "القدس الغربية" المحتلة قبل عام1967م، أكثر من     38كم2 لتصبح مساحة المدينة 109كم2 بعد الحرب وراحت دولة الكيان الصهيوني تتلاعب بعمليات المصادرة فمثلاً 25كم2 من أصل ال71كم2 هي للمنفعة العامة و35كم2 مناطق مفتوحة وغير مخططة وسكنية وأطلقت اسم المناطق الخضراء على هذه المناطق الثلاث ومن أجل أن تعزل العرب المقدسين أحاطت بلدية "القدس الشرقية" بحزامين من المستعمرات فوق أرض منهوبة من الضفة الغربية الحزام الأول 330كم، وأطلقوا عليه اسم "القدس الكبرى" والحزام الثاني اسم حاضرة القدس بمساحة قدرها 665كم2 يسكنه 60ألف يهودي وقد بلغ عدد المساكن التي هدمتها دولة الكيان الصهيوني 600بناية عربية يسكنها 6000 مواطن عربي مدعية إعادة تنظم وتخطيط الحي اليهودي في القدس كما تابعت مصادرة الأراضي في العيذرية وأبي ديس، وجبل جيلا وهذه تقع ضمن "القدس الكبرى" وأصبحت المدينة تمتد بين رام الله شمالا وبيت لحم جنوباً بمساحة قدرها 324ميلاً مربعاً جميع هذه الإجراءات تهدف إلى تحقيق تضخم سكاني يهودي في القدس على حساب العرب الذين يتم طردهم يومياً وهكذا فقد راحت دولة الكيان تعمل على التخلص من العرب وتوطين أكبر عدد ممكن من اليهود
ومنذ قيام الكيان الصهيوني  وهو يعمل لتنفيذ وعد توراتي خرافي مزعوم لنسلك أعطي هذه الأرض  من نهر النيل إلى النهر الكبير نهر الفرات  لا بد والحالة هذه من البدء في هذا السياق لاحتلال هذه الأرض بإزالة المعالم الأثرية وتهويد المنطقة المقدسة التي هي ملك جميع المسلمين في جميع أنحاء العالم وعندما تعمل الصهيونية على إزالة الآثار الإسلامية محاولة تهويد مدينة القدس نحو تحقيق مركزية سياسية مدعومة بتاريخ يهودي مزيف لذلك تعمل المنظمات والعصابات الصهيونية الخطيرة بتحدٍ صارخ بعد أن أيقنت ضعف العرب في حماية الأماكن المقدسة
ومنذ اللحظات الأولى التي دنست فيها أقدام الصهاينة مدينة القدس 4/6/1967م، أعلن حاخام الجيش الصهيوني شلوموغورين عن نيته في تدمير المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة من أجل استئناف ما يسمي بالوجود اليهودي تحتها وبديهي أن يتصرف مختل تعشش في ذاكرته روح الحقد والانتقام بمثل هذه النيات وهو لا يرعى حرمة الله هكذا شرع الصهاينة في العمل على تهويد مدينة القدس منذ اللحظات الأولى لانتصارهم وهزيمتنا
فاعتدوا على المحرمات والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وفي جميع المدن الفلسطينية ومن المقدسات التي تعرضت لوحشيتهم سرقة تاج لتمثال السيدة العذراء من داخل كنيسة  القيامة (أغسطس 1967م)
ويمكن إيجاز اعتداءاتهم على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية فيما يلي
قام اليهود باحتلال الحرم القدسي  الشريف في 7 من يونيو 1967م، وصدر قرار توحيد  القدس في 27من يونيو 1967م، وتم منح وزير الشؤون الدينية "الإسرائيلي" حق الإشراف على الأماكن المقدسة والشؤون الدينية في القدس وسائر المناطق المحتلة في 14من أغسطس 1967م، في 21من أغسطس 1969م، قام دينيس مايكل وليم موهان بحرق المسجد الأقصى المبارك ذلك بالإضافة إلى قيام المدعو (شلومو غورين)حاخام الجيش الصهيوني يوم 9/8/1967م، باقتحام الحرم القدسي الشريف على رأس عصابة يهودية تضم حوالي خمسين شخصاً حيث أقاموا الصلاة وعبر غورين عن نيته في إقامة كنيس يهودي في المكان نفسه دون أي اعتبار لحقائق التاريخ ولا احترام للمقدسات الإسلامية التي تتجه إليها أنظار ملايين  المسلمين من جميع شعوب الأرض.
سمحت السلطات الصهيونية للأشرار من بني "لإسرائيل" باقتحام الحرم القدسي بين الحين والآخر للعبث والإهانة المصلين المسلمين كما دخل (إيجاد ألوان) نائب رئيس الحكومة الصهيونية يوم 2/11/1969م، ومساعده إلى الحرم القدسي الشريف
ولم تكن المقدسات الدينية المسيحية بمنأى عن الاعتداء والتحقير من قبل "الإسرائيليين" الصهاينة  فقد تعرضت كنيسة القيامة وهي أقدم كنيسة مسيحية في القدس وفي العالم لهذه الحوادث البشعة مثل سرقة تاج السيدة العذراء أواخر سنة 1967م.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

د.أسامة الأشقر

لمى خاطر ... القضية إنسان !

الثلاثاء 24 تموز 2018 - 10:55 ص

في عتمة الليل يأتيك اللصوص الخطّافون، تُمسِك بهم أسلحتُهم ذات الأفواه المفتوحة، يقتحمون البيوت بعيونهم الوقحة، وتدوس أقدامهم أرضاً طاهرة ... وفي علانية لا شرف فيها يقطعون الأرحام وينتهكون الحرمات يتعم… تتمة »